٠13رمضان 1427هـ - صلاح الأمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صلاح الأمة - الدرس : 60 - تتمة الخشوع - صفات الخاشع


2006-11-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة.

صفات تجتمع في الخاشع:

 الموضوع أيضاً هو الخشوع، الخاشع تجتمع فيه صفات عديدة، من هذه الصفات:

 

1 – الخوف من الله:

 قال تعالى:

 

﴿ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾

[ سورة الحج]

 إذاً من هو الخاشع ؟ الذي إذا ذكر الله اضطرب قلبه، أحياناً تدمع عيناه، أحياناً يقشعر جلده، هذه حياته، القلب الذي لا يتأثر بذكر الله كالبيت الخرب، مثل الذي يذكر الله ولا يذكره كمثل الحي والميت، قال تعالى:

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل: 21]

 

﴿ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

[ سورة فاطر]

 مقبور بشهواته، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وصفه الله عز وجل فقال:

﴿ وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾

[ سورة النجم ]

 آفاقه عالية جداً، وهناك آفاق متدنية جداً، لا همّ له إلا بطنه، تعس عبد البطن ما له، هم إلا فرجه تعس عبد الفرج، ما له هم إلا ثيابه وأناقته، لا يصلي العصر، يقول لك: البذلة مكوية، أين أُصلي الآن ؟ تعس عبد الخميصة، تعس عبد البطن، تعس عبد الفرج، تعس عبد الخميصة، يعني الثياب، وسعد عبد الله عز وجل.
قال الله عز وجل:

﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾

[ سورة الزمر: 23]

 إذاً: علامة الخشوع إذا قرأت القرآن فهناك حياة فيها اضطراب، وبكاء، وجلد يقشعر، وقلب يخشع، وعين تدمع، وأذن تسمع، وذكر، هذه واحدة، علامة الخاشع تعتريه حالة اضطراب إذا ذكر الله.
 بلا تشبيه: إذا خاطب شخص، والفتاة يحبها كثيرا، ومن أسرة راقية جداً، واتصلت به، يتلعثم، مثلاً، يشعر قلبه، قال لي مرة أحدهم: قلبي سيخرج من صدري لما خبرتني، لأنه يحبها، فكيف إذا كان الإنسان يحب الله عز وجل، وقام ليصلي ؟!
كان عليه الصلاة والسلام إذا حضر وقت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه، لا يعرفنا ولا نعرفه، دخل في الخشوع إلى الله عز وجل، هذه أول صفة.

 

2 – البكاء من خشية الله:

 البكاء من خشية الله هو الأصل، فإذا حج الإنسان يبكي في الحج، والأصل أن يبكي في الطواف وفي عرفات، الآن إذا بكى يقال له: ماذا بك ؟ خير إن شاء الله، النفوس ميتة، البكاء حالة شاذة، هو الأصل، فإذا ما بكى المسلم فهذه حالة شاذة، وإذا ذهب الواحد إلى بيت الله الحرام واجه الكعبة، وذهب إلى عرفات، و دعا، إذا ما بكى تكون حالته شاذة، الآن إذا بكي ينظر الناس إليه ماذا حدث له؟ البكاء هو الأصل في الخشوع، وهذا أرقى بكاء.

 

 

إياك من بكاء يفسد الصلاة:

 أيها الأخوة، لكن هناك بكاء يفسد الصلاة، كيف ذلك ؟ إذا تأسف إنسان على شيء فاته من الدنيا، وبكى في الصلاة فصلاته فاسدة، مسموح أن تبكي خشوعاً لله حباً لله، أما إذا بكيت أسفاً على شيء فاتك من الدنيا بطلت صلاتك، لذلك يروى عن سيدنا الصديق أنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا.
والله أيها الإخوة الكرام، أنا لا أرتوي من هذه الأبيات، مع أنها قيلت في إنسان هو أقلّ بمليار مرة أن يستحقها.
خاطب أبو فراس الحمداني سيفَ الدولة، أما إذا أدرتها نحو الله عز وجل فهي شيء رائع جداً:

 

 

فليتك تحلو و الـحياة مريـرة  وليتك ترضى والأنام غضـاب
وليت الذي بيني وبـينك عامر  وبيني وبين العالمين خــراب
وليت ودادي من شرابك سائغ و  شربي من ماء الفرات سراب
إذا صح منك الود فالكل هين  وكل الذي فوق التراب تـراب
***

 هذا حال المؤمن هذا حال الخاشع، في رواية:

 

 

إذا صح منك الوصل فالكل هين  وكل الذي فوق التراب تـراب
***

 من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا، البكاء إذاً علامة خشية الله، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً *وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً ﴾

[ سورة الإسراء]

 والله حينما أبكي في الصلاة أسعد كثيراً، أتمنى أن يحاول الواحد منا أن يبكي، فإذا ما بكي يتباكى ويتصنع البكاء، لعل الله عز وجل يبكيه حقيقة، ويبكيه قرباً ومودة وفرحاً.

 

3 – الصبر على قضاء الله:

 من علامة الخشوع الصبر على قضاء الله.
والله أيها الإخوة تقرأ قوله تعالى:

 

 

﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾

 

[ سورة ص: 44]

لا يجتمع الكمال الدنيوي لأحد:

 هل يوجد شخص ما عنده مصيبة منا ؟ هذا في صحته، هذا في دخله، هذا في ابنه، هذا في زوجته، ما مِن واحد كامل، لأن الكمال يحول بينك وبين الآخرة، لحكمة بالغة جعل الله في دنيانا مشكلات، المتزوج في ممتاز، لكن ما جاءه أولاد، يريد طفل الأنبوب، ويحتاج مبلغَ مئة وخمسين ألفاً، وليس ما معه، وتضايق من زوجته، هذه مشكلة، الآن جاءه أولاد، الزوجة ليست جيدة، والأولاد موجودون، الزوجة ليست مطواعة، عنده زوجة، وأولاد لكنه بلا شغل، عنده شغل لكن صحته معلولة، لا تتم الدنيا بالكمال مع إنسان، لذلك إن هذه الدنيا دار التواء، لماذا ؟
مرة سألني شاب: ما الحكمة إذا في رجلٍ عنده زوجة سيئة ؟ هو منزعج من زوجته كثيراً، قلت له: من أجل أن نراك في الدرس، إذا كانت جيدة لا نراك، ونحن نريدك، أحياناً الشيء الوسط نعمة أيها الإخوة، تبقى ملتفتاً إلى الله، وإذا كانت كل حياتك كاملة فإنك لا تريد الله، ولا تريد الموت، ماذا تريد من الموت ؟
إذاً: من علامات الخشوع الصبر على قضاء الله، زوجتك قدَرك، فاقبلها، ويا أختي الكريمة زوجك قدَرُك فاقبلي لوجه الله.
دخل الجاحظ على زوج وزوجة، الزوجة كفلقة القمر، وهذا الزوج دميم إلى شكل لا يحتمل، فقال له: " أنا أدخل الجنة شكراً، وزوجتي تدخل الجنة صبراً "، هو يدخل في باب الشكر على هذه الزوجة، وهي تدخل في باب الصبر على هذا الزوج.
مرة أذكر أني كنت في القاهرة فالتقيت ببعض العلماء، هذا العالم يقول لي: إن والده فرضاً قدَره، مرة واحد ذم لي أمه، فقلت له: طلقها، قال: ما أطلقها ؟ هذه أمك قدَرُك، وأبوك قدرك، وأولادك قدرك، فاقبلهم، وحاول أن تصلحهم، فعلامة أنك خاشع أنْ تصبر على قضاء الله وقدره.
كان شخص يطوف حول الكعبة يقول: يا رب، هل أنت راض عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي فقال له: يا هذا، هل أنت راض عن الله حتى يرضى الله عنك ؟ قال: يا سبحان الله ! كيف أرضى عنه، وأنا أتمنى رضاه ؟ قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله، إذا كنتَ تتلقى قضاء الله وقدره بالصبر والرضى فأنت مؤمن ورب الكعبة وخاشع.

 

4 – إقامة الصلاة:

 الآن إقامة الصلاة من الخشوع، قال تعالى عن المنافقين:

 

﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة النساء]

 إيتاء الزكاة، طبعاً أحياناً تأتي الصلاة والزكاة بمعنى آخر، سيدنا المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام لخص الدين كله في كلمتين، قال تعالى:

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ ﴾

[ سورة مريم: 31]

 هناك حركة عمودية نحو الله تعبداً، وحركة أفقية نحو الخلق إحساناً، إن أردت أن تضغط الدين كله بكلمتين فهو اتصال بالخالق، وإحسان إلى المخلوق.

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾

[ سورة مريم: 31]

 وإيتاء الزكاة، قال تعالى:

﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴾

[ سورة الحج]

 أي الخاشعين.

 

﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾

[ سورة الحج]

 هذه صفات الخاشعين، قال تعالى:

﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ *الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة الحج]

5 – اليقين بلقاء الله عزوجل:

 من صفات الخاشع أنه موقن بلقاء الله عز وجل، نقل اهتماماته للدار الآخرة، بصراحة مؤلمة: معظم المسلمين اليوم الآخر ليس داخلاً في حساباتهم إطلاقاً، كيف وهو مسلم يغتصب محلاً تجارياً ؟ يغتصب شركة ؟ يغتصب بيتاً ؟ يأخذ ما ليس له، يموت أبوه، فيأخذ معظم التركة له، هو قوي، وأكبر أخواته، ترك أخواته بلا شيء، كيف وهو مسلم ؟ والله، ثم والله، ثم والله، لو أيقنا باليوم الآخر تنقلب مقاييسنا مئة وثمانين درجة.
رأى النبي عليه الصلاة والسلام تمرة، فعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده

 

(( أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد تحت جنبه تمرة من الليل فأكلها، فلم ينم تلك الليلة، فقال بعض نسائه: يا رسول الله، أرقت البارحة، قال: إني وجدت تحت جنبي تمرة فآكلتها، وكان عندنا تمر من تمر الصدقة فخشيت أن تكون منه ))

 

[ مسند أحمد ]

 اشتهاها، لا يقدر أن يأكلها سيد الخلق، الآن يمرق جمل، هكذا.
قال أحدهم: يا رب، دلني على شيخ صاحب دين، صار هناك احتراف للمشيخة، ثلاث طلقات طلقها نهائياً، أرجع له إياها بألف ليرة.
اليقين بلقاء الله، قال تعالى:

﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾

[ سورة البقرة]

 أخي الكريم بطولتك أن أيّ عمل تعمله تتصور أنك بين يدي الله يوم القيامة، لمَ فعلت هذا ؟ لماذا كذبت ؟ لماذا طلقت ؟ لماذا كسرت هذا الإنسان ؟ لماذا ضربت ابنك ؟ أحضِر معك لله جوابًا.
مرة قال لي موظف تموين في الأيام العصيبة، حيث كان أقلّ عقوبة للمخالفة التموينية السجن شهرين، قال لي: انصحني، أنا أحببت أن اغرس فيه شوكًا وإيقاظًا، قلت له: اكتب الناس ضبوطًا قدر ما تستطيع، وفي ضعها رقبتي، قال: ما هذا الكلام ؟ قلت له: إذا كنت بطلاً فهيئ لله جواباً، ولا بد أنْ تعد للمليون عن كل ضبط تكتبه، عبد لله ما عمل شيئاً، السعر معتمد، لكن أنت معك تسعيرة منذ ثلاث سنوات لا تتناسب مع هذه التسعيرات، هو ما ربح إلا بالمئة عشرة، القانون معك، لكن الحق معه، هيئ لله جواباً.
إذاً اليقين بلقاء الله، والرجوع إليه.

 

6 – تعظيم شعائر الله:

 ومن علامات الخشوع تعظيم شعائر الله، قال تعالى:

 

﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾

[ سورة الحج]

 

﴿ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

[ سورة آل عمران ]

 هذه مرتبة الخشوع، وهي سبع علامات للخشوع، وأعلى هذه العلامات الخشوع في الصلاة، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون]

 عن سعيد بن جبير ـ رحمه الله ـ في قوله:

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

  يعني أنهم متواضعون.
 وعن مجاهد:

﴿وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ ﴾

 أي خاشعين،

﴿ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ﴾

 يعني خاشعين.
الخشوع واجب في الصلاة ليس من فضائلها، بل من فرائضها، وهو أرجح الأقوال.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018