٠13رمضان 1427هـ - صلاح الأمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صلاح الأمة - الدرس : 56 - الأسباب الموجبة للمحبة الإلهية


2006-10-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة.
نتابع موضوع الحب، والحديث اليوم عن الأسباب الجالبة للمحبة، والتطبيق العملي.

الأسباب الجانبية للحب:

السبب الأول: قراءة القرآن بالتدبر:

 قراءة القرآن الكريم بالتدبر والفهم، وما أريد به، فقال عليه الصلاة والسلام دليل:

(( من سره أن يحب الله ورسوله فليقرأ في المصحف ))

[ الجامع الصغير عن ا بن مسعود، وهو حديث حسن ]

 لا بد للمؤمن من جلسة يتلو فيها كتاب الله، والأكمل أن تسمعه دائما، وكلما كنت مستقيماً اقشعر جلدك عند سماعه، هذا أول بند.

 

السبب الثاني: التقرّب بالنوافل:

 التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض، فقبل الفجر ركعتان قيام ليل، هذه نافلة، الضحى ركعتان، عندك فراغ اتلُ القرآن تلاوة إضافية، الدليل، واتفاقنا بالدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء:

 

 

(( وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ ))

 

[ البخاري عن أبي هريرة]

 أي النوافل من صلاة وصيام وتلاوة وذكر، وهي أحد أسباب محبة الله.

 

السبب الثالث: دوام الذِّكر:

 دوام ذكره على كل حال باللسان والقلب والعمل والحال، من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين.
سمعت قصة اليوم بمصر عن أستاذ جامعي له مكانة أصيب ببعض الأعراض القلبية، ذهب إلى بريطانيا، وأجريت له الفحوص، فوجدوا شرايين ضيقة جداً، وهذا خطر على حياته، لا بد مِن جراحة قلب مفتوح، هيِّئ موعد بعد شهرين لإجراء العملية، جاء إلى مصر، مشى في الطريق، مرة رأى سيارة لحم، وامرأة فقيرة جداً تلتقط ذرات الدهن بكيس صغير في أثناء تسليم الخروف، فشده، سألها، امرأة فقيرة جداً، عندها ست بنات، ما ذاقوا اللحم من شهر، فثارت النخوة الإيمانية عنده، أخذها إلى اللحام، وقال له: تعطيها كيلوين كل شهر، وهذا المبلغ عن اثني عشر شهراً، يقول الأستاذ: شعرت بنشاط عجيب، كان إذا مشي خمس دقائق يشعر بضيق، فشعر بنشاط، فوجد فرقا واضحا، لما دخل إلى البيت شاهدوه أنه ليس طبيعيا، أبوهم نشيط، فرحوا، لكنهم أصروا عليه أن يذهب إلى لندن لإجراء العملية، المفاجأة الصاعقة أنهم فحصوا فما وجدوا تضيقا أبداً.
بالحب يحدث شيء صعب على العقل أن يصدقه، الله عز وجل على كل شيء قدير، المحب له معاملة خاصة المحب يتودد إلى الله، والله يتودد منه، لأن الله شكور، ومستحيل، وألف وَألف مستحيل أن تخطب وده، ثم لا ترى من الله هذا الود.
إذاً: باللسان والقلب والعمل والحال، لذلك من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين، أنت تريد، وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد.
قال الإمام الجنيد: " من علامات محبة الله دوام الذكر بالقلب واللسان "، وهذا معنى قوله تعالى

 

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

( سورة المعارج: 23)

 بالذكر طبعاً.

 

السبب الرابع: إيثار محابّ الله على محَابّك عند غلبات الهوى:

 إيثار محابه على محابك عند غلبات الهوى، هناك درس علم، جلسة في المسجد على الأرض، لا ضيافة فيها، وأنت مدعو إلى سهرة مع عشاء من الطراز الأول، ورفاقك وأصحابك، وضحك، وتعليقات لاذعة، وكلام في السياسة، وفي أسعار الدولار، وأخبار الناس، وأخبار فلسطين، أصبحت أخبار فلسطين للتسلية، لأنه لا أحد يتحرك، هنا أجمل، فآثرت درس العلم في المسجد على هذه السهرة التي لا ترضي الله، عندك عبادة، ونزهة في فآثرت العبادة، لذلك حينما تؤثر محابه على محابك عند غلبات الهوى فهذا سبب كبير من القرب إلى الله.
 والله حدثني أخ في هذا المسجد له زوجة صالحة جداً، وهي داعية كبيرة، قال لي: عندي سفر إلى الصين بعمل، لكن هذا العمل ساعة، لكن بين الطائرتين ثلاثة أيام، قال: آخذ معي زوجتي، امرأة شابة، وجاءها عرض سفر بالطائرة إلى استنبول، وزوجها تاجر، شيء ممتع، استنبول مدينة جميلة جداً، قالت له: كم تكلف هذه الرحلة ؟ هذه أدفعها صدقة لأسرة فقيرة، أنا بهذا أسعد ما قبلت، والمبلغ ثلاثون ألف، قالت له: هذه الأسرة أولى بهذا المبلغ.
 والله أعرف تجاراً كباراً يركبون بالدرجة الأولى، أنا أحياناً أدعى كضيف رسمي بدرجة أولى، التذكرة الضعف، ما ميزاتها ؟ يأخذون المعطف، ويعلقونه لك، هذه ثمنها خمسون ألفا، لك كأس عصير، قبل أن تبدأ الضيافة يعطونك كم مجلة زيادة، ومقعدك واسع قليلاً، يمكنك أن تمد رجليك، هذه هي كلها خمسون ألفا، يتزوج بها شاب، وأعرف تجارًا مؤمنين طاهرين والله يركب درجة سياحية، والمقعد ضيق، والسفر طويل، يقول لك: الفرق أعطيه لشاب.

 

 

السبب الخامس: مطالعة القلب لأسمائه وصفاته ومشاهدتها:

 مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها، ومعرفتها، وتقلبه في رياض هذه المعرفة وميادينها، وأسماء الله الحسنى باب كبير لمحبة الله، اسم ( اللطيف ) له شرح طويل، الآن هناك أقراص مضغوطة، كل قرص فيه مئة ساعة صوتية، وألفَا صفحة نص وصوت، مع أسماء الله الحسنى، كل يوم تقرأ عن اسم بالنص، وتستمع للصوت، فالحب يحتاج إلى طلب علم، ومطالعة أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، وهذه أحد أسباب معرفته، ومستحيل وألف ألف مستحيل، بل كما قال ابن القيم: " مِن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تطيعه ثم لا تسعد بقربه ".
والله إن لم تقل: أنا أسعد من في الأرض إلا أن يكون الآخر أتقى مني لا تكون محباً، السعادة العظمى أين وجدها يونس ؟ في بطن الحوت، فنادى في الظلمات.
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام وجدها في الغار، قال:

 

(( لقد رأونا، قال: لا يا أبا بكر، ما قولك في اثنين الله ثالثهما ))

[ البخاري عن أنس ]

 وأصحاب الكهف رأوها في الكهف.

 

السبب السادس: مشاهدة بره وإحسانه وآلائه:

 دخلت إلى بيتك لك بيت، تقول: الحمد لله الذي آواني، وكم من لا مأوى له.
عندك زوجة تنتظرك، الطعام مهيأ، ترتدي لك أجمل الثياب، هذه نعمة كبرى.
عندك أولاد يملؤون البيت فرحة، صحتك طيبة، لك دخل، هذه النعم الأساسية يملكها جميع الناس، لكن شقاء الناس أنهم يكفرون النعم، الذين أكرموا بها يبحثون عن نعم لا يملكونها.
مشاهدة بره وإحسانه وآلائه، ومشاهدة نعمه الظاهرة والباطنة.

 

 

السبب السابع: انكسار القلب بين يدي الله:

 لكن أقرب طريق إلى محبة الله انكسار القلب بين يدي الله.
نور الدين الشهيد لما واجه التتار سجد، وقال: "يا رب، مَن هو الكلب نور الدين حتى تنصره ؟ انصر دينك ".
 كلما انكسرت أمام الله ازدادت محبة الله لك، كن عزيزاً قدر ما تستطيع أمام الخلق، كريماً، عفيفاً، لك مكانة، لكن بقدر ما تستطيع تذلل أمام ربك، اسجد، ابكِ في السجود، تذلل له، يا رب، ما لي غيرك، أكرمني يا رب، اغفر لي زلتي، يا رب آمن روعتي، يا رب اقبل توبتي، يا رب غمرتني بفضلك، غمرتني بحلمك، غمرتني برحمتك، ناجِه في الليل، ومن أعجبها انكسار القلب بين يدي الله عز وجل، يقول بعض العلماء: " والله لو جمع العابدين جميع لذات الدنيا بحذافيرها لكان امتهان أنفسهم لله بطاعته ألذ وأحلى عندهم من ذلك ".

 

 

السبب الثامن: الخلوة لمناجاة الله:

 الخلوة لمناجاة الله، تصلي بغرفة الجلوس تسمع الأخبار، يتناقشون، يتقاتلون، أنت معهم ليس مع الله عز وجل، في كل بيت قديماً كان مسجد صغير، غرفة صغيرة، زاوية بغرفة، طرف غرفة، الضيوف يدعون للصلاة، يدخل الشاب يصلي هنا في هدوء، في صمت، في تجلّ، في إقبال، اجعل في بيتك مصلى صغيرا، تصلي فيه الزوجة والزوج والأب والابن والأخوات، خلوة في وقت النزول لمناجاة، وتلاوة كلامه.
 أنا أقول لإخواننا في الحج: إياك، ثم إياك، ثم إياك أن تجلس في عرفات في الخيمة، لماذا ؟ فيها خمسون إنسانا، مستحيل أن تبكي أمامهم، مستحيل أن تناجي ربك أمامهم، مستحيل أن تتذلل لله أمامهم، لا تقدر، هناك تقاليد عامة، قل له: اذهب تحت شجرة، خذ مصحفك، وهناك ابك، هذا لقاء مع الله، هذا أهم يوم في حياتك.

 

 

السبب التاسع: مجالسة المحبين:

 مجالسة المحبين ليست في المجتمع المخملي الذي كله فسق وفجور، المحبون ولو كانوا فقراء، والله أحياناً تجلس مع إخوة مؤمنين تقول: والله نحن في الجنة، وقد يكون البيت متواضعا، مع كأس من الشاي وكعكة فقط، لكن هناك حب، ومذاكرة علم، وشجون، ومبادلة أحوال، مجالسة المحبين والصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم كما ينتقى أطايب الثمر، هذا من أسباب محبة الله لك، أين نجد هذا ؟ مع المؤمنين، مع المتواضعين، مع المخبتين، مع الصادقين، لذلك من أكبر نعم الدنيا أن يكون لك جلسة مع إخوانك المؤمنين.

 

 

السبب العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين القلب وبين الله عز وجل:

 يمكن أن تشاهد شيئًا قطع، غض بصرك، لا تفتح إلا على شيء صحيح فقط، أخرج هذه الشهوة من نفسك كلياً، ومادام هناك إطلاق بصر ومتابعة، ونساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، عندك أم المؤمنين، امرأة طاهرة عفيفة مستقيمة رائعة، لكن ما عندها هذا الشكل، الذي تبدو به من على الشاشة أنت لماذا تحجب ؟ ما أخذت مثل هذه مثلاً، كل شيء يمكن أن يصرفك عن الله عز وجل ابتعد عنه.

 

 

السبب الحادي عشر: استعداد النفس لهذا الشأن وانفتاح عين البصيرة:

 هذه الأسباب العشرة بها وصل المحبون إلى منازل المحبة، ودخلوا إلى الحبيب، وملاك ذلك كله في أمرين، الأمر الأول استعداد النفس لهذا الشأن والثاني انفتاح عين البصيرة.

 

 

السبب الثاني عشر: قطع علائق الدنيا:

 أحد الأسباب الأخرى قطع علائق الدنيا، وإخراج حب غير الله من القلب، فإن القلب مثل الإناء لا يتسع لشيئين ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
مما يدعو إلى الحب قوة معرفة الله عز وجل، قرأت كتابه قرأت تفسيره، قرأت الحديث الشريف، قرأت السيرة، عندك ذخيرة كبيرة جداً من الحقائق عن الله عز وجل.

 

 

السبب الثالث عشر: معاملة الله بالصدق والإخلاص ومخالفة الهوى:

 آخر سبب معاملة الله بالصدق والإخلاص، ومخالفة الهوى، فمن أدام النظر بقلبه ورثه الله الفرح بالمحبوب، ومن آثره على هواه ورثه ذلك حبه إياه، ومن اشتاق إليه وزهد فيما سواه ورعى حقه، وخافه بالغيب ورثه ذلك النظر إلى وجهه الكريم.
هذه ثلاثة عشر سبباً يمكن أن تكون أسباباً حقيقية لمحبة الله لك، والله عز وجل يقول:

 

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

[ سورة المائدة: 54]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018