بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

تربية الأولاد إصدار 1994 - الدرس : 32 - وسائل تربية الأولاد -2- التربية بالقدوة -2


2002-07-14

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة، عدت إلى سلسلة أخرى من سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام نظراً لأهمية هذا الموضوع وانطلاقاً من أن أولادنا بالتعبير الحديث هم الورقة الرابحة الوحيدة التي في أيدينا.

الحياة والحركة أقوى من أي فكر نظري:

 إن أولادنا هم المستقبل فإن أردنا مستقبلاً يتميز عن حاضرنا فلنعتنِ بأولادنا، لأن هذا الموضوع ـ والفضل لله وحده ـ راج رواجاً كبيراً وتناقلته أكثر من جهة بالقبول، فأردت أن أتابع هذه السلسلة، فأنا في سلسلة ثانية من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام.
 أعيد وأذكر أن السلسلة الأولى هي أهداف التربية لابدّ من أن نربي أولادنا تربيةً إيمانية وتربيةً أخلاقية وتربية عقلية وتربيةً جسمية وتربيةً اجتماعية وتربية جنسية هذا مضمون السلسلة الأولى من تربية الأولاد في الإسلام.
 والله لا أقول هذا إلا للبيان عدد من الإذاعات في العالم العربي والإسلامي أذاعت هذه السلسة عشرات المرات، وتلقاه الناس بالقبول، وهذا من فضل الله علينا جميعاً.
 السلسلة الثانية أيها الأخوة وسائل التربية، أول وسيلة أن تكون أنت قدوةً، وأقول بملء فمي لا تطمح أن يكون ابنك صالحاً إن لم تكن صالحاً، لا تطمح أن يكون ابنك صادقاً إن لم تكن صادقاً، لا تطمح أن يكون ابنك عفيفاً إن لم تكن عفيفاً، لا تطمح أن يكون ابنك أميناً إن لم تكن أميناً، تكاد هذه الوسيلة تكون أخطر وسيلة، أن تكون أنت قدوةً لأن الأطفال يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، موقف فيه كذب يلغي ألف محاضرة، موقف فيه خيانة يلغي ألف محاضرة في الأمانة هذه المشكلة.
 كأن الحياة والحركة في الحياة أقوى من أي فكر نظري، فيكفي أن يدرك الابن أن في دخل والده حراماً، وأن في بيعه كذباً، وأن في معاملاته انحرافاً، وهو والده، إذاً إذا انحرف الابن أصبح مغطى.

توجيهات النبي في القدوة:

 في الدرس الماضي أيها الأخوة، بينت لكم كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً، تحدثت عن سيرة النبي العملية، الآن في موضوع القدوة توجيهات النبي في القدوة، الدرس الماضي سلوك النبي في القدوة، كان قدوةً في عبادته، وفي رحمته، وفي عدله، وفي علمه، وفي حسن معاشرته لمن حوله، أما اليوم هديه في أن نكون قدوةً لمن حولنا.

(( دَعَتْنِي أُمِّي يَوْماً وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ ؟ قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْراً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئاً كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ ))

[أحمد وأبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ]

  لي قريبة توفيت رحمها الله جاءها ابنها من أمريكا ومعه أولاده، أحد أولاده أحدث جلبةً وضجيجاً كثيراً، قالت له: اسكت وفي المساء سآخذك إلى مكان جميل، فسكت وفي المساء لم تأخذه، طفل صغير قال لجدته: أنت كاذبة.
  طفل يدرك فيا أيها الأخوة عد إلى المليون قبل أن تكذب أمام ابنك، وعد إلى المليار قبل أن تكذب أمام الله، لكن لن تطمح أن يكون ابنك صادقاً إذا كان في الحديث كذب، والإنسان أحياناً يكون ابنه معه في المحل التجاري، وهذه مشكلة، والابن يراقب، يعرف كيف اشتريت هذه البضاعة، وكم رأسمالها ؟ فحتى يبيع الأب هذه البضاعة يقوم بحلف الأيمان الكاذبة أمام ابنه، سقط الأب من عين ابنه.
 والله أيها الأخوة، لأن يسقط أحدنا من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، لا تكذب، الله عز وجل هو الرزاق ذو القوة المتين، يرزقك وأنت صادق لا تكذب.
 أحد أخواننا الكرام يبيع قطع سيارات، قال لي: إحدى هذه القطع بقيت عندي سبع سنوات، وثمنها كبير، وأنا أرحلها من ميزانية إلى ميزانية، ضقت ذرعاً بها، جاءني من يطلبها، وأنا على السلم لآتيه بها قال لي: أصلية ـ وهي ليست أصلية ـ قلت: لا والله قال: سآخذها.
 كلمة لا والله أصبح البيع شرعياً، حديث آخر:

 

(( عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَاماً، فَقَالَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْهُ))

 

[البخاري ومسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

  في رواية قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( أفعلت هذا بولدك كلهم ؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم ))

 

[البخاري ومسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

الله رحيم وكل شيء فيه عنف يبغضه الله عز وجل:

 قد يتوهم الأب أنه إذا أعطى البار أكثر كافأه على بره، إن أعطيت البار أكثر زدت العاق عقوقاً، أما إن عدلت بينهما قربت العاق إليك، بر ابنك اجعل جزاءه عند الله وأنت اعدل بين أولادك لا تفرق بين بار وغير بار، اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( يا بشير ألك ولد سوى هذا ؟ قال: نعم، قال: أكلهم وهبت له مثل ذلك ؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذاً فإني لا أشهد على جور ))

[مسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 وفي رواية:

 

(( أشهد على هذا غيري، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا إِذاً ))

 

[مسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 أنت حينما تعدل ترسخ مفهوم العدل عند أولادك، وأنت حينما ترحم ترسخ مفهوم الرحمة عند أولادك، وأنت حينما تصدق ترسخ مفهوم الصدق عند أولادك.

 

(( قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِساً فَقَالَ الْأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ ))

 

[ متفق عليه عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 صدقوا أيها الأخوة أن الابن الذي تربى بين أبوين رحيمين، أشرباه الرحمة مع الحليب، هذا الابن إذا كبر لا يقسو أبداً، تجد أناساً ليسوا ملتزمين بأوامر الله، لكنهم شربوا الرحمة مع حليب أمهاتهم، تجد البيت كله رحمة، مودة، عطفاً، بذلاً، تضحية، إيثاراً، هذا البيت فيه رحمة، الأم رحمت والأب رحم وكل شيء فيه عنف يبغضه الله عز وجل.

 

(( يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))

 

[ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ ]

أحد أكبر علامات الإيمان الرحمة في القلب وأحد أكبر مؤشرات النفاق قسوة القلب:

 إذا وجدت رحمة في البيت لا يوجد قسوة، لا يوجد ضرب، لا يوجد صوت مرتفع، لا يوجد إذلال، البيت الذي فيه رحمة الأولاد ينشؤون على الرحمة، هذا شيء واضح في الحياة العملية، تجد إنساناً لا يرحم أبداً يتلذذ في أن يوقع أشد الأذى في الناس، تجد إنساناً آخراً لا يستطيع أن يؤذي أحداً هذا نشأ  في بيت فيه رحمة لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( من لا يرحم لا يُرحم. ))

[البخاري ومسلم عَنْ أبي هريرة]

 وقال:

 

(( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ ))

 

[ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ ]

 يعني ماذا أملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك ؟ مرة ثانية أحد أكبر علامات إيمانك الرحمة في قلبك وأحد أكبر مؤشرات النفاق قسوة القلب دائماً المنافق والكافر قلبه قاسٍ كالحجر لا يرحم.
 قبل أن أقرأ الحديث ابنك حينما يرى أنك تحبه وترحمه وتعطف عليه يلتصق بك، وحينما يرى منك قسوةً ونفوراً وإبعاداً له عنك ينفر منك، فلذلك لأن تخسر الدنيا وتربح إنساناً أفضل عند الله من أن تربح الدنيا وتخسر إنساناً، الأب العاقل الموفق يربح أولاده، لا يربح أولاده بمحاضرة يلقيها بل يربح أولاده بقلب مفعم بالرحمة، حينما يرحمهم، حينما يسدي لهم كل ما يحتاجونه، حينما يجهد في العمل كي يكرمهم.
 والله أعرف أحد أخواننا الكرام أولاده يقفون أمامه والله كجندي أمام أعلى رتبة من شدة إحسانه إليهم، أنا أقول لك دائماً: الآخرون أنت لهم وغيرك لهم، أما أولادك من لهم غيرك ؟ من لهم غيرك يطعمهم ما يشتهون ؟ من لهم غيرك يلبسهم ما يحبون ؟ من لهم غيرك يأخذهم إلى نزهة ؟ فأنت حينما تؤمن بالله الإيمان الحقيقي كل أفعالك مكتوبة عند الله أعمالاً صالحة.

 

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ فِيهِمَا، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطَعَ كَلَامَهُ فَحَمَلَهُمَا ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ، رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَعْثُرَانِ فِي قَمِيصَيْهِمَا فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ كَلَامِي فَحَمَلْتُهُمَا ))

 

[رواه الترمذي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ]

كل أعمال أولادك بعد موتك في صحيفتك:

 أحياناً بعض الأشخاص الأقوياء يقومون بفعل تمثيلي، أما هذا حقيقي، يعني رحمة حقيقية.

 

(( بينما كان عليه الصلاة والسلام يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد، فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر، فلما قضى صلاته قالوا: لقد أطلت يا رسول الله السجود حتى ظننا أنه قد حدث أمر ؟ فقال: إن ابني قد ارتحلني ـ أي جعلني راحلة ـ فركب على ظهري فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته))

 

 

[النسائي والحاكم عن عبد الله بن شداد]

 المؤمن إذا دخل بيته صدقوني أيها الأخوة وأنا لكم ناصح أمين إذا دخلت البيت ولم يكن عند دخولك عيد فأنت لست أباً ناجحاً، عيد إذا دخلت البيت، يجب أن يرقص الأطفال من الفرح، ويوجد آباء ـ والعياذ بالله ـ إذا خرج الأب الحمد لله تنفَّس أهله الصعداء، متعب، قاسي، كلام، سباب، ضرب، إهانة.
 إذا كنت أباً ناجحاً إذا دخلت إلى البيت يجب أن يكون في بيتك عيد، لأنك واحد من أهل البيت، كان يكنس داره، ويرفو ثوبه، ويخسف نعله، ويصغي الإناء للهرة، وكان يحلب شاته، وكان في مهنة أهله.
 لك عمل، لك رتبة عالية، لك منصب رفيع، أما في البيت أنت واحد منهم.

 

 

(( دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمشى على أربع، وعلى ظهره الحسن والحسين وهو يقول: نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما ))

 

[ابن عدي وابن عساكر عن جابر رضي الله عنه]

  يعني إنسان سيد الخلق وحبيب الحق، يدير أكبر دعوة في العالم، يجابه ملوك الأرض، يجابه قريش، يغزو، يحل مشكلات، إذا دخل بيته يمشي على يديه وركبتيه ويدعو الحسن والحسين ليركبا على ظهره، ويقول وهو يمشي:

 

(( نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما ))

 

[ابن عدي وابن عساكر عن جابر رضي الله عنه]

 قلدوا رسول الله:

 

(( من كان له صبي فليتصاب له ))

 

 

[ ابن عساكر عن معاوية ]

 هناك باب في الجنة لمن يدخل السرور على الأطفال، الأطفال أحباب الله، هذا الطفل بريء وذاتي وصافٍ حينما يشرب الحنان والعطف والمودة والحب منك، إذا كبر هذا الطفل وصار إنساناً عظيماً في صحيفتك، قال تعالى:

 

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (21)﴾

 

 

( سورة الطور)


 يعني كل أعمال أولادك بعد موتك في صحيفتك.

 

 

حاجة الطفل إلى الحنان والابتسامة حاجة أساسية:

 

 قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ))

[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ]

 وفي بعض الأحاديث الصحيحة:

 

(( مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ))

 

[متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 كان عليه الصلاة والسلام يقول: مرحباً، السلام عليكم يا صبيان، من تواضعه الشديد، نحن في العيد نستقبل أخوتنا الكرام في القاعة وكل أب معه ابنه له هدايا وحلوى، جاء طفل صغير وحده، قلت له: أنت وحدك أم مع أبيك ؟ قال: وحدي، قلت له: من هو أستاذك ؟ وهو يمشي في الطريق علم أن هنا هدايا وحلوى فدخل، قلت له: من أستاذك ؟ قال: الشيخ راتب أستاذي.
 طفل يحب الإحسان لا شك، يوجد طالب آخر جاء مع أبيه أيضاً أكرمته، قال لي والده أنه حدث أمه بعد أن وصلا إلى البيت، قال لها: لقد أحببت هذا الشيخ يا أمي.
 الطفل تملك قلبه بهدية، تملك قلبه بابتسامة، تملك قلبه بقبلة أحياناً، إنسان أحياناً لا ينتبه يقبل ولداً ولا يقبل الثاني وقع في الظلم، أحياناً يبش لولد ويقطب للثاني وقع في الظلم اعدل حتى في القبل، اعدل حتى في الابتسامة، اعدل حتى في الضم، من المهم جداً أن يضم الإنسان ابنه إلى صدره، تعدها شيئاً سهلاً، يوجد آباء لا يفعلون هذا، يشتهي الطفل أن يضمه أي إنسان ـ انتبه إلى هذه النقطة وفهمك كفاية ـ لما الابن يجلس في حضن والده ويقبله ويضمه ويشمه يحقق له حاجة أساسية، حاجة إلى قلب يحبه، حاجة إلى إنسان يحتويه فإذا كان الأب قاسي القلب وابتعد عن أولاده أنا لا أظن السوء بل أخشى أن هذا الطفل يشعر بحاجة دائماً إلى من يعطف عليه، فيرمي نفسه في أحضان إنسان منحرف.

 

أمثلة عن محبة النبي الكريم للصغار:

 

 

 والله أيها الأخوة، أنا حينما أستمع من بعض الأخوة الكرام إلى قصص عن تماسك الأسرة والله أقدر هذه الأسرة، يوجد أسر متماسكة فيها حب، فيها ود، فيها عطف، فيها تضحية، ويوجد أسر ـ والعياذ بالله ـ متعادية، خصومات، ومشاكسات، وقطيعة، وسباب، فأنت بطولتك أن تجعل من بيتك جنة ولو كان الأكل متواضعاً، ولو كان البيت صغيراً قد يغدو جنة وأنت لا تشعر، من محبة النبي للصغار:

(( أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ، قَالَ ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ))

 

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]


 أنت كبير قد تصبر عن الفاكهة أسبوعاً أما الطفل متعلق بالفاكهة، فأنت حينما تأتي له بفاكهة أنت كأب رحيم كأنك أنت الذي أكلت، وأنت كأم كأنك أنتِ التي أكلتِ، فكان عليه الصلاة والسلام ـ وهذا من توجيهه ـ يعطي الفاكهة لأصغر طفل في المجلس ولا يأكلها.

 

 

(( أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَداً، قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ ))

 

 

[مسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 الإسلام فيه نظام، أنا جالس إلى يمينك من حقي أن أشرب بعدك قبل الأشياخ أرأيت إلى هذا النظام ؟
 النظام رائع، بالدخول، بالتيمن، دخل إلى المسجد دخل برجله اليمنى، أثناء توزيع الضيافة بدأ من اليمين، هذا النظام مريح.

 

 

تذكير أولادنا بشمائل النبي وقصص أصحابه حتى يصبحوا قدوة لهم:

 أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

 

(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن..))

 

[أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي]

 هذا توجيه نبوي، الآن أطفالنا وأطفال المسلمين من هم قدوتهم ؟ لاعبو الكرة، الفنانون قدوتهم، قدوتهم الرسوم المتحركة، قدوتهم هذه التماثيل الصغيرة التي تأتينا صورها من اليابان أو من أمريكا، لكن ألا يليق بالمسلمين أن يكون هؤلاء الصحابة الشباب قدوةً لأولادنا، من يعلمهم ذلك ؟ كم أباً من بين مئة أب يجلس مع أولاده ليعلمهم سير أصحاب رسول الله، أو ليقرأ معهم قصة صحابي جليل ؟ الطفل في سن مبكرة يتعلق بمثل شئت أم أبيت، يتعلق بمثل، فالمفروض أن تعلم أنت ابنك حب رسول الله، الآن قد يفهم الحديث فهماً مضحكاً يا بني أحبَّ رسول الله، لا ليس هذا الموضع، أن تذكر له شمائله، أخلاقه، محبته لأمته، نظافته، صدقه، أمانته، عفافه، ينبغي أن تذكر له شمائل النبي حتى يحب النبي وينبغي أن تذكر قصص أصحابه الكرام.
 أنا درست كتاباً عدة مرات " صور من حياة الصحابة "، المؤلف رحمه الله ألَّف هذا الكتاب وهو في أعلى مستوى، حتى أنه كتاب مقرر في عدد من البلاد الإسلامية للتعليم الإعدادي والثانوي، فإذا كان في البيت " صور من حياة الصحابة " وكل يوم قرأ قصة صحابي وهو سبعة أجزاء أنت بهذا تكون قد نفذت وصية رسول الله.

 

(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن))

 

[أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي]

  قال سعد بن أبي وقاص: كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن.

 

محاورة النبي الكريم للفقراء:

 

 

 مرة ذكرت في خطبة أن النبي عليه الصلاة والسلام عائد من غزوة ذات الرقاع، من شدة المشقة التي ألمت بالمسلمين، ومن شدة الآلام والدماء التي سالت منهم، لفوا أرجلهم بالرقاع فسميت غزوة ذات الرقاع، في طريق العودة كان النبي عليه الصلاة والسلام في مؤخرة الركب ليطمئن على جيشه، التقى بشاب فقير جداً اسمه سيدنا جابر، توفي أبوه في معركة أحد وترك له أخوات عدة، فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى جمله ضعيفاً لذلك كان في مؤخرة الركب فسأله عن جمله، قال: هو ضعيف يا رسول الله، فقال: انزل عنه أناخه ثم وخزه النبي عليه الصلاة والسلام بقضيب كان معه، فعاد جملاً نشيطاً لعله من أنشط الجمال، في أثناء السير النبي عليه الصلاة والسلام سأل سيدنا جابراً قال: يا جابر أتبيعني هذا الجمل ؟ قال: بل أهبه لك يا رسول الله، قال: لا بعني إياه، قال: أبيعك إياه، قال: كم تريد ؟ قال: كم تدفع به ؟ قال له: أدفع درهماً، قال: إذاً يغبنني رسول الله ـ فمن غير المعقول أن يدفع به درهماً ـ  قال له: درهمان، ومازال يرفع السعر حتى اشتراه منه بأوقية ذهب، وتم البيع واشترط سيدنا جابر أن ينتفع بالجمل إلى المدينة.
 انظر قواعد البيع صار في مجلس بيع، وانتهى بسعر معين، واشترط أن يكون قبض المبلغ في المدينة وتسليم الجمل.
 قال: يا جابر أأنت متزوج ؟ قال: نعم، قال: بكراً تزوجت أم ثيباً ؟ قال: بل ثيباً، قال: هلا تزوجت بكراً ؟ قال: توفي والدي وترك لي سبع أخوات أردت أن أتزوج امرأةً تجمعهم ـ يعني امرأة ناضجة همها إدارة منزلها ورعاية أخوات زوجها ـ قال: نِعْمَ ما فعلت.
 حديث طويل لطيف، سيد الخلق وحبيب الحق النبي عليه الصلاة والسلام يحاور شاباً فقيراً، قال له: الآن حينما نعود إلى المدينة تكون زوجتك قد نفضت نمارقها ودهنت أطفالها، قال له: يا رسول الله ليس عندي نمارق، قال: سيكون لك إن شاء الله نمارق.
 كان من عادة النبي إذا كان في غزوة أن يقيم يوماً قبل الدخول إلى المدينة لتستعد كل امرأة كي تستقبل زوجها.

المؤمن الصادق أكبر عقاب له أن يحجب عن الله عز وجل:

 أيها الأخوة الكرام، لو لم يكن هناك كتاب ولا سنة لكانت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وحدها بما يشبه الكتاب والسنة لأنها منهج، طبعاً أية أمة تعتني بسيرة عظمائها لكن عظيمنا هو رسول الله، سيد الخلق وحبيب الحق، وهو القدوة والمثل، فلذلك حينما نقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام نتعلم منه  الشيء الكثير، مثلاً من منا يعمل في منصب قيادي ؟ مدير مؤسسة، مدير مدرسة، مدير مستشفى وعنده موظفون، لو أن واحداً منهم أساء ماذا يفعل ؟ النبي ماذا فعل عندما أساء بعض المصلين ؟
 دخل إلى المسجد وأحدث جلبة وضجيجياً فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من صلاته قال له:

(( زادك الله حرصاً ولا تعد.))

[عبد الرزاق وأحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن حبان عن أبى بكرة]

  كيف وجهه ؟ ذكر بعض إيجابياته ثم ذكر خطأه هذا منهجه، حينما تريد أن تعالج إنساناً يعمل معك وقد ارتكب خطأً ينبغي أن تذكر ميزاته حتى يطمئن إلى عدلك، هذا الموظف أمين لكنه يتأخر إن أردت أن تعالج تأخره ينبغي أن تذكر له أنه أمين وأنا معجب بأمانتك لكن التأخر مشكلة، عندما سمع أنك معجب بأمانته اطمأن وشعر أنك منصف لذلك يمكن أن يستجيب إلى توجيهك، أما إذا أنكرت كل ميزاته فلن يستمع إليك عندها.
 أبناء كثيرون يشتكون إلي أن له مليون ميزة، الأب لا يتكلم إلا عن سيئاته ويتعامى عن كل ميزاته، هذا أكبر خطأ في تربية الأولاد، ابنك عفيف، حصّل علامات عالية، صادق، ارتكب خطأ وهو صادق ذكره أنه صادق، ذكره أنه متفوق، ذكره أنه يحب أخوته، فكل ميزة من ميزات ابنك يجب أن تذكرها له مسبقاً فإذا جاء التوجيه السلبي قبل منك هذا التوجيه.
 الحقيقة أخواننا الكرام سهل جداً أن تتطرف، أن تكون قاسياً جداً، أو أن تكون ليناً أيضاً القضية سهلة، المواقف المتطرفة سهلة لا تحتاج إلى تفكير، غضبت ضربته ضرباً مبرحاً هؤلاء هم الجهلة، أرخيت له الحبل، هذه أسوأ تربية، أما حينما تضبط أعصابك فإذا أخطأ أعرض عنه، ينبغي أن يكون إعراضك عنه أكبر عقاب له، لذلك قالوا: من أطاع عصاك فقد عصاك، الذي يخاف أن تضربه هو لا يحبك، ينبغي أن يخاف أن تعرض عنه، مقياس مكانتك عند ابنك ليس أن يخاف أن تضربه، يجب أن يخاف أن تعرض عنه، وكلما المودة والمحبة والمكانة والهيبة كانت عند الأب موجودة يكفي أن يعرض عنه حتى يحترق وحتى يبكي بكاءً شديداً، فلذلك لا تُعوّد أولادك أن تضربهم، عوّد أولادك أن أشد عقاب تعاقبهم به هو إعراضك عنهم، بل إن الله سبحانه وتعالى ذكر هذا قال تعالى:

 

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ﴾

 

( سورة المطففين: الآية 15)

  أكبر عقاب هو الحجاب أحياناً الله كيف يعاقب المؤمن ؟ يبقى في مكانته الاجتماعية، بصحته وأولاده في البيت، ليس عنده مشكلة لكن الله يعاقبه، يعاقبه بأن حجبه عنه، المؤمن الصادق أكبر عقاب له أن يحجب عن الله عز وجل.

 

الأم التي تعتني بأولادها قريبة من الله عز وجل لأنها تعبد الله فيما أقامها:

 

 تروي بعض الكتب أن شاباً له شيخ أنبأه أنه يا بني لكل سيئة عقاب، يبدو أنه ارتكب خطأً وغلبته نفسه مرة فارتكب معصية، فبحسب كلام شيخه إذاً لا بد من عقاب أليم، هو ينتظر العقاب الأليم مضى يومان وثلاثة وأربعة لا يوجد شيء، ففي صلاته ناجى ربه قائلاً: يا رب لقد عصيتك ولم تعاقبني، فقال بعض علماء القلوب ـ هكذا يروون ـ وقع في قلبه أن: يا عبدي لقد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟
 إذا عندك حساسية ولك عند الله مكانة يمكن أكبر عقاب تعاقب به أن يحجبك عنه، وأكبر عقاب يعاقب الأب ابنه المقصر أن يعرض عنه فقط، أكبر عقاب نزل بالصحابة الثلاثة الذين خلفوا هو القطيعة، قال تعالى:

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ (118) ﴾

( سورة التوبة: الآية 118)

 عندما تربي ابنك تربية عالية أكبر عقاب أن تعرض عنه، أما إذا كنت دائماً تضربه هذا الضرب كسر بالتعبير العامي، لم يعد لك هيبة، أَلِفَ الضرب وتعوَّد عليه:

 

من يهن يسهل الهوان عليه               ما لجرح بميت إيلام

***

 يوجد آباء يقولون لك والله بحياتي ما ضربت ابناً ولا بنتاً أبداً، عنده حكمة، وله هيبته، وله مركزه في البيت، ومحسن، ومنصف، ويربي أولاده، لا يحتاج إلى ضربهم إطلاقاً.
 أخواننا الكرام أنا لا أنكر أن المجتمع فاسد والطفل يتعلم في المدرسة أشياء سيئة جداً أحياناً، وفي الطريق يستمع إلى كلمات بذيئة جداً، وأينما التفت هناك معصية، والآن الجهد ينبغي أن يكون كبيراً جداً في تربية الأولاد، لكن حينما يرى الطفل بيته جنة، يوجد ود ومحبة، يوجد عطف، يوجد طعام يؤكل، يوجد أم تعتني بأولادها، الأم التي تعتني بأولادها هي قريبة من الله عز وجل لأنها تعبد الله فيما أقامها، يوجد بيوت فيها إهمال شديد، فالطفل يلتصق بصديق غني، لا يوجد طعام جاهز في الصباح، الأم نائمة لا ترغب أن تستيقظ لتعتني بأولادها، فالبيت مقفر، أحياناً في أيام الشتاء الباردة لا يوجد مدفأة معدة البيت بارد جداً، يريد أن يتوضأ ويصلي ويأكل ويلبس وأمه نائمة، أما إذا كانت الأم تعتني بأولادها، المدفأة قد اشتعلت، والبيت دافئ، والطعام جاهز، والثياب جاهزة ونظيفة، هذا الابن عندها يلتصق بأمه وأبيه.

على المعلم أن يكون قدوةً كالأب والأم:

 أنا أقول لكم أحياناً تعطي محاضرات لا قيمة لها تقول له: أنا أمك، وأنا أبوك، أنت أبوه فعلاً بحسب قيد النفوس فلان بن فلان، أما حينما يرى عطف الأب ورحمته وحلمه وعطاءه وكذلك الأم يلتصق هذا الابن بأمه وأبيه، سبحان الله الجنة أبوابها تبدأ من البيت، ممكن أن تسلك طريق الجنة وأنت في البيت، كل إنسان له بيت وزوجة وأولاد، فعليه أن يأخذ بيد أولاده إلى الله، أن يكون قدوةً لهم، أن يصلي معهم فرضاً، أن يشعر أن هذا البيت بيت مسلم، الطفل يحب هذا، لاحظ الأطفال الصغار قبل الوعي يقلدون آباءهم وأمهاتهم في الصلاة، يقلدون آباءهم وأمهاتهم في الحجاب، أحياناً تجد خاطب جديد دخل وجلس مع أخته الطفل لا يحتمل ذلك بحسب البرمجة أن هذا كيف نظر إلى أخته ؟ طفل حينما ينشأ في بيت فيه عفة، فيه صلاة، فيه ذكر، فيه قرآن، فيه صدق، فيه عطف، يكون وضعه مختلف.
 أخواننا الكرام، تتميماً لموضوع القدوة هناك عدة أشخاص ينبغي أن يكونوا قدوة في حياة الطفل كالمعلم، الحديث عن الأب والأم الآن أما المعلم له دور خطير، فإذا كان المعلم يرتكب أخطاء كثيرة أو يعلو صوته أو يسب الطلاب أو يدخن أو يمزح مع أصدقائه مزاحاً رخيصاً على مسمع من الطلاب هنا يوجد مشكلة كبيرة جداً.
 كما أن الأب ينبغي أن يكون قدوةً المعلم ينبغي أن يكون قدوةً، من أروع ما ذكر في هذا المقام أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته وقال: إني قد أمرت الناس بكذا ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وأيم الله لا أوتين في واحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني، فصارت القرابة من عمر مصيبة، يعني أكبر مصيبة أن تكون قريباً لعمر لأن العقاب مضاعف.
 ماذا نستنبط من هذه القصة ؟ أهم ولد عندك الكبير، الكبير حينما يستقيم يَستقيم أخوته الصغار، أما الكبير إذا انحرف والأب أهمل الكبير يتعلم الصغار من الكبير كل شيء سيئ، يجب أن تحسن تربية الكبير لأنه قدوة للصغار، فالمعلم قدوة، ينبغي أن تختار المدرسة الأصلح التي فيها معلم أجود وأكمل.

مهمة الأب الأولى أن يعتني بتربية الكبير وأن يختار لابنه المعلم الجيد:

 المعلم حينما لا يكون قدوة يسيء إلى الطلاب إساءة كبيرة جداً، والأخ الأكبر حينما لا يكون قدوةً، والأخت الكبرى حينما تكون متفلتة لا تستطيع الأم أن تربي بناتها الصغار على الآداب الإسلامية.
 إذاً الآن مهمة الأب الأولى أن يعتني بتربية الكبير وتربية الكبيرة، وأن يختار لابنه المعلم الجيد، والشيء الذي يؤلم أشد الألم ما رواه البخاري ومسلم:

(( يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ))

[متفق عليه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه]

 الأقتاب: الأمعاء.

 

(( مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ ))

 

[ أحمد عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه]

 قال تعالى:

 

﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) ﴾

 

( سورة الصف: الآية 3 )

لابدّ أن تكون في أعلى مستوى من القدوة الحسنة حتى تكون تربيتك لأولادك فعالة وناجحة:

 القضية قضية صدق مع الذات، أنت أب قدوة، أنت مُمَكن في هذه الأسرة فينبغي أن تكون في موضع كامل من الصدق والأمانة والعفاف، أما إذا كان في إطلاق بصر، تعليقات غير معقولة، تهجم، مزاح سيئ، كلام فيه كذب أمام الصغار، أعود وأقول الذي بدأته في هذا الدرس لا تطمح أن يكون ابنك صالحاً إن لم تكن صالحاً، لا تطمح أن يكون ابنك عفيفاً إن لم تكن عفيفاً، لا تطمح أن يكون ابنك أميناً إن لم تكن أنت أميناً، هذه الحقيقة الأساسية وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يترجَم هذا الدرس إلى سلوك، وكل واحد منا إما أخ أكبر لإخوته الصغار، وإما أب، وإما سيغدو أباً إن شاء الله، فلا بد من أن تكون في أعلى مستوى من القدوة الحسنة حتى تكون تربيتك لأولادك تربية فعالة ناجحة.
 أنت لاحظ أكثر الناس إن تحدثوا عن آبائهم والله أنا أحياناً أترنم، يقول لك: أنا والدي رحمه الله كان يصلي الفجر، والدي رحمه الله ما كان يكذب أبداً، كان يعطف علينا، كان يوفق بين المتشاكسين، فتجد الابن لخمسين عاماً بعد وفاة أبيه يتحدث عن أبيه.
 أنا التقيت في ماليزيا بعريف المؤتمر، يتكلم اللغة الفصحى بشكل رائع وهو ماليزي، فالتقيت به وهو أستاذ في الجامعة قال لي: كان طموح والدي أن أتقن لغة القرآن، طموح والده الأول أن يتقن لغة القرآن والحقيقة كأنه مولود في بلاد عربية، كان عريف مؤتمر بأعلى درجة من الفصاحة والذكاء والبديهة، قال: رحمه الله كان يطمح أن أتقن لغة القرآن.
 الابن حينما يرى من أبيه الكمال تجده طوال حياته يحدث عن أبيه، والعياذ بالله يوجد أطفال أو شباب يتحدثون عن آبائهم أسوأ حديث، الأب ليس صالحاً، منذ يومين أهمل زوجته وبناته وأولاده وبحث عن واحدة في عمر بناته لكن بشكل سيئ جداً، غير منضبطة، وثيابها فاضحة، هذا سقط أمام أولاده وبناته وزوجته ومن حوله، البطولة أن تكون أنت قدوةً لابنك، نحن في طريق مجموعة وسائل فعالة في تربية الأولاد لكن لا أكتمكم أن أكبر وسيلة فعالة في هذه السلسلة هو أن تكون قدوةً لأولادك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018