٠13رمضان 1427هـ - صلاح الأمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صلاح الأمة - الدرس : 40 - علو الهمة في تحري الحق والثبات عليه


2006-10-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة، مع درس جديد من دروس صلاح الهمة في علو الهمة.

علو الهمة في تحري الحق والثبات عليه:

وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً :

 موضوع اليوم علو الهمة في تحري الحق والثبات عليه.
كنت أقول دائماً: بعض المفسرين يفسرون قوله تعالى:

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾

( سورة الإسراء )

 بعضهم قال: الرسول هو العقل، وكنت أقول: إن العقل كافٍ لمعرفة الله، وأن بعثة الأنبياء والرسل عطاء زائد .
كما لو أن طالباً كان في مدرسة في أعلى مستوى، أن يضع له أبوه أستاذاً خاصاً هذا فوق ما ينبغي.

 

1 – عقل الإنسان يصل به إلى الله:

 لكن اليوم معي قصة، تؤكد هذه الحقيقة بشكل جلي، عقل الإنسان يمكن أن يصل به إلى الله، وفطرته تكشف له خطأه، والذي لم تصل إليه رسالة يحاسب على أصلين من أصول الهدى، يحاسب على عقله الذي كان كافياً لمعرفة ربه، ويحاسب على فطرته التي كانت كافية لمعرفة خطأه.

 

 

زيد بن عمرو بن نفيل لإعمال العقل في البحث عن الحقيقة:

 قصة زيد بن عمرو بن نفيل الذي يبعث أمة وحده، نموذج جليل لتحري الحق ، قال الذهبي في أعلامه:
كان زيد بن عمرو ممن فرّ إلى الله من عبادة الأصنام، هذا حياته قبل بعثة النبي، وهو ممن فرّ إلى الله من عبادة الأصنام، وساح في أرض الشام يتطلب الدين القيم، وكان يقول: اللهم إني على دين إبراهيم، ولكن لم يظفر بشريعة إبراهيم عليه السلام كما ينبغي ، ولا رأى مَن يطلعه عليها، وهو من أهل النجاة.
فقد شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يُبعث أمة وحده، ولم يبلغ بعثة النبي، وهو ابن عم الإمام عمر بن الخطاب، رأى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعش حتى بُعث، مات قبل بعثته.
نقل يونس بن بكير، وهو من أوعية العلم بالسِّيَر عن محمد بن إسحاق قال: كان نفر من قريش، زيد بن عمر، وورقة بن نوفل، وعمان بن الحارث وعبيد الله بن جحش، وأميمة ابنة عبد المطلب حضروا قريشاً عند وثنٍ لهم، أيْ صنم كانوا عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا أولئك النفر بعضهم إلى بعض، وقالوا: تصادقوا وتكاتموا، فقال قائلهم: تعلمون والله ما قومكم على شيء، أدركوا أن قريشا ليست على شيء حينما عبدت أحجاراً لا تنفع ولا تضر، لقد أخطئوا دين إبراهيم، وخالفوه، فما وثنٌ يعبد، ولا يضر ولا ينفع، فابتغوا لأنفسكم، قال: فخرج، وسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب من اليهود والنصارى، والمِلل كلها، يتطلبون الحنفية، فأما ورقة فتنصر، واستحكم في النصرانية، وحصن الكتب، وعلم علماً كثيراً، ولم يكن فيهم أعدل شأناً من زيد، اعتزل الأوثان والمِلل إلا دين إبراهيم، يوحد الله تعالى، ولا يأكل من ذبائح قومه، وكان الخَطّاب عمه قد آذاه، والد عمر، قد آذاه، فنزح عنه إلى أعلى مكة، فزل حراء فوكل به الخطاب شباباً سفهاء، لا يدعونه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سراً، وكان الخطاب أخاه أيضاً من أمه، فكان يلومه على فراق دينه، فسار زيد إلى الشام والجزيرة والموصل، يسأل عن الدين، دين إبراهيم.
أرأيتم إلى البحث عن الحقيقة.
إن الدين شيء مصيري أيها الإخوة، نحن في حياتنا أشياء طارئة وعارضة، لا تقدم ولا تؤخر.
للتقريب: نجاح الطالب من السابع إلى الثامن لا يقدم ولا يؤخر بأي درجة، من السابع إلى الثامن، من الثامن إلى التاسع، أما نجاحه في الشهادة الثانوية فعلاماته تحدد مصيره، فبعلاماته يكون طبيباً، أو صيدلانياً، أو طبيب أسنان، أو في جامعة في دمشق، أو في اللاذقية، أو في حلب، علاماته تحدد مصيره.
عندنا أشياء بحيتنا كثيرة جداً لا تقدم ولا تؤخر، عرضية، أما دينك مصيري الأبد متعلق بدينك، إما في جنة يدوم نعيمها، أو نار لا ينفد عذابها.
قال ابن عمر: إن زيد بن عمرو خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود، فسأله عن دينهم فقال: إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال زيد: وما أفر إلا من غضب الله تعالى، أنا أفر من غضب الله، فيكف آخذ نصيباً من غضب الله ؟ ولا أحمل من غضب الله شيئاً، ولا أستطيعه، فهل تدلني على غيره ؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنفياً، يعني على ملة إبراهيم حنيفاً، قال زيد: وما الحنيف ؟ قال: دين إبراهيم عليه السلام، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد فلقي عالماً من علماء النصارى، فذكر مثله فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله، فقال زيد: وما أفر إلا من لعنة الله، هل تدلني على غيره ؟ قال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفاً، قال: وما الحنيف ؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج، فلما برز رفع يديه، فقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم.
 قال الليث: كتب إلي هشام بن عروة عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: رأيت زيداً بن عمرو قائماً مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم غيري، وكان يحيي الموءودة، عكس الوأد، ويقول للرجل إذا أراد أن يقتل ابنته: لا تقتلها، أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها، هذا ذكره البخاري.
القصة أهميتها تنبع من أن إنساناً ما عنده رسالة، ولا قرآن، ولا كتاب سماوي، إلا أنه فكر، فرأى أن قريشاً ليسوا على شيء، وأنهم يعبدون أوثاناً لا تضر ولا تنفع، وأنهم يعملون أعمالاً لا ترضي الله.
ألم أقل لكم: إن عقل الإنسان يكفي لمعرفة الله عز وجل ؟ وحينما ذُكر خبره للنبي قال: إن زيداً يُحشر يوم القيامة أمة وحده، ومات قبل بعثة رسول الله.
ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة لزيد لما رآه:

 

 

(( ما لي أرى قومك قد شنفوا لك ؟ ))

 

[ تاريخ الإسلام للذهبي ]

 يعني أبغضوك.

 

معركة الحق والباطل أبدية سرمدبة:

 ودائماً أهل الحق لهم أعداء، وهذه معركة أزلية أبدية، وأتمنى أن أوضح لكم أن الله سبحانه وتعالى شاءت حكمته أن يجتمع المؤمنون وغير المؤمنين في مكان واحد، في كل أرجاء العالم، ومن اجتماعهم تنشأ معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل، وقد شاء الله عز وجل لهذه المعركة أن تكون.

 

 

الحكمة من أزلية المعركة بين الحق والباطل:

 أولاً: ليمتحن أهل الحق، هل هم ثابتون.
ثانياً: لأن الحق لا يقوى إلا بالتحدي.
ثالثاً: لأن أهل الحق لا يستحقون الجنة إلا للبذل والتضحية.
إخوتنا الكرام، هذا قدرنا أن نعاني من معركة الحق والباطل، هي معركة قديمة جداً، فهذا الإنسان واحد، لأنه اعتزل قومه قريشا، ولم يرَ دينهم صحيحاً، ولم يقبل أن يعبد وثنا من دون الله، ولم يقبل أن توأد الفتاة، ولم يقبل أن يأكل من ذبائحهم، غضبوا منه وقاطعوه، والخطَّاب والد سيدنا عمر منعه من دخول مكة، فكان يدخلها سراً في الليل الحصار، لأن أهل مكة حاصروا النبي الكريم وأصحابه في شعابها، حتى أكلوا ورق الشجر الحصار، والمؤامرة قديمة، وكراهية الحق قديمة، ونحن في معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل، كل مرة تأخذ شكلا، الآن شكلها أن ثمة محاور الشر، المسلمون في العالم هم محور الشر، طيب، ماذا فعلوا ؟ يُقتلون كل يوم، بالألوف.

 

 

وقتل امرئ في بلدة جريمة لا تغتفر  وقتل شعب مسلم مسألة فيها نظر
***

 

هجمة شرسة على الإسلام في ظل تناقضات العالم:

عشرة آلاف أسير لا أحد يتكلم كلمة في العالم، وأسْرُ جندي واحد تقوم الدنيا عليه، ولا تقعد، التناقض الذي في العالم الغربي يلفت النظر، هم يدّعون الحرية، وحقوق الإنسان، معركة الحق والباطل معركة أزلية أبدية، وهذا قدرنا، لأن الجنة لها ثمن، والثمن باهظ.

(( ألا إن سلعة الله غالية ))

[ أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة ]

 لا تعجب من هذه الهجمة الشرسة على العالم الإسلامي شيء قديم، ومستمر وسنعاني منه في المستقبل، ولكن ليست البطولة ـ ودققوا ـ أن تنجو من مشكلة، ولكن البطولة أن تقف منها الموقف الكامل، البطولة أن تستوعبها، البطولة أن ترى أنها قدرك لا مفر منه، ولا بد من أن تتحرك، فالنبي عليه الصلاة والسلام لما رأى زيداً قال: ما لي أرى قومك قد شنفوا لك ؛ أي أبغضوك، قال: أما والله إن ذلك مني لغيري نائلة كانت مني إليهم يعني ما فعلت معهم شيئاً، ولكني أراهم على ضلالة.
بل إن قصة قابيل وهابيل قصة نموذجية، قابيل قوي وليس على حق، هابيل مؤمن، لكنه ضعيف، والبشر الآن قبابلة، أوهبابلة، القبابلة أقوياء وقحون، يكذبون، إرهابيون، يتفننون في إبادة الشعوب، القبابلة أقوياء، والهبابلة مؤمنون، لكنهم ضعفاء، وكم نتمنى أن يأخذ الهبابلة من القبابلة بعض القوة.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في مكة المكرمة قوى الإيمان حتى بلغ إيمان الصحابة أعلى مستوى، فلما انتقل به إلى المدينة طالب بحق القوة، صار له كيان، وحارب المشركين، وانتصر عليهم، ووجه الجيوش إلى بلاد الروم وبلاد الفرس.
 فقال: إن ذلك مني لغير نائلة كانت مني إليهم، ولكني أراهم على ضلالة يا رسول الله، ما كان رسول الله، يا محمد، فخرجت أبتغي الدين، حتى قدمت على أحبار أيلة فوجدتهم يعبدون الله، ويشركون به، فدُللت على شيخ في الجزيرة، فقدمت عليه فأخبرته فقال: إن كل من رأيت في ضلالة، إنك لتسال عن دين الله وملائكته، إن كل من رأيت في ضلالة، يكن أن يكون الضلال في الأعم الأغلب يعم معظم البلاد، إنك لتسأل عن دين هو دين الله وملائكته، وقد خرج في أرضك نبي أو هو خارج، ارجع إليه واتبعه، ورجعت فلم أحس شيئاً، ومات زيد قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما علم النبي بموته، قال: يأتي يوم القيامة أمة وحده.
يمكن أن تصل إلى الله بعقلك، يمكن أن تنكر المنكر بفطرتك، يمكن أن تحق الحق بفطرتك، يمكن أن تهتدي إلى خطأ قومك، الله عز وجل قال:

 

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾

 

 

نعيم بن مسعود صورة أخرى لإعمال العقل بحثا عن الحقيقة:

 نُعيم بن مسعود زعيم غطفان، جاء ليحارب النبي العدنان، هو في الخيمة قُبيل المعركة، فكّر، قال: يا نعيم ـ هذا حوار ذاتي ـ لمَ جئت إلى هنا ؟ من أجل أن تحارب هذا الرجل الصالح ؟ ماذا فعل حتى تحاربه ؟ هل سفك دماً ؟ هل انتهك عرضاً ؟ هل نهب مالاً ؟ أين عقلك يا نعيم.

 

 

الفطرة العقل ميزان للخير والشر :

 إخواننا الكرام، لحظة عقل، لحظة تفكر، لحظة تأمل، لحظة محاسبة للنفس، والله الذي لا إله إلا هو ما من خطأ ترتكبه إلا و تخبرك فطرتك أنه خطأ، وما من عمل طيب تعمله إلا وفطرتك تخبرك أنك على صواب تخبرك هذا معنى قوله تعالى:

 

 

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

 

( سورة الشمس )

 إذاً عقلك يكفي لمعرفة الله، وفطرتك تكفي لمعرفة خطئك، والذي لم تصله رسالة، لا تظن أنه معفى من الحساب، لكن هو معفى من تفاصيل الشريعة، إذا في أوامر تفصيلية معفى منها، أما الخطأ في الإيمان والكفر محاسب عليه، والخطأ في السلوك محاسب عليه لأن فطرته تكشف له ذلك.
عن جابر قال: سُئل عليه الصلاة والسلام عن زيد بن عمر أنه كان يستقبل القبلة في الجاهلية، هذه الفطرة، ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم، ويسجد فقال عليه الصلاة والسلام: يحشر ذاك وحده بيني وبين عيسى بن مريم.
وعن عائشة رضي الله عنها قال: قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( دخلت الجنة فرأيت لزيد بن عمرو دوحتين ))

 

[ رواه ابن عساكر عن عائشة رضي الله عنا ]

من شعر زيد بن عمرو:

 ما قرأ القرآن أبداً، ولا صلى الصلاة التي نصليها نحن، ولا صام رمضان ، ما قام بالعبادات، لكنه عرف الله، عرف الله، وعبده بطريقة أو بأخرى، وسجد له.
أورد له ابن إسحاق من شعره من خلق السماء والأرض، والشمس والقمر فقال: يقول زيد بن عمرو الذي لم يبلغ بعثة النبي:

 

إِلى اللَهِ أُهديَ مِدحَتي وَثَنائِيـــا  وقَولاً رَصيناً لا يَني الدَهرَ باقِيا
إِلى المَلكِ الأَعلى الَّذي لَيسَ فَوقَهُ  إِِلَهٌ وَلا رَبٌّ يَكونُ مُدانِيــــا
وَأَشهَدُ أَنَّ اللَهَ لا شَيءَ فَوقَـــهُ  عَلِيّاً وَ أَمسى ذِكرُهُ مُتَعاليـــا
أَلا أَيُّها الإِنسانُ إِياكَ وَ الــرَدى  فَإِنَّكَ لا تُخفي مِنَ اللَهِ خافِيــا
وَ إِياكَ لا تَجعَل مَعَ اللَهِ غَيــرَهُ  فَإِن سَبيلَ الرُشدِ أَصبَحَ بادِيــا

رضيت اللهم بك رباً فلن أرى  أدين إلهاً غير الله ثــــانيا
***

 هذا نموذج إنسان لم تصله رسالة، ولكنه فكر، وتعرف إلى الله، واستقام على أمره، وصلى له بطريقة أو بأخرى، معنى ذلك في قوله تعالى:

 

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 164 )

 معنى ذلك أن هذا عطاء زائد، عطاؤهم أن الكون يدل على الله، والعقل إذا أعملته في الكون عرفت الله، والفطرة تكشف لك الخطأ.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018