٠13رمضان 1427هـ - صلاح الأمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صلاح الأمة - الدرس : 36 - الرضا ثمرة من ثمار المحبة


2006-10-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة .

مقام الرضا عن الله:

1 – من علوّ الهمة الرضا عن الله:

 من علو الهمة حال يعد كالجهاد، ذروة سنام الإسلام، إنه " الرضا "، أن ترضى عن الله.

 

﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾

 

( سورة البينة الآية: 8 )

2 – هذه هي حقيقة الرضا:

 لذلك: الرضا ثمرة من ثمار المحبة، وهو من أعلى مقامات المقربين، وحقيقته غامضة على الأكثرين، وهو باب الله الأعظم، ومستراح العارفين، وجنة الدنيا، فجدير بمن نصح نفسه أن تشتد رغبته فيه، وأن لا يستبدل بغيره منه، أن ترضى عن الله، لا بلسانك، ولكن بجنانك.

 

3 – رضا الله عن العبد أكبر من الجنة:

 رضا الله عز وجل عن العبد أكبر من الجنة، لأن الرضا صفة الله عز وجل ، والجنة خلقه، قال تعالى:

 

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

 

( سورة التوبة )

 يعني في جنة، وفي النظر إلى وجه الله الكريم:

 

﴿ رِضْوَانٌ مِنْ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

 ، أي رضا الله عن العبد أكبر من الجنة، بل أكبر ما في الجنة، بل هو ذروة عطاء الله عز وجل.
 أحياناً تدخل إلى بستان جميل جداً، تستمتع بما فيه من مناظر، لو افترضنا صاحب البستان من أجمل خلق الله، فنظرت إليه فاستمتعت بالجمال البشري، لكن أبلغ من استمتاعك بالبستان، وبالنظر إلى صاحب البستان، أن يرحب بك صاحب البستان، وأن يثني عليك، ويقربك، فرضا الله عز وجل أثمن.

 

 

السخط

 

1 – كيف يكون سخط العبد على الله ؟

 الآن يقابل الرضا السخط، السخط على القضاء والقدر، السخط على الله لوضع معين، لشكل معين، لدخل معين، لبيت معين، لزوجة معينة، لا تعجبه دنياه، ليتها لا تعجبه فقط، نقلته إلى السخط على الله، والسخط باب الهم، والغم، والحزن، وشتات القلب، وسوء الحال، وظن بالله خلاف ما هو أهله.

 

﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾

 

( سورة آل عمران الآية: 154 )

2 – السخط تلوُّن العبد وتقلبُّه:

 والسخط يوجب تلون العبد، فساعة هو راضٍ، وبساعة ساخط، لا استقرار له، بل يدور في التلون، وعدم ثباته مع الله، فإنه لا يرضى إلا بما يلائم طبعه ونفسه ، والمقادير تجري دائماً بما لا يلائمه، أو بما يلائمه، وكلما جرى عليه منها بما لا يلائمه سخط، فلا تثبت له قدم.

 

3 – الرضا يزيل كل الهموم والغموم:

 إذا رضي العبد عن ربه في جميع الحالات، استقرت قدمه في مقام العبودية، فلا يزيل التلون عن العبد شيء مثل الرضا.
لذلك أنت حينما ترضى عن الله فهذا يقين منك، وقد ورد عن سيدنا علي أن << الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين >>
الرضا يفرغ القلب لله، والسخط يفرغ القلب من الله، بين أن يمتلئ قلبك محبة بالله، وبين أن يفرغ من محبة الله، فإن ما امتلئ قلبه من الرضا ملأ الله صدره غنىً وأمناً وقناعة، وفرغ قلبه لمحبته، والإنابة إليه، والتوكل عليه.

 

 

4 – الرضا مِن أعمال القلوب:

 الرضا من أعمال القلوب، محله القلب، نظير الجهاد، فهو من أعمال الجوارح فإن كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان، ذروة سنام الإيمان الصبر للحكم والرضا بالقدر.
أحياناً تقرأ آية:

 

﴿ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾

( سورة القلم الآية: 48 )

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

( سورة الطور الآية: 48 )

لماذا يأمرنا الله بالصبر ؟!!

 لمَ يقول له: فاصبر ؟ لو أن حكمة هذه الشدة ظهرت فلا داعي للصبر.
أحياناً ينبئ الطبيب مريضه أن قلع سنك مؤلم جداً، لأنه لا يحتمل المخدر، الصبر يكون مع الشيء غير الواضح.

 

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾

 لذلك هؤلاء الذين رضوا عن الله، قال عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

 

(( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا ))

 

[ أخرجه أحمد ومسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب ]

 ذاق، فالإيمان له طعم، تذوقه بالرضا.

 

(( مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ المُؤَذّنَ: أشْهَدُ أنْ لا إله إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ باللَّهِ رَبّاً، وبِمُحَمَّدٍ صلى اللّه عليه وسلم رَسُولاً، وبالإِسْلامِ دِيناً، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُه ))

 

[ رواه مسلم عن سعد بن ابي وقاص ]

أقسام الرضا:

 عندنا رضا بألوهية الله، ورضا بربوبيته:

 

1 – الرضا بألوهية الله:

 الرضا بألوهية الله عز وجل يتضمن الرضا بمحبته وحده، وخوفه، ورجاءه، والإنابة إليه، والتبتل إليه، وانجذاب قوى الإرادة الحب كلها إليه.

 

 

2 – الرضا بربوبية الله:

 أما الرضا بربوبيته فيتضمن الرضا بتدبيره لعبده، إفراده للتوكل عليه والاستعانة به، والثقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضياً بكل ما يفعل به.

 

 

3 – الرضا برسول الله:

 أما أن ترضى برسوله، أي أن ترضى بسنته، هناك شيء حرّمه النبي عليه الصلاة والسلام، وشيء أباحه، فالذي يعترض على تشريع النبي، وعلى أمر النبي، وعلى نهي النبي فليس من الراضين برسوله.

 

 

أسباب الرضا:

 من أعظم أسباب الرضا: أن يلزم ما جعل الله رضاه فيه، يرضى عنك إن كنت صادقاً، يرضى عنك إن كنت تواباً، يرضى عنك إن كنت متسامحاً، اقرأ القرآن الصفات التي يحبها الله إن فعلتها قادتك هذه الصفة إلى الرضا.
قيل لبعض العلماء: " متى يبلغ العبد مقام الرضا ؟ قال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول، يقول لله عز وجل: يا رب إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدتك، وإن دعوتني أجبتك.

 

 

في أي وضع يكون الرضا:

 الصحابة الكرام عاهدوا رسول الله على الطاعة في المنشط والمكره، أنا أضيف: في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، بزواج ومن دون زواج، مع بيت تسكنه، أو بلا بيت، بعمل أو بلا عمل، لكن متى يرضى الإنسان ؟ بعمل، ودخل، وبيت، وزوجة، وأولاد، وسيارة، إذا نقصت واحدة يتغير الوضع، هذا الذي يعبد الله على حرف إن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة.
 أي إنسان بأي مستوى، بأي إيمان، بأي وضع إن جاءته الدنيا كما يتمنى يرضى، بالعكس، أحياناً يدّعي بعض الأغنياء أن الله إذا أحب عبده أطلعه على ملكه، يسافر سفرات لا ترضي الله أبداً، يتوهم أن الله يحبه، سمح له أن يروح، إلى شرق آسيا وإلى مونتيكارلو، يعد نفسه من المحبوبين عند الله.

 

 

العلم والرضا:

 قال بعض العلماء:: الرضا صحة العلم الواصل إلى القلب، فإذا باشر القلب حقيقة العلم أداه إلى الرضا ".
أنت لا حظ طفلا صغيرا على كرسي طبيب الأسنان، يبكي، أحيانا يمد يده ليمنع الطبيب من متابعة العمل، وإن لم يكن من تربية صالحة قد يسب الطبيب، لماذا ؟ لجهله أن هذا الشيء يؤلمه، أما الراشد فيشكر الطبيب، مع أنه يتألم، لكنه يعلم أن هذا الألم لمنع الألم.
كلما ازداد علمك ازداد رضاك عن الله عز وجل، وعدم الرضا نوع من الجهل، لذلك الرضا هو صحة العلم الواصل إلى القلب.

 

 

ارض فيما أقامك الله من دنياك:

 الرضا سكون القلب إلى اختيار الله، اختارك من أصحاب الدخل المحدود، فهو طول عمره ساخط، يا أخي، الذي نأخذه في شهر يأخذه فلان في ساعة، الذي تحصله في سنة بصفقة واحدة فلان يجمعه، دائماً يوازن نفسه مع أصحاب الدخل غير المحدود، الله عز وجل أقامك من أصحاب الدخل المحدود، ارضَ عن الله.

 

 

المجموع ثابت:

 هناك تفسير علمي: المجموع ثابت، أوضح شيء موظف في شركة، معاشه يكاد يكفي حاجاته، صاحب الشركة دخله أكبر بكثير، لكن تأتي على صاحب الشركة ساعة ينسى حليب أمه، أما المحاسب فلا علاقة له ببضاعة محجوزة، أو خطأ جمركي، وفي 8 أمثال البضاعة، ومصادرة، وبضاعة كاسدة، وبضاعة مرفوضة، تجد أعصاب صاحب الشركة تالفة، لكن دخله كبير، أعصاب المحاسب مرتاحة، ودخله محدود، أعطِ الراحة النفسية ثمانين، وأعطِ الدخل عشرين للمحاسب، و أعطِ لصاحب الشركة الدخل ثمانين، والراحة عشرين، يصبحوا مثل بعضهم، المجموع ثابت، ولو دققت لوجدت أن كل إنسان آخذ من الله عز وجل مئة علامة موزعة توزيعا مختلفا، فالمجموع ثابت.

 

 

أقوال العلماء في الرضا:

 

القول الأول:

 قال بعض العلماء: طريق الرضا طريق مختصرة، قريبة جداً، موصلة إلى أجلّ غاية، ولكن فيها مشقة، ومع هذا فليست فيها مشقة أصعب من مشقة المجاهدة، ولا فيها من العقبات والمفاوز ما فيها، وإنما عقبتها همة عالية، ونفس ذكية، وتوطين النفس كل ما يرد عليها.
هناك عبارات عامية رائعة، يقول لك العامي: استفقادات الله رحمة، كمَن جاءه مرض.
والله أحياناً تتكشف حِكم بعض المصائب بشكل عجيب، هذه المصيبة محض رحمة، محض عناية، محض لطف، لكن لا تبدو في حينها، لكن بعد حين، الذي رضي عن الله ارتقى إلى مقام الرضا، ثم كشفت له الحقيقة، فرضي عن واقعه، كان راضياً بإيمانه، فصار راضياً بواقعه.

 

القول الثاني:

 قال الفُضيل: " الرضا أفضل من الزهد في الدنيا "، لأن الراضي لا يتمنى فوق منزلته، أحدهم أعطاه الله مالا، بهذا المال عمل أعمالاً صالحة لا تعد ولا تحصى، رضي عن الله أن جعله غنياً، وكان يتمنى أن يكون زاهداً، هذا اختيار الله لك، أعطاك نعمة، وأنت تبذلها، وبذل هذه النعمة عمل عظيم، بل إن الله يقرك على هذه النعمة ما بذلتها، فإذا منعتها أخذها منك، وأعطاها إلى غيرك.

 

 

القول الثالث:

 وقالوا: " الرضا قبل القضاء عزم على الرضا، والرضا بعد القضاء هو الرضا ".
 دخل أحدهم في تجربة، إما أن تنجح أو لا تنجح، إنه شيء حاسم في حياته، المؤمن عنده شعور إذا نجحت فهذا من تقدير الله له، راضٍ، وإن لم تنجح فهو راضٍ عند عدم النجاح، فهو موطِّن نفسَه على قبول الحاليين، هذا شيء رائع جداً، موطِّن نفسه على أنه رُشح في بعثة يرتقي بها علماً ودخلاً، المؤمن يقول لك: إذا وافقوا على إرسالي في هذه البعثة فهذه نعمة من الله، وإذا لم يوافقوا فهذه نعمة من الله كذلك، لعل حكمته ينطوي فيها الخير، وأنا لا أعلم.

 

 

أقسام الرضا باعتبار الراضي:

 الرضا أقسام ثلاثة: رضا العوام بما قسمه الله وأعطاه، رضا الخواص بما قدره وقضاه، العامي يقول لك: الحمد لله، عندي بيت مئة متر مستور فيه، وعندي ولدان وزوجة والحمد لله، العوام يرضون عن الله بما أعطاهم، أما الخواص فرضاهم عن الله بقضائه وقدره.
أحياناً يكون اجتياح لبلد، ودمار، المؤمن عنده إحساس أن هناك حِكما بالغة تنطوي على هذا الاجتياح، خواص الخواص لا يرضون بغير الرضا حالاً، أي وضع فهم راضون عن الله.

 

 

هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا  فليس لي عنهم معدل وإن عدلوا
والله لو إن فتتوا في حبهم كبدي  باق على حبهم راضٍ بما فعلوا
***

 هذا حال رائع جداً، والله بعض الصحابة فقَد بصره، ولا أقول لكم: هذا هو المنهج، لكن هذا حال، قيل له: ادع الله أن يشفيك، قال له: والله أخجل، هو اختار لي هذا، وأنا أدعوه بخلافه.

 

﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾

( سورة الفجر )

 قال بعض علماء التفسير: " النفس المطمئنة النفس الراضية عن الله ".
كان أحدهم يطوف حول الكعبة وهو يقول: يا رب، هل أنت راضٍ عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي، قال: يا هذا، هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ هو تعجب ! فالتفت نحوه، وقال: يا سبحان الله ! من أنت ؟! قال له: أنا محمد بن إدريس، قال له: كيف أرضى عن الله، وأنا أتمنى رضاه ؟ ما هذا الكلام ؟ فقال له الإمام الشافعي: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله.
عندك إمكان في الضيق المادي، وأنت راض، يا رب، لك الحمد ؟ عندك إمكان في حال المرض أن ترضى ؟
والله أعرف أخا مؤمنا، أصابه سرطان في الأمعاء، وبقي يعاني من آلام لا تحتمل سنتين، ثم توفاه الله، تقول زوجته وهي صادقة: ما سمعت منه إلا كلمة: يا رب، لك الحمد .

 

القول الرابع في الرضا:

 وقالوا: " أرفع الرضا لا أن ترضى عن الله، أن ترضى بالله رباً، أن ترضى بالله لا عن الله.
كل إمكاناتك للتقرب من الله.

 

 

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

 

( سورة الأنعام الآية: 164 )

﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الأنعام الآية: 14 )

﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً ﴾

( سورة الأنعام الآية: 114 )

﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ﴾

 ثم يقول الله عز وجل:

 

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾

 

 

( سورة البينة )

 هذه كلمات سهلة، لكن تطبيقها صعب، أن ترضى عن الله بمكروه القضاء.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018