٠13رمضان 1427هـ - صلاح الأمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صلاح الأمة - الدرس : 35 - القصة في القرآن الكريم


2006-10-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة.

قصة من قصص صور الشعراء:

 في سورة الشعراء عدة قصص، سيدنا موسى، سيدنا إبراهيم، سيدنا نوح، وقصة قوم عاد وقوم ثمود، وأصحاب الأيكة.

 

1 – تشابه مقدمة كل قصة وخاتمتها في سورة الشعراء:

 هناك مقدمة، وخاتمة لكل قصة متشابهة، لكن المقدمة لهذه القصص:

 

﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

2 – القصص تسلية للنبي عليه الصلاة والسلام:

 الله عز وجل يسلي نبيه صلى الله عليه وسلم، ويخفف عنه.

﴿ طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى ﴾

( سورة طه )

 هو يخفف عنه، فقال:

﴿ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

3 – الأصل في الإيمان الاختيار ثم الابتلاء:

 كان من الممكن أن يجبر الله جميع البشر على الإيمان به وطاعته، لكن هذا الإجبار، وهذه الطاعة لا قيمة لها إطلاقاً لأنها لا تسعدهم.
 كان من الممكن أن يوزع رئيس الجامعة على كل الطلبة في الفحص الأخير أوراق الإجابة مكتوب عليها، أو مطبوع عليها الإجابة التامة، وما على الطالب إلا أن يكتب اسمه، والعلامة التامة بالأحمر 100 على 100، لجميع طلاب الجامعة، ما قيمة هذا النجاح ؟ لا قيمة له إطلاقاً، لا عند الناس، وعند الجامعة، ولا عند الناجح، هذا نجاح ساقط.
فالله عز وجل يقول: يا محمد، إنك متألم من عدم إيمانهم، لو أردت لآمنوا جميعاً، لكن هذا الإيمان لا يسعدهم.

 

4 – مع كل المعجزات لم يؤمن لموسى إلا القليل:

 الله عز وجل سيبين للنبي أن قوم موسى رأوا البحر أصبح طريقاً، ورأوا العصا أصبحت ثعباناً مبيناً، ورأوا المعجزات، ومع ذلك:

 

﴿ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 138 )

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الشعراء

 ما لم تسلك السبيل التي رسمها الله للإيمان فلا يمكن أن تؤمن، أي ما لم تتخذ قراراً داخلياً بالإيمان لا تؤمن ولو رأيت الآيات كلها.
إن إنسانا اتخذ قرار أن يؤمن، لو رأى آثار أقدام يستدل بها على المسير، لو رأى ماءاً يدله على الغدير، لو رأى بعرة تدله على البعير، فإن لم تتخذ قراراً بأن تؤمن فلا شيء في الكون يحملك على أن تؤمن.
سيدنا موسى رأى قومه من المعجزات ما يكفي، ومع ذلك:

 

﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 لذلك خاتمة كل قصة:

 

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾

 سيدنا إبراهيم ألقي في النار:

 

 

﴿ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

 

( سورةالانبياء)

 ولم يؤمنوا

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 فإنْ لم تختر أن تكون مؤمناً، إن لم تتخذ قراراً أن تكون مؤمناً، إن لم تبحث ذاتياً عن الحقيقة، إن لم تطلبها ذاتياً لو رأيت كل معجزات الأنبياء مجتمعة فلن تؤمن.

 

 

5 – الكون والمخلوقات جميعا معجزة:

 الكون بوضعه الراهن أكبر معجزة، الولادة معجزة، أن يأتي ابن كامل الخلق من حوين وبويضة أكبر آية، المطر معجزة، النبات معجزة، الأطيار معجزة، الأسماك معجزة، الكون من دون خرق لعاداته، ولنواميسه أكبر آية دالة على الله عز وجل، بعد سيدنا إبراهيم سيدنا نوح، الآية تبدأ بالنبي الكريم ثم تتابع بذكر المعجزة، ثم يقول الله عز وجل:

 

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾

 هذه مقدمة لازمة لكل قصة، بينما بالمقدمة:

 

 

﴿ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾

 

﴿ إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ* فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴾

( سورة الشعراء )

 هذا وضع طبيعي من دون خرق للعادات، من دون معجزات.
 مرة ثانية: الكون بوضعه الراهن السماوات والأرض، الشمس والقمر، الجبال والأنهار، الأمطار البحار، الأسماك، الأطيار، النبات، خلق الإنسان، توالد الإنسان، هذه آيات كافية لكل من أراد الإيمان، أما وقد خُرقت العادات، ومع ذلك لم يؤمنوا، فإن لم ترد أن تكون مؤمناً فليس هناك من سبيل إلى أن تؤمن، وفي نهاية هذه القصص يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾

 

( سورة الشعراء )

القراّن بلسان عربي مبين:

 الآن: هذا القرآن قال:

﴿ وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ﴾

( سورة الشعراء

 إنسان غير عربي وليكن فارسي:

 

﴿ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ﴾

 

( سورة الشعراء الآية: 199 )

 يعني لو أن هذا القرآن نزل بلغة أعجمية

﴿ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ﴾

 ما آمنوا به.
واللهِ سافرت مرة إلى بلاد فارس، والله ما فهمت كلمة، ولا حرفا، ولا رقما، لو أن هذا القرآن أنزل على إنسان أعجمي بلغته، وجاء هذا الإنسان إلى مكة، وقرأه عليهم قال:

﴿ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ

( سورة الشعراء )

من لم يرد الحقيقة بالقراّن لن يؤمن ولو كان عربيا:

 هذا القرآن الكريم باللغة العربية المبينة، لو قرأناه على عرب أقحاح متمكنين من اللغة قال:

 

﴿ كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴾

 

( سورة الشعراء )

 وكأنه بلغة أعجمية.

﴿ لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

( سورة الشعراء )

 حتى القرآن إذا ما أراد الإنسان به الحقيقة، وقرأ القرآن، قال تعالى:

 

﴿ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾

 

( سورة فصلت الآية: 44 )

 قال تعالى:

 

﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾

 

( سورة الإسراء )

 حتى القرآن، إن لم تتخذ قراراً أن تؤمن فلا تنتفع به، لا تنتفع لا بآيات الله الكونية، ولا بآيات الله القرآنية، ولا بآيات الله التكوينية، الله كيف أهلك عادا وثمود ؟

 

من لم يؤمن بالكون لن يؤمن بالمعجزات:

 في هذه السورة آيات كونية، وتكوينية، وقرآنية، ما لم تطلب الهداية، ما لم ترد أن تهتدي، ما لم تختر الهداية، ما لم تتخذ قراراً بالهداية فلن تؤمن، ولا تسأل عن المعجزات، هؤلاء الذين رأوا البحر أصبح طريقاً، والعصا أصبحت ثعباناً، والنار لم تحرق، والناقة خرجت من الجبل هؤلاء الذين رأوا الآيات لم يؤمنوا.
لذلك من لم يؤمن بالكون في وضعه الراهن لن يؤمن بالله عن طريق خرق نواميس هذا الكون.
أنت الآن محاط بمليار آية، سمعك آية، بصرك آية، شعرك آية، أنفك آية لسانك آية، قلبك آية، رئتاك آية، الكليتان آية، المعدة آية، الجلد آية، الردم آية، الأوعية آية، الآن كأس الماء آية، النباتات آية، الأزهار آية، كل شيء حولك آيات، آيات كونية هي خلق الله، وآيات تكوينية هي أفعاله، وآيات قرآنية كلامه.

 

 

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

 

( سورة الجاثية )

لن نؤمن ما لم نسلك طريق الله:

 ما لم نسلك الطريق التي رسمها الله للإيمان لن نؤمن.
 تقول دولة لك: الطبيب يجب أن ينال إجازة في الطب من الجامعة، يأتي إنسان يقرأ مجلات طبيبة، يقتني مجلات طبيبة، هل بإمكانه أن يكون طبيباً ؟ لا، لو اطلعت على مجلات، وزرت مستشفيات ما لم تنل شهادة ثانوية، وتدخل كلية الطب، وتدرس أول سنة علوما، رياضيات وفيزياء، وكيمياء، وطبيعيات، والسنة الثانية تشريحا، والسنة الثالثة فيزيلوجيا، والرابعة علم الأمراض، والخامسة علم الأدوية، وسنتين تدريبا، لا تأخذ إجازة بالطب، هناك مليون طريق متعلق بالطلب، تعمل في صيدلية، لكن لا تصبح طبيبا، تقرأ مجلات طبيبة، لا تصبح طبيبا، تعاشر أطباء، تسهر معهم، لا تصبح طبيبا، تشتري رداء أبيض، ونظارات وسماعات قلب، لا تصبح طبيبا، ما لم تدخل الطريق التي رسمتها الدولة لتكون طبيباً لن تصبح طبيبا.
الله عز وجل قال:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا ﴾

( سورة الرعد الآية: 41 )

 لو أنهم رأوا الآيات التي بين أيديهم لا يحتاجون إلى معجزات، فالذين طلبوا المعجزات، ورأوها بأعينهم لم يؤمنوا، إذاً: الطريق التي ينبغي أن نسلكها أن نتفكر في خلق السماوات والأرض، فهي وحدها الطريق السالك والآمن والموصل.

 

لا تأس ولا تحزن على من أراد الفسق والفجور:

 شيء آخر، لا تأسَ على من أراد الفسق والفجور، هذا اختياره، اسعَ، بيّن وضح، لكن في النهاية إذا أصر على ما هو عليه فهذا اختياره، الإيمان اختيار، لا إكراه في الدين، لأن الله عز وجل الذي خلق السماوات والأرض، وأمره كن فيكون، زل فيزول، وما أجبر عباده على الطاعة.

 

 

لا إجبار على الدين ولا إكراه:

 لذلك في بعض البلاد حينما يجبرون الناس على الصلاة يصلون بلا وضوء، جاء إنسان من بلد، هذا البلد يجبر الناس على الصلاة، دخل جامعا في بدر، وهناك شيء هز أعمق أعماقه، أنت إذا رأيت المنظر لا تتأثر، هذا ماذا رأى ؟ رأى جامعا مكتظ بالناس، وعلى باب السجد بائع يبيع بعض الفواكه الربيعية، وينادي عليها في أثناء الصلاة، وفي أثناء الخطبة، ولا أحد يحاسبه، فاستنبط أن كل هؤلاء الذين في المسجد دخلوا باختيارهم، لأنه لا إجبار على الصلاة، الدليل أن هذا الذي لا يصلي، ولا يصغي إلى الإمام والخطيب، ولا يصلي مع صلاة الجماعة، ولا أحد يحاسبه، فلا إجبار في الدين، فأنت حاول أن تقنعي لا أن تقمعني.
فالأب الذي يسلك سبيل العنف وإجبار ابنه على عمل ديني هذا العمل غير مجدٍ يجب أن تقنعه بهذا الدين، يجب أن تكون عنده قناعات قوية جداً.
إذاً أيها الإخوة، الطريق الموصل إلى الله التفكر في خلق السماوات والأرض أو التفكر بآياته القرآنية، والكونية، والتكوينية.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018