٠13رمضان 1427هـ - صلاح الأمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

صلاح الأمة - الدرس : 32 - العمل الصالح


2006-10-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس صلاح الأمة في علو الهمة.

مالذي يدفعك على التفوق ؟!

 ما الذي يدفعك إلى أن تكون متفوقاً ؟ أن هذا الجهد محفوظ عند الله، لو أردنا أن نتحدث عن وضع الناس ما الذي يضبطهم ويدفعهم إلى المعالي ؟ أن المحسن إحسانه محفوظ، والمسيء معاقب، ولا شيء يثبط عزيمة الأمة كأن يكافئ المسيء، ويعاقب المحسن، أما إذا عوقب المسيء، وكوفئ المحسن تقدمت الأمة خطوات سريعة إلى العلياء.
على مستوى أسرة، على مستوى صف، على مستوى معمل، على مستوى مستشفى، على أي تجمع إذا عوقب المسيء، وكوفئ المحسن تنافس الناس إلى التفوق، أما إذا عوقب المحسن وكوفئ المسيء.
 لذلك لما كان سيدنا عمر يمشي في المدينة رأى أطفالاً، فلما رأوه تفرقوا لهيبته، وبقي واحد منهم لم يتحرك، لكن بأدب، لفت نظره، لما اقترب منه قال: << أيها الغلام، لمَ لم تهرب مع من هرب ؟ قال: أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك، ولست مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك >>.
هذا الغلام رسم منهج أمة.
إذا خاف المستقيم، واطمأن المسيء انتهت الأمة، إذا عوقب المحسن، وكوفئ المسيء انتهت الأمة، فربنا عز وجل يطمئننا، ويقول بعد أن حدثنا عن قصص الأنبياء وَاحداً واحداً قال:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ﴾

( سورة الأنبياء )

فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ

1 – العمل الصالح بدافع الإيمان بالله: وَهُوَ مُؤْمِنٌ

 لكن في الآية ملمح دقيق:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ ﴾

 قد نجد إنسان كافر يعمل الصالحات، لأنه ذكي، لأنه اكتشف أنه إذا استقام على مقامه، أقبل الناس عليه زادت أرباحه، أصبح في نعيم مقيم، لذلك العمل الذكي يلتقي مع العمل العبادي في النتائج ، ويختلف في البواعث، البواعث مختلفة بين أن ترجو الله والدار الآخرة، وبين أن ترجو المكاسب في الدنيا، أما السلوك فواحد.
لذلك هذه الآية مطمئنة:

 

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ ﴾

 لا من باب الذكاء، لا من باب المصلحة، لا من باب أن الأمور مضبوطة جداً، فخاف من العقاب، فاستقام، لا،

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾

 أن الله موجود، وأنه سيكافئه في الدنيا والآخرة، وانقلب عمله إلى عمل عبادي.

 

2 – العادات تنقلب عبادات بفعل النية:

 ولا تنسوا أيها الإخوة، أن المؤمن يستطيع أن يجعل حرفته عبادة، إن كانت في الأصل مشروعة، وسلك بها الطرق المشروعة، وابتغى بها كافية نفسه، وأهله وخدمة المسلمين، ولم تشغله عن فريضة، ولا عن واجب، ولا عن عمل صالح، ولا عن طلب علم، انقلبت هذه الحرفة إلى عبادة، إذاً:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ﴾

فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ:

1 – لا يضيع سعي المؤمن:

 هذه طمأنينة تلقى في قلب المؤمن، أنت فاتتك فرص كثيرة، لأنك مؤمن، المطلوب إنسان غير مؤمن، المطلوب إنسان متساهل، مطلوب إنسان يقبل أن يأكل المال الحرام، المطلوب إنسان لا يدقق، المطلوب إنسان بلا مبادئ، المطلوب إنسان يمكن أن يسهل لمن فوقه أعمالهم، لأنه مسلم، متمسك فاتته فرص كثيرة، لأنه مسلم متمسك فاتته بعثات كثيرة، لأنه مسلم متمسك فاتته وظائف كثيرة، لأنه مسلم متمسك دخله محدود، لأن الدخول الكبيرة جداً على حساب مبادئه، وقيمه، ودينه، لأنه مسلم متمسك فاته هذا التعهد، لم يدفع الذي دفع دفعنا له، الذي لم يدفع فاته

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ ﴾

 لكن لو جاء الجزاء سريعاً ألغي الاختيار، وطن نفسك أن تعمل صالحاً لأمد طويل، وأنت تبتغي وجه الله، ثم تأتي المكافئة بعد حين.
على كلٍ هذه آية من دقائق الآيات.

 

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ﴾

2 – الله يعوِّض ما فات المؤمنَ:

 أحيانا تقول فتاة: لأنني أخاف الله فقدت وظيفتي، لأنني كنت عفيفة جداً لم أنل بغيتي، لأنني أصر على شاب مؤمن يصلي كاد قطار الزواج يفتني، لأنني، لأنني، هكذا الناس الآن.
فالمؤمن يدفع ثمن إيمانه باهظاً، لكن هذه التضحية محفوظة، محفوظة في أعلى مستوى، الشاهد الله عز وجل خاطب المؤمنين فقال:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾

( سورة التوبة الآية: 28 )

2 –قد يدفع المؤمن ثمنا باهظا لقرار بطولي:

 ألغيت السياحة، ألغيت حجوزات الفنادق، ألغيت المطاعم، أقرب لكم الفكرة، ألغي الرواج، انخفض سعر العملة، لعدم الطلب على العملة المحلية، وعدم وجود السياح، قال الله:

 

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾

 

( سورة التوبة الآية: 28 )

 سوف تعانون من انخفاض الدخل.

﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

( سورة التوبة الآية: 28 )

 لا بد من أن تدفعوا ثمن قراركم البطولي إلى حين، لكن بعد حين،

﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

 وطن نفسك أنك حينما تتخذ قراراً بطولياً، لا تنتظر فرجاً سريعاً، أن تدفع ثمن هذا القرار وسام شرف لك يوم القيامة، لكن بعد حين يأتي الفرج:

 

﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

 أخ كريم كان قبل أن يتعرف إلى الله عنده مطعم يبيع فيه الخمور، أقسم بالله أن أرباحه بلغت رقماً فلكياً، 18 شركة أجنبية متعاقدة معه لموظفيها ولضيوفهم، والأسعار من دون قيد أو شرط، عشرة أضعاف، عشرون ضعفا، دخل فلكي، فلما أوقف بيع الخمر أقسم لي أن الدخل هبط إلى العشر، إلى أقل من العشر، وصبر إلى أن فرج الله عنه.
وطن نفسك، التضحية محفوظة، فوات الفرص محفوظ، لا تقلق، هناك معركة أزلية بين الحق والباطل، هذه الآية مطمئنة، والآمر ضامن:

 

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ ﴾

 

 

 ملمح آخر دقيق في الآية: قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

( سورة الأنبياء )

بشرى عظيمة: أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ

1 ـ معنى إرث الأرض:

 يا ترى المؤمنون ؟ لا، الصالحون، قد يكون المؤمن مقصرا، لا يحسن إدارة الدنيا، لا يهتم بالآخرين، أما الصالح لإدارة الدنيا فهو الذي يرثها في الدنيا.

 

2 ـ الدنيا تصلح بالكفر والعدل، ولا تصلح بالإيمان والظلم:

 قالوا: الدنيا تصلح بالكفر والعدل، ولا تصلح بالإيمان والظلم، الذي يحسن إدارة الدنيا يتسلم زمامها، الذي يؤدي كل الخدمات ويعدل بين الناس يستحق أن تكون الدنيا له، هذه حقيقة شئنا أم أبينا، حقيقة صارخة:

 

 

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

3 ـ حل مشكلات الناس من الصلاح في الأرض:

 حينما تهيئ فرص عمل، حينما تحل مشكلات كبيرة، مشكلات السكن، مشكلات البطالة، حينما تستخرج الثروات، وتنشئ السدود، وترفع مستوى الدخل، وتهيئ للناس كل حاجاتهم، حينما يعنيك زواج الشباب، أعمال الشباب، أنت حينما تكون صالحاً لإدارة الدنيا تتسلمها، فإن لم تكن صالحاً تعطى للصالح ولو كان كافراً، هذا كلام دقيق أقوله لكم، نحن مسلمين، خير إن شاء الله، ماذا فعلتم ؟ ماذا حللتم من مشكلات أمتكم ؟

 

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

 

 

 أنا والله أتكلم بهذا الكلام، وأنا متألم، إن الله ينصر الأمة العادلة الكافرة، على الأمة المسلمة الظالمة، عند الله كلنا عباده، من الذي عمل صالحاً ينتصر، هذه الدنيا.
الآخرة فللمؤمنين.
أمّا غير المؤمنين:

﴿ وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾

( سورة البقرة )

 الآخرة وعد صادق، أما الدنيا لمن يصلح لإدارتها، لمن يصلح لحل مشكلات الناس فيها، لمن يصلح لإعطاء الناس حقوقهم.

﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾

﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾

( سورة الحج الآية: 45 )

وهم خاطىْ: نسبة الهزيمة إلى الأسباب الأرضية:

 نحن ألفنا أسباب الهلاك الأرضية، الزلزال، الاجتياح، الحرب الأهلية العدوان، العدوان الغادر، متى كان العدوان ليس بغادر؟! الصهيونية العالمية، الاستعمار، الموساد، مرتاح، نلقي العتب على غيرنا، نلقي المسؤولية على غيرنا.

 

كل مصيبة وخسارة بسبب الظلم والمعصية:

لكن الحقيقة:

 

 

﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾

 

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

( سورة النحل )

قال:

﴿ فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ﴾

ما مظهر ظلمها ؟ قال:

﴿ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾

( سورة الحج )

 ماذا نفهم من هاتين الكلمتين ؟ المرفق الحيوي الأساسي لكل الناس معطل، والقصر مشيد، هناك تفاوت خطير جداً، حاجات أكبر شريحة من المجتمع معطلة، وحاجات القلة القليلة ميسرة، هذا أيضاً أحد أسباب هلاك الأمم.

 

﴿ وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ ﴾

 

قراءة التدبر:

 أيها الإخوة، كما تعلمنا أن قراءة التدبر ليس المقصود منها المضي سريعاً في القراءة، قف عند آية واحدة، قف عند عدة آيات، تأمل، تدبر، اسأل نفسك السؤال المحرج: أين أنت من هذه الآية ؟ لأنه ألفنا قراءة القرآن في رمضان، والحقيقة المرة أننا في واد ، والقرآن في واد آخر، وما لم يصبح القرآن سلوكاً يوماً لنا، ما لم نقم حدوده، ما لم نقم هذا القرآن في بيوتنا، وفي أعمالنا فتلاوتنا ليست مقبولة عند الله.

 

(( ما آمن بالقرآن من استحل محارمه ))

 

[ لأخرجه الترمذي عن صيب ]

 ورب تالٍ للقرآن، والقرآن يلعنه.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018