بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس (20-51) : التربية الإجتماعية -7- حق الكبير

1994-09-04

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في مسؤولية الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعيّة.

النبيّ عليه الصلاّة والسلاّم بيّن حقَّ الكبير في توجيهاتٍ دقيقةٍ وكثيرة:

 وصلنا إلى تلقين الصغار الحقوق المتعلّقة بالوالدين وذوي الرحم، والمعلّم والمربّي وها نحن أولاء ننتقل اليوم إلى حقِّ الكبير.
 صدقوني أيّها الأخوة ما من طفلٍ أو صغيرٍ يرتكب عملاً قبيحاً أشدَّ من أن يتطاول على كبير، لذلك قد تعجبون أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تبرأ ممَن لا يوقر كبيرنا ولا يرحم صغيرنا ولا يعرف لعالمنا حقه.
 الإنسان المتطاول على من هو أكبر منه في السن هو إنسانٌ بعيدٌ بعداً شديداً عن التربية الإسلامية لذلك النبيّ عليه الصلاّة والسلاّم في توجيهاتٍ دقيقةٍ وكثيرة بيّن حقَّ الكبير.
 أولاً من هو الكبير ؟ أحد تعاريف الكبير أنّه كبير السن، فالمتقدّم بالسن كبير، ولا يمكن لصغير في السن أن يتطاول على كبير مع أنّ العالم شيخٌ ولو كان حدثاً، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً، هذه حقيقة، العلم يكبِّر الإنسان والجهل يصغّره، ترى أشخاصاً كباراً في السن حول مهندسٍ شابٍ يأخذون منه التعليمات، الموافقة، التوجيهات، وقد يكون في سنِّ أولادهم، هم كبار ولكنّهم لم يدرسوا، فالعالم شيخٌ ولو كان حدثاً والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً، لكن الكبير هو الكبير في السن مبدئيّاً، والكبير هو الكبير في العلم، والكبير هو الكبير في القدر.
 في الحياة توجد ثلاث قوى: إمامٌ عادل، وعالم عامل، وإنسان كبير في السن، فالإنسان يُحترم إما لعلمه، أو إذا كان في منصب وهو يقوم بحقِّ هذا المنصب.
 على كلٍ من كان أكبر منك سناً، أو أكثر منك علماً، أو أرفع منك تقوى وديناً، أو أسمى منك جاهاً وكرماً هذا هو الكبير.
 ما رأيت أدباً أرفع من أدب أصحاب رسول الله، سيّدنا العبّاس عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل: أيكما أكبر، أنت أم رسول الله ؟ قال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله، أرأيتم إلى هذا الأدب.

كما تدين تدان:

  أيُّها الأخوة، روى الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( ما أكرم شابٌ شيخاً لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه ))

[الترمذي عن أنس رضي الله عنه]

  شابٌ نكرة، أي شاب أكرم شيخاً ـ أي شيخ كبير في السن ـ بعضهم استنبط استنباطاً لا أدري مبلغه من الصحّة أي إذا أكرمت إنساناً في الثمانين فأبلغ الظن أنّك سوف تصل إلى الثمانين عاماً حسب الحديث ـ هذا استنباط لا أدري مبلغه من الصحّة ـ لكن الإنسان إذا أكرم شيخاً لسنّه قيض الله له من يكرمه عند سنّه.
 هل لهذا الحديث معنى مخالف ؟ المعنى العكسي إذا تطاول إنسانٌ على إنسان كبير وهو شاب في ريعان الشباب، أو قوي، أو في منصب حسّاس، وإنسان في سنّ والده تطاول عليه، اعتدّ بقوّته، وبمنصبه، وبسلطته، تطاول عليه، الحديث له مفهومٌ معاكسٌ ويسمونه المفهوم المخالف، وما تطاول شابٌ على شيخٍ استخفافاً به إلا قيّض الله له من يستخفُّ به ومن يهينه في هذا السن.
 حدّثني رجل أثق بحديثه، كان راكباً في قطار، وقبل أن ينطلق القطار من المحطّة، غرفته فيها شاب، صعد إلى هذه الغرفة شيخ وقور، كبير في السن، أناس غير مهذّبين أنزلوه بالقوّة وتطاولوا عليه، هذا الشيخ انكفأ على نفسه، تألم، وأظنُّ أنّه بكى، الذي حدّثني بهذه القصّة أخذ هذا الشيخ إلى غرفةٍ أخرى في القطار وأكرمه، وأراد أن ينسيه هذه المأساة، فما كان من هذا الشيخ إلا أنّ قال: والله في هذا المكان بالذات كنت شاباً وتطاولت على رجل كبير في السن.
 العوام يروون قصصاً كثيرة جداً وأنا أصدّقها، مثلاً بهذا المكان ضرب والده، وبنفس المكان ابنه ضربه:

(( ما أكرم شابٌ شيخاً لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه ))

[الترمذي عن أنس رضي الله عنه]

  بالمقابل لا يتطاول شاب على إنسان كبير في السن، على والده، بالكلام أو بالضرب إلا سوف يدفع الثمن باهظاً.

(( البرُّ لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان.))

[عبد الرزاق والبيهقى في الزهد عن أبى قلابة مرسلاً]

  ذكرت لكم مرّة قصّة رجل عادي جداً بل أقل من العادي وله أولاد عاديّون وأقلّ من عاديين، ليس له ميّزة وليس لهم فضل، لكن هذا الرجل فقد حركته وأصيب بالشلل، فنهض أولاده الشباب الذين هم أبناؤه وخدموه خدمةً لا يمكن تصورها، وكان لهم قريبٌ يلحظ هذه الخدمة قال لي: بقيت سنة وأنا أعجب لهذه الخدمة، لا الرجل المخدوم من العلم والقدر والكرامة والعطاء والتضحية والمؤاثرة بحيث يستحقّ هذه الخدمة، ولا هؤلاء الشباب من العلم والتقى والورع بحيث ينطلقون من إيمانهم بهذه الخدمة، فقال لي هذا الرجل: والله بقيت عاماً وأنا أتساءل ما سرّ هذه الخدمة ؟!! ثم بعد ذلك اكتشف أنّ هذا الرجل المشلول رعى أمّه خير رعاية حينما أصيبت بفالجٍ أقعدها الفراش. ربّنا عزَّ وجلَّ تجاوزاً لطبيعة الشباب وطبيعة الأب دفع هؤلاء الشباب لخدمة أبيهم، أي بالتعبير الدقيق الحياة دينٌ ووفاء.

من الكبائر ألا ترحم الصغير وتعرف حقّ الكبير:

 قال عليه الصلاة والسلام:

(( ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقَّ كبيرنا ))

[الترمذي عن عمروٌ بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضي الله عنهم ]

  ليس منّا، وهذه الأحاديث كلمة (ليس منّا) تشير إلى أنّها كبيرة، من مقاييس الكبائر أن يتبرّأ النبيّ من نسبة هذا الإنسان إليه: (ليس منّا)، فإذا قرأتم في الجامع الصغير: (ليس منّا) اثنا عشر حديثاً تقريباً، عبارة (ليس منّا) خطيرة جداً، تعني أنّ هذا الشيء من الكبائر:

(( ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية ))

[أبو داود عن جبير بن مطعم]

(( ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده ))

[أبو داود، والحاكم، والبيهقي عن أبى هريرة]

(( ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقَّ كبيرنا ))

[الترمذي عن عمروٌ بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضي الله عنهم ]

(( إنّ من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط ))

[أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه ]

 من إجلال الله تعالى أن تكرّم كبيراً في السن، ذا شيبة، مسلم، طبعاً القصد مسلماً، أمّا إذا كان فاجراً، فاسقاً، غارقاً في الزنا، في شرب الخمر، فهذا موضوع ثان، أمّا الحديث فيما بين المسلمين.
 يعني إكرام حامل القرآن غير الغالي فيه، أي أنّ بعض الناس يحفظون كتاب الله ولكنّهم يحتقرون الآخرين، القرآن يهذّب الإنسان، الإنسان إذا حفظ كتاب الله، أو كان ماهراً به، أو فهمه فهماً عميقاً، أو فسّره فلا ينبغي أن يستعلي على خلق الله، وحامل القرآن غير العالي فيه ولا الجافي عنه، الجافي عنه:  أي تركه وانشغل بأمور الدنيا.
 إكرام ذي السلطان المقسط: أي أنت موجود في قريّة ومدير الناحية رجل مستقيمٌ ليس له أي عمل سيّء، فلا داعي إلى أن تتجاهله أو لا تبالي به، ما دام يقوم بعمله ويرعى أمور هذه القرية، قائم مقام مثلاً، أو أنت بمكان ودخل المحافظ مثلاً فلا مانع من أن تحترمه وتقف له، هذا شيء ضمن الآداب الإسلاميّة أن تكرم ذي السلطان المقسط.

الأخلاق الحميدة عماد المسلم:

 بالمناسبة فقد ورد أن:

((العدل حسن ولكن في الأمراء أحسن، السخاء حسن ولكن في الأنبياء أحسن، الورع حسن ولكن في العلماء أحسن، الصبر حسن ولكن في الفقراء أحسن، التوبة حسن ولكن في الشباب أحسن، الحياء حسن ولكن في النساء أحسن. ))

[ الديلمي عن جابر بن عبد الله ]

  أي أنّ ألزم صفة للأمير هي أن يكون عادلاً، العالم ورع، الأمير عدل، الغني سخاء، الفقير صبر، الشاب توبة، المرأة حياء، أي أجمل ما في المرأة حياؤها قال تعالى:

﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) ﴾

( سورة القصص )

  من علامات قيام الساعة أن ترفع النخوة من رؤوس الرجال، وينزع الحياء من وجوه النساء، الآن يُعقد مؤتمر بمصر، هذا المؤتمر من اللائحة التي عقد من أجلها أن الدول الفقيرة عليها أن تصدر تشريعات تبيح الزنا واللواط والسحاق، وتمنع الأب من محاسبة أولاده قبل البلوغ من ممارسة الجنس، وتبيح الإجهاض بلا قيد أو شرط، وتلزم من يمارسون الجنس باستعمال الواقي، هكذا يريدون.
 الإنسان إذا انحلّت أخلاقه انتهى، طبعاً قد قاطعت بعض الدول هذا المؤتمر الذي له ضجّة كبيرة، كي نحلّ مشاكلنا الاقتصاديّة يجب أن نسمح باللواط والسحاق والزنا والإجهاض لكي نحل مشاكلنا الاقتصادية، هكذا يريدون لنا.
 تجاهل لديننا، تجاهل لهذا المنهج الإلهي، ولكن أنا والله متفائل هذا المؤتمر كاللقاح تماماً، أي يثير في المسلم نخوته، ويثير فيه تمسُّكه بدينه.
(( إنّ من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط ))
[أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه ]
 هناك أُسر تعيش وفق المنهج الإلهي، أسر نظيفة، أولاد ينشؤون في طاعة الله، ينشؤون على الحياء والعفّة، ينصرفون إلى طلب العلم، إلى بناء مستقبلهم، إذا في أزمةً اقتصاديّة تعالج بطريقة أخرى، تعالج بمضاعفة الدخل، تعالج بضبط النفقات، تعالج بإصلاح الأراضي، تعالج باستغلال الثروات الموجودة في باطن الأرض، فيوجد في أكثر من ألف حل، أيعقل أن يكون هذا الحل المعروض في المؤتمر هو حل لمشكلاتنا ؟!! هكذا أرادوا لنا لكنّهم لن ينجحوا.
من آداب الإسلام احترام الكبير و تبجيله:

(( عائشة رضي الله عنها مرَّ بها سائل فأعطته كِسرةً ـ أي قطعة خبزٍ ـ ومرَّ بها رجل عليه ثيابٌ وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك فقالت: قال عليه الصلاة والسلام: أنزلوا الناس منازلهم ))

[أبو داود عن ميمون عن أبي شديد رضي الله عنهم ]

  وفي روايةٍ:

(( أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أن ننزل الناس منازلهم ))

[أبو داود عن عائشة رضي الله عنها ]

   طبعاً بماذا ننزل هذا الكبير منزلته ؟ قال: أن يستشار في الأمور الاستشارية، وأن يقدَّم في المجلس، وأن يبدأُ به بالضيافة تحقيقاً لقول النبيّ عليه الصلاة والسلام:

((أنزلوا الناس منازلهم ))

[أبو داود عن ميمون عن أبي شديد رضي الله عنهم ]

  فقد ورد أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قدم عليه وفدُ عبد قيس وهم يقولون: قدمنا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاشتدَّ فرحه، فلمّا انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا فقعدنا، فرحّب بنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ودعانا، ثمّ نظر إلينا فقال: من سيّدكم وزعيمكم ؟ فأشرنا جميعنا إلى المنذر بن عائد، فلما دنا منه المنذر أوسع القوم له حتى انتهى إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقعد عن يمين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرحّب به وألطفه، وسأله عن بلادهم.
 النبي قبل وفداً من دون رئيس، قبل وفداً ليس رئيسهم، جلس إلى يمين النبي، من زعيمكم ؟ من سيّدكم ؟ أشرنا إلى المنذر بن عائد، فلمّا دنا من النبيُّ عليه الصلاة والسلام قعد على يمين رسول الله تكريماً له.
 معنى ذلك: من آداب الإسلام أن يحترم وأن يبجّل الكبير، الكبير في السن، الكبير في المنصب، الكبير في العلم طبعاً، وإكرام ذي السلطان المقسط، أي هذا الإنسان العادل المستقيم المتواضع هذا يُكَرَّم، وعالم وكبير في السن يُكَرَّم، لم يرد الغني هنا في هذا الحديث ولكن ورد فقط إمام مقسط، وعالم، وكبير في السن، هؤلاء يقدّمون في المجالس، يقدّمون في الضيافة، هؤلاء يُستشارون، هؤلاء يُحترمون، هؤلاء يجلسون في صدر المجلس.

من الكبائر أن يهزأ الصغير من الكبير ويسيء إليه:

 قال: الكبير ينبغي أن يقدّم في صلاة الجماعة، وفي التحدُّث إلى الناس، وفي الأخذ والعطاء، أحياناً نقوم بتوزيع الهدايا على الطلاّب، فإذا وجد إنسان ضيفٌ من ضيوف المسجد، عالم جليل، فنجعل التوزيع على يدِّ هذا العالم، إنسان له سابقة في الإسلام فنجعل التوزيع على يده.

(( كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ))

[مسلم عن أبي مسعود رضي الله عنهم ]

  النبيّ عليه الصلاة والسلام كان يستقبل وفداً فتكلّم من هو صغيرٌ في السن فقال عليه الصلاة والسلام:

(( كبّر كبِّر ))

[البخاري، ومسلم، وأبو داود عن سهل بن أبى حثمة]

  أي ليتكلّم الأكبر سنّاً، أحاديث كثيرة، النبيُّ عليه الصلاة والسلام نبّه إلى أنّه من الخطأ الكبير بل من الكبائر أن يهزأ الصغير من الكبير، أن يسخر منه، أن يوجّه إليه كلاماً سيّئاً، أن يسيء الأدب في حضرته، أن ينهره في وجهه:

((ثلاثٌ لا يستخفُّ بهم إلا منافق الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمامٌ مقسط ))

[الطبرانيُّ في الكبير عن أبي أُمامة رضي الله عنهم ]

  ألا تتذكرون أحياناً أطفال من المدارس ذوي تربية سيّئة جداً إذا مرَّ إنسانٌ كبيرٌ أمامهم يقلّدونه ويستهزؤون به، هذا الشيء وارد وهو من ضعف التربية ومن سوء التربية.

الحياء فضيلة أما الخجل نقيصة بالإنسان:

 الآن يتفرّع عن توقير الكبير: الحياء، الحياء خلق في المسلم يمنعه من فعل القبيح، يمنعه من التقصير في حقِّ الكبير، يدفعه إلى إعطاء كلِّ ذي حقٍ حقّه، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

(( أنّ الحياءَ خيرٌ كُلُّه ))

[متفق عليه عن عمران بن حصين]

  الحياء كلُّه خير، بالمناسبة هل يوجد فرق بين الحياء والخجل ؟ الخجل مرض وهو نقيصة بالإنسان، الإنسان يخجل من قول الحقيقة، مظلوم ولكنّه ليس مذنباً وخاف أن يتكلّم، فهذا خجل والخجل مرض، خجل أن يطالب بحقّه، خجل أن يبيّن الحقيقة، خجل أن يواجّه الناس، خجل أن ينصح، الخجل شعور بالنقص، هذا يجب أن يقاوم، أما الحياء شيء آخر، فالحياء فضيلة، أما الخجل نقيصة بالإنسان.
 هناك أشخاص لا يطالبون بحقّهم فتكون الواقعة على عكس ما قيل ويظلّ ساكتاً، تكلّم ما دمت لم تفعل هذا لماذا سكتّ ؟ خاف، هذا خجل، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( يَا عَائِشَةُ لَوْ كَانَ الْحَيَاءُ رَجُلًا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَوْ كَانَ الْفُحْشُ رَجُلًا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ.))

[الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]

  بصراحة أقول لكم: والله هذا لا أصدقه أبداً، مؤمن يمزح مزاحاً جنسيّاً، يتكلّم بالعورات، يسبّ سباباً مقزعاً، مستحيل:

(( ليس المؤمِن بالسّبّابِ ولا باللّعَّان ولا بالفاحِش ولا البذيء.))

[أحمد والبخاري والترمذي عن ابن مسعود]

  تعيش معه ثلاثين أربعين سنة فلا تلقى كلمة منه تجرح الحياء، فالنبيُّ قال: يا بنيّتي إنّ هذه الثياب تصفُ حجم عظامك.
 تصف حجم عظامك، اختار كلمة لا تجرح الحياء أبداً، فالإنسان أحياناً يتكلّم عن أهله، يحكي اسم زوجته، قل: أهلي، أهل البيت، بناتي. يتكلّم عما يجري بينه وبين امرأته من حديث أحياناً، يصف أحياناً زوجته أمام الآخرين، طبعاً يصف عنايتها بطبخها عنايتها بالبيت، فمن عدم اللباقة والحكمة أن ينقل الإنسان للآخرين خصوصيّاته.

(( يَا عَائِشَةُ لَوْ كَانَ الْحَيَاءُ رَجُلًا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَوْ كَانَ الْفُحْشُ رَجُلًا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ.))

[الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]

المؤمن لا يستخدم عبارات تجرح الحياء لأن خلق الإسلام الحياء::

 يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما كان الفُحش في شيءٍ إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه.))

[ الترمذي عن أنس رضي الله عنه]

   أنا ألاحظ ملاحظة أن أخواننا روّاد المساجد طلاّب العلم لهم سمتاً حسناً، أينما جلسوا، بأعمالهم، ببيوتهم، مع أصدقائهم، بنزهاتهم، بلقاءاتهم، باحتفالاتهم، يمزح ويتكلّم لبقاً ولطيفاً، ولكن لا توجد عنده كلمةً تجرح الحياء.
 تجد البعض كلامه مقذعٌ، كلام فيه وقاحة، وكلام فيه سُباب، كلام ملغوم، كلام مغشوش، تجد أشخاصاً كيفما تكلّموا يغشوا الكلام، فأيّ عبارة يقولها يعني بها شيئاً آخر، هذا ليس من أخلاق المؤمن، ما أقوله لكم كلام دقيق فمؤمن يستخدم عبارات تجرح الحياء ؟ هذا شيء مستحيل، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( ما كان الفُحش في شيءٍ إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه.))

[ الترمذي عن أنس رضي الله عنه]

(( إنّ لكلّ دينٍ خلقاً، وخلُق الإسلام الحياء ))

[مالك وابن ماجة عن زيد بن طلحة]

  تجد المؤمن ببيته غير متبذِّل، التبذُّل في البيت ليس من الإيمان في شيء، حتّى في الثياب، فهل من الممكن أن يقوم الإنسان بارتداء ثيابٍ داخليّة أمام بناته مثلاً ؟ أو أمام أخته ؟ الأخت أمام أخيها تكون بثياب متبذِّلة ؟ هذا كلُّه من قلّة الحياء.

الثياب دليل التحضُّر والرقيّ والتعرّي دليل التخلُّف:

 المسلم منضبط، المسلم ضمن البيت وخارج البيت منضبط، فالتعرّي دليل التوحُّش، فكلّما كان التعرّي موجوداً فهذا دليل التوحُّش:

﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْأتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) ﴾

( سورة الأعراف )

  معنى هذا الثياب دليل على التحضُّر والرقيّ، والتعرّي دليل تخلُّف.

(( الحياء شعبةٌ من الإيمان ))

[متفق عليه عن عمران بن حصين]

  أي الحياء لا يأتي إلا بخير، فنحن نقول: توقير الكبير، التوقير من لوازمه الحياء، عندما يستحي الصغير من الكبير فقد وقّره أمّا لو استخفَّ فيه، تلاحظ أحياناً بالمركبات العامّة طفلاً جالساً على مقعد وإنساناً كبيراً واقفاً ومتمسّكاً وسوف يقع والطفل جالس،‍ فالطفل يجب عليه أن يقف على الفور، وحتّى لو قام بحمل حاجة الكبير فهذا أكمل.

((لقد كنت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غلاماً فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا أنّ هاهنا رجالاً هم أسنُّ منّي ))

[متفق عليه عن أبي سعيد رضي الله عنه]

  النبيّ يسأل سؤالاً والغلام يعرف الجواب لذاكرته القويّة لكنّه يخجل، يستحي أن يتكلّم لوجود من هو أسنّ منه في المجلس، هكذا كان يقول أحد الصحابة.

الصحابة الكرام وقروا النبيّ توقيراً لا حدود له:

 يروي البخاري وأبو داود والترمذيّ عن عائشة رضي الله عنها قالت:

(( ما رأيت أحدا أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها.))

[البخاري وأبو داود والترمذيّ عن عائشة رضي الله عنها]

  هذا هو الأدب، قال: يا رسول الله ما هذا الأدب !! قال:

(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))

[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]

  الشيء الصارخ بالمؤمن هو أدبه، فالمؤمن إنسان كسائر البشر له عينان وأذنان وأنف ورأس وجذع وأطراف، لكن المظهر الصارخ له أدبه، أدبه في مشيه، أدبه في جلوسه، في شرب الماء، في طعامه، في نومه، حتى في قيادة مركبته، هناك جلسة فيها أدب وجلسة فيها كبر، تجد السائقين يسبون بعضهم من قلّة الأدب.
 كان عليه الصلاة والسلام يحدّثنا فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه دخل إلى بعض أزواجه.

(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ مَعَنَا فِي الْمَجْلِسِ يُحَدِّثُنَا فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ.))

[أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 الصحابة الكرام وقروا النبيّ توقيراً لا حدود له.
 النبيّ عليه الصلاة والسلام كان جالساً فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمّه من الرضاعة ـ السيّدة حليمة السعديّة ـ فوضع لها شقّ ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام عليه الصلاة والسلام فأجلسه في مكانه، كلّهم من الرضاعة فكيف حقيقةً، والده من الرضاعة مدّ له طرف ثوبه، والدته من الرضاعة مدّ لها طرف ثوبه الآخر، جاء أخوه أجلسه مكانه.

(( سعد بن معاذ رضي الله عنه لمّا دنا إلى المسجد قال عليه الصلاة والسلام: قوموا إلى سيّدكم أو خيركم ))

[متفق عليه عن أبي سعيد الخدري]

  أي أنّ النبي أمر أصحابه في حضرته أن يقوموا لسيّدنا سعد، فهو سيّد الأنصار، حتى يجعل لكلّ إنسان مكانه.

النبي الكريم أعطى كلّ واحد من الصحابة حقّه:

 الإنسان يتجاهل أي إنسان حوله أمّا العظماء، فسيّدنا رسول الله اللهمّ صلّي عليه مع أنّه سيّد العظماء لكنّه لم يتجاهل من حوله من الصحابة الكرام أعطى كلّ واحد منهم حقّه، فقد قال لسيدنا معاذ:

(( يا معاذ إنّي أحبُّك في الله. ))

[أبو داود عن معاذ]

 وقال:

(( ارمِ سعد فداك أبي وأمّي. ))

[متفق عليه عن علي رضي الله عنه]

  دخل سيّدنا سعد قال:

(( هذا خالي فليرني امرؤ خاله.))

[الترمذي عن جابر بن عبد الله]

  وقال:

(( لكل أُمَّةٍ أمينٌ وأمين هذه الأمَّة أبُو عبيدة بْنُ الْجَرَّاحِ.))

[متفق عليه عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

  وقال:

(( خالد بن الوليد سيف من سيوف الله.))

[ البغوي عن عبد الله بن جعفر]

  وقال: ما ساءني قط، وأيضاً:

(( ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ))

[كنز العمال عن أبي الدرداء]

  سيدنا عمر:

(( لو كان نبيٌ بعدي لكان عمر ))

[أحمد والترمذي عن عقبة بن نافع]

 سيدنا عثمان:

(( ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة ))

[متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها]

 وعن سيدنا عليّ قال:

(( أنا مدينة العلم وعليٌ بابها ))

[الطبراني في الكبير عن ابن عباس]

  أي أنّه لا يوجد صحابي إلا والنبيّ الكريم أعطاه صفته الحقيقيّة، وهي من عظمة رسول الله، مع أنّ الأقوياء لا يذكر معهم أحد إطلاقاً، وكلّ إنسان معهم مطموس المكانة، لكن النبيّ الكريم مع أنّه أعظم خلق الله لكنّه أعطى كلّ صحابي حقّه.

تكريم المؤمن العالم أو الكبير من السنّة:

 أحد الصحابة سيّدنا كعب بن مالك عندما قصّ علينا خبر تخلُّفه في تبوك وبعد أن تاب عليه الله عزَّ وجلَّ قال: انطلقت أتأمم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلقّاني الناس فوجاً فَوجاً يهنّئونني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالسٌ حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنّأني.
 استدلّ العلماء من هذا أنّ تكريم المؤمن العالم، أو الكبير، تكريم ذي الشيبة المسلم، تكريم الإمام المقسط، أن تقوم له تكريماً فهذا مقبول وهذا العمل من السنّة، إلا أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام قال:

(( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ))

[ أبو داود عن أبي أمامة ]

  هذا الحديث له معنى آخر، قالوا: من أراد أن يتمثّل الناس له قياماً يجب ألا تقوم له، المتكبّر الذي يفرض على الناس أن يحترموه بالقوّة هذا متكبر، هذا يريد التكريم لذاته، هذا لا تقوم له، أو إنّهم ما قاموا إلى مرتبته العلميّة قاموا إلى ذاته خوفاً من بطشه، طمعاً بماله، فإذا كان التكريم طمعاً بالمال أو خوفاً من البطش هذا خلاف السُّنة، أمّا إذا كرّمت إنساناً حاملاً لكتاب الله، فو الله أنا ذات مرّة أخ أصغر مني في السنّ بكثير ولكنّه حافظٌ لكتاب الله ركب معي بالمركبة فلمّا أوصلته نزلت من الباب وودّعته واقفاً، وهو أصغر مني سناً فهذا يحمل كلام الله، فلا مانع من أن تكرّم إنساناً حافظاً لكتاب الله ولو كان أصغر منك سناً.
 أما إن كرّمت إنساناً خوفاً منه أو طمعاً في ماله هذا قال عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:

(( من دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

[الخطيب عن ابن مسعود]

نظافة اللسان من سمات المؤمن:

 ورد:

(( أنّ زيد بن ثابت قُرِّبت له دابّةً ليركبها فأخذ ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما بركابها، فقال زيد: تنحّ يا ابن عمّ رسول الله. فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بكبرائنا وعلمائنا. فقال زيد: أرني يدك. فأخرج يده فقبّلها فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا ))

[ابن عساكر عن أبي عمّار]

  الأول قدم ركاب الدابة لسيدنا زيد بن ثابت وهو ابن عباس ابن عم رسول الله، وقال له: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا وعلمائنا، والثاني قال له: أرني يدك فقبّلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
 أي لو وجدّت مؤمنين يتعاملان دائماً تجد كلّ واحد منهما يقدّم للآخر أحسن كلمة وأجمل حركة، كأن يقدّم له محلّه، ويؤاثره، ويحترمه، ويصافحه، ويقبّله أحياناً إذا كان مسافراً، العلاقات الإيمانيّة علاقات راقية جداً.
 أخواننا الكرام، الحياة جميلة بالمودّة والمحبّة والاحترام والأدب والعفّة وطهارة اللسان:

((لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه.))

[أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

  الشيء الذي يبدو في المؤمن نظافة لسانه، وكما قلت قبل قليل المؤمن يعيش ثلاثين سنة في سفر، في حضر، في بيته، في وليمة، في نزهة، في مسجد، في جامع، في لقاء، لا يمكن أن يتكلّم بكلمة فاحشة، أو بكلمة بذيئة، أو بكلمة ملغومة، أو بكلمة مغشوشة، أو يذكر اسم العورات بأسمائها الفاضحة، أمّا هذا الذي يتكلّم بكلمات فاحشة، ويسمّي الأشياء بأسمائها الوقحة السوقيّة هذا بعيد عن ذوق الإيمان:

(( ليس المؤمِن بالسّبّابِ ولا باللّعَّان ولا بالفاحِش ولا البذيء.))

[أحمد والبخاري والترمذي عن ابن مسعود]

  صار معنى الكبير بحسب الدرس هو كبير السن، طبعاً من المسلمين، والحديث فيما بين المسلمين الكبير كبير السن، و الكبير كبير العلم، والكبير الإمام العادل، مدير مدرسة وأنت معلّم عنده هل يجب أن تتطاول عليه ؟ لم يبدر منه شيء، فهو رجل يقوم على خدمة الطلاّب، مدير مشفى وأنت طبيب ناشئ فإذا رأيته دخل عليك فقم وقف له، فهذا ضمن عملك، فاحترام مدير مشفى، مدير ثانويّة، مدير جامعة، أو أستاذ جامعة مثلاً، مدير معمل، مدير ناحية، احترام إنسان مستقيم منصف عادل هذا ليس فيه أي إهانة لك أبداً، فأحياناً بعض الناس يصنع لنفسه بطولات ويقول: استطعت أن أهينه، فإذا قلت له: هل عمل لك شيئاً ؟ يقول: لا، ولكنني أهنته. لماذا أهنته وما هذه الأخلاق الشرسة ؟!

من عظّم القوي فوق الحدّ المعقول خوفاً من بطشه فقد أشرك:

 إذا وجد إنسان له منصب، مكانة، و يسيء لك، أو يظلم، أو يتجاوز حدّه فهل تبني مجدك على إهانته ؟ كثيراً ما أسمع هذه البطولات بقولهم: لم أقف له، لم أسلّم عليه، فهل عمل معك شيئاً ؟ يقول: لا، لم يعمل معي شيء، إذاً لماذا لم تحترمه فهذا مدير عام ؟ بالمناسبة إذا كنت موظفاً في مؤسسة ولها مدير عام، فاحترامك له هذا ضمن إيمانك وضمن إسلامك، لا يخدش مكانتك أن تحترمه، فالله قد جعله مديراً عاماً، وهو أكبر سناً، أو أكثر علماً.
 أما أن يعظّم الغنيُّ لماله فهذا من النفاق، أن يعظّم القويُّ لقوّته فهذا من النفاق، أن يعظّم القويُّ خوفاً من بطشه فهذا من الشرك، إذا عظّمت القوي فوق الحدّ المعقول خوفاً من بطشه فهذا شرك.
 أنا أتمنّى من أخواننا الكرام أنّ يربوا أولادهم على هذا الأدب، فإذا جاء به إلى المسجد، الطفل قد يركض في المسجد، يعلو صوته، يضحك، يضطجع على السجّاد، فأين والده ؟ المفروض أن يتعلّم الأدب، فو الله نحن نحبّ كلّ الصغار، فعندما أرى أخاً مع ابنه فو الله أسعد به، لأنّ هذا الابن عندما ينشأ على المجيء لبيوت الله عزَّ وجلَّ هذا مكانه الطبيعي، فأنا أتمنّى من كل أخ كريم أن يحضر معه ابنه حتّى يألف الطفل المسجد، وأحب أن يكون مكرّماً جداً، وأتمنى إذا حضر أحد مع ابنه أن تبتسموا في وجه الابن، وإذا كان معك شيء من الحلوى أعطها له، واسأله عن أبيه، فيشعر بمكانته في المسجد، فالنبيّ الكريم كان يسلّم على الصبيان ويقول:

(( السلام عليكم يا صبيان ))

[ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه]

 أحياناً تكون سائراً بحارتك، تجد أحياناً طفلاً صغيراً هو الذي يسلّم على الكبار، فهذا شيء جميل ويجب عليك أن لا تتجاهله فقل له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ما اسمك يا بني ؟ ومن هو والدك ؟ بارك الله بك، فخذ اسمه واسأله عن والده فهو قد ألقى عليك السلام، وإذا كنت خارجاً من مدخل بناية ورأيت طفلاً فقل له: السلام عليكم، ولو كان صغيراً، هكذا الإسلام، من لوازم المؤمن السلام، سلّم على الصغير وعلى الكبير، على من تعرف ومن لم تعرف، مثلما تكلّمنا في الدرس الماضي هذا حقّ الكبير، من صفات المؤمن توقير الكبير وليس منّا من لم يوقّر كبيرنا.

على الإنسان أن يعلم أولاده احترام الضيف وحقه:

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الحقائق وتلك التوجيهات النبويّة، وهذه الأحاديث الشريفة، إلى واقعٍ نعيشه، ففي الحقيقة الأب إذا أراد أن يوجّه ففي ذلك جهد، تجد ابنه يرتكب غلط واثنان والأب ساكت لا يتكلّم، فالابن ليس له ذنب لأنّه لم يتعلّم، وإذا لم يتعلّم فمن يعلّمه غير أبيه ؟! أما إذا حضر الأب لمجلس علم وتلقّى هذه المبادئ ورأى ابنه لم يسلّم على الكبير فيقول له: سلّم يا بني، أحياناً يدخل الابن على ضيوف أبيه وينظر لهم دون مبالاة، لذلك يجب أن تسلّم وتقول: السلام عليكم.
 أحياناً بالعكس يكون عند أبيه أكثر من ثلاثين شخصاً والحديث مهمٌّ فيصافحهم واحداً وَاحداً فمكن في هذه الحالة أن تقول له: يا بني سلّم واقعد، بأن يقول: السلام عليكم ثم يجلس، أو يكون عنده ست أولاد وكلّما دخل واحداً منهم يصافحوا الحضور واحداً وَاحداً والكل يقفوا لهم، لذلك يجب إذا دخل الابن أن يقول: السلام عليكم ثم يجلس، أما إذا وجد ضيف واحد ودخل الابن فعليه أن يسلّم عليه.
  علّم ابنك أن يسلّم ويحترم ويقدّم الضيافة بنفسه، فبعض الأبناء عندهم نباهة وبدون إشارة من أبيهم يقومون على الفور بتقديم الضيافة للضيف، فهذا شيء جميل أن يعرف الابن حقّ الضيف.
 أحياناً يكون الأب غير موجود في البيت ولك إخوة أكبر منك ويأتي صديق والدك أو زميله أو رجل معروف ولـه قيمته، يقول له: ليس موجوداً، وابن آخر يقول: تفضّل وانتظر، الآن سنخبره ليأتي سريعاً، ويقوم الابن بتقديم الضيافة له، يجب أن تعلّم ابنك كيف يستقبل الضيف ؟ كيف يودّع الضيف ؟ أحياناً يقدّم الضيافة من فوق رأس الضيف، أو يسلّم على الضيف فيوقع فوقه الشراب.

على الإنسان أن يسعى لتربية أولاده التربية المثلى:

 القصد أن تعلّم أولادك الأدب مع الكبير، استقبال الضيف، أو إذا دخل عمّه للبيت فالعم كما قال النبي والد، فالمفروض أن تعرّف ولدك على أهله، وتأخذه معك في الأعياد، ويرى عمومه وأخواله كلّهم، وتذهب إلى كل بيت من بيوت أقربائه كأولاد خاله وأولاد خالته حتى يعرف الطفل من هم أهله، أحياناً يقول لي أحدهم: والله لا أعرف من هم أولاد عمّي، هذه قطيعة، لا يعرفون بعضهم البعض، ففي الحقيقة محبّة الآباء تورث محبّة الأبناء، وبصراحة إذا الإنسان أحبّ شخصاً يحبّ أولاده، فالأولاد مثل الشخص، فالنبي قد وجّهنا توجيهاً أن لا يقطع أحدنا أهل ودّ أبيه:

(( احفظ وُدَّ أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك.))

[البخاري والطبراني والبيهقي عن ابن عمر]

  عندما سأل النبيّ أحد الصحابة قائلاً: أبقي عليّ من برِّ والديّ شيء ؟ قال له: نعم أن تصل صديقهما.
 أصدقاء الوالد يجب أن تبقى على صلة بهم، أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه التوجيهات مطبّقة في بيوتنا جميعاً، والطفل المؤدّب والله يا أخوان لا يقدّر بثمن، فهو ثروة، الطفل الأديب، والطفل المربّى، والطفل المعلّم، والطفل الذي يعرف حقّ الكبير، وطليق اللسان، شيء لا يقدّر بثمن، ولا يوجد أبشع من طفل وقح تجده يسبّ بعبارات بذيئة بالطريق، أُقسم بالله الحائط يخجل من كلامه، تجده من أبناء المدارس ويسب أخته وأخت أخته وأمّه بكلمات مقذعة، فأين تربى هذا ؟ وأين أبوه ؟ وأين أمّه ؟ ومن علّمه ؟ وتجد طفلاً يستحي من كلمة نابية، وطفلاً يتكلّم الكلمات النابية كأنّها كلمات طيّبة.
أحياناً تجد من يضع ويعلّق الشهادات ببيته يبرزها، فهذا معه البكالوريوس وهذا معه الليسانس، وهذا معه الدكتوراه، فأنا قناعتي ـ وأرجو أن تكون كلمة دقيقة ـ شهادتك أولادك، ويا أيّتها الأخت المؤمنة شهادتك العالية تربية أولادك، فإذا كان عندك أولاد وبنات على خلق وتربية عالية فهذه شهادة للأم، فشهادتك الحقيقيّة هي أولادك، فيجب على الإنسان أن يسعى لتربية أولاده التربية المثلى.

اليتيم الحقيقي هو من لا يجد الرعاية الكافية:

 نحن في الدرس العشرين ولا زلنا بحاجة إلى المزيد، وأنا حريص جداً على أن تكون بيوتنا إسلاميّة، وعلى أن يكون الابن سائراً على منهج والده، ولكن هذا يلزمه جهداً كبيراً، أحياناً يتوفّى الأب وتقوم الأم بتربية أولادها تربية راقية جداً، وأحياناً يتوفى الأب ويكون العم مثل الأب، فأنا أعرف عماً قام بتزويج بنات أخيه، ولا تجد فارقاً ولو ضئيلاً بين ابنته وابنة أخيه، اختار لهنّ الأزواج الأطهار، وأقام الحفلات ببيته، وألبسهن، فأحياناً يكون العم مثل الأب.
 من هو اليتيم ؟ اليتيم هو الذي له أمٌ تخلّت عن تربيّته، أو أبٌ مشغولٌ، أب مشغول وأم مسيّئة متخلّية عن مهمّتها، فاليتيم الحقيقي هو من لا يجد الرعاية الكافية، فقد قال النبيّ الكريم:

(( أيُّما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنّة.))

[ابن بشران عن أنس]

  أحياناً تجد العم أرقى من الأب، وأحياناً تجد الأم تقوم بدور الأب والأم معاً، فاليتيم الحقيقي هو الذي ليس له أبٌ يراعاه، أبوه مشغول وأمّه مقصِّرة في واجباتها تجاه أولادها.
 الحقيقة هذا الدرس نحن في أمسّ الحاجة إليه صغاراً وكباراً، صغاراً نتأدّب بهذا الأدب، وكباراً نعلّم أولادنا هذا الأدب.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018