٠16رمضان 1430هـ - الفوائد
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1430 - الفوائد - الدرس : 31 - الابتلاء -2


2009-11-01

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

التأديب و الابتلاء و التكريم:

أيها الأخوة الكرام، مع فائدة جديدة من فوائد كتاب الفوائد القيّم لابن القيم رحمه الله تعالى.
الله يؤدب عباده المؤمنين المقصرين
هذه الفائدة تتعلق بالابتلاء أيضاً، فالحقيقة الأولى التي ينبغي أن تكون واضحة أن المؤمن يمر بمراحل ثلاث، هذه المراحل قد تكون متداخلة، وقد تكون متمايزة، هناك مرحلة لا بدّ منها مرحلة التأديب، أن المؤمن إذا قصر في أداء واجباته، أو تجاوز الحدود، أو وقع في مخالفة حينما لا يكون كما ينبغي، قصر في أداء واجباته، أو تجاوز حدود الله عز وجل، أو أهمل ما ينبغي ألا يهمله، فالمؤمن يعالجه الله بالتأديب قال تعالى:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

هذه حالة، والحالة الثانية أن المؤمن لو استقام على أمر الله، لو اصطلح مع الله، لا بدّ من أن يمر في مرحلة الابتلاء ـ الامتحان ـ كما عندما سئل الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى ـ: أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فقال: لن تمكن قبل أن تبتلى.
والمرحلة الثالثة مرحلة التكريم، فأنت بين التأديب وبين الابتلاء وبين التكريم.

اجتماع تعظيم الله و الخوف منه و المحبة له في قلب المؤمن:

هناك تكريم إلهي
هذه المراحل الثلاث تتداخل أو تتمايز، يمكن في اليوم الواحد أن تؤدب صباحاً، وأن تبتلى ظهراً، وأن تكرم مساءً، نقول: هذه المراحل متداخلة، وأحياناً تكون هذه المراحل متمايزة، في حقبة من عمرك هناك التأديب، وفي حقبة أخرى الابتلاء، وفي حقبة ثالثة التكريم، إذاً وطن نفسك أنك بين التأديب والابتلاء والتكريم، في بعض الآثار القدسية:

(( قال: يا ربي أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحبّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحبّ من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحبّ من يحبك، فكيف أُحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي ))

[ورد في الأثر]

أي ذكرهم بآلائي كي يعظموني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، معنى ذلك أنه لا بدّ من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله من خلال آياته الكونية، ومحبة له من خلال نعمه الجزيلة، وخوف منه من خلال البلاء والمصائب.

الحياة حركة:

الحياة لها حركة
أيها الأخوة الكرام، الآن في موضوع الابتلاء في أي مجتمع يستنبط من حركة الحياة فيه، الحياة لها حركة، في الحياة أقوياء و ضعفاء، أغنياء و فقراء، أتقياء و فجار، والناس يعيشون مع بعضهم بعضاً، فالحياة حركة، السبب أن هناك دوافع، هناك دافع إلى الطعام والشراب هذا يوجد حركة في الحياة، انظر إلى الطرقات صباحاً كل الناس يسعون إلى كسب أرزاقهم هناك حركة، وهناك حركة ثانية إلى زواجهم، و حركة ثالثة إلى تأكيد ذواتهم، فالحركة قائمة، لكن من خلال هذه الحركة قد نستنبط بعض القوانين، قوانين أرضية قد لا يعترف عليها الشرع، أي القوي إذا مدحته يطمئنك، فإذا انتقدته يقيم عليك الدنيا، هذا قانون، الإنسان إذا أعطيته مالاً يسكت على أخطائك، بأي مجتمع يوجد حركة من خلال هذه الحركة تستنبط بعض القوانين، مثلاً: كان التابعي الجليل "الحسن البصري" عند والي البصرة، فجاء توجيه من الخليفة يزيد، الرسالة مرعبة، يبدو أنه لو نفذ أمر الوالي لأغضب الله عز وجل، ولو لم ينفذه لأغضب الخليفة، وربما عزله، فوقع في حيرة من أمره، وعنده الإمام الجليل الحسن البصري فسأله، فأجابه إجابة تكتب بماء الذهب، تعد منهجاً، قال له: " إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
انتهى الأمر، فهناك حركة في الحياة، وهناك قوانين، وهذه القوانين قد تتناقض مع منهج الله عز وجل، فالذي لا يعبأ بهذه القوانين ويخضع لقوانين الله عز وجل، و لمنهج الله قد يعرض نفسه إلى خسارة كبيرة، لكن الذي يحدث أن الله جلّ جلاله له قانون أنأ أسميه العناية الإلهية، فيحفظه من مغبة عمله، يكون قد أرضى الله ونال الدنيا، مثلاً:
هذا التابعي الجليل الحسن البصري أدى رسالة العلم، بيانه أغضب الحجاج، فقال لجلسائه: يا جبناء والله لأروينكم من دمه وأمر بقتله، وجاء بالسياف، وجيء بالنطع ومُدّ، وجيء بالحسن البصري ليقتل، فلما دخل على مجلس الحجاج حرك شفتيه بكلام ما سمعه أحد، فإذا بالحجاج يقف له، جيء به ليقتل، جيء به ليقطع رأسه، فإذا بالحجاج يستقبله، ومازال يقربه من مجلسه حتى أجلسه على سريره واستفتاه، وأكرمه، وعطره، وشيّعه إلى باب القصر ، من الذي صُعق بما جرى ؟ السياف والحاجب، تبعه الحاجب قال: يا أبا سعيد، لقد جيء بك لقص رقبتك، ماذا قلت لربك ؟ قال له: قلت: " يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم".

من آثر طاعة الله على الخضوع للقوانين الفاسدة يخضعه الله لقانون العناية الإلهية:

أيها الأخوة الكرام، أنا أريد أن أؤكد لكم الإنسان حينما يعيش في مجتمع معين، وهذا المجتمع تحكمه قوانين قد لا تتماشى مع منهج الله، الآن أبسط مثل ببعض البلاد هناك قضية تعرقل أمامك، تدفع تمشي، لا تدفع لا تمشي، هذه مشكلة، دفع المال له إشكال وقبضه فيه إشكال، فيأتي المؤمن يرى أن هذه القوانين التي تسود هذا المجتمع لا ترضي الله فيؤثر طاعة الله، وبحسب هذه القوانين يخسر وسيدمر، فإذا بالله جلّ جلاله يخضعه لقانون اسمه قانون العناية الإلهية، فيتألق لذلك قال تعالى:

﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾

( سورة الإسراء )

الذي يرفض الخضوع للفساد سيكون في عناية الله
قد يقول أحدكم أليس من الإيجاز أن يقول الله عز وجل: ربي اجعلني صادقاً ؟ هناك معنى دقيق، أنت أحياناً تدخل مدخل صدق، وأنت بعد أن دخلت تزل القدم، ولا تخرج صادقاً، قد تدخل صادقاً وتخرج ليس بصادق لذلك الآية الكريمة:

﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾

( سورة الإسراء )

من هنا من حديث عائشة موقوفاً ومرفوعاً:

(( من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً ))

[الترمذي في السنن كتاب الزهد عن عائشة]

قوي إذا أرضيته بسخط الله سخط الله عنك، وجعله يسخط عليك، الآن إذا أرضيت ربك بسخط القوي، يرضى الله عنك، ويجعل هذا القوي يرضى عنك، كيف ؟ بالحكمة الإلهية، بالعناية الإلهية، إذاً يمكن أن نجد قوانين مستخلصة من حركة الحياة، هذه القوانين قد لا تتفق مع منهج الله، فيأتي المؤمن ويؤثر طاعة الله عز وجل على الخضوع لهذه القوانين التي هي من صنع البشر، فيخضعه الله لقانون آخر هو قانون العناية الإلهية، فينجح في إرضاء ربه وفي كسب دنياه.

حلاوة الإيمان وحقائق الإيمان:

لذلك الله عز وجل يبين أن في الدين شيء اسمه حلاوة الإيمان، تحدث عنه النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

حلاوة الإيمان لها ثمن
لحلاوة الإيمان ثمن باهظ، حلاوة الإيمان شيء وحقائق الإيمان شيء آخر، بأوضح مثل حقائق الإيمان كورقة كبيرة على الطاولة فيها مخطط قصر، هذا المكان ثمانية بثمانية، هذه شرفة كبيرة، غرفة استقبال كبيرة جداً، غرفة نوم كبيرة، إطلالة رائعة، لكن كله ورق، فحقائق الإيمان كهذا الورق، معلومات دقيقة مبنية على مخططات، على رسم، على علم هندسي، لكن حلاوة الإيمان هي القصر نفسه، بين الذي يملك حقائق الإيمان وبين الذي يملك حلاوة الإيمان كمن يملك الخارطة، والثاني يملك القصر نفسه وهو يسكن فيه، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا))

 

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

أن يكون الله في قرآنه، والنبي في سنته في الأمر والنهي أحب إلى هذا المؤمن من أي شيء آخر، إذاً هذا الذي يؤثر طاعة الله وطاعة رسوله على مصالحه المتوهمة في الدنيا يكون قد دفع دفعة من حلاوة الإيمان:

(( ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا ))

[ مسلم عن عبد المطلب ]

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

الولاء والبراء:

لكن بالمناسبة أن يكون الله في قرآنه ـ في الأمر والنهي ـ والنبي في سنته الصحيحة ـ في الأمر والنهي ـ أحب إليه مما سواهما عند التعارض، أي حينما تتعارض مصلحتك المادية مع النص الشرعي تؤثر طاعة الله، ولا تعبأ بهذه المصلحة المتوهمة، عندئذ تكون قد دفعت ثمن حلاوة الإيمان، عندئذ تذوق حلاوة الإيمان، والبند الثاني:

(( وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ِ ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

هذا اسمه في علم العقيدة الولاء والبراء، أي هو يوالي المؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، ويتبرأ من الطرف الآخر ولو كانوا أشداء وأقوياء وأغنياء:
وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله

(( وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ِ ))

فمن علامة المؤمن وهو في دار الامتحان أنه يعطي لله، ويمنع لله، ويصل لله، ويقطع لله، ويرضى لله، ويغضب لله، أما الثالثة:

(( وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

صار هذا الحديث:

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

الدنيا دار ابتلاء لا دار جزاء:

أيها الأخوة، لازلنا في الفائدة التي تتحدث عن الابتلاء:

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) ﴾

( سورة الكهف )

الدنيا في زخرفها ابتلاء وامتحان
هناك أشياء مزخرفة جميلة جداً، وقد قال الله عز وجل:

﴿ حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ﴾

( سورة يونس )

آية ثانية:

﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (168) ﴾

( سورة الأعراف )

تأتيك حسنة أنت ممتحن بها، لا سمح الله تأتيك سيئة أنت ممتحن بها، الآن الهدى ابتلاء:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) ﴾

( سورة طه )

أيها الأخوة، هذا الموضوع موضوع الابتلاء من أدق الموضوعات، وأنت حينما تنطلق في تعاملك مع الله أنك في دار ابتلاء ولست في دار جزاء، دار الجزاء في الآخرة، نحن في دار ابتلاء، نحن في العام الدراسي، العام الدراسي طبيعته الدارسة، والجهد، والمتابعة، والحفظ، وأداء الواجبات، بعد الامتحان يكون التكريم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018