٠10برنامج حياة المسلم 2 - مدارج السالكين - إذاعة حياة إف إم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم - مدارج السالكين2 – الحلقة : 08 - السمع


2018-11-13

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين، يا ربنا صلّ وسلم، أنعم وأكرم على نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، مستمعينا الكرام أهلاً ومرحباً بكم معنا عبر أثير إذاعتكم حياة fm مع الدكتور محمد راتب النابلسي، فضيلة الدكتور الداعية الإسلامي محمد راتب النابلسي حياكم الله.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 أهلاً وسهلاً بفضيلتكم معنا شيخنا الكريم، هذه هي الحلقة الثامنة من سلسلة مدارج السالكين وعنوانها: "السماع" نبدأ بقول الله تبارك وتعالى من سورة ق، يقول الحق سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾

[ سورة ق : 37]

 وأيضاً في قول الله تبارك وتعالى:

﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾

[ سورة الزمر : 18]

 وقول الله سبحانه وتعالى:

﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة البقرة: 285]

 دكتور محمد راتب النابلسي السماع يبدو أنها قضية لا يلتفت الحقيقة إليها الإنسان كثيراً لكنها تتكرر وتتكرر في أكثر من موطن من كتاب الله تبارك وتعالى، ما هو السماع بداية؟

السمع أكبر أداة لنقل المعرفة :

الدكتور راتب :
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين. اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
 أخي الكريم؛ الله عز وجل أكرم الإنسان بعقل، العقل أعقد جهاز في الكون، مئة و أربعون مليار خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، خلايا القشرة، مكان للذاكرة، مكان للتخيل، مكان للنظر، مكان للسمع،.... إلخ.
 الإنسان أكرمه الله بالعقل، والعقل له نافذتان، الأذنان نافذة، والعينان نافذة، رأيت وسمعت، دائرة السمع واسعة جداً، أنت مثلاً بغرفة، النظر ينتهي بالجدران الأربعة، أما أنت بالليل فأي حركة بالبيت تصل إليك بالسمع، فالسماع دائرته واسعة جداً.
 فالإنسان قد لا يلتقي بالنبي الكريم، لكن يسمع من خطيب الجمعة كلام النبي الكريم، وكأنه التقى به، فالسمع أكبر أداة لنقل المعرفة، عندنا الحديث، والسماع، وعندنا القراءة، وعندنا الترجمة، القراءة للأجيال، والترجمة للشعوب، والسماع للقاء الشخصي، ألتقي معك شخصياً أستمع إليك، تستمع إلي، هذا اللقاء المباشر.
 أما أنا حينما أقرأ كتاباً للغزالي قبل ألف وأربعمئة عام، أنا أخذت علمه كله بالكتاب، وإذا ترجمنا هذا الكتاب لعشر لغات انتقل للأمم، فهذه كلمة اقرأ أي الله عز وجل كرم الإنسان بالقراءة، كلمة اقرأ هي طلب المعرفة، ممكن أن تتكلم شفهياً، أو أن تقرأ كتابياً، أو أن تقرأ مترجماً.
المذيع:
 إذاً السماع المقصود به هنا دكتور الإنصات أو التفكر؟
الدكتور راتب :
 تلقي العلم.
المذيع:
 هذا هو المصطلح الجميل، لماذا كان هذا التركيز دكتور على السماع في آيات عديدة وأحاديث نبوية شريفة أيضاً عديدة، لماذا؟ ما أهميته؟

أهمية السماع :

الدكتور راتب :
 من أجل أن تصل للحقيقة بفكرك، الطريق طويل جداً وشاق، قُدمت لك جاهزة، أنت ممكن أن تصنع طعاماً ببيتك، تحتاج إلى ساعة أو ساعتين، تحتاج إلى مقادير، وخبرة بالطبخ، وأحياناً تشتري طعاماً جاهزاً بأعلى مستوى.
 فالسماع أخذ كلام العالم، أنت لماذا تقرأ كتاب إنسان؟ أنت أخذت خبراته العلمية لمئة سنة، عاش مئة وسنتين، كل خبراته بهذا الكتاب، ما الكتاب؟ الإحياء للغزالي، الكتاب مثلاً لفلان الفلاني، الكتاب هو انعكاس علم العالم، فأنت بالقراءة وصلت لعلم العالم.
المذيع:
 والسماع هو الذي يقودك إلى كل هذا، جميل!
 شيخنا الكريم أيضاً نقرأ في قول الله تبارك وتعالى:

﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ﴾

[ سورة المائدة: 108]

 ما المقصود مثلاً هنا تلقوا العلم؟ اطلبوا العلم؟

ضرورة الإصغاء إلى الحق :

الدكتور راتب :
 أي أصغوا إلى الحق، مثلاً: يكون هناك عقد قران، يقوم الخطيب ليخطب فيغادر الناس المكان، لماذا عندما كان هناك نشيد و دق بالطبل جلست و الآن إذا قام الخطيب ليخطب عشر دقائق مشيت؟ لا يريد أن يسمع، صار عنده الآن عقدة، مادمت لا تريد أن تستفيد، أو السماع يحرجك، مادمت لا تريد أن تستقيم فالسماع سيكون حجة عليك.
المذيع:
 نعم، في قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾

 هل المقصود أن الإنسان يستمع إلى كل القول؟

الفرق بين السماع و الاستماع :

الدكتور راتب :
 السماع غير الاستماع، تركب السيارة، السائق فتح على أغنية، أنت الآن سمعت الغناء، أما حينما تجلس في البيت وتأتي بشريط لمغنية مشهورة وتضعه بالمسجلة وترفع الصوت، أنت الآن استمعت، لذلك:

(( من قعد إلى قينة يستمع منها صب الله في أذنيه الآنك يوم القيامة))

[ ابن عساكر عن أنس]

 أن تستمع لمغنية استماعاً مركزاً، لكن أنا أمشي بالطريق وهناك محل تجاري يفتح على أغنية، أنت الآن سمعتها لم تستمع إليها، أذكر مرة جربت تجربة، أحضرت مسجلة وضعتها على النافذة وفتحتها، وكان عندي لقاء مع شخص، قعدت معه ساعة، ثم والله فتحت المسجلة تفاجأت مفاجأة، ما سمعت منها شيئاً، ما سمعت شيئاً مما سجلت، أنا منسجم، هذه يسمونها: الاصطفاء، تقعد مع إنسان يصير معه اصطفاء فقط، مع أنه مسجل كل شيء، مر رجل يبيع شيئاً ما مثلاً، مادة وقود سائل، أطلق مثلاً بوق المركبة، ما سمعت شيئاً أبداً.
 فالإنسان يصطفي مما يسمع بحسب اهتمامه، فكلما كان اهتمامه راقياً يأخذ الخير فقط.
المذيع:
 وهذه قضية مهمة جداً.
 دكتورنا الكريم إذاً على الإنسان أن يقبل أن يستمع حتى يصل إلى الحق، والذي يرفض كما تفضلتم قد يكون في مجلس معين.
الدكتور راتب :
 عنده رفض للحق، في درس اليوم انتهت الصلاة فمشى ثمانية من المصلين، في الجامع حوالي خمسمئة، خمسمئة قعدوا لكن مشى ثمانية، وقد يكونوا معذورين، أنا لا أحكم، لكن إن لم يكن عنده شي بالبيت، و الدرس كله ربع ساعة بالضبط، لماذا لا يسمع؟
المذيع:
 نعم، سبحان الله! كأنه يحرم نفسه من هذا الخير عند السماع.
الدكتور راتب :
 أخذ قراراً أولياً لا يريد أن يسمع شيئاً.
المذيع:
 شيخنا هل على الإنسان أن يستمع إلى كل شيء ثم ينتقي ؟

عمر الإنسان المحدود لا يسمح له إلا أن يستوعب الحق :

الدكتور راتب :
 لا، يجب أن يصطفي وإلا هناك مشكلة.
المذيع:
 قبل السماع.
الدكتور راتب :
 أولاً سيدي أريد أن أقول لك كلمة دقيقة: عمر الإنسان المحدود لا يسمح له إلا أن يستوعب شيئاً واحداً هو الحق، أما الباطل فلو كلفت شخصاً أن يستوعب البوذية، يحتاج إلى ثلاثين سنة، تاريخ البوذية كيف تطورت؟ كيف نشأت؟ ما هو منهجها؟ الاستيعاب يمكنك عمرك المحدود تستوعب به شيئاً واحداً، الباقي، أنا ماذا أقول؟ استوعب الدين فهو الحق، من عند الله، سماوي وليس أرضياً، وما سواه باطل، أنا أقول: الدين أي وحي السماء، وحي المطلق، وحي الخالق، وحي العليم.

(( فَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))

[الترمذي عن أبي سعيد ]

 يوجد مليار عالم سيدي، والعلماء يخطئون، ويصيبون، وينحرفون، فأنا لست مضطراً أن أضيع حياتي بخبرات غير صحيحة، أنا أريد أن أعرف من هو الخالق العظيم، من الذي كلامه هو الصحيح مئة بالمئة؟ هو الحق، هذا الحق، فأنا عندما أشغل وقتي باستيعاب الحق، أبتعد عن الباطل وما سواه.
المذيع:
 ونعم بالله، شيخنا الكريم لو تأملنا مثلاً في صلاة الجمعة، وكان هنالك أيضاً أكثر من نص شرعي يدعو الإنسان إلى الإنصات ليكون حسن الاستماع ليدرك ما فيها، مثلاً قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إذا سمعت إمامك يتكلم فأنصت حتى يفرغ ))

[رواه أحمد والطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه]

 و أيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إذا قلتَ لصاحبك يوم الجمعة: أنصِتْ - والإمام يخطُب - فقد لَغوْت ))

[النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 لماذا هذا التشديد على أن ينصت الإنسان إنصاتاً تاماً في سماع المتحدث؟

التشديد على أن ينصت الإنسان إنصاتاً تاماً عند سماع المتحدث :

الدكتور راتب :
 والله شيء نُحسد عليه، الجامع فيه حوالي خمسة آلاف، وفيه أطباء، ومهندسون، وعوام، وباعة، وجهلة، وأميون، يصعد الخطيب وقد يكون خطيباً وسطاً، لا يوجد حركة ولا كلمة، في الغرب نُحسد على هذا الشيء، إنصات الإنسان، الآن مثلاً في الحرم أربعة ملايين إنسان، يقف المتكلم ولا كلمة، ولا حركة.
المذيع:
 والبعض لا يفهم لغته.
الدكتور راتب :
 أبداً، الحقيقة نحن عندنا بالإسلام عبادة، يمكن أروع عبادة، عندنا عبادة تعليمية، هي خطبة الجمعة، إذا كان هناك خطباء متفوقون، اختصاصيون، دعاة ناجحون، هذه الدعوة إلى الله الإلزامية – الخطبة- جزء من العبادات، وأنا أكثر شيء أتألم منه يقول لك: أنا الحمد لله لحقت الركعة الثانية يوم الجمعة، ولكن الخطبة هي الأساس، والعلماء عندما قالوا على خطبة الجمعة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ﴾

[ سورة الجمعة : 9]

 ما هو ذكر الله؟ ليس الصلاة، الخطبة سيدي، معنى ذكر الله الخطبة و ليس الصلاة، الصلاة ركعتان، الظهر أربع، يقول لك: لحقنا الركعة الثانية يوم الجمعة، معنى هذا ما قطف ثمار هذه الجمعة.
المذيع:
 وهذه قضية حساسة.
الدكتور راتب :
 أنا أتمنى والله وأقول لأخواني تعال إلى الصف الأول، بكر واحجز مكاناً.
المذيع:
 قبل أن تبدأ الخطبة بوقت جيد.
الدكتور راتب :
 واذكر الله، واقرأ قرآن، عندك أنت وجبة قرآن يوم الجمعة، اقرأها بالجامع، اقعد بمكان قريب.
المذيع:
 ما الرابط دكتور بين السماع وبين تدبر هذا السماع والعقل في قول الله تعالى في سورة الملك:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

الرابط بين السماع و التدبر :

الدكتور راتب :
 الجواب دقيق جداً أي أهل النار أزمتهم في النار أزمة علم فقط.
المذيع:
 مرة ثانية دكتور.
الدكتور راتب :
 أزمة أهل النار في النار من قوله تعالى:

﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ﴾

 أزمة علم فقط، الإنسان يحب ذاته، يحب سلامته، يحب سعادته، يحب استمراره، يحب الجنة، فعندما لم يسمع الحق سار وراء معصيته، وراء الشهوات، وراء مصالحه، وراء المال.

أندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً :

 هناك إنسان يجمع أموالاً لا يستطيع أن ينفقها بألف عام، لمن هي؟ ليس ماله، أي لم يعد ماله، اسمه مال أي ليس لك، ليس لك إلا:

((ما أكلتَ فأفْنَيتَ، أو لَبِستَ فأبْلَيْتَ، أو تصَدَّقْتَ فأمْضَيْتَ))

[مسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه]

 لك المستهلكات فقط، المستهلكات ليس لها أثر مستقبلي، أي إذا شخص فرضاً أكل طعاماً نفيساً جداً ثم أخذوه إلى السجن، وعذبوه، لو تذكر طعم الأكل يذهب ألمه؟ لا يوجد أثر مستقبلي إلا العمل الصالح.
 الآن جوبز معه سبعمئة مليار، أعلى ثروة بالتاريخ المعاصر، ماذا يملك منها؟ الذي أكله، وشربه، ولبسه، والباقي اسمه كسب، والكسب لم تنتفع به أصلاً ولكنك تحاسب عليه، هناك فرق بين الكسب والمال، المال ما انتفعت به إما طعام مستهلك أفنيته، أو لباس أبليته، أو صدقة أبقيتها، أما الكسب فهو حجمك المالي، هذا المال المشكلة يرثه أولادك منك انتفعوا به ولم تنتفع به أنت، انتفعوا به واستمتعوا به وأنت تعبت في جمعه.
المذيع:
 وستحاسب عليه.
الدكتور راتب :
 فإذا كان الكسب حراماً تحاسب عليه ولم تنتفع به.
المذيع:
 خسارة دنيا وآخرة.
الدكتور راتب :
 منتهى الحمق، لذلك أندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً.
المذيع:
 نعم نعم، لابد لنا من المزيد دكتور في هذا الموضوع عن موضوع السماع، وكيف يمكن أن يكون سبيلاً لوصول الإنسان إلى الله تبارك وتعالى في طلب العلم والإنصات.
 دكتورنا الكريم كنا نتحدث عن قضية السماع، وعن أهميتها في أن يعرض الإنسان على نفسه الحق، ويفترض بعدما عرف الحق، الحق أحق أن يُتبع، وأن يسير فيه، والإنسان الذي يرفض أن يستمع، السؤال هنا دكتور: هل هو معذور؟

العلم نجاة و سلامة و ليس قيداً :

الدكتور راتب :
 لا.
المذيع:
 إن كان هناك مجلس علم.
الدكتور راتب :
 عنده عقل باطن، العقل الباطن يجعله ينصرف عن طلب العلم، عنده وهم أن العلم قيد، والعلم ليس قيداً، العلم نجاة، العلم سلامة و ليس قيداً، العلم نجاح، العلم تفوق، بالعلم تكسب الدنيا والآخرة.
المذيع:
 نعم، لو أن إنساناً دكتور لم يستمع إلى شيء، فلا يعرف الحكم الشرعي في هذه الأشياء، هل تسقط عنه هذه الأحكام لأنه لم يسمعها أم تعمد ذلك لتركها؟

من تعمد ترك الأحكام الشرعية فإثمه كبير :

الدكتور راتب :
 لا، لا، تعمده لتركها آثم كبير، لأن الله قال:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 43]

 هي آية واضحة، قاطعة جامعة مانعة.
المذيع:
 نعم نعم، هل دكتور الإنسان مربوط بنوع معين من أنواع السماع؟ مثلاً إنسان أراد أن يبحث عن الحق من خلال قراءة شخص آخر يحضر المجالس؟

أقوى وسيلة تلقي العلم عن الرجال :

الدكتور راتب :
 ممكن، هذه وسائل.
المذيع:
 لا تقييد على هذه الوسائل.
الدكتور راتب :
 أقوى وسيلة أن تتلقى العلم عن الرجال.
المذيع:
 بمعنى؟
الدكتور راتب :
 لك أستاذ.
 من لم يأخذ العلم عن الرجال فهو ينتقل من محال إلى محال، أي لو كان ممكن أن يلغى دور الإنسان بالعلم، لكنّا ما عملنا كليات تربية، ولا كليات دار معلمين، كنا وفرنا مليارات، لكن العلم يحتاج إلى معلم، إلى قدوة، إلى مجيب عن سؤال، إلى حل مشكلة، إلى شخص متمثل بالعلم، بالحق.
المذيع:
 نعم، شيخنا الكريم في درس لكم ذكرتم أن للسماع ثلاثة أنواع: سماع إدراك، ومن ثم سماع فهم وعقل، ثم سماع إجابة وقبول، نقول عن القسم الأول من أنواع السماع دكتور سماع إدراك، ما هو سماع الإدراك؟

أنواع السماع :

الدكتور راتب :
 إذا كان هناك خطبة جمعة حضرها من أولها، أو كان هناك درس بجامع حضر الدرس سمع وأقبل على الله بهذا السماع.
المذيع:
 أي الإدراك هو التلقي؟
الدكتور راتب :
 نعم التلقي.
المذيع:
 هذه هي المرحلة الأولى، المرحلة الثانية: سماع فهم وعقل.
الدكتور راتب :
 أين هو من هذا الذي سمعه؟ هل فهمه؟ هل فهم أبعاده؟ هل عقله؟ هل عقل نتائجه؟ هل عقل الخيرات التي يجنيها من تطبيقه؟
الثالثة: هل طبقه؟
المذيع:
 سماع القبول والإجابة.
الدكتور راتب :
 أي سماع وقبول وإجابة.
المذيع:
 ولو لم تتحقق الثالثة لم نستفد من فهمه، ولا من إدراكه.
الدكتور راتب :
 أبداً، أبداً.
المذيع:
 حتى يتحقق التغيير.
الدكتور راتب :
 الحقيقة ما لم ينعكس هذا السماع سلوكاً لا قيمة له.
المذيع:
 شيخنا أنتقل مع فضيلتكم أيضاً لقول الخالق سبحانه وتعالى في سورة الأنفال:

﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 21]

 ما المقصود بهذا فضيلتكم؟

من لم ينعكس سماعه الحقيقي إلى سلوك فهو لم يسمع :

الدكتور راتب :
 يوجد قصد عميق جداً أي حينما يقول أحدهم للآخر: على كتفك عقربٌ شائلة، ويبقى هادئاً ومبتسماً، ويقول له: جزاك الله خيراً على هذه الملاحظة، أنا شاكر لك، هل فهم ما قال له؟ مادام بقي هادئاً، وبقي ساكناً، وابتسم وتشكرك، ما فهم شيئاً مما قلت له، لو فهم يقفز، يخلع ثيابه، ما لم ينعكس السماع الحقيقي إلى سلوك، فإنك لم تسمع،

﴿ وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾

  الآية:

﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾

  هم لا يسمعون، ما فهموا أبعاد كلامك.
المذيع:
 فالموضوع الإنسان إذاً أن يسمع إدراكاً ثم فهماً ثم تطبيقاً.
الدكتور راتب :
 تطبيقاً، نعم نعم.
المذيع:
 جميل جميل، شيخنا في قول الله تبارك وتعالى:

﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة النمل:80]

 ما المقصود أيضاً بهذا؟

من أعرض عن الحق فهو ميت :

الدكتور راتب :
 سيدي الإنسان إذا تبع شهوته ماتت نفسه، عندنا موت النفس، موت الجسد وقف القلب، أو ورم خبيث، موت النفس أنها ترفض السماع.

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

[ سورة النحل:21]

 الله قال ذلك، قلبه ينبض ثمانين نبضة مثالية، وضغطه ثمانية اثنتا عشرة.
المذيع:
 من هم دكتور هؤلاء؟
الدكتور راتب :
 الذين أعرضوا عن الحق

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

  هذا موت الإيمان، موت طلب الحق، موت الجهل، موت أحب الدنيا واكتفى بها، لا يريد غير الدنيا.
المذيع:
 لهذه الدرجة دكتور؟
الدكتور راتب :
 نعم.
المذيع:
شيخنا الكريم هل السماع مربوط بالإنسان أن يكون سماعه فقط للقضايا الدينية كالدروس أما أن الحياة مفتوحة أمامه؟

الحياة مفتوحة أمام جميع البشر :

الدكتور راتب :
 لا، هي مفتوحة، لا يوجد شيء بالأرض إذا كان مشروعاً إلا وله نافذة إلى الله، أحياناً تتابع مثلاً برنامجاً علمياً عن الكذب، تبكي منه أياماً، تتابع برنامجاً عن الفضاء الخارجي، عن المجرات، لا، بالعكس يجب أن تنوع ثقافتك، لأن كل شيء الله خلقه يدل على الله، ما من شيءٍ خلقه الله عز وجل دون أي استثناء إلا يدل على الله، بشكل أو بآخر.
المذيع:
 إذاً نحن عندنا مسموع ديني إن جاز التعبير يحبه الله، وعندنا مسموع حرام نتجنبه، وكما تفضلتم مسموع ثالث مباحات يأخذ الإنسان منها ما يفيده.
الدكتور راتب :
 الآن إذا قلنا: إن الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وبينهما مئة وستة وخمسون كيلومتر، وإذا قلنا: إن برج العقرب فيه نجم صغير اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، معقول ألا تتأثر بهذا الكلام؟ تحس بقشعريرة إعظاماً لله عز وجل، لكن هذه آياته، الله ماذا قال:

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 6]

 عنده آيات كونية الخلق، تكوينية الأفعال، والقرآنية كلامه، الكون تفكر، والكونية نظر، والقرآنية تدبر، هذه ثلاث قنوات سالكة إلى الله، آيات كونية وتكوينية وقرآنية.
المذيع:
إذاً بهذا الفهم دكتور هل السماع هو قبول الإنسان إذا عُرض عليه شيء أن يستمع له أم هو محاولة بحث الإنسان بنفسه عن شيء؟

تراكم الحقائق يقلبها إلى سلوك :

الدكتور راتب :
 هذا الموقف السلبي من العلم سمع فقط، أما الأرقى فهو البحث، يبحث هو عن الحقيقة، يلتقي مع العلماء، يقرأ الكتب، ينتسب إلى جامعة إسلامية، البطولة أنه يبحث بنفسه، الإنسان كم مرة يأكل في اليوم؟ ثلاث مرات، أما هو بثلاثة أشهر سهر سهرة فيها داعية، انبسط، فقط؟ أنت تقبل أن تأكل بثلاثة أشهر مرة؟ الطعام اليومي ثلاث مرات باليوم، تحتاج إلى سماع دوري، يوجد درس كل خميس، و خطبة كل جمعة، السماع الدوري يعمل تراكماً، تفهم القصة مرة أو مرتين، ثم تستقيم على أمر الله عز وجل، سماع تراكمي، وليس سماعاً عشوائياً.
المذيع:
 والهدف من هذا دكتور؟
الدكتور راتب :
 من أجل أن تتراكم الحقائق، من أجل أن تنقلب إلى سلوك، بلا سلوك السماع لا قيمة له إطلاقاً، بالعكس حجة على الإنسان.
المذيع:
 إذاً دكتور التعليمات الشرعية كالإنصات مثلاً في خطبة الجمعة ليستطيع الإنسان أن يدرك وأن يعي ما يسمع.

الدعوة إلى الله فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف :

الدكتور راتب :
 الآن يأتي إلى البيت، أنا هذا اجتهادي لأخواننا المستمعين، زوجتك تحبها والخطبة مؤثرة جداً، تكلم لها عن هذه الخطبة، تسهر مع زملائك، تكلم عن ملخص الخطبة، فأنت داعية الآن، أنت لست داعية، لا يوجد معك دكتوراه بالشريعة، وليس لك منبر، ولا موقع، لكن أنت سمعت درساً من عالم تأثرت به، عندك زوجتك، وأولادك، شركاؤك بالمحل، عمالك بالمعمل، انقل لهم هذه المعلومة، هذا معنى ذلك:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف:108]

 فكل إنسان لا يدعو إلى الله ليس متبعاً لرسول الله، هذا شيء كبير:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾

[ سورة آل عمران: 31]

 معنى ذلك الذي لا يدعو إلى الله لا يحب الله، لكن الدعوة كفرض عين في حدود ما تعلم، ومع من تعرف، فقط.
المذيع:
 نوضحها دكتور.
الدكتور راتب :
 أنت سهرت سهرة فيها عالم، فسر آية كونية تأثرت بها تأثراً كبيراً، اكتبها عندك، جلست مع زملائك تكلم لهم عن هذه الآية، بمعملك تكلم بها أمام العمال بفترة الراحة، زارك شخص تكلم له عنها، هذه الدعوة إلى الله كفرض عين، في حدود ما تعلم، ومع من تعرف فقط، أما فرض الكفاية فيحتاج إلى تفرغ، وإلى تبحر، وإلى توسع، وإلى ثقافة عالية جداً، وطلاقة لسان، وذاكرة قوية، ومعلومات دقيقة، وشواهد، وأدلة، هذه دعوة فرض الكفاية إذا قام به البعض سقطت عن الكل.
المذيع:
 كلام جميل! الله يفتح عليكم يا دكتور.
 إذاً دكتور يوجد ثلاث مراحل في السماع؛ الأول سماع الإدراك، وقد جاءت به التعليمات الشرعية كالإنصات حتى يعي ما يستمع.
 المرحلة الثانية: يفكر، يحلل، يفهم، يتدبر.
الدكتور راتب :
 ثم يطبق.
المذيع:
 ألا وهي المرحلة الثالثة، فهذا منهج علمي في قضية السماع.
الدكتور راتب :
 ما لم يطبق لن ينتفع من هذا العلم، بل كان حجة عليه لا له.
المذيع:
 هذه قضية حساسة، شيخنا الكريم ننتقل إلى زاوية أخرى في النقاش في قول الله تبارك وتعالى:

﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 204]

 ما المقصود فاستمعوا، وما المقصود فأنصتوا؟

ضرورة الإنصات للقرآن و ترك ما سواه :

الدكتور راتب :
 سيدي أحياناً أنت تسمع القرآن، وبالغرفة الثانية التلفاز صوته عال، تريد أن نوقفه تقول: أنصتوا؛ لا تريد معه شيئاً آخر، تركب سيارتك ثم تفتح القرآن، يتكلم من معك بالسياسة، تقول: إما اسمع، أو أطفئ القرآن، أما أن تسمع القرآن بشكل ثانوي وتتكلم فهذا لا يصح

﴿ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ﴾

 أي دعوا ما سواه، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه.
المذيع:
 كما تفضلتم إذا الإنسان غير جالس وينصت إلى القرآن الكريم يكون هناك كلام .
الدكتور راتب :
 تجد حديثاً، وسهرة، ومزاحاً، وضحكاً، والتلفاز مفتوح، ودخل الابن، والآخر تكلم بنكتة، والقرآن مفتوح، هذه لا تصح، هذا كلام الله، إذا أقفلته فهذا احترام له، ما جعلته شيئاً عادياً.
المذيع:
 أحياناً دكتور مثلاً في بعض مجالس العزاء يؤتى بمقرئ ليقرأ القرآن الكريم أمام الحاضرين، بعض الحاضرين لا يلتزمون بهذه التعليمات، ماذا نفعل؟ هل نلغي القرآن؟

المناسبات الحزينة والمفرحة مناسبات للدعوة إلى الله :

الدكتور راتب :
 لا بالعكس والله أنا سأقول لك: أنا من الشام، يوجد في التعزية قرآن كريم، بالأردن لم يكن هناك قرآن كريم، الآن صار فيها قرآن كريم، وهذا شيء رائع جداً، صار تمازج ثقافات، عندنا التعزية فيها قرآن كريم، وحتى عقد القرآن فيه إلقاء كلمات، ومدائح، وحفل مرتب تماماً، كما يوجد به فرقة نشيد من أروع ما يكون، وعدة كلمات، والله هناك أعراس فيها عشر كلمات، كل عالم له كلمة، فممكن أن يكون هناك دعوة إلى الله من خلال الحفلات، والمآتم، نحن يوجد عندنا دعوة بالجوامع، لكن يوجد أشخاص لا يأتون إلى الجوامع، هؤلاء من أين يسمعون الحق؟ مدعو لعرس، أو لعقد قران، أو بالتعزية، يقوم عالم أو اثنان، والله مرة أذكر كان هناك ثمانية علماء، كل واحد ألقى كلمة، أنا أقول: عندنا بالشام من فضل الله المناسبات الحزينة والمفرحة مناسبات للدعوة إلى الله.
المذيع:
 إذا استثمرها أصحابها فهذه النية طيبة، والمطلوب من الناس الإنصات، حتى يتحقق هذا الشيء، الله يفتح عليكم.
 شيخنا الكريم، وفي الجزء الأول تكلمنا عن أهمية السماع، وعن منزلته، ومكانته، وتأثيرها على الإنسان، الآن دكتور أتطرأ مع فضيلتكم في هذا الموضوع من زاوية أخرى الشخص الذي يتحدث الذي يفترض لي أن أستمع إليه ما الذي يفترض أن يتحلى فيه حتى يعين الناس على سماعه؟

العلم أول صفة على الداعية أن يتحلى بها :

الدكتور راتب :
 والله العلم أول شيء، يوجد أناس يتكلمون لكن يتكلمون بعلم، وليس بأشياء سخيفة، أو تقاليد، أو عادات، أو سمع من شخص كلاماً غير معقول، تكلم كلاماً فيه فائدة، وهادف، وواضح، ومعه دليل، وانشر الدين، لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، هذا دين.
 إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينك، ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذي مالوا.
 طبعاً العالم عالم معروف، لكن إن كان هناك شخص ليس عالماً، لكنه استمع إلى خطبة وهناك حديث يحفظه بشكل جيد، ويحفظ المعاني فليتكلم لا يوجد مانع، له أجر كبير.
المذيع:
 إذاً عليه أن يكون عالماً فيما يتحدث فيه.
 ماذا عن الوقت دكتور؟ البعض يتخذ أوقات طويلة أحياناً قد تمنع الناس من أن يتفرغوا؟

اللقاءات القصيرة المكثفة أفضل من اللقاءات الطويلة المبعثرة :

الدكتور راتب :
 والله أنا يا سيدي خبرتي المتواضعة الحد الأدنى عشر دقائق، والأقصى عشرون دقيقة، بعد هذا الوقت لا أحد يستمع، الآن عشر دقائق فقط بلقاءات التلفاز، و يوجد عشرون دقيقة، لكن أقصى شيء عشرون دقيقة، أما قديماً فكانوا يتكلمون خمسين دقيقة في اللقاء التلفزيوني، و لا أحد يتابعهم، فإذا كانت اللقاءات قصيرة لكنها مكثفة أفضل من لقاءات طويلة مبعثرة.
المذيع:
 دكتور، في المساجد مثلاً في المناسبات كما ذكرتم في الأفراح والأتراح كم تشيرون على المتحدثين أن يكون الزمن دكتور؟
الدكتور راتب :
 والله أقصى شيء عشرون دقيقة، مع التركيز، ليس كلاماً عشوائياً، الآن كل واحد يتكلم عشر ساعات من دون تحضير، وإذا كان محضراً، ما قصة التحضير؟ سيدنا عمر قال: كنت قد أعددت كلاماً قاله عني أبو بكر، أنت محضر، أي لقاء أنا أحضر له أفكاراً متسلسلة، مدللة بشواهد قرآنية، نبوية، علمية، واقعية، قصة مؤثرة، تعليق علمي لطيف، أكتبهم، كنت قد أعددت كلاماً قاله عني أبو بكر، أنا أقول: إعداد الكلام احترام للمستمع، تكريم للمستمع، وأي إنسان يستطيع أن يتكلم عشر ساعات من دون تحضير، كلام غير مترابط، غير مدلل، عشوائي، خواطر.
 أذكر مرة سمعت خطبة كانت حوالي أربعين دقيقة، طرح الخطيب أكثر من ثلاثين موضوعاً، يطرح موضوعاً ولا يكمله، يطرح موضوعاً ثانياً، لأنه ليس محضراً أبداً، ما دام لم يحضر فهو على هوى خواطره، تكلم أول موضوع و هو لم يحضره اكتفى بما قاله دخل بموضوع ثان، أما إن كان هناك موضوع واضح واحد، له تمهيد، له نص، شرح النص، دليل علمي، دليل عقلي، دليل اجتماعي، تطبيقي، نتائج، يخرج الشخص و قد حفظ الخطبة.
 عندنا دكتور في الجامعة يتكلم عن المحاضرة نحفظها كلها عن غيب منه، لا نقرأ الكتاب، أسلوبه قوي جداً، كنا بالجامعة مئتي و عشرين طالباً، بدرسه لا يغيب أي واحد، وهناك أستاذ ثان يأتي ثلاثة أشخاص.
المذيع:
 إذاً شيخنا الكريم جزء من نفور بعض الناس سماع الحق إن جاز التعبير من الأسلوب.

حاجة كل دعوة إلى مضمون عميق و حديث مشوق :

الدكتور راتب :
 لا يوجد مضمون عميق، ولا حديث مشوق، تحتاج إلى مضمون عميق، الآن ماذا يحصل؟ لو عندك أسلوب رائع، كأس من الكريستال سعره مئة دينار، كريستال أصلي، لكن فيه شراباً مزيفاً، أو عصير ليمون أصلي، أنت تحتاج إلى مضمون عميق، وأسلوب براق، هذه الدعوة.
المذيع:
 فهذا أحياناً ينفر بعض المستمعين من سماع الدروس، أو يخرج باكراً.
الدكتور راتب :
 قد يكون الدرس عميقاً لكن لا يوجد عنده أسلوب مشوق، القصة تشوق، الموضوع العلمي يشوق، أحياناً الدعابة لها دور، نحن عندنا مرجع بالتربية: الفكاهة في التعلم، لها دور كبير جداً، الفكاهة مثل الكاريكاتير، الكاريكاتير رسمة تستهلك في ثوان، تشرح بمئتي كلمة.
المذيع:
 جميل! الله يفتح عليكم يا رب، شيخنا الكريم كيف يمكن لسمع الإنسان إذا كان الإنسان يستمع أن يقوده إلى مدارج السالكين للوصول إلى الله تبارك وتعالى؟

على الإنسان محاسبة نفسه عن كل ما يسمعه :

الدكتور راتب :
 يعود نفسه أن أي شيء استمع إليه يسأل نفسه: هل أنت مطبق له؟ أين أنا من هذا الكلام؟ القرآن فيه حوالي مئتين و خمسين آية يا أيها الذين آمنوا، الله يخاطب المؤمن، لكن حاسب نفسك فيما تستمع، أين أنت من هذا الذي سمعته؟ هل أنت مطبق له؟ أين أنت من هذا الذي سمعته، وإلا كان حجة عليك، شخص عطش يكاد يموت عطشاً، عرف أن هناك نبعاً لكن لم يذهب هذا يموت ندماً، والذي لم يعرف النبع يموت عطشاً، إنسان يموت ندماً، والثاني يموت عطشاً.
المذيع:
 شيخنا الكريم، في قضايا السمع أحياناً لكل إنسان فكرة مسبقة، حكم سابق موجود في عقله مهما استمع ممكن أنه لا يدخل.

عدم قبول أو رفض كلام بدون دليل :

الدكتور راتب :
 لا تقبل كلاماً بلا دليل، ولا ترفض كلاماً بلا دليل، إن هذا العلم دين، كلام خالق الأكوان، ما الدليل؟ هذه حرام، لماذا حرام؟ أين النص، وأنت كداعية إذا دعوتك غير مدللة ليس لها قيمة إطلاقاً، كتب فقهية كثيرة تقول لك: حرام من دون دليل، لا تشتر كتاباً فقهياً غير مدلل، يوجد كتاب مدلل، يقول لك: هذه حرام، هذه آية، هذا حديث، هذا رأي الإمام الشافعي، أنت حاول.
 إن هذا العلم دين، لا تقبل شيئاً من دون دليل، ولا ترفض شيئاً من دون دليل، إلا بحالة إذا كنت واثقاً ثقة مطلقة من هذا العالم، لك ثقة كبيرة جداً به.
المذيع:
 إذاً دكتور الإنسان الذي يضع حكماً مسبقاً وبرأسه فكرة لموضوع معين وبالتالي مهما استمع هو يرفضها لأنها لا تتطابق مع ما يخزنه.
الدكتور راتب :
 يوجد جواب دقيق جداً: استدل ثم تحرك، أكل مالاً حراماً يريد ألا يبحث عن شيء يغطي له ماله الحرام، فبحث العلم ليس من أجل أن يطبقه من أجل أن يغطي خطأه، إما أن تستدل أولاً، فتعمل ثانياً، أو أن تعمل أولاً ثم تبحث عن استدلال ليغطي هذا العمل، والمسافة كبيرة جداً.
المذيع:
 دكتور، قضية التكرار في السماع هل تؤديها أم ترى أنه كلما كررها يشعر بالملل؟

التكرار في السماع من زوايا متنوعة :

الدكتور راتب :
 لا والله إذا كان التكرار من زوايا متنوعة، يوجد دراسة أن سيدنا موسى قصته وردت سبعاً و ثلاثين مرة بالقرآن، لكن يوجد تحليل دقيق كل قصة مأخوذة من زاوية، هذه القصة من الأبطال في زاوية، من البيئة في زاوية، من المآل في زاوية، من الحبكة في زاوية، كل قصة مأخوذة من زاوية.
المذيع:
 قضية السماع دكتور مع صغار السن، الأطفال، أو اليافعين، هل فضيلتكم مع السماع أم مع التربية بالقدوة أم بينهما؟

تعليم الصغار العبادة تأديبياً ثم تكليفهم بها :

الدكتور راتب :
 سيدي البلوغ بالخامسة عشرة أو بالثالثة عشرة أو بالسابعة عشرة، حسب المنطقة، الحقيقة يجب أن تأمر ابنك بالصلاة في السابعة، عندك عبادة تأديبية، ليس تكليفية، مثلاً البنت عمرها خمس سنوات، ألبسوها تنورة قصيرة جداً، بعدما كبرت، الآن البسي شيئاً طويلاً لا تريد أن تلبس ذلك، إن ألبسها والداها شيئاً محتشماً منذ أن كانت صغيرة لا تجد مشكلة بالحجاب، أما تتركها دون أي ضابط، ثم أنت بلغت الآن تحجبي، فهذا لا ينفع، التفلت شيء بشع بالإنسان.
المذيع:
 حتى من عمر خمس سنوات دكتور؟
الدكتور راتب :
 ليس قصدي على هذا العمر بالذات، لو فرضنا ألبسناها الآن يوجد كثير من الفتيات يلبسن قصيراً.
المذيع:
 أي لا نأتي بين يوم وليلة ونطالبها بشكل فوري.
الدكتور راتب :
 بالتدرج، الله كيف حرم الخمر؟ قال:

﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾

[ سورة النساء: 43]

 تحريم تدريجي، وكذلك الحجاب تدريجي، ابدأ في سن مبكرة بثياب محتشمة.
المذيع:
 جميل! دكتورنا الكريم أعود إلى قضية السماع وباعتبارها باب من أبواب وصول الإنسان إلى الله تبارك وتعالى في مدارج السالكين إلى رب العالمين، شيخنا الكريم بعض الناس في قضية السماع يرفض أن يستمع من إنسان إذا كان منزعجاً منه أو متضايقاً منه، هل علينا أن نبحث عن الحق بغض النظر عن الأشخاص؟

مطابقة حركة الإنسان و تواضعه لدعوته :

الدكتور راتب :
 بشكل عام إذا كان الشخص قد أزعجك صعب أن تفهم منه، تحتاج إلى إحسان أولاً، اسمع الآية:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 لا يكفي:

﴿ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 العمل الصالح يجعله يستمر في دعوته، تكلم عن الصدق كان هو صادقاً، تكلم عن العفة كان عفيفاً، على الأمانة كان أميناً، هذه لا تكفي:

﴿ وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 ما قال: أنا، يوجد غيري، كل الناس غلطانة؟ لا، غلط، آية جامعة مانعة.

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة فصلت: 33]

 لا يكفي، فجاءت حركته مطابقة لدعوته، وجاء تواضعه مطابقاً لدعوته.

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 و ليس أنه لا يوجد غيري، صار هذا توحداً، صار هذا مرضاً، يوجد مرض التوحد، فكل داعية يظن في غيره هذا معه توحد، هذا مرض نفسي.
المذيع:
 من يستمع إليه دكتور ويؤخذ بكلامه ونصيحته هل له أجر لمن رأى النور من خلال كلماته؟

الدعوة إلى الله أعظم تجارة معه :

الدكتور راتب :
 مليون أجر، لا يوجد تجارة أعظم مع الله.

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

 يوجد آية ثانية:

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

[ سورة الطور: 21]

 معنى الآية ألحقنا بهم أعمال ذريتهم، الآن أنت أقنعت إنساناً بالدين، هو أقنع أولاده، أولاده تزوجوا نساء صالحات أقنعوا أولادهم، قد تكون دعوتك لهذا الشخص مستمرة مئتي عام، أعظم تجارة مع الله.
المذيع:
 إذاً لا يستثقل الداعية أن يسمع الناس الخير، ونحن لا نستثقل أن نستمع الخير، فقد يغير هذا الحق حياتنا ونصبح أفضل في الدنيا والآخرة.
الدكتور راتب :
 أحياناً تأتيني اتصالات مرة من البرازيل، مرة من كندا، من أستراليا، هو تاب عند سماع دروسي، الدروس عندما انتشرت بالخمس قارات كان لها أثر كبير.
المذيع:
 هل كنت تتوقع شيخنا عندما كنت تقدم هذا الدرس أنه سيصل إلى ما وصل إليه؟
الدكتور راتب :
 لا والله، والله أحياناً بأستراليا يأتي اتصال هاتفي، تبت على يدك، نساء ورجال، أحياناً من كندا، من البرازيل والله.
المذيع:
 ما شاء الله! ولم يكن يدرك الإنسان حينما يلقي هذا الدرس.
الدكتور راتب :
 من فضل الله أنا دروسي من أربعين سنة لكم لم يخطر ببالي أنه في يوم من الأيام أن يكون الدرس عالمياً.
المذيع:
 الله يتقبل يا دكتور إن شاء الله، ويفتح عليكم، ويزيدكم إن شاء الله علماً وأجراً.
 نختم هذه الحلقة بالدعاء، ونسأل الله القبول.

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسينا ذكرك، أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، يا رب العالمين، وانصر عبادك المظلومين على أعدائهم أعداء الدين، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 الحمد لله رب العالمين، بارك الله بكم فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، شكراً لكم ولطيب كلماتكم.
 سبحانك الله وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018