٠09برنامج حياة المسلم 1 - إذاعة حياة إف إم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 014 - كيف أصبح قريب من الله ؟


2015-08-04

مقدمة :

المذيع :
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأتمّ الصلاة وخير التسليم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، بتحية الإسلام نحييكم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكم مستمعينا الأفاضل عبر أثير إذاعتكم حياة fm في لقاء إيماني جديد مع فضيلة العلّامة الشيخ محمد راتب النابلسي، أهلاً ومرحباً بكم شيخنا.
الدكتور راتب:
بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع :
دكتور نريد أن نكون أقرب إلى الله عز وجل، ونريد أن نمهد الطريق، وأن نعبدها إلى مستمعينا الكرام كي يكونوا أقرب إلى الله، لكن تتكاثر الأسئلة في هذه الأيام حول موجة الحر، هل هذه آية من آيات الله؟ هل هذا شكل من أشكال العذاب من غضب الله عز وجل؟ نتحدث عنها وهي شغل الناس الشاغل كيف نكون أقرب إلى الله عز وجل؟

الإنسان هو المخلوق الأول المكلف و المكرم :

الدكتور راتب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
أخي الكريم؛ بارك الله بك، الإنسان هو المخلوق الأول، المكلف، المكرم، وقد كرمه الله، و سخر له ما في السماوات وما في الأرض، لأنه قبِل في عالم الأزل حمل الأمانة، فلما قبل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، تسخير تعريف وتكريم، الآن هذا الإنسان إذا غفل عن هذه الأمانة الذي تعهد بحملها في عالم الأزل يوجد طريقان؛ الأول أن يتركه وشأنه إلى أن يأتيه الأجل، ويستحق عذاب النار خالداً مخلداً، لكن حينما يكون الله من أسمائه العظمى رب العالمين، والرب يعني المربي، والربوبية تعني التربية، فهذا الإنسان الغافل عن الله عز وجل الذي شغلته شهواته عن منهج ربه ألا ينبغي أن يرشد؟ أن يؤدب؟

أنواع المصائب :

لذلك الأنبياء حينما تصيبهم بعض المصائب هذه مصائب كشف، ينطوون على كمالات كبيرة جداً لا تظهر إلا بموقف استثنائي، كأن يذهب إلى الطائف على قدميه، ويدعو أهلها إلى الإسلام، ويقفون موقف المكذب الساخر، بل وأغروا صبيانهم ليضربوه، فيأتيه ملك الجبال يقول: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين - أي الجبلين، أي مكنه الله أن ينتقم منهم- قال: لا يا أخي:

(( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمونَ ))

[متفق عليه عن عبد الله بن مسعود ]

هذا مقام النبوة، مصائب الأنبياء مصائب كشف، أي معك سيارة، مئة وعشرون حصاناً، هذه لا تبدو في الطريق السهل، ولا في الطريق النازل، تبدو بطريق صاعدة، وهي مليئة بالركاب والحاجات الكبيرة، والسرعة مئة وعشرون، هذا معنى مئة وعشرون حصاناً، المهمات الكبيرة تحتاج إلى ظروف استثنائية، فالأنبياء إن صح أن نقول جاءتهم مصائب فمصائبهم مصائب كشف فقط.
أما المؤمنون فمصائبهم من نوع آخر، مصائب دفع ورفع، هذا المؤمن له أعمال صالحة لكنها قليلة، من أجل أن يرقى الله به، وأن يعلو شأنه عند الله، يسوق له بعض المصائب كي يرفعه إلى باب الله بسرعة أسرع، وإذا أقنع إنساناً بطاعة الله، وزهد به، واكتفى بواحد، نقول له: لم لا يكونوا اثنين؟ مصائب دفع ورفع، أما أهل الشرود عن الله فمصائبهم مصائب ردع وقصم.

 

وسائل الله في تربية الإنسان :

الجو العام، الزلازل، البراكين، الأمراض، الاجتياح، الظلام، هذه كلها وسائل تربوية، وهذا كلام دقيق، قال تعالى:

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام: 65 ]

هذه الصواعق، والآن الصواريخ:

﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾

[ سورة الأنعام: 65 ]

هذه الزلازل، والألغام:

﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 65 ]

الحروب الأهلية، لذلك إن فرعون هذا الطاغية وما أكثر الفراعنة:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾

[ سورة القصص: 4 ]

استخدم الورقة الطائفية، إذاً قال تعالى:

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 65 ]

أريد أن أضرب مثلاً للتوضيح، إذا طفل في الصف الخامس قال لأبيه: لا أريد أن أدرس، المثل تركيبي أنا ركبته، فالأب على أول كلمة قالها ابنه قال له: لا تدرس، هذا الطفل لم يداوم في اليوم الثاني، إذاً لا يوجد وظائف، ولا حفظ أو دراسة، استراح من سينما إلى سينما مع رفقائه الشاردين عن الله، فلما كبر لا يوجد معه وظيفة، ولا حرفة، ولا شهادة، ولا دكتوراه، ولا بيت، ولا زوجة، ولا أولاد، فحقد على أبيه، كأنه يقول له بلسان حاله: يا أبت لمَ لم تسألني عن الدراسة عندما أبديت رغبتي بالعزوف عنها؟ لم لم تضربني لما لم تعذبني؟

 

المصائب رسائل من الله لعبده :

الآن دقق في الآية:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة القصص : 47 ]

المصيبة التي قد تأتي في الدنيا أعطيت اسماً آخر في الآية رسالة من الله، فالإنسان حينما يكون في الحياة الدنيا يكون هناك تقصير في عباداته، تقصير بفهمه للدين، تقصير في معاملاته، تجاوزات، عدوان، أكل مال حرام، هذا لو تركه الله وشأنه إلى يوم القيامة فاستحق النار، من رحمة الله به لأنه رب العالمين، والرب من الربوبية، والربويية من التربية، أن يسوق له بعض المشكلات:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة السجدة : 21]

فأنت سألتني عن الحر، والمطر، والجفاف، والبراكين، والزلازل، جميع الأعراض الطبيعية التي تزعج الإنسان، وقد تؤدي به إلى وضع صعب جداً هذه من قبل الله عز وجل رسائل لطيفة، بل الإنسان حينما يتجاوز الستين يضعف سمعه، يحتاج إلى مقوّ للسمع، يضعف بصره يحتاج إلى نظارات، يحتاج إلى مفاصل، إلى كرسي بدل أن يمشي على قدميه، هذه الأعراض الصحية السلبية في خريف العمر أنا أراها رؤية دقيقة جداً إنها رسائل لطيفة من الله عز وجل، معناها أن يا عبدي قد اقترب اللقاء بيننا، هل أنت مستعد له؟ وأنا الذي أتمناه على الأخوة المستمعين الإنسان بعد الخمسين عنده أعراض صحية سلبية، أحياناً يقول لك: التهاب مفاصل، ديسك في الظهر، مثلاً تضخم في الكبد، فشل كلوي، جميع الأعراض الصحية السلبية بعد سن معينة أنا والله لا أراها إلا رسائل لطيفة أن يا عبدي قد اقترب اللقاء بيننا، هل أنت مستعد له؟ الآن يوجد رسائل داخلية، الإنسان يشعر بكآبة أحياناً، أو بقلق، وأحياناً خارجية زلزال، عاصفة ثلجية جائحة، أحياناً بركان ثار، أحياناً غلاء أسعار لا يحتمل مثلاً، أحياناً حرب أهلية، كل ما تراه عينك من مصائب في الدنيا والله الذي لا إله إلا هو لها وظيفة واحدة أن تلفت نظر الإنسان إلى تقصيره.

 

البطل من يتأمل مصيبته و يعلم أنها رسالة من الله :

لذلك:

(( ما من عثرةً، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عودٍ، إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر))

[ أخرجه ابن عساكر عن البراء ]

عثرة وقع، من هو البطل؟ البطل الذي إذا أصابته مصيبة تأمل وقال: هذه المصيبة من عند الله عز وجل، ولها حكمة بالغة قال تعالى:

﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى الآية : 30 ]

(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم محرَّما، فلا تَظَالموا..، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

لا تحاب نفسك، لا تقل: الظروف صعبة، لا يوجد ظروف صعبة، هناك إله يقرر، لا يوجد دهر، يسبني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، قدر ودهر وقلب له الدهر ظهر المجن، وحظه سيئ في الدنيا، هذه كلمة الحظوظ، الحظوظ بالمعنى العامي مرفوضة كلياً، أي بنت لا تسعد بزواجها تقول أمها: هذه البنت مسكينة ليس لها حظ، ما معنى هذا الكلام؟ يوجد تيسير و تعسير.

 

قانون التيسير والتعسير :

ما قانون التيسير والتعسير؟ قال تعالى:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى* وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى* إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى* فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 1-6 ]

صدق أنه مخلوق للجنة، وبناء على هذا التصديق اتقى أن يعصي الله، وبناء على هذا التصديق بنى حياته على العطاء، هذه زمرة، في الأرض سبعة مليارات ومئتا مليون، ما منهم واحد على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، هم عند الله نموذجان فقط لا ثالث لهما، أول نموذج:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

[سورة الليل5-7]

الترتيب معكوس لحكمة بالغة، صدق أنه مخلوق للجنة، بناء على هذا التصديق اتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، والفريق الثاني كذب بالحسنى، كفر بالآخرة والجنة، وآمن بالدنيا، لذلك استغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، هؤلاء البشر سبعة مليارات ومئتا مليون زمرتان كبيرتان:

﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى* وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل الآيات : 5-10 ]

الصنف الأول الرد الإلهي العظيم:

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

، والصنف الثاني:

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

، أكبر عطاء إلهي التيسير، أي زواجه ميسر، عمله ميسر، تربية أولاده ميسرة، علاقته مع زوجته علاقة طيبة جداً، علاقة مودة وحب، علاقته مع أولاده علاقة تربية رائعة جداً، أي:

(( استقيموا، ولن تحصوا ))

[ ابن ماجه عن ثوبان]

﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

، ليس ناجحاً لا بعمله، ولا بزواجه، ولا بشيء آخر، هذا ملخص الملخص الملخص:

((... فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري]

بطولة الإنسان أن يعرف الله في الوقت المناسب :

إذاً ندخل الظروف الطبيعية من زلازل، من براكين، من حروب، من اجتياحات، من ارتفاع حر لا يحتمل، الحرارة في إيران اثنتان و سبعون، الحرارة ليس لها سابقة في التاريخ المعاصر، يوجد أعراض طبيعية، أحياناً بركان، في إيطاليا مدينة شاردة عن الله جاءها بركان شكل طبقة فوق المدينة ثمانية أمتار من غبار البراكين، وانتهت الحياة، كله مات، هذه في إيطاليا، في فيزوف أثناء التنقيب وجدوا فراغات إنسان حقنوه بالجبصين، شاهدوا إنساناً يأكل، شاهدوا حيوانات خائفة، شاهدوا موائد طعام، هذه قصة مشهورة جداً، بركان فيزوف، ثمانية أمتار غبار البركان وهو في ساعة الطعام في الظهر، شيء لا يصدق قال تعالى:

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾

[ سورة المؤمنون: 44]

الله عز وجل قادر على كل شيء، والبطولة أن تعرف الله في الوقت المناسب، وأن تمشي على منهجه الصحيح، حتى تستحق وعوده للمؤمنين.
المذيع :
دكتور كل هذا الكلام الراقي أن علينا بالنهاية أن نعرف الله، وحلقتنا كيف لنا أن نعرف الله..
حديثنا كيف نكون أقرب إلى الله عز وجل؟ حدثتنا بكلمات مؤثرة لما يحصل في هذا الكون خصوصاً موجة الحر الأخيرة، وما شابه من أحداث في العالم، لتقودنا إلى جادة الصواب لنكون أقرب إلى الله، والآن كيف لنا أن نصبح أقرب إلى الله عز وجل؟

 

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة :

الدكتور راتب:
لابد من حقيقة قبل أن أجيب عن هذا السؤال، كل شيء وقع في الكون في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة أراده الله، ماذا تعني أراده؟ كما لو أن طبيباً تزوج وأنجب بعد عشر سنين طفلاً آية في الجمال، تعلق به تعلقاً مذهلاً، ثم اكتشف الطبيب الأب أن ابنه مصاب بالتهاب الزائدة، هذا الأب الولهان بابنه يسمح بتخدير ابنه تخديراً شاملاً، وفتح بطن ابنه، واستئصال الزائدة، هذا معنى أراده، لا تعني أنه أمر به، ولا تعني أنه رضيه، لم يأمر ولم يرض، ولكن سمح، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، معكوسة، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، والذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، ليس في الكون كله شر مطلق، معنى مطلق الشر للشر فقط، لكن هناك شراً موظفاً للخير، وهدفه إصلاح الإنسان، في الحقيقة هو شر موظف للخير، الدليل قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾

[ سورة القصص: 4-6]

إذاً ليس في الكون كله شر مطلق، بل هناك شر موظف للخير.
المذيع :
إذا كان يستمع لفضيلتكم إنسان ورغب أن يكون حاله غير هذه الحال أقرب إلى الله ماذا يفعل؟

 

الأمور التي تجعل الإنسان قريباً من الله :

1 ـ طلب العلم :

الدكتور راتب:
الحقيقة لا بد من طلب العلم، لماذا؟ إنسان معه ضغط مرتفع، لو سألت: متى يعالج هذا الإنسان ضغطه المرتفع؟ إذا علم أن ضغطه مرتفع، إذاً يحتاج إلى ميزان، معظم الناس عندهم ميزان ضغط في البيت، أنا لا أعالج ضغطي المرتفع لأنه ليس له آثار، هو القاتل الصامت، ليس له أعراض أبداً، متى يعالج؟ إذا علم أن ضغطه مرتفع، وكيف يعلم؟ باستخدام مقياس الضغط، إذا أراد الإنسان أن يطلب السلامة والسعادة في الدنيا بحسب فطرته يجب أن يتحرى منهج الله، يا ترى دخله حلال؟ إنفاقه حلال؟ لقاءاته الاجتماعية حلال أم حرام؟ تطلعاته للمستقبل مقبولة أم غير مقبولة؟ فالإنسان لا يستطيع أن يقيّم نفسه إلا في ضوء مقياس، توب قماش، قس هذا التوب تحتاج إلى متر، بدون متر لا يوجد قياس، المقياس هو الشرع، فالإنسان حينما يطلب العلم الشرعي صار عنده معرفة دقيقة بالحلال والحرام، والخير والشر، وما ينبغي وما لا ينبغي، الآن دخل بالمقاييس، أنا ممكن أن يكون دخلي من عمل يانصيب مثلاً، هناك مشكلة، دخلي من معصية لا ترضي الله عز وجل، أعمل عملاً فيه معاص ترتكب، يا ترى أنا أريد أن أتزوج امرأة قد تكون غير منضبطة، لا بد من وجود مقياس عندي إنه الشرع، أول شيء معرفة المقياس تكشف نفسك بعدها.
المذيع :
أول نصيحة أن يطلب الإنسان العلم.
الدكتور راتب:
دقيقة هذا المظلي الذي ينزل بالمظلة، يمكن أن يجهل شكل المظلة، يا ترى دائري؟ بيضوي؟ مربع؟ مستطيل؟ لا يعلم، يمكن أن يجهل نوع القماش، خيوط صناعية، أو طبيعية، يمكن أن يجهل كم عدد الحبال، وما نوع خيوطها، وما ألوان الحبال، لا يعرف، هناك عشرات المعلومات والمعطيات في المظلة قد يجهلها المظلي، لكنه إذا جهل شيئاً واحداً ينزل ميتاً، طريقة فتحها، طريقة فتح المظلة علم ينبغي أن يُعلم بالضرورة، أنت مهندس دكتور معك frc، معك بورد، إلى آخره، لو معك أعلى شهادة في الأرض، لو كنت تحتل أعلى منصب في الأرض، هذه كلها لا تقدم ولا تؤخر، يجب أن تعرف منهج الله، ليس كل المنهج، ما ينبغي أن يعلم بالضرورة فقط.
المذيع :
وما هو ذلك؟
الدكتور راتب:
أركان الإيمان، وأركان الإسلام، والأحكام الشرعية المتعلقة بحرفتك، تاجر، مهندس، أستاذ جامعة، متعلم، غير متعلم، لا بد من معرفتها، هذا عبر عنه العلماء ما ينبغي أن يعلم بالضرورة، أنا مثلتها بطريقة فتح المظلة، هذه لا بد من طلب العلم.
المذيع :
أما باقي منهج الله فللمتخصصين، هذه النقطة الأولى.

2 ـ طلب الفقه :

الدكتور راتب:
طلب الفقه حتم واجب على كل مسلم، قال تعالى:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

فالذي لا يدعو على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله، كيف يدعو إلى الله على بصيرة؟ في حدود ما يعلم ومع من يعرف، حضر خطبة جمعة، سمع تفسير آية رائع جداً، تأثر بها، حكى عنها لزوجته، لأولاده، الدعوة إلى الله كفرض عين في حدود ما يعلم ومع من يعرف، أما الدعوة التي تحتاج إلى تفرغ وإلى تبحر وإلى تعمق، فهذه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكل.

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

فالذي لا يدعو على بصيرة ليس متبعاً لرسول الله، في حدود ما يعلم ومع من يعرف، أما التي هي فرض كفاية فتحتاج إلى تفرغ، وإلى تبحر، وإلى تعمق، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، هنا معنى الآية:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 104 ]

منكم، من للتبعيض، هذه الدعوة الاحترافية، الدعوة إلى الله فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، أما الدعوة إلى الله كفرض عين على كل مسلم في حدود ما يعلم ومع من يعرف.
المذيع :
ماذا تنصح المستمعين بنقاط كي يتقربوا إلى الله عز وجل؟

 

الابتعاد عن الجهل لأنه ألدّ أعداء الإنسان :

الدكتور راتب:
ممكن شخص ينام يستيقظ طبيباً؟ مستحيل، يسبقها ابتدائي، إعدادي، ثانوي، جامعة، دبلوم عام، دبلوم خاص، ماجستير، دكتوراه، هذه السنوات كلها لا تلغى، لا بد من طلب العلم، من أجل أن يضع دالاً فوق اسمه، يحتاج إلى ابتدائي، إعدادي، ثانوي، جامعة، دبلوم عام، دبلوم خاص، ماجستير، دكتوراه وتريد جنة عرضها السموات والأرض:

(( فيها ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

بدون جهد؟ بدون طلب علم؟ فلا بد من طلب العلم، أي لا بد من مقياس ضغط، تقيس ضغطك كل يوم، فإن كان الضغط مرتفعاً تعالجه، والمعالجة تحتاج إلى مقياس، فالإنسان إذا لم يسأل من أنا؟ أين أنا من الدين؟ يا ترى هل يوجد بدخلي حرام؟ هل يوجد بسهراتي الأسبوعية أشياء لا ترضي الله؟ هل أنا اخترت مصلحة معينة فيها مادة محرمة مثلاً؟ أنت كيف تبيعها؟ كيف تشتريها؟ فإذا كان الإنسان جاهلاً عنده مشكلة كبيرة جداً، الجهل أعدى أعداء الإنسان، عندنا أعداء تقليديون الصهيونية العالمية، والاستعمار، والإمبريالية، أكبر عدو هو الجهل، لأن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
أذكر مزارعاً اشترى سماداً، هذا السماد يوضع منه لتر في البرميل، وترش به المزروعات، هو جاهل وضع ليترين، البيوت البلاستيكية كلها احترقت، عنده غلة كانت ثمانمئة ألف ذهبت كلها، لأن الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به.
قصة نادرة جداً؛ عامل بمطار رأى غرفة في المطار واسعة جداً، فإذا قعد فيها معنى هذا ذهب إلى بلد بعيد بالمجان، ومن دون فيزا، القصة وقعت، بعدما أقلعت الطائرة، هذه الأرضية انخفضت لرفع العجلات فنزل ميتاً، ما الذي قتله؟ جهله، من يومين جاءني إيميل شخص لا يوجد معه فيزا لتركب زوجته معه في الطائرة، فوضعها في المحفظة، وجدوها ميتة، تحتاج إلى تنفس، ولو كان هناك تنفس درجة الحرارة في مكان البضائع خمسون تحت الصفر، أحياناً الجاهل يقتل نفسه، الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، لذلك الجهل أعدى أعداء الإنسان، من أراد الدنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما معاً فعليه بالعلم، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل، لذلك طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
المذيع :
نستقبل عبر الفيس بوك أخونا أحمد قرمش يقول: إذا كان الإنسان محدود الدخل ولم يستطع تطوير ذلك، لكنه أخذ بالأسباب، وفعل لسنوات طويلة بلا فائدة، كيف يمكن أن يفهم ما يحصل هل هذا ابتلاء أم أنه قرب من الله عز وجل أم أنه اختبار؟

 

الله وحده يعلم ما يلائم الإنسان :

الدكتور راتب:
يفهم ما يحصل له من خلال هذا النص: إن من عبادي من لا يصلح إلا بالغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه، وإن من عبادي لا يصلح له إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه، لأن الله عز وجل علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، أما الرابعة، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أنت لو معك مئة مليون، ماذا تفعل؟ لا أحد يعرف إلا الله، لو شخص بأعلى منصب ماذا يفعل؟ لا أحد يعلم، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، هذا من اختصاص علم الله عز وجل، يأتي إنسان دخله محدود، يتقي الله، صالح، يصلي، ويصوم، وبيته إسلامي، لكن فجأة صار معه مئة مليون، يا ترى هل يبقى على ما هو عليه؟ أنا أعرف شخصاً لابأس بدينه، وهو ملتزم، ذهب إلى الخليج يبدو صار معه دخل كبير جداً، بلغ زوجته إذا لم تأتي بالبنطال لا أستقبلك، عندما صار غنياً هذا الغنى المطغي:

(( بادِرُوا بالأعمال سبعا: هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسياً، أو غِني مُطغياً، أو مَرَضاً مُفسِداً، أو هَرَماً مُفنِداً، أو موتاً مُجْهِزاً، والدجالَ؟ والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))

[ الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

إما فقر منسي، أو غنى مطغي، أو هرم مفند، أو موت مجهز، أو دجال، أو الساعة.
المذيع :
أي إذا إنسان أخذ بكل الأسباب واجتهد ولم يقدر له.

 

التوحيد لا يلغي المسؤولية و السعي :

الدكتور راتب:
هذا قرار إلهي حكيم يجب أن يقبله من الله.
المذيع :
أما إذا كان هناك تقصير مني فأعيد الحساب، أو تقصير في التوكل.
الدكتور راتب:
لذلك قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

حديث الإفك، اتهام السيدة عائشة بالفاحشة، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

معنى هذا خير، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

[ سورة النور: 11 ]

التوحيد لا يلغي المسؤولية، والتوحيد لا يلغي السعي.
المذيع :
أبو عمر تفضل...
سيدنا آدم ضحك عليه إبليس لأن إبليس أقسم، قارون أموره ميسرة، أنا أصلي ومؤمن وأذهب إلى الجامع، إمام الحرمين، اذهب أنت وربك فقاتلا، كله على الله، لماذا قال الله عز وجل: أنفقوا؟ كثيرة هي آيات المال والزكاة، الصلاة والزكاة، دائماً..
أبو عمر أين السؤال تحديداً؟
أنا لست الدكتور النابلسي حتى أحدد لك تحديداً..
أبو عمر ما هو السؤال حتى يجيب الشيخ؟
قارون وإبليس أمورهم ميسرة، يوجد أناس أمورهم ميسرة كثيراً و لم يؤمنوا..
أخي محمد تفضل..
عندي سؤالان، الأول قوله تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

ما المقصود بالأمانة، وهل الإنسان كان مخيراً في حملها؟
السؤال الثاني، قوله تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

هل هناك علاقة بين بما كسبت أيدي الناس وما حصل الآن من شدة الحرارة والكوارث؟
نعود إلى سؤال أبي عمر لماذا يوسع الله على بعض الأغنياء العاصين أو بعض الأغنياء الذين يكفرون به؟ لماذا يوسع عليهم في الدنيا؟

 

الدنيا دار التواء لا دار استواء :

الدكتور راتب:
إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، لا تستقيم لأحد، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء- لأنها مؤقت- ولم يحزن لشقاء- مؤقت- كلمة دقيقة، إذا واحد بالأرض والأصفار للشمس، كل ثلاثة أصفار ألف، ثاني ثلاثة مليون، ثالث ثلاثة ألف مليون، مليون مليون، ألف مليون مليون، مئة و ستة و خمسون مليون كيلومتر وكل ميلي صفر، هذا الرقم إذا نسب إلا اللانهاية قيمته صفر، أي رقم مهما بدا لك كبيراً، ولو كان فلكياً، إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر، لذلك الحياة الدنيا محدودة بسنوات معدودة، لو أن شخصاً امتحن بالفقر فنجح بالفقر، وما أكل مالاً حراماً وتجمل، شخص ثان امتحن بالغنى ورسب أكل مالاً حراماً، هذا الذي امتحن في الدنيا ورسب سوف يدخل النار إلى أبد الآبدين، والذي امتحن بعشر سنوات فقر ونجح سوف يكون مصيره إلى الجنة.
المذيع :
أي لا يشترط لكل إنسان تقي أن يكون غنياً، وليس كل إنسان عصى ربنا أن يكون فقيراً.
الدكتور راتب:
ليس شرطاً، الدنيا دار ابتلاء، والحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء لا توزيع جزاء، وسوف توزع في الآخرة توزيع جزاء وأبدي.
المذيع :
سؤال أخونا محمد عن قوله تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب : 72 ]

ما المقصود بالأمانة؟

 

تعريف الأمانة :

الدكتور راتب:
هذه بعالم الأزل قبل عالم الصور، الخلائق جميعاً خلقوا دفعة واحدة، لم يكن هناك صور، في عالم الذر عالم الأزل، الله عز وجل خلق الخلائق كلها وعرض عليها حمل الأمانة، أي أن يتولى الإنسان تهذيب نفسه وترقيتها إلى الله، فأبين أن يحملنها، فالذين أبوا أن يحملوها هم أصناف كثيرة، الحيوانات أرادوا الشهوة فقط دون حساب وعذاب، ودون تكليف، والملائكة أرادوا العقل من دون مسؤولية، فالملائكة نجو والبهائم كذلك، رُكِّب الملَك من عقل بلا شهوة، و ركِّب الحيوان من شهوة بلا عقل، و ركِّب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان، الإنسان لا يوجد حل وسط إما أنه فوق الملائكة أو دون الحيوان، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة: 7 ]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة: 7 ]

الإنسان لا يوجد حل وسط، إما أنه فوق الملائكة أو دون الحيوان.
المذيع :
بما كسبت أيدي الناس هل موجة الحر هي نتيجة لسلوك الناس؟ هل لها علاقة بهذا؟

 

تفسير الحوادث تفسيراً تربوياً :

الدكتور راتب:
تفسر تفسيراً تربوياً، إنسان تحترق إصبعه، أنت تقرأ آيات النار، أنت ما تحملت حرق إصبع، أحياناً لها أهداف تربوية الله يعطي بلا حساب، وقد يقبض بلا حساب، القضية فيها توجيه إلهي إلى مصير الإنسان، قال تعالى:

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾

[ سورة البقرة: 175 ]

الله معقول يتعجب؟! هذه صيغة تعجب.
المذيع :

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

هل هناك علاقة بين بما كسبت أيدي الناس وما حصل؟
الدكتور راتب:
قال تعالى:

﴿ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

نعاقب على بعضه فقط، وليس على كله، قال تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

المذيع :
أخونا عوني صالح عبر الفيس بوك، يقول: ارتكاب الناس للأخطاء هل هو علامة أن الله ليس راض عنهم، فلم يوفقوا للطاعة أم أن ذلك جزء من قول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيَغفِرُ لَهُمْ))

[ مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه]

الابتعاد عن القنوط من رحمة الله :

الدكتور راتب:
لا، هذا معنى آخر خطير جداً، معنى الحديث إن لم تشعروا بذنوبكم، إذا إنسان سهر سهرة، وكل السهرة غيبة ونميمة، يقول لك: لم نعمل شيئاً، عنده مشكلة كبيرة جداً، أما المؤمن فيرى الذنب كجبل جاثم على صدره، أما المنافق فيرى الذنب كالذبابة دفعها عن وجهه.
المذيع :
هذه الآية تحضنا ألا نقنط من رحمة الله.
الدكتور راتب:
قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾

[ سورة الزمر: 53 ]

المذيع :
الله يفتح عليكم دكتور نختم حلقتنا بالدعاء؟

 

الدعاء :

الدكتور راتب:
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اللهم صن وجوهنا باليسار، و لا تبذلها بالإقتار فنسأل شر خلقك، و نبتلى بحمد من أعطى، و ذم من منع، و أنت من فوقهم ولي العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، الفاتحة.

خاتمة و توديع :

المذيع :
بارك الله بكم فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018