٠09برنامج حياة المسلم 1 - إذاعة حياة إف إم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 162 - مسلمون يؤدون الى الإلحاد.


2018-09-18

مقدمة :

المذيع:
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يا ربنا صلِّ وسلم، أنعم وأكرم على نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حياكم الله مستمعينا الأكارم، وأهلاً ومرحباً بكم معنا في حلقة جديدة مع فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، حياكم الله شيخنا وأستاذنا الكريم.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 أكرمكم الله، أهلاً وسهلاً بك دكتور، شيخنا الكريم بدأنا منذ عدة حلقات حديثنا في ملف الشبهات، والتي قد تقود أحياناً إلى أن يتناول الإنسان بعض الأسئلة التي تؤدي إلى الإلحاد، أو حتى بعض الملحدين الذين - والعياذ بالله - وقعوا في هذا الشرك الكبير.
 اليوم نتحدث دكتور تحت عنوان: " مسلمون يؤدون إلى الإلحاد "، والحقيقة أن هنالك فرقاً دائماً تشير له فضيلتك بين الإسلام كتشريع، وبين المسلمين كأفراد، وقد تكون بعض السلوكيات تؤدي إلى إلحاد الآخرين، فهذا هو موضوعنا، فنبدأ حلقتنا بقول الله بسورة الأنعام في الآية التاسعة والعشرين أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

﴿ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ﴾

[ سورة الأنعام : 29]

 دكتورنا الكريم أبدأ مع فضيلتكم بهذا السؤال الكبير ما هو الفرق بين الإسلام وبين المسلمين؟

الفرق بين الإسلام و المسلمين :

الدكتور راتب :
 فرق كبير جداً، ولاسيما في هذه العصور، الإسلام منهج خالق الأكوان، الإسلام تعليمات الصانع، الإسلام التعليمات التي لابد من تطبيقها لأنها من عند الخبير، الإسلام سبب لرقي الأمة، سبب لتحصينها، سبب لانتصارها، سبب لتألقها، سبب لقوتها، هذا الإسلام منهج خالق الأكوان، منهج الصانع، لذلك مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تطبق هذه الأمة منهج ربها ثم لا تقطف ثماره قطعاً:

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾

[ سورة العنكبوت : 69]

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال : 19]

 معهم بالتأييد، والنصر، والدعم، والتوفيق، لكن المسلمون إذا قصروا في تطبيق منهج خالقهم فقدوا أهليتهم، لذلك الآية الدقيقة جداً جداً جداً:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 كنتم هنا كما قال علماء اللغة: لها معنى دقيق، أي أصبحتم بعد هذه البعثة المحمدية خير أمة أخرجت للناس، هذه الخيرية ما علتها؟ العلماء قالوا: علتها تأتي بعدها:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران : 110]

 لذلك ورد في بعض الآثار النبوية:

((كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟ - كأن الصحابة صعقوا- قالوا: يا رسول الله، وإنَّ ذلك لكائن؟ نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأَشدُّ منه سيكون، قالوا: وما أشدّ منه؟ قال: كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً؟))

[ ورد في الأثر]

 أي دراستي في الأدب أوصلتني إلى حقيقة أن أهجا بيت قالته العرب:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 هذا البيت الذي قاله شاعر، وعُدّ أهجا بيت قالته العرب، وعُقب عليه من قبل سيدنا عمر، هو شعار كل إنسان الآن، ما دام بيته جيداً، ودخله جيداً، وسيارته جيدة، وعنده مصروف جيد، انتهى أمره، انسلخ من الأمة، انسلخ من الانتماء لأمته، الانتماء فردي الآن مع الأسف الشديد، لذلك ما من مصيبة:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم : 59]

 وقد لقينا ذلك الغي، أمة تملك نصف ثروات الأرض- كلام دقيقة علمي- وأمة بين أفرادها من الوسائط المشتركة ما لا تملكه أمة على وجه الأرض، ومع كل ذلك، ومع الأسف الشديد بأسها بينها.
 قالت مرة "ميركل" رئيسة ألمانيا: يوجد بآسيا مئة و ثمانون ديناً، لا يعيشون متسامحين، أنتم إلهكم واحد، وقرآنكم واحد، ودينكم واحد، والدماء تملأ شوارعكم.
 فالقصة عندنا مشكلة كبيرة جداً، أنا أقول دائماً: البطل الذي لا يقفز على المشكلة، بل يقف أمامها متأملاً، يبحث عن أسبابها، فإذا اكتشف أنه هو السبب، أي أب أهمل أولاده، الأولاد تفلتوا، عندما رآهم تفلتوا لم يحتملهم، أنت في الأساس لم تربِّهم تربية صحيحة، كل بطولة الإنسان أن يتهم بنفسه، قبل أن تتهم غيرك، انظر هل أنت مشترك بهذا السبب؟ بهذه النتيجة؟ نحن حينما اهتم المسلمون بدنياهم، ولم يهتموا بآخرتهم، اهتم المسلمون بنجاح أولادهم في الشهادات ولم يهتموا بأخلاقهم، اهتم المسلمون بمكاسبهم المادية ولم يهتموا بقيمهم الروحية، دفعوا الثمن باهظاً.
المذيع:
 دكتور إذاً الآن يفهم من هذا الكلام أن الإسلام هو دين كامل بكمال المشرع الله عز وجل، المسلمون هم بشر كلما طبقوا هذا الدين أصبح لهم موقف كامل من كمال هذا الدين، وكلما قصروا في تطبيق تعليمه دفعوا الثمن، وقدموا صورة سيئة أيضاً بالمقابل.

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

الدكتور راتب :
 وأنا مؤمن أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين:

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل : 97]

 حياة طيبة بكلام خالق الأكوان، حياة طيبة فوق الظروف، والضغوط، والأوضاع المالية، والاقتصادية، حياة طيبة، زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، أما:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه : 124]

المذيع:
 دكتور هذا التقصير من قبل المسلمين إذا أدى إلى أن أشخاصاً آخرين يكوّنون انطباعاً سيئاً عن الدين، وبالتالي يبتعدون عنه، وقد يكفرون أصلاً بوجود الإله، هل المسلمون المقصرون يحاسبون هنا؟

من أسباب عظمة هذا الدين أنه فردي و جماعي بوقت واحد :

الدكتور راتب :
 إجابتي دقيقة جداً هذا الدين العظيم من أسباب عظمته أنه دين فردي ودين جماعي
 بوقت واحد، أي إذا طبقه فرد واحد، الآن يوجد مليارا مسلم، إذا طبقه واحد فقط بثلاث دوائر، في دائرة نفسه، وبيته، وعمله، قطف كل ثماره الفردية، إن طبقته الأمة تنتصر، فعظمة هذا الإسلام أنه فردي وجماعي.
 مثّل أدق من ذلك: الجو لا يحتمل، حار حرارة غير محتملة، أتى إنسان أُمي لا يقرأ ولا يكتب، اشترى مكيفاً، ضغط على مفتاح التشغيل، جاءه الهواء البارد، يأتي شخص آخر معه دكتوراه في التكييف، وأستاذ في الجامعة، يشتري مكيفاً، يضغط على المفتاح يأتيه الهواء البارد، فكلا الطرفين المثقف ثقافة عالية جداً دكتوراه في التكييف يتلقى الهواء البارد، والأول الأُمي لأنه ضغط على المفتاح جاءه هواء بارد، فقال العلماء: الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، هذا منهج إلهي، يأتي مؤمن لا يكذب قطف ثمار الصدق، لا يغش بالبيع والشراء قطف ثمار الأمانة والإخلاص، قد تقطف كل ثمار هذا الدين من دون فلسفة، ومن دون فهم عميق، ومن دون أدلة، أما أن تكون داعية أو أستاذاً جامعياً في كليات الشريعة فتحتاج إلى علم، هناك فرق بين المستهلك وبين المنتج، فأي إنسان ما كذب، ما غش في بيعه وشرائه، غض بصره عن محارم الله، عامل زوجته بالإحسان، ربى بناته على الحجاب، ربى أولاده على طاعة الله، قطف كل ثمار الدين من دون أيديولوجيا.
 يأتي الثاني معه اختصاص جيد جداً، الثاني قد يكون أستاذاً في الجامعة، أستاذاً في كليات الشريعة، وقد يكون داعية كبيراً، الذي معه التعليمات والتفاصيل والأدلة والبراهين هذا ممكن أن يكون داعية، أما الذي طبق الدين فيقطف كل ثماره من دون أن يحتاج إلى عمق في الفهم.
 مثلاً: مظلي قد يجهل شكل المظلة، يا ترى دائرة أم مستطيل أم بيضوي؟ لا يعرف، قد يجهل لون المظلة، يا ترى حمراء؟ صفراء؟ بيضاء؟ زرقاء؟ لا يعرف؟ قد يجهل نوع خيوط المظلة، خيوط حريرية سادة حقيقية أم خيوط صناعية؟ لا يعرف، كم حبل؟ لا يعرف، معلومة واحدة إذا جهلها نزل ميتاً هي طريقة فتحها، هذا سماه العلماء: ما ينبغي أن يُعلم بالضرورة.
 أنا أقول: التاجر، المحامي، المدرس، الطبيب، أي إنسان بأي حرفة، بأي مهنة، بأي زمان، بأي مكان، يحتاج إلى الدين، لكن من زاوية ما ينبغي أن يعلم بالضرورة، أما أي إنسان داعية، أو أستاذ تربية إسلامية في التعليم فيحتاج إلى التفاصيل والأدلة والبراهين، يحتاج أن يملك قوة إقناع للآخرين.
المذيع:
 دكتور نتوقف مع فاصل قصير لكن سأطرح على فضيلتكم سؤالاً، وعلينا أن نتوسع بالإجابة عليه بعد الفاصل.
 الآن السلوك السيئ من قبل بعض رجال الدين، سواء في ديننا، أو في أديان أخرى، أو حتى في فترة من الفترات كانت الثورة الفرنسية التي يجوز أن أسبابها عبارات هي أن الدين هو أفيون الشعوب، وكانوا يطالبون بإعدام القساوسة كما كانوا يطالبون بإعدام الإمبراطور الظالم وهكذا، هذا أدى إلى حالة من ابتعاد الناس، بل عدم إيمان الناس بأن الدين هو الذي يخلصهم في هذه الحياة.
 نريد أن نناقش هذا ونعود لكم بعد فاصل قصير بإذن الله، فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي.
 مستمعينا الأكارم فاصل قصير ونعود بحول الله فابقوا بالقرب.
 حياكم الله مستمعينا الكرام، أهلاً ومرحباً معنا من جديد، نتواصل نحن وإياكم عبر أثير إذاعتكم حياة fm، وبإمكانكم أيضاً عبر صفحة إذاعة حياة fm وعبر الموقع الإلكتروني حياة fm تتابعوننا من أي مكان بالعالم.
 فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي مرحباً بكم شيخنا من جديد.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 حفظكم الله يا دكتور، ننوه إلى مستمعينا بأن هذا البرنامج يأتي كل ثلاثاء بتوقيت الأردن بعد موجز أنباء الساعة الثالثة قبل العصر، ويعاد في ذات الليلة في الحادية عشرة مساءً والإعادة الثانية يوم الجمعة في الخامسة مساءً، وعبر قناة حياة fm على اليوتيوب، وبإمكانكم العودة إلى جميع حلقات البرنامج .
 بدأنا منذ عدة حلقات سلسلة في حديثنا عن الشبهات، اليوم نواصل هذه السلسلة دكتور وحديثنا تحت عنوان: " مسلمون يؤدون إلى الإلحاد "، قد يكون العنوان مبهماً للبعض، لكن يبدو أن السلوك السيئ باختصار يؤدي إلى هذه القضية.
 دكتور أعود مع فضيلتكم إلى الزمن القديم حينما حقق أحد منظمي الثورة الفرنسية أنه يجب إعدام آخر إمبراطور بأمعاء آخر قسيس، ما الذي كانت تقوم به دور العبادة في ذلك الوقت حتى جعلت الناس تنفر من الدين في ذلك الوقت؟

الفرق بين من يموت من أجل مبادئه و بين من يرتزق بهذه المبادئ :

الدكتور راتب :
 أنا مضطر أن أذكر قصة وقعت قبل خمسين عاماً، والأشياء قبل خمسين عاماً لا حظر في نشرها، هذا منهج في الصحافة، إنسان سيق إلى الإعدام وهو مفسر كبير، جاؤوا بشيخ ليلقنه الشهادة لئلا يموت كافراً، فقال له كلمة تذيبه في ثيابه: أنا أموت من أجل لا إله إلا الله، أما أنت فترتزق بها.
 فرق كبير بين أن تموت من أجل عقيدتك ومبادئك، وبين أن ترتزق بهذه المبادئ، فالإنسان إذا نافق، هو يحمل القوي على قمع المتدينين، الإنسان إذا نافق يسبب خيبة أمل عند الناس.
 أخي الكريم؛ الناس قد يسيئون الظن بمئة حرفة بالحياة، إلى أنهم بعقلهم الباطن يظنون أن رجال الدين مظنة ورع، مظنة صدق، مظنة مصداقية، مظنة إخلاص، مظنة فهم، مظنة موضوعية، فإذا خاب ظنهم برجال الدين، كان هؤلاء رجال الدين قد ارتكبوا جريمة بحق أمتهم، هناك من يفتي وهو لا يعلم، يحاسب حساباً شديداً، من هو المجرم؟ الذي يفتي بخلاف ما يعلم، إن لم يكن يعلم يحاسب خطأ، أما يفتي بخلاف ما يعلم، فهذه المشكلة قد تزعزع ثقة الناس برجال الدين، يتكلم إنسان، منتفع، وصولي، انتهازي، رخيص، يستخدم الدين، أقدس شيء بالحياة يستخدمه لمصالحه الشخصية، لبقائه في منصبه، يتملق لمصلحة الحاكم الذي لا يخاف الله أحياناً، هذه مشكلة كبيرة جداً.
 لذلك الناس قد يغفرون لخطأ من طبيب، أو محام، أو مهندس، ولكن لا يغفرون لخطأ رجل الدين، لأنه زلزل ثقتهم بهذا الشرع، بهذا الدين السماوي، بهذا الحكم الرباني.
المذيع:
 هنا اسمح لي بسؤال دكتور: هل الخلل الأكبر هنا على الناس، أنهم أعطوا رجل الدين إن جاز التعبير مكانة أكبر من حجمه فخطؤه قيس على الله وعلى الدين؟

ارتباط ارتقاء الإنسان بالاستفادة من أخطاء الآخرين :

الدكتور راتب :
 أريد أن أقول كلمة دقيقة: أنا لا أصدق أن هناك مشكلة بالأرض نحملها لجهة واحدة، أنا لا أصدق أن تكون هناك مشكلة كبيرة في الأرض أن أحملها بسذاجة لجهة واحدة، هذه تحمل للمجموع، أحياناً يكون الكلام غير مقبول، كله ساكت، لو أن الإمام أخطأ بعد الخطبة على المصلي أن يقول له ذلك بأدب بالغ وعلى انفراد، أنا مرة أذكر قصة، والله لا أذكرها افتخاراً، لا والله، قال لي طالب بعد نهاية الدرس: يوجد حديث ذكرته وهناك أصح منه، قلت له: أين تسكن أنت؟ كنت أنا بالشام وهو ساكن بالمخيم، ومعي سيارة، أوصلته بساعة وربع لبيته، قلت له: تعرف لماذا أوصلتك؟ إن رأيتني غلطت مرة ثانية لا تستح مني، بالعلم لا يوجد إنسان أحسن من إنسان، لفت نظري.
 أنا كنت أجمع أخواني الكبار، هذه بالشام، عندي أعمدة بالجامع، حوالي عشرين أو ثلاثين من هؤلاء، أجمعهم كل شهر مرة، قد لا تصدق ما موضوع الاجتماع، ممنوع تمدح شيخاً، ممنوع تمدح الجامع، ممنوع تمدح الدعوة، أين يوجد أخطاء تكلم بها، تخجل؟ اكتب ورقة من دون اسم، أنا حينما أستمع إلى النقد أرتقي، أما حينما أستمع إلى المدح فأبرك، الذي يمدحك يجعلك في الحضيض دون أن تشعر، ما من داع لتغير، أما الذي ينتقدك، أنا أفعلها مع طلاب الجامعة، اكتب ورقة فيها جميع المآخذ على درسي، أفعلها مع طلابي، في الجامع، أما أهم شيء فمع الدعاة، لي أنا فريق عمل كبير في دمشق، يجتمعون كل شهر مرة، الهدف ممنوع تمدح الشيخ، أو الجامع، أو الدعوة، مطلوب منك أن تتكلم عن الأخطاء، عن السلبيات، تستحي مني؟ قدم ورقة من دون اسم.
 لا أعتقد أن هناك شيئاً رفع قيمة الدعوة كهذا الشيء، أنا استفدت من كل أخطاء الآخرين، أنا استفدت من أخطائي أيضاً، لا يوجد إنسان معصوم، أما حينما تصغي إلى الخطأ وتتلافاه فترقى.
المذيع:
 إذاً دكتور، إذا كان الدعاة، والعلماء بين قوسين، ورجال الدين يقتربون من مصالحهم الشخصية، يقتربون من التذلل للحاكم الظالم، يقتربون من مصالح بعض التجار الكبار، فيغيرون شرع الله، وقد يصيغ النص بطريقة أو بأخرى، بعض الناس متحدث يستطيع أن يجعل النص بالطريقة التي يريد، والناس يستجهلهم ببعض هذه النصوص الشرعية يعاكس الصواب، هذا الآن دكتور قدم نموذجاً أصبح الناس يكرهون الدين، يكرهون ربنا، ما حساب هذا الإنسان عند الله دكتور؟

من يسكت عن الأخطاء فقد ارتكب جريمة بحق الأمة :

الدكتور راتب :
 أنا برأيي ارتكب بحق الأمة جريمة، ما ارتكب خطأ، أنت حينما تفتي بخلاف ما تعلم، أو حينما تنافق، أو حينما تسكت على الأخطاء، فقد ارتكبت جريمة.
 أنا أذكر مرة الحجاج سمع كلمة من الحسن البصري فيها نقد لاذع له، فأمر بقتله، وقتل الإنسان بعهد الحجاج بسيط جداً، فأرسل من يأتي به ليقتله، فدخل الحسن البصري على الحجاج، السياف واقف، والنطع قد مُدّ، هذا غطاء لئلا يؤثر الدم على الأثاث، فإذا بالحجاج يقف له، جاء به ليقتله! لأنه عندما دخل حرك شفتيه، لكن لم يفهم أحد ماذا قال، وإذا الحجاج يقول له: أهلاً يا أبا سعيد، ما زال يدنيه منه حتى أجلسه على سريره، وسأله موعظةً فوعظه، وودعه إلى باب القصر، الحاجب لم يفهم، الحاجب قال له: يا أبا سعيد لقد جيء بك ليقتلك، فماذا قلت لربك لما دخلت؟ قال له: قلت: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً كما جعلت النارس برداً وسلاماً على إبراهيم.
 الدعاء لا أحد ينتبه له، الدعاء هو العبادة، الدعاء هو مخ العبادة، هذا المخلوق الضعيف، الفقير، الجاهل، يستعين بالقوي، بالعليم، بالحكيم، بالمقتدر، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا ربي ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ لذلك:

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت  فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميتُ
***

المذيع:
 شيخنا، اسمح لي أن أتأكد من فهمي للأمور، وأضع النقاط على الحروف وصوبني إن أخطأت، الإسلام دين كامل بكمال المشرع الله عز وجل؟

الإسلام دين كامل بكمال الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 لأنه ذات كاملة، دينه كمال مطلق.
المذيع:
 وهو دينه فسيكون كاملاً بكمال الله، المسلمون أفراد إن طبقوا الدين ارتقوا.
الدكتور راتب :
 قطفوا ثماره.
المذيع:
 وإن قصروا في تطبيق الدين، وقدموا نموذجاً مشوهاً بسبب تطبيقهم، وليس بسبب الدين كحقيقة وتشريع، هذا النموذج المشوه دكتور قد يكون ما يحكم به العالم علينا، أي الغرب الآن دكتور لا يعرفون اللغة العربية، لم يأتوا لقراءة القرآن ولا تفسيره، لكن ينظر إلى جاره المسلم، يعمل شيئاً جيداً فيحكم عن الإسلام أنه دين جيد، وإن وجده سيئاً، أو فظاً، أو كما يروج في الإعلام إرهابياً فإنه سيأخذ فكرة سيئة عن الإسلام.

من عامل الناس بصدق احترم دينه :

الدكتور راتب :
 أنا في سفري لأمريكا، وأوروبا، وأستراليا، سافرت كثيراً، تقريباً كل بلاد العالم زرتها، أقول للأخوة الكرام للجاليات الإسلامية في هذه البلاد: هذا الأمريكي، أو هذا البريطاني، أو الفرنسي، أو الصيني، هذا لم يقرأ القرآن، ولم يقرأ أحاديث النبي العدنان، الإسلام عنده هو أنت، فإذا كذبت عليه سقط الدين من عينه، الإسلام عنده هو أنت، عاملته بصدق يحترم دينك، الآن الدين محترم بالشرق الأوسط لأن هذا ديننا، أما الدين في أوروبا، وأمريكا فيُحترم من قبل المسلمين، أو يُشطب عليه من قبل المسلمين.
 كنت مرة بأستراليا، وحينما غادرت أستراليا، ودعني رئيس الجالية، شخصية مهمة جداً، قال لي: قل لإخواننا في الشام- كلامي دقيق جداً- أستراليا قارة، يسكن فيها ثمانية عشر مليون شخص، أجمل قارة في العالم، و الدخل فلكي هناك، وعمر تربة أستراليا مئتا سنة فقط، عمر الترب عندنا يقدر بألفي سنة، الفواكه يوجد منها أنواع مختلفة جداً، بطعوم، وبحجوم، وبألوان زاهية، فقال لي: قل لإخواننا في الشام أن مزابل الشام خير من جنات أستراليا، أنا أردت أن أستزيد منه، قلت له: والله ما فهمت عليك، اشرح لي؟ قال لي: ابنك بأستراليا خمسون بالمئة ملحد، والخمسون الثانية منحرف جنسياً، شاذ جنسياً، وإن ما صدقتني اسأل، هذا الشعب أمامك، أنا صار عندي رغبة أخي الكريم أن أعرف إيجابيات بلادنا، عندنا إيجابيات لا تعد ولا تحصى، لكن نحن عندنا مرض نفسي خطير اسمه: جلد الذات.
 مثلاً: أحد أخواننا كان بباريس، رأى شاباً على نهر السين، قال له: بمَ تفكر؟ هو أحب أن يدرب نفسه على المحادثة باللغة الفرنسية، قال له: أفكر بقتل أبي، قال له: قتل أبيك؟! قال له: نعم، قال: لمَ؟ قال له: أحب فتاةً أخذها مني.
 أنا قفز ذهني إلى الشرق الأوسط، نحن عندنا جلد الذات، أنا أعرف لا أبالغ عشرات الألوف ممن باع بيته بدمشق بأرقى أحيائها، وسكن بالريف، وعمّر بناية من خمسة طوابق، وزوج أولاده، أنا عندي إيجابيات، كم أخت باعت كل أساورها من أجل أن تزوج أخاها؟ عندنا إيجابيات لكن عندنا مرض نفسي هو جلد الذات، نغرق بالجزئيات، ونغرق بسلبياتنا، أنا صار عندي رغبة من خمس سنوات أن أرى إيجابياتنا.
المذيع:
 أسأل فضيلتكم شيخنا سؤالاً فقهياً شرعاً: المسلم سواء في دولتنا هنا عندما يرى جاره غير متدين، أو مرة جاره المتدين، بعض المتدينين اليوم نفروا بسبب بعض المشايخ، سامحني على الطرح دكتور، أقول البعض وليس الكل، بعض المسلمين الذين يعيشون بالخارج وجيرانهم أصلاً غير مسلمين، أنا كمسلم قدمت نموذجاً سيئاً، كنت أكذب، كنت أغش في البضاعة، أعطي مواعيد وأخلفها دكتور، هؤلاء ابتعدوا عن ربنا بسبب سوء سلوكي، هل أنا أعدّ عند الله منفراً للدين، صاداً عن سبيله؟

الإنسان على ثغرة من ثغر هذا الدين فلا يؤتين من قبله :

الدكتور راتب :
 الجواب دقيق جداً: المسلم في بلاد المسلمين إذا أخطأ يشار إليه بالذات أنه أخطأ، أما المسلم في بلاد الغرب، وفي أمريكا، وفي أستراليا، إذا أخطأ فيشار إلى الدين الإسلامي أنه أخطأ، يشار إلى الإسلام لا إلى شخص.
 أنت على ثغرة من ثغر هذا الدين، فلا يؤتين من قبلك.
المذيع:
 إذاً القضية دكتور قضية السلوك ليست قضية فردية فقط، أنه أنا مثلاً غششت إنساناً هي ليست قضية، أنا إثمي أنني غششت زبوناً، أو جاراً، شوهت سمعة الدين الكامل.
الدكتور راتب :

 بغير بلاد المسلمين.
المذيع:
 دكتور عفواً حتى في بلاد المسلمين، تجد مرات بعض الناس لا يصلي، تقول له: لماذا؟ يقول: انظر الناس التي في المسجد يصلي في الصف الأول وقد سرقني، أنا أقول: البعض، لكن هذا الشيء بين المسلمين شوه سمعة البعض.

الناس تبع لقوي أو نبي :

الدكتور راتب :
 عندي أخ من الأخوان، أخ صاحب معمل، دهس طفلاً، فبعد ساعات يأتي مدير أعماله، و يقول له: الموضوع انتهى، عمل ضبطاً بخلاف الواقع، طبعاً بمبلغ، قال له: من قال لك أني أقبل بهذا الضبط؟ أنا الذي دهسته، اتصل بالمسؤولين، وقال: أنا الذي دهسته، ودفع ديته الكاملة، واشترى لأهله أشياء ثمينة جداً، هذا المؤمن، قال له: خلصتك، قال له: لا، أريد أن يسامحني الله، مدير أعماله يبدو أن له صلة، عمل ضبطاً معاكساً، فهو قال له: أنا لا أقبل، هذا المؤمن.
 حينما تعرف الله، أقسم لك بالله إذا لم تنعكس مقاييسك مئة و ثمانين درجة عندك مع الله مشكلة.
 يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ، يا من قدست الوجود كله ورعيت قضية الإنسان، يا من زكيت سيادة العقل، ونهنهت غريزة القطيع.
 لذلك يقع على رأس الهرم البشري زمرتان؛ الأقوياء والأنبياء، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، والأنبياء في غيبتهم، لذلك الناس جميعاً تبع لقوي أو نبي، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، وكل واحد من الناس تبع لقوي أو نبي.
المذيع:
 الله يفتح عليك يا دكتور، نستأذن فضيلتكم أن نقف من جديد مع فاصل قصير، ونعود معكم ومع مستمعينا لمواصلة هذا الحوار بإذن الله فابقوا بالقرب.
 حياكم الله مستمعينا الأكارم، وأهلاً ومرحباً بكم معنا من جديد، مع فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، نواصل نحن وإياكم لقاءنا هذا، وحديثنا تحت عنوان: "مسلمون يؤدون إلى الإلحاد"، ولا نتحدث عن المسلمين وإنما عن بعض المسلمين، الذين تصدر عنهم تصرفات غير مقبولة بشريعتنا الإسلامية أولاً، فتؤدي إلى سوء فهم الدين، ونفور بعض الناس عن الإسلام والعياذ بالله وقوعاً بالإلحاد.
 مرحباً بفضيلتكم من جديد، حياكم الله دكتور محمد، أهلاً وسهلاً بكم معنا مستمعينا نتواصل نحن وإياكم، هذا اللقاء يأتيكم كل ثلاثاء بحول الله تعالى بعد موجز أنباء الساعة الثالثة بتوقيت العاصمة عمان، ويعاد في ذات الليل في الحادية عشرة مساءً، والجمعة في الخامسة مساءً، وعبر قناة حياة على اليوتيوب، وتعودون لجميع حلقات البرنامج السابقة.
 دكتور كنا نتحدث قبل الفاصل عن السلوكيات السيئة المتعمدة من قبل بعض المسلمين، والتي تخالف أصلاً التشريع الإسلامي أدت إلى سوء فهمهم، سواءً أفرد أو رجال دين وبالتالي نفور من دين ربنا، ونحن مسؤولون عن نفورهم من دين الله.
 الآن نسأل فضيلتكم سؤالاً دكتور: هل المسلم الذي يجد هذا النموذج السلبي الذي ينفر من الدين يكون له عذرٌ أمام الله أم عليه أن يبحث عن الصواب؟

على كل إنسان أن يبحث عن الصواب في أمور دينه :

الدكتور راتب :
 لا، سؤال: إنسان عنده بيت أراد أن يبيعه، فخرج من بيته، متجهاً إلى بائع البيوت – الدّلال، الوسيط في البيع- قال له الدّلال: عشرة ملايين، هل يبيعه فوراً؟ يذهب ويرى دلالاً ثانياً، وثالثاً، ورابعاً، لماذا أنت لمصلحتك الشخصية تتحرى وتعدد الخبراء؟ ولماذا في الدين فقط أي فتوى لصالحك من شخص مبتدئ في العلم تقبلها منه؟
المذيع:
 أو سلوك خاطئ من شيخ يعمم على كل المشايخ.
الدكتور راتب :
 لذلك الإنسان غير معذور إطلاقاً، أنا أقول كلمة: أنت غير معذور لأن لديك فطرة، الله ماذا قال؟

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

[ سورة الروم :30]

 أي أمر أمرت به، أنت بُرمجت، وولفت على محبته، وأي أمر نُهيت عنه، أنت بُرمجت وولفت على كراهيته، والدليل:

﴿ وَحَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾

[ سورة الحجرات : 7]

 مثلاً: دخل إلى البيت الساعة الواحدة ليلاً، أمه متألمة جداً، قالت له: أريد الدواء الفلاني، قال لها: كل الصيدليات مغلقة الآن، وهو يعلم أن هناك عدداً من الصيدليات المناوبة، فسكتت الأم، لو أنه ركب سيارته وراح يبحث عن الدواء ولم يجده مثلاً، في الحالتين الأم لم تتناول الدواء، بالمرة الأولى عنده تأنيب ضمير، عنده إحساس أنه أخطأ مع والدته، المرة الثانية عندما لم يجد الدواء ينام مرتاحاً.
 لذلك النفس حسابها لصاحبها حساب عسير، أنا أقول لك كلمة دقيقة: هذه هي الفطرة، لا يوجد أمر أُمرت به إلا جُبلت على محبته، ولا يوجد نهي نُهيت عنه إلا جُبلت على كراهيته، والإنسان أحياناً يحاسب نفسه حساباً عسيراً، ودون أن يشعر، هذا يصنع كآبة.
 قال لنا دكتور في علم النفس: نسب الكآبة في العالم الغربي مئة و اثنان و خمسون بالمئة، نسب نظرية، نسبة غريبة، قل: مئة بالمئة مثلاً، فسألناه ما هذه النسبة؟ فقال: مئة لديهم كآبة، واثنان وخمسون لديهم كآبتين، العمل السيئ يسبب كآبة.
 مثلاً: هذه الشهوة مثل البنزين، سائل متفجر، انظر إن وضع هذا السائل في المستودع المحكم، وسال هذا البنزين في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب، والمكان المناسب في المحرك، ولّد حركة نافعة، قد تأخذك إلى العقبة في العيد مثلاً، أمّا إذا صُبّت هذه الصفيحة على السيارة، وأصابت السيارة شرارة، أحرقت المركبة ومن فيها، أي الشهوة قوةٌ دافعة أو قوةٌ مدمرة.
المذيع:
 شيخنا سأسأل فضيلتكم في ذات السياق، لكن من زاوية جديدة، هل ضعف المسلمين اليوم، انهزام غالبية الدول الإسلامية، دمار اقتصادها، وفرص العمل فيها، يؤدي إلى أن الغرب لا يحترم العالم الإسلامي وبالتالي لن يؤمنوا بنا ولا بمعتقداتنا؟

خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى :

الدكتور راتب :
 الغرب لا يحترم إلا القوي .
المذيع:
 وهذا عكس واقعنا اليوم.
الدكتور راتب :

 وإذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قويّاً، لأن خيارات القويّ في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى.
 أنا مرةً لا أنسى هذا الموقف، جئت من المغرب إلى سوريا، والطيار كان تلميذي، وتكريماً لي وضعني عنده، يوجد في غرفة القيادة كرسي ثالث للضيوف، جلست عنده، ودخلت إلى سوريا من طرابلس بلبنان، رأيت بعيني هذه طرطوس وصيدا، وبينهما خمسمئة كيلومتر بنظرة واحدة، أي على ارتفاع اثني عشر ألف متر رأيت خمسمئة كيلو متر.
 أنا ماذا أقول؟ كلما ارتفع مقامك تتسع رؤيتك، وكلما ارتفع مقامك تتسع عاطفتك.
 الأنبياء إنسانيون، هناك إنسان يحب ذاته، ممكن أن يأكل طعاماً درجة أولى في المطعم، وفي البيت لا يوجد طعام، وعنده أولاد وزوجة، هذا أحقر إنسان، وإنسان فقط لبيته، و إنسان للعائلة الأوسع، وإنسان لبلده، وإنسان لوطنه، وإنسان لأمته، وإنسان للإنسانية كله، فكلما ارتفع مقامك اتسعت دائرة اهتمامك.
وقف النبي بجنازة ليست لمسلم، قال: أليس إنساناً؟ أنا هذا الذي أؤمن به.
المذيع:
 إذاً يبدو دكتور أن هذه حقيقة، أن الإنسان الضعيف لا يُحترم، فطالما الدول العربية والإسلامية في غالبيتها ضعيفة اقتصادياً، وسياسياً، وعسكرياً، بالتالي الغرب لا ينظر لنا نظرة احترام، ولا ينظر إلى معتقداتنا.
الدكتور راتب :
 المخطئ في بلاد المسلمين يُشار إليه بالذات أنه أخطأ، أما المخطئ في بلاد الغرب، وأمريكا، وأستراليا، وأوروبا فيُشار للدين أنه أخطأ.
المذيع:
 دكتور كيف يمكن للمسلمين أن يكونوا أجمل نموذج حتى يقدموا شيئاً جميلاً عن دينهم حقيقةً؟

طلب العلم و تطبيقه يجعل المؤمن أفضل نموذج عن دينه :

الدكتور راتب :
 بطلب العلم، وتطبيقه، لا يوجد غير ذلك.
المذيع:

 دكتور من يتعمد أن يبيع دينه، ويقدم نموذجاً مشوهاً.

العبادة علة وجود الإنسان في الدنيا :

الدكتور راتب :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور : 55]

 وزوال الكون أهون على الله من ألا يحقق هذه الوعود.

﴿ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور : 55]

 ثلاثة وعود، لكن يوجد كلمة واحدة بآخر الآية:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور : 55]

 فإن قصرنا في عبادتنا فالله عز وجل في حلّ من وعوده الثلاثة.

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

 نحن علة وجودنا العبادة.

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56 ]

 والعبادة بمفهومها الواسع خضوع لمنهج الله، الذي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية.
المذيع:
 إذاً شيخنا يبدو أن هناك مشكلة كبيرة أن جمال هذا الدين نحن مقصرون في إيصاله بهذا الجمال، مقصرون أولاً في الدعوة، ومقصرون في الدعوة الجميلة- إن جاز التعبير -والتطبيق الجميل، ليصل هذا الجمال للعالم، فيؤمنون بالله عز وجل رباً وخالقاً لهذا الكون.

حاجة الدين إلى تبسيط و عقلنة و تطبيق :

الدكتور راتب :

 آخر نقطة: شيخ أسلم إنسان فرنسي على يديه في مصر، أبقاه في أحكام المياه ستة أشهر، ولم يتوضأ بعد، فترك هذا الفرنسي الدين، التقى بأحد علماء مصر الكبار محمد عبدو، قال له: الماء الذي تشربه توضأ منه، ألغى ستة أشهر.
 أنا ماذا أقول؟ الدين الآن يحتاج إلى ثلاثة أشياء، إلى تبسيط، وإلى عقلنة، وإلى تطبيق، تبسطه، وتعقلنه، وتطبقه، حتى تقنع الآخرين به.
المذيع:
 المقصود بالعقلنة؛ إعطاء الحكمة والحجة العقلية.
الدكتور راتب :
 لا تعمل شرخاً بين العقل والدين، الذي خلق العقل هو الله.
المذيع:
 والذي شرع الدين هو الله، لا تناقض بينهما، لكن قد تكون أحياناً طريقة شرح بعض الناس هي التي تثير إشكالات معينة.
نختم حلقتنا بالدعاء ونسأله القبول.

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسينا ذكرك، أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 الحمد لله رب العالمين، بارك الله بكم فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي على هذه الكلمات الطيبة.
 مستمعينا إلى هنا ونصل إلى ختام هذه الحلقة من برنامجكم مع الدكتور محمد راتب النابلسي عبر أثير حياة fm وكان عنوانها: " مسلمون يقودون إلى الإلحاد " في حديث عن بعض السلوكيات لبعض المسلمين التي تؤدي إلى نفور الناس من الدين، والوقوع بالشك والإلحاد والعياذ بالله.
 نلتقي بحلقة جديدة بحوله تعالى، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018