٠09برنامج حياة المسلم 1 - إذاعة حياة إف إم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 030 - معية الله.


2015-11-24

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صلّ وسلم، أنعم وأكرم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً وسهلاً بكم مستمعينا الكرام على الهواء مباشرة عبر أثير إذاعتكم حياة fm في مجلس العلم والإيمان، مع فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، الحمد لله على السلامة، و أهلاً وسهلاً بكم فضيلة الدكتور محمد.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع :
 اليوم لدينا حديث جميل، ولدينا كلمات طيبة مع دكتورنا الكريم تحت عنوان: " معية الله "، نستمع كثيراً إلى هذه الكلمة، هؤلاء الأشخاص في معية الله، نريد أن نتعرف وأن نفهم هذا المفهوم أكثر، من هم أهل الله وكيف لنا أن نكون منهم؟ ومن هم أولياء الله وكيف نتحلى بصفاتهم؟ يقول الله عز وجل:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس: 62-63 ]

 وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( يا غلام، إِني أُعَلِّمك كلمات، احفظ الله يحفظك .. ))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 فما هو حفظ الله وما هي معية الله؟

معية الله :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين.
 بارك الله بكم، أبدأ لقائي مع أخوتي الكرام المستمعين بهذه المقولة: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ بمعنى أن معية الله عز وجل مقام عند الله رفيع، ولكن هذه المعية نوعان، المعية الأولى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 أي بعلمه، الله معنا دائماً، أحوالنا، أقوالنا، أفعالنا، خواطرنا، نوايانا، حركاتنا، سكناتنا، دخولنا، خروجنا، معنا أينما كنا، معية الله الأولى معية علم، وهو معكم يعلم ما تفعلون، ما تقولون، ما تضمرون، يرى حركتكم، يعلم خواطركم، لكن حينما يقول الله عز وجل:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 19 ]

 هذه معية أخرى، من نوع آخر، المعية إذا جاءت مع المؤمنين تعني إن الله معكم بالنصر، والتأييد، والحفظ، والتوفيق، فالأولى معية علم، والله مع الكافر، يعلم ما يتكلم، يعلم حركاته، سكناته، ونواياه السيئة يعلمها، إذا كان الله مع الكافر معية علم فقط، وإذا كان مع المؤمن فمعية علم أيضاً، و مع أي مخلوق معية علم، لكن المعية التي اتصف بها المؤمنون وهو معكم أينما كنتم:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 19 ]

 إذا جاءت المعية مرتبطة بالمؤمنين فهذه معية التوفيق، ومعية التطهير، ومعية التكريم، كل المعاني الإيجابية معية الله، لكن أنا ألخصها بهذه الكلمة: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ بمعنى إذا كان الله مع هذا المؤمن من يستطيع في الأرض كائناً من كان أن ينال منه؟ قوى الأرض بأكملها لا تستطيع أن تنال من المؤمن إذا كان مع الله، وإذا كان الله معه، فإذا كنت مع الله كان الهع معك، المؤمن عندما يكون مع الله طائعاً، ملتفتاً، مقبلاً، مطبقاً لمنهجه، يراقب نواياه التي تسبق أعماله، كل هذه المقدمات يكتسب بها المؤمن معية الله، وإذا اكتسب معية الله فهو في أعلى درجات التكريم، يكون إنساناً عادياً إذا قال له الملك: أنا معك، من يقدر في المملكة أن ينال منه؟ معية الله كبيرة جداً، فأنا أتمنى على كل مؤمن أن يدفع ثمن معية الله عز وجل.
المذيع :
وما هو هذا الثمن؟

الإخلاص والإقبال والسلوك يستوجبون معية الله :

الدكتور راتب:
 الثمن هو الطاعة، الطاعة سلوكاً، والإقبال عليه نفساً، والإخلاص له قلباً، السلوك طاعة، بالنفسية قرب، بالضمير إخلاص، فالإخلاص والإقبال والسلوك هذه تستوجب معية الله عز وجل.
المذيع :
 إذاً معية الله أن الله يعلم كل أحوالنا، هذه تنطبق على كل خلقه، ومع كل البشر.
الدكتور راتب:
 ومع الكافر يعلم كل ما يخطط له.
المذيع :
 ومعية الحفظ للذين يتقون الله عز وجل.
الدكتور راتب:
 الحفظ، والتأييد، والتوفيق، والنصر، والنجاح.
المذيع :
 ما المقصود بهذه المعية لو توسعنا، إذا كان الإنسان من الذين يتقون الله، يسارعون في أداء فرائضه، وينتهون عما عنه نهى، ويجتهدون في النوافل، وفي الاستغفار، فرضي الله عنهم فكانوا في معية الله، ما دلالة ذلك؟ ما الذي يتحقق في حياتنا؟

الحكمة أكبر عطاء إلهي على الإطلاق :

الدكتور راتب:
 الذي يتحقق أن الإنسان بين إلهام الملك ووسوسة الشيطان، الإنسان له قرين حتماً من الشياطين، وقرين من الملائكة، فإذا كان مع الله ألهمه الله ما ينفعه، ألهمه الخير، ألهمه الصواب، ألهمه الكلام السديد، ألهمه التصرف المدروس العاقل، ألهمه الموقف القوي، ألهمه الشجاعة، ألهمه الإيثار، هذه كلها إلهامات، إذا كان الإنسان مع الله يتولى الملك إلهامه بالخير، إلهامه بالحكمة، أي أكبر عطاء إلهي على الإطلاق الحكمة، والدليل:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 الإنسان بالحكمة يسعد بزوجة من الدرجة العاشرة، ومن دون حكمة يشقى بزوجة من الدرجة الأولى، بالحكمة يجعل العدو صديقاً، ومن دون حكمة يجعل الصديق عدواً، بالحكمة يتدبر أمره بالمال القليل، ومن دون حكمة يتلف المال الكثير، أكاد أقول أخي الكريم بارك الله بك: أكبر عطاء إلهي على الإطلاق الحكمة، إلا أن هذه الحكمة لا تؤخذ، هنا المشكلة، ولا تكتسب، ولا تتملك، الحكمة تؤتى من الله عز وجل، والدليل:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 أي أكبر مكافأة من الله لعبده المؤمن أنه يلهم الحكمة، أي ناحج بقراراته، ناجح بتصرفاته، ناجح بمواقفه، ناجح في بيته، ناجح في عمله، ناجح مع أخوانه، ناجح مع أصدقائه، ناجح مع زملائه، ناجح في أمر معاشه، ناجح في أوقات فراغه، ناجح في هواياته، مطلق الحكمة، والدليل:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 أنا أضرب مثلاً بسيطاً، لو فرضنا طفلاً صغيراً جاءه العيد، أعطاه أقرباءه بعض الأموال، فإذا زاره عمه أو خاله فقال له هذا الطفل: معي مبلغ عظيم، كم تقدر هذا المبلغ العظيم؟ مئة دينار مثلاً ليس أكثر، إذا قال مسؤول كبير بالبنتاغون: أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً، كم تقدره؟ نقدره بمئتي مليار دولار، الآن دقق إذا قالها ملك الملوك، إذا قال خالق السماوات والأرض، إذا قال من بيده كل شيء، إذا قال الله عز وجل:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113 ]

 إله خالق الأكوان يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113 ]

بطولة الإنسان أن يكون مع الله ليكون الله معه :

 الحقيقة لو أن الإنسان تبصر في نفسه لوجد أنه لو بحث عن الله، وعرفه، واستلهم إيحاءاته، وطبق أمره، وتوجه إليه، وأخلص إليه، علمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيماً، أنا ممكن هذه الحلقة كلها أن ألخصها بكلمتين، إذا كان الله معك فمن عليك؟ من يستطيع من أهل الأرض من أقوياء الأرض من طغاة الأرض أن ينال منك؟ لا أحد، وإذا كان عليك فمن معك؟

﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ ﴾

[سورة الرعد: 11]

 إذا أراد الله إكرامك يسخر عدوك لخدمتك، وإذا أراد الله إهانة عبد جاءه الشر من أقرب الناس إليه، فالبطولة أن تكون مع الله ليكون الله معك.

كن مع الله ترى الله معك  واتــرك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطـاك من يمنعـــــــه  ثم من يعطـي إذا ما منعك
* * *

المذيع :
 ربنا خلق لهذا الكون نواميس وقوانين معينة، ولعلها السنن الكونية التي تسير عليها، هل يمكن لهذه السنن الكونية أن تتغير مع أولياء الله مع أولئك الذين دخلوا في معية الله من عباده المتقين؟

معجزة النبي الكريم مستمرة لأن رسالته خاتمة الرسالات :

الدكتور راتب:
 والله هذا الموضوع ينقلنا إلى موضوع الكرامات، أنا أولاً أقول لك بالكلام الدقيق أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما يرسله الله لهداية خلقه، هذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا رسول الله، ويأتي بمنهج، والمنهج افعل ولا تفعل، لكن هؤلاء الذين ألفوا أن يعيشوا مع شهواتهم من دون شرط أو قيد، ألفوا التفلت، ألفوا أن يتحركوا بدافع من شهواتهم مئة وثمانين درجة، إذا جاءهم منهج إلهي يحد من شهواتهم، يرفضون هذا المنهج، ويقولون:

﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً ﴾

[ سورة الرعد: 43 ]

 يكفرون برسالة النبي، الآن كيف يشهد الله لهذا النبي أنه رسوله؟ هنا الشاهد، لا بد من أن يجري على يديه خرقاً للنواميس، سيدنا عيسى أحيا الميت، سيدنا موسى ضرب البحر أصبح طريقاً يبساً، سيدنا إبراهيم ألقي في النار فلم تحرقه، فحينما يقول إنسان: أنا رسول الله، لابد من أن يشهد الله له برسالته عن طريق أن يجري على يديه خرقاً لنواميس الكون، هذه المعجزات، إلا أن الأنبياء السابقين لكل نبي معجزة حسية ترى بالعين، والمعجزة الحسية كتألق عود الثقاب يتألق هذا العود ثم ينطفئ فيصبح خبراً، يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء والمرسلين، بعثته آخر البعثات، رسالته خاتمة الرسالات، كتابه خاتم الكتب، فلا بد من أن تكون المعجزة مع رسول الله وحده مستمرة، لأنه حينما يأتي نبي كريم مع معجزة حسية، وتنتهي حياته سيأتي بعده نبي آخر، ومع الآخر معجزة، أما هذا النبي صلى الله عليه وسلم فهو آخر الأنبياء والمرسلين، بعثته آخر البعثات، رسالته خاتمة الرسالات، إذاً لابد من أن تكون المعجزة مع رسول الله وحده مستمرة، ولن تكون مستمرة إلا إذا كانت علميةً.

الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن :

 لذلك في هذا الكتاب الكريم ألف وثلاثمئة آية فيها إعجاز، أي حقيقة اكتشفت حديثاً، والقرآن ذكرها قبل ألف وأربعمئة عام، هذه الظاهرة القرآنية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن، نأتي بمثل، رواد الفضاء في أول رحلة فضائية أبولو ثمانية، لما تجاوز رواد الفضاء طبقة الهواء صاح رائد الفضاء الأول: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، ما الذي حصل؟ نحن في الأرض يوجد ظاهرة فيزيائية اسمها تناثر الضوء، ما التناثر؟ أشعة الشمس إذا سلطت على ذرات الهواء هذه الذرات تعكسها إلى ذرات أخرى، أنت في أي مكان على سطح الأرض في النهار يوجد مكان فيه أشعة الشمس، والمكان الآخر فيه ضوء الشمس، بيتك إذا النوافذ مفتوحة فيه ضياء في النهار، لكن بعض الغرف التي لها علاقة بالجهة القبلية تدخل لها أشعة الشمس، لكن بقية الغرف لا يوجد بها أشعة الشمس، فيها ضوء، هذا الضوء هو تناثر الضوء.. لما صعد رواد الفضاء تجاوزوا طبقة الهواء ألغي انتثار الضوء، صاح رائد الفضاء الأول: لقد أصبحنا عمياً لا نرى شيئاً، ظلام دامس، لما تجاوزوا طبقة الهواء ظلام دامس لأنه ألغي انتثار الضوء، نفتح القرآن الكريم الذي أنزل قبل ألف وأربعمئة سنة ونقرأ قوله تعالى:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 14-15]

 تطابق مئة بالمئة بين حدث جرى حديثاً قبل عشرين عاماً ماضية بعد أن وصل الإنسان للقمر وتجاوز طبقة الهواء وبين كلام الله عز وجل:

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 14-15]

 من هذه الشاكلة يوجد مئات بل بضع مئات من القضايا التي أشار القرآن الكريم إليها.
 مثلاً علم الأجنة، هذا العلم عمره مئة عام، الآن توصلوا إلى أن الذي يحدد جنس الجنين ذكراً أو أنثى ليست البويضة ولكنه الحوين، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى*مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ﴾

[سورة النجم: 45-46]

 دقة متناهية.
المذيع :
 شيخنا الحبيب هذا يدل على إعجاز الله عز وجل، والذي هو معجزة خالدة باقية ببقاء الإسلام رسالة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ماذا عن أولئك الذين يدخلون في معية الله أولياء الله الصالحين، هل إذا كان الإنسان في معية الله تغير هذه القوانين له أم أنه مأمور أن يأخذ بأسبابها فهي لا تغير لأحد؟

بطولة الإنسان أن يفهم الدين وفق منهج الله عز وجل :

الدكتور راتب:
 أولاً: هناك وهم كبير حول تعريف الولي، قيل: ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، وليسَ الولي الذي يطير في الهواء، الولي كلّ الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أي يجدك حيثُ أمرك، ويفتقدك حيثُ نهاك، الآن لو رجعنا إلى تعريف الولي في القرآن الكريم:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس : 62-63]

 هذا تعريف القرآن الكريم، هناك ملايين القصص والخرافات والخزعبلات متعلقة بالأولياء صدق لا أصل لها، لكن البطولة أن تفهم الدين فهماً وفق منهج الله عز وجل، الإنسان يتفوق، أما أنا مضطر أن أذكر المعجزة، حينما يرسل الله رسولاً ومعه منهج ويقول للناس: أنا رسول الله، هناك من يكذبه، فلا بد من أن يشهد الله له أنه رسول.
المذيع :
 من خلال المعجزة.

الفرق بين المعجزة و الكرامة :

الدكتور راتب:
 سيدنا عيسى أحيا الميت، سيدنا موسى ضرب البحر، أصبح طريقاً يبساً، إلى آخره، أما الكرامة فهذه بالتعبير المصرفي شيك مسطر لا تصرف إلا لصاحبها، الكرامة إشعار الله لهذا المؤمن الذي تفوق في إيمانه، وبذل الغالي والرخيص أن الله يحبه، هذه لا يتاجر بها، لذلك قالوا: الولي كل الولي الذي يستحي بكرامته، لا يروي كرامته، أنا موقفي دقيق جداً، أنا الكرامة لا أنكرها ولا أرويها، أي لا بد أنك حينما تخطب ودّ الله تقوم الليل، تنفق من مالك، تدعو إلى الله، هذه الأعمال الطيبة الرفيعة جداً، لا بد من أن يقابلك الله بمودة، المودة هي الكرامة، أحياناً تجد نفسك مرتاحاً، طليق اللسان في الحديث، أحياناً تبحث عن شخص تجده أمامك، هذه أشياء تسمى كرامات، هذه لا يتاجر بها، ولا تذكر، ولكنها إشعار لهذا المؤمن الصادق المخلص المقبل أن الله يحبه، فالكرامة تكون لكن لا يتاجر بها، وليست للتحدي بخلاف المعجزة، المعجزة الأنبياء أمروا أن يتحدوا البشر بها، لكن الولي الحقيقي ينبغي أن يسكت عن كرامته وألا يرويها، لأنه غير معصوم، لو رواها والناس صدقوه ثم رأوا خطأ من أخطائه يكفرون بالدين، أنا أتمنى على كل الدعاة ألا يرووا لمن حولهم كراماتهم.
المذيع :
 شيخ أنت موقفك واضح، الكرامات لا تنكرها لكنك أيضاً لا تدعو إلى أن يتناقلها الناس.
الدكتور راتب:
 مثل بسيط؛ طالب بالشهادة التوجيهية، شهادة مصيرية متعلقة بالجامعة، والده مرض أثناء العام الدراسي مرضاً شديداً، فترك الدراسة من أجل والده، وتفرغ لخدمته، وتطبيبه، قبل الامتحان بشهر أو بأسبوعين شفي والده، بقي معه أسبوعين، إذا الله عز وجل ألهمه يفتح على الموضوع الذي سيأتي منه سؤال، هل هذه صعبة على الله؟ لكن هذه القصة لا تروى لأحد، هذه إكرام من الله لهذا الابن البار.
المذيع :
 المنهج هنا يسر الإنسان بهذه الكرامة ويخفيها.
الدكتور راتب:
 ينبغي ألا يعلنها حتى لا يجعل الناس تتشوش، هو ليس معصوماً، قد يخطئ وقد يصيب، الكرامة أولاً أنا لا أنكرها لأنها هي إشعار من الله عز وجل أنني أحبك يا عبدي.
المذيع :
 حينما نقول: أولياء الله، وحينما نقول: هؤلاء الذين دخلوا في معية الله هل نتحدث عن فئة واحدة أم أن المعنى منفصل؟

الولي هو أي إنسان مؤمن مستقيم :

الدكتور راتب:
 أي إنسان مؤمن مستقيم أحد أولياء الله، كلام دقيق جداً، والدليل القرآني:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس : 62-63]

 تعريف جامع مانع للولاية، أما خرق العادات فأنا لا أكذبها، هذه لا يتاجر بها.
المذيع :
 حينما نقول في قوله تعالى:

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس : 63]

 آمنوا بماذا ويتقون ماذا؟

أولياء الله بالمعنى القرآني :

الدكتور راتب:
 آمنوا بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، آمنوا بأسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، استقاموا على أمره، تقربوا إليه بالأعمال الصالحة، الذين آمنوا وكانوا يتقون هذا صار ولياً، أي إنسان تعرف إلى الله، طبق منهجه، استقام على أمره، أحسن إلى خلقه، صار ولياً.
المذيع :
 وكانوا يتقون، كيف يتحقق ذلك؟
الدكتور راتب:
 يتقون أن ينقطعوا عنه باستقامتهم، يتقون أن يعاقبوا بطاعتهم، حينما يلغى المفعول به يطلق الفعل، هذه قاعدة عامة في اللغة، يتقون كل شيء، يتقي أن يعصي الله، يتقي أن يغضب الله، يتقي أن يؤذي مخلوقاً، يتقي أن يدعي لنفسه ما لا يملك، ممكن أن نضع عليها مليون كلمة، عندما ألغي المفعول به أطلق الفعل.
المذيع :
 من آمن بالله ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
الدكتور راتب:
 واستقام على أمره، وعمل صالحاً، وتقرب إلى الله، الآن هذا من أولياء الله بالمعنى القرآني وليس الصوفي.
المذيع :
 لازال حديثنا تحت عنوان: " معية الله "، أولئك الذين يتقون الله ويؤمنون به ما هو ثوابهم وأجرهم عند الله في الدنيا وعند الممات وفي القبر في حياة البرزخ وفي الآخرة؟

أجر من يتقي الله و يؤمن به :

الدكتور راتب:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن : 46]

 العلماء قالوا: جنة في الدنيا وجنة في الآخرة. جنة الدنيا جنة القرب من الله، يقول بعض العلماء الكبار: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن حبسوني فحبسي خلوة، وإن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ معنى ذلك أن حياة المؤمن جنة في الأرض، لكن هذه الجنة هي جنة القرب من الله، لأن الله عز وجل قال يصف المؤمنين ويخبرهم:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد : 6]

 ذاقوا طعمها، عرفها لهم بقرب العبد من ربه، أنت مع العظيم، مع الجميل، مع الحكيم، مع القدير، مع الغني، مع الإله العظيم، أنت قوي بالله، حكيم بالله، عالم بالله، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ هذه سماها العلماء: جنة القرب، أي في قلب المؤمن من الأمن ما لو زوع على أهل بلد لكفاهم، والدليل قوله تعالى:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام81-82]

 لهم الأمن وحدهم ولا يتمتع بالأمن إلا المؤمن حصراً بنص الآية، ما قال الله عز وجل: أولئك الأمن لهم، ولغيرهم، عندما قدم الخبر الذي هو شبه جملة على المبتدأ صار هناك قصر، مثلاً إذا خاطبت ربك وقلت: يا ربي نعبد إياك، نعبد إياك لا تمنع أن نعبد غيرك، أما إذا قال الإنسان في الفاتحة: إياك نعبد، قدمنا إياك على الفعل صار هناك قصر، أي لا نعبد إلا إياك، فلذلك نعمة الأمن لا يتمتع بها إلا المؤمن حصراً بنص القرآن الكريم.
المذيع :
 ماذا عن جزاء أولياء الله الصالحين في لحظات الوفاة هل يثبتهم الله؟ وفي البرزخ؟
الدكتور راتب:
 يقول أحد التابعين الحسن البصري: التقيت بأربعين صحابياً، ما منهم واحدٌ إلا كان في أسعد لحظات حياته عند موته.
 لذلك سيدنا بلال حينما جاءته المنية قالت ابنته: وا كربتاه يا أبتِ، قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.
 الجنة سيدي تشبه طالباً فقيراً جداً، ذهب إلى بلاد الغرب، ودرس على حسابه، يشتغل في النهار، ويدرس في الليل، حتى نال الدكتوراه، سبع سنوات تقريباً أعمال شاقة، بين عمل وبين دراسة ودوام ومتابعة وهموم وامتحانات إلى آخره، موعود يكون في بلده أستاذ جامعة ووزيراً مثلاً، قطع بالطائرة، وضع رجله على سلم الطائرة، أول درجة في سلم الطائرة أنهت حياة، وبدأت حياة ثانية، سوف يكون له بيت فخم، يكون له بيت في المصيف، بيت على البحر، سيارتان أو ثلاث، مكانة اجتماعية، طعام درجة أولى، بيت، درجة أولى، ألبسة، مكانة، ألغيت حياة التعب والشقاء وبدأت حياة السعادة، هذه عند الموت، لذلك المؤمن حينما يدنو أجله ويرى مقامه في الجنة يقول: يا رب ما رأيت شراً قط في حياتي، ينسى كل متاعب الحياة، وأما الكافر حينما يرى مكانه في النار فيقول: لم أر خيراً قط، هذه البطولة، أن تصل إلى هذه الدرجة.
المذيع :
 الموت ليس دائماً مخيفاً، من كان يتقي الله عز وجل سيأتي وقت قطف الثمار.
الدكتور راتب:
 الإنسان المؤمن خطه البياني صاعد صعوداً مستمراً، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد، والصعود يأتي بعد الموت.
المذيع :
 ماذا عن جزاء أولياء الله عز وجل يوم القيامة؟

جزاء أولياء الله عز وجل يوم القيامة :

الدكتور راتب:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة يونس: 62]

 هذه عبارة دقيقة جداً، لا خوف عليهم في المستقبل، ولا هم يحزنون على الماضي، فهذه الآية غطت الزمن كله، أثناء الآية الحاضر، والماضي ولا هم يحزنون على ما مضى، والمستقبل لا خوف عليهم، فلذلك لا ينتظر المؤمن إلا الخير، والدليل:

﴿ قُل لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ﴾

[سورة التوبة: ٥١]

 لم يقل علينا، نفي المستقبل إلا ما كتب الله لنا:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة التوبة: ٥١]

المذيع :

(( يا غلام، إِني أُعَلِّمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجِدْهُ تُجاهَكَ..))

[ الترمذي عن ابن عباس]

 ما المقصود بذلك؟

تطبيق أمر الله و طاعته :

الدكتور راتب:
 الحقيقة أن تحفظ الله، أن تطيعه، أنا أحفظ الله أن آكل المال الحرام، هذه واحدة، أحفظ الله أن أملأ عيني من محاسن امرأة لا تحل لي، أحفظ الله بأن أصغي إلى غناء لا يحبه الله عز وجل.
المذيع :
 في حفظ الله ألا نتعامل مع مال حرام؟
الدكتور راتب:
 وألا نعصيه إطلاقاً، احفظ الله في أمره، الله عز وجل له أوامر، له عبادات، له معاملات، له أعمال صالحة، تقريباً مجمل ما في القرآن الكريم والسنة من أوامر ونواه للمؤمن إذا طبق الأمر، وانتهى عما نهى الله عنه، معنى ذلك أنه حفظ الله، حفظ أمره بالتطبيق، يأتي أمر من مدير شركة، ما معنى حفظ الأمر؟ طبقته، نفذته بحذافيره، أما إذا أنت أهملته، ألقيته بالمهملات فأنت ما حفظته، حفظ الأمر أي تطبيقه.
المذيع :
 ماذا عن القسم الآخر من الحديث يحفظك؟ كيف يكون حفظ الله للعبد؟

حفظ الله للعبد :

الدكتور راتب:
 إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ إذا حفظ لك صحتك، أنت عندما تطبق منهج الله في الطعام، والشراب، وممارسة المباحات وفق منهج الله يحفظ الله لك بالمقابل صحتك من العطب، تطبق أمر الله في علاقتك بزوجتك، يحفظ الله لك هذه العلاقة من الفساد، أو الشقاق الزوجي، أو التطليق، احفظ الله بكسب مالك يحفظ لك مالك، لا يتلف مالك، أنا اتقيت الله في التجارة، ما كذبت، ما بعت بضاعة غير صحيحة، ما وصفت وصفاً غير صحيح، المال الذي ربحته من التجارة يحفظه الله لي، أسكن في بيت، وآكل، وأشرب، وأربي أولادي، وأدخلهم الجامعات، أنت عندما تحفظ الله بكسب مالك يحفظ الله لك صحتك، وأهلك، ومن حولك، حفظك الله أي وفقك.
المذيع :
 ماذا عن الابتلاءات التي تحصل لعباد الله الصالحين؟

الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :

الدكتور راتب:
 هذا موضوع ثان، هذا موضوع ليس له علاقة بهذا، الإنسان دائماً بالرخاء شاكر لله عز وجل، لكن الرخاء وحده لا يكشف حقيقة الإنسان، تكشف حقيقته حينما يأتيه شيء يكرهه، لذلك قالوا: الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، إنسان دخله جيد، أولاده متفوقون، زوجته يحبها وتحبه، عنده مركبة، وعنده بيت ملك، ولا يوجد عنده أية مشكلة، يا ترى هل يحب الله؟ لا يوجد دليل أنه يحبه، أما حينما تأتيه مشكلة ويصبر ويقبلها من الله، يقول: يا ربي لك الحمد، إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه، أنت اشتريت سيارة لا تمتحن بالطريق الهابطة، ولا تمتحن بالطريق المستوية، لا تمتحن إلا بالطريق الصاعدة، ترتفع حرارتها إذاً سيئة، الامتحان يكون بشيء صعب واحد مرض، أما ماذا عملت لك يا ربي؟ هذه لا تقلها، قل: يا ربي لك الحمد، بالصحة والمرض، والغنى والفقر، لذلك قالوا: الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
المذيع :
 كيف أعرف أن ما يصيبني هو ابتلاء من الله لصدق إيماني أم أنه علامة غضب من الله؟

ما من إنسان يعمل عملاً إلا يلقى في روعه أن هذا العمل يرضي الله أم لا :

الدكتور راتب:
 الجواب دقيق هو آية قرآنية:

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة: 14-15 ]

 لا أعتقد إنساناً في الأرض يعمل عملاً إلا يلقى في روعه أن هذا العمل يرضي الله، إذا كان لا يرضي الله يلقى في روعه أن هذا العمل لا يرضي الله، هناك أمثلة كثيرة، الطبيب مسموح له أن يرى موضع الألم من مريضته، هي أنثى، والمرأة جسمها عورة كله، لكن مسموح للطبيب أن يرى مكان الألم، فإذا نظر إلى مكان الألم واختلس نظرة إلى مكان آخر لا تشكو منه من يعلم خائنة الأعين هذه؟ الله وحده، أنت جالس في غرفتك، والبناء المقابل لك فيه شرفة، وقفت فيها امرأة بثياب متبذلة، لا يوجد قوة في الأرض تكشف أنك تنظر إلى هذه المرأة، وتملأ عينيك من محاسنها، من يعلم ذلك؟ إذا أنت غضضت نظرك وأغلقت النافذة من يعلم غير الله؟

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

[ سورة غافر: 19 ]

 أوضح شيء الصيام، صائم صيام نفل مثلاً، لا أقول: رمضان، ودخلت إلى بيتك، و لا يوجد أحد في البيت، وكان اليوم من أيام الصيف الحارة، وتكاد تموت من العطش، من يكشف إذا أنت أخذت من الثلاجة كأس ماء بارد؟ لماذا لا تشرب ماء وأنت وحدك في البيت؟ لأن الله معك، أعظم إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان.
المذيع :
 أختي أم فارس تفضلي...
 عندي سؤالان؛ هل تغطية الوجه هي فرض أم ممكن ألا نغطي الوجه عند الخروج من البيت؟

بعض الموضوعات وضعت الإنسان بين حالة عليا وحالة دنيا :

الدكتور راتب:
 سوف أقول لك قصة دقيقة: مسيلمة الكذاب قبض على صحابيين، قال للأول: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما سمعت شيئاً فقطع رأسه، سأل الثاني: أتشهد أني رسول الله؟ قال: أشهد أنك رسول الله، ماذا قال النبي لأصحابه؟ قال: أما الأول فقد أعزّ دين الله فأعزه الله، وأما الثاني فقد قبل رخصة الله.
كأن في بعض الموضوعات وضعك الإسلام بين حالة عليا هي البطولة وبين حالة دنيا مقبولة، مثل الجامعة تماماً يوجد مقبول أخذ خمسين، ويوجد شرف أخذ تسعين، الاثنان ناجحان، واحد مقبول، والثاني ناجح بدرجة شرف، هذا المثل فائدته هناك حجاب وهناك نقاب، النقاب أعلى من الحجاب بكثير، والحجاب مقبول أحياناً، وأنا أتمنى على المنقبة ألا تنتقد المحجبة والمحجبة لا تنتقد المنقبة. هناك حد أدنى وحد أقصى، فالتي اختارت الحد الأقصى بطلة ومتفوقة، ولها أجر كبير عند الله، قد يكون وجهها فاتناً، لم تفتن الشباب بوجهها الجميل، حتى يقول بعض العلماء: إذا كان لها وجه فاتن فيجب أن تستره، أما الثانية فقبلت رخصة الله، والأولى أعزت دين الله فأعزها الله..
المذيع :
 عبر الفيس بوك الأخت آية حسن تقول: كيف لنا أن نستشعر أن الله معنا في كل شيء؟ وهل عدم توفيقنا بشيء من أشياء الدنيا أن الله ليس معنا؟

حسن الظن بالله عز وجل :

الدكتور راتب:
 لا، هذا المعنى غير صحيح، المؤمن غال على الله، أحياناً المؤمن يختار شيئاً ليس في صالحه، فالله لا يستجيب له، فحينما يثق المؤمن بعلم الله، ورحمته، ومحبته، فإذا دعا الله في شيء ولم يستجب له ربه يحسن بالله الظن، يقول: لعل هذا الشيء لا ينفعني، وقد يرى بعد حين كيف أن هذا الشيء لم يكن ينفعه.
المذيع :
 اتصال أخونا محمد تفضل...
 سؤالي ماذا نفعل لخدمة وإكرام أولياء الله في الدنيا لو علمنا أن شخصاً من المسلمين هو ولي من أولياء الله؟ ما هي أبسط الحقوق التي نقدمها لأولياء الله؟

تطبيق الدعوة أعظم إكرام للداعية :

الدكتور راتب:
 أنا أرى أن هذا الداعية العالم أكبر إكرام له، أعظم إكرام له، أن تطبق دعوته، فتسعد بها ويسعد بك، أما الهدية فتؤكل وتنسى، أي شيء مادي ينتهي، أما عندما أنت تطبق منهجه وتسعد، ويكون بيتك جنة، وتحسن لزوجتك، والزوجة ولية من أولياء الله، وعندك أولاد ربيتهم بفضل دعوة هذا الشيخ، تكون كل أعمالك بصحيفته، أكبر خدمة تطبقها للشيخ قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 9]

المذيع :
 محمد اتصال جديد تفضل..
سؤالي عن حديث:

(( .. كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه ))

[ البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 أحياناً أشعر بهذه المعية وأحياناً أشعر أنها غير موجودة؟

تفاوت المؤمنين بساعات الغفلة و الإقبال :

الدكتور راتب:
 هذا وضع طبيعي جداً، نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن والجنة كهاتين، فإذا عدنا إلى بيوتنا وعافسنا الأهل ننسى، جاء إلى البيت الأكل غير جاهز، غضب قليلاً، ثم زوجته انزعجت منه، ثم صالحها، فإذا عدنا إلى بيوتنا وعافسنا الأهل هناك شيء أعجبه وشيء لم يعجبه هنا غضب، نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن والجنة كهاتين، فإذا عدنا إلى بيوتنا وعافسنا الأهل ننسى، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لو بقيتم على الحال التي أنتم بها عندي لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم ".
 لذلك اعتقد يقيناً أنت كمؤمن ساعة وساعة، الأنبياء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا، اتصال بالله مستمر، أما المؤمنون فأعظم مؤمن ساعة وساعة، شخص ساعة إقبال وثلاث وعشرون ساعة غفلة، و آخر ساعة غفلة وثلاث وعشرون ساعة إقبال، يتفاوتون بساعة الغفلة والإقبال، أما كمؤمنين فساعة وساعة، لو بقيتم على الحال التي أنتم بها عندي، معنى ذلك بدرس علم مع نبي كريم تشعر بسعادة كبيرة، وطبعاً العلماء يمشون على منهج الأنبياء، تأتي إلى الجامع تقول: والله عشنا في جنة، صار تجلّ، سرور، الدنيا أشرقت أمامنا، شاهدنا عظمة الله عز وجل، يأتي إلى البيت يكون هناك قضية ناقصة يعصب قليلاً، يغضب على زوجته قليلاً، تحزن منه. نحن كلنا ساعة وساعة، أين بطولتك؟ كلما كثرت ساعات الإقبال تكون أرقى عند الله عز وجل.
المذيع :
 أختي أم إحسان تفضلي...
 هل انقطع الوحي تماماً بعد وفاة الرسول وما الدليل من الكتاب والسنة؟

وحي الرسالة لا يمكن أن يكون إلا للنبي الكريم :

الدكتور راتب:
 لأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، الأنبياء يوحى إليهم، ولا يوحى إلى غيرهم، فإذا كان خاتم الأنبياء فخاتم الوحي بديهي، إياك ثم إياك أن تصدقي أن هناك إنساناً غير النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه، لأن كلمة وحي تعني الإلهام، قال تعالى:

﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ ﴾

[سورة القصص: 7]

 هذه ليس لها علاقة بوحي الرسالة، قال تعالى:

﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي ﴾

[سورة النحل: 68]

 هذا وحي غريزة، وهناك وحي خلق، الله أوحى للأرض، وحي خلق، ووحي غريزة، ووحي إلهام، أما وحي الرسالة فلا يمكن أن يكون إلا للنبي.
المذيع :
 سؤال ثان أم إحسان...
قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة الأنبياء: 7]

الدكتور راتب:
 هذا وحي إلهام وليس وحي رسالة.
المذيع :
 من هم أهل الذكر من يسأل الرسول؟

أهل الذكر هم من يعرفون القرآن والسنة :

الدكتور راتب:
 أهل الذكر يعرفون معنى الوحي، أهل الذكر يعرفون القرآن والسنة، النبي صلى الله عليه وسلم مات، يوجد مليون عالم، العلماء يعلمون الوحي الذي نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، يفتون من خلال الوحي الذي أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم.
المذيع :
 من المخاطب بهذه الآية: فاسألوا أهل الذكر؟ من أوحى الله إليهم أم عامة الناس؟
الدكتور راتب:
 المؤمنون، إذا الله عز وجل أرسل رسولاً ومات، أرسل نبياً ومات، ماذا بعد النبي؟ نصوص الوحي في منهج رسول الله، الوحي وحي الأنبياء وحي رسالة، أما وحي الإلهام فموضوع ثان، ووحي الخلق موضوع ثالث، ووحي الغريزة للنحل.
المذيع :
 أخونا محمود يقول الله عز وجل: الله مع الصابرين، كيف أعرف نفسي صابراً أم لا؟

الله تعالى مع المؤمن بالتوفيق و الصبر :

الدكتور راتب:
 المعية الإلهية معه بالتوفيق، معه بالصبر، وما صبرك إلا بالله، معه بأن تزول هذه المصيبة، كلمة معية كلمة مطلقة، تتسع لآلاف المعاني، إذا كان الله معك، معك بالتوفيق، معك بالنصر، معك بالرضا، معك بالسعادة، أسعدك شيء واسع جداً هذا التوفيق.
المذيع :
 الأخت إسراء تسأل هل هناك معية عامة؟ ومعية خاصة؟

معية الله عامة و خاصة :

الدكتور راتب:
 المعية العامة معية العلم فقط، الله مع الكافر، مع الفراعنة، مع الطغاة،

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

 أي معكم بعلمه، هذه معية عامة، هذه مع المؤمن ومع الكافر، أما المعية الخاصة:

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنفال: 19 ]

 فهذه معية التوفيق والحفظ.
المذيع :
 الأخت باسمة تقول: إذا قمت بكل الواجبات، والتكليفات الشرعية، وعشت لآكل، وأشرب، وأعمل، وأخرج في نزهات، ليس في حياتي دعوة كاملة، هل يقبلني ربي قبولاً حسناً؟

الدعوة إلى الله دعوتان :

الدكتور راتب:
 الدعوة إلى الله دعوتان، دعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، أن يكون داعية في حدود ما يعلم، ومع من يعرف، أنا سمعت خطبة تأثرت بفكرة قالها الخطيب، أو بحديث نبوي، أو تفسير آية تفاعلت معها كثيراً، أنا هذه الآية جلست مع زوجتي قلت لها هذا الكلام، جلست مع شريكي قلت له هذا الكلام، جلست مع صديقي، هذه الدعوة فرض عين في حدود ما يعلم ومع من يعرف، هذه فرض عين والدليل:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 يوجد دليل ثان:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108]

 الدعوة على بصيرة هذه الدعوة فرض عين، أما قوله تعالى:

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 104 ]

 منكم، هذا التبحر، والتعمق، والتفرغ، والتفوق.
المذيع :
 سؤال أخير من ملاك خليفات: المعية من الله مع المؤمنين، لكن إذا كان بين هؤلاء المؤمنين إنسان فاسق خارج عن الإسلام بأفعاله وسلوكه هل يؤثر عليهم جميعاً؟

إقناع الناس بالدين أو الابتعاد عنهم إن لم يستجيبوا :

الدكتور راتب:
 يجب أن يأخذوا موقفاً إما أن يشدوه لعندهم، وإذا لم يشدّ لعندهم وبدؤوا يتأثرون به فليتركوه فوراً، مثل لعبة شد الحبل، شخص لا يوجد به دين جلست معه، استطعت أن تقنعه ببعض حقائق الدين، أقنعته ببعض الفرائض، أقنعته يصلي، اجلس معه دائماً، أما إذا شدك إليه لعبت معه ورقاً للساعة الثانية ليلاً، طاولة، أخذك إلى مسرح مثلاً، أنت عندما بدأت تشد إليه اتركه، مثل لعبة شد الحبل إن شددت الناس إليك اجلس معهم، وإن شدوك إليهم اتركهم.
المذيع :
 هل من نصيحة فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي حتى نكون من أولياء الله الصالحين؟

الدين تطبيق :

الدكتور راتب:
 إذا إنسان زار طبيباً، ووصف له وصفة، فإذا الوصفة كتبت بخط جميل، فوضعها ضمن لوحة، وعلقها على الحائط، ثم خطر في باله أن يصورها، ثم لونها، ثم حفظها عن غيب، لكن الدواء لم يأخذه، كل هذه النشاطات ليس لها قيمة حتى يأخذ الدواء، نتكلم بكلام يعجب الناس، يقولون: والله هذا الإنسان طليق اللسان، الآيات والأحاديث والقصص ما لم تطبق لن تقطف من الدين شيئاً، هذه الحقيقة المرة، الدين ليس فولكلوراً، ولا وجاهة، ولا كلمات تلقى، ولا أشعاراً تحفظ، ولا آيات تذكر، الدين تطبيق، تطبق ترتقي بالدين.
المذيع :
 الله يفتح عليكم دكتور نختم حلقتنا بالدعاء؟

الدعاء :

الدكتور راتب:
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اللهم اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، الفاتحة.

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله بكم فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي، إلى هنا مستمعينا ينتهي هذا اللقاء، كان حديثنا فيها عن معية الله عز وجل، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018