٠09برنامج حياة المسلم 1 - إذاعة حياة إف إم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 029 - علاقة المسلم بالمجتمع.


2015-11-17

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأتمّ الصلاة وخير التسليم على حبيب قلوبنا، على نبينا وقدوتنا محمد صلى الله عليه وسلم.
 السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً وسهلاً بكم مستمعينا الكرام على الهواء مباشرة عبر أثير إذاعتكم حياة fm في مجلس علم جديد مع فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، مرحباً بكم شيخنا الحبيب.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، وحفظ لكم إيمانكم، ومن يلوذ بكم.
المذيع :
 اللهم آمين، بنا وبكم وللمستمعين، سيدور لقاؤنا عن العلاقة التي تجمع المسلم بالمجتمع، فبعض المسلمين والملتزمين يفضلون الانطواء والانعزال، ويظنون أن ذلك حصن وحماية لهم من التواصل مع المجتمع، فبعضهم يسير على أن يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، فذاك هو الخير بالنسبة له، يتواصل مع غيره من غير المسلمين، ويتواصل مع غيره من غير الملتزمين، دون أن يقدم نوعاً من أنواع التنازل، وبعض المسلمين بات منخرطاً في بيئات غير ملتزمة، وفي بيئات غير إسلامية، وفقد الهوية، وفقد كل التفاصيل، أين الصواب من الخطأ؟ أين حدود المقبول من المرفوض؟ هذا حوارنا مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، العلاقة الفطرية الصحيحة التي يفترض أن تكون بين المسلم وبين المجتمع باختلاف أركانه؟

الإنسان كائن متحرك له صانع عظيم :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.
الحقيقة الدقيقة أن الإنسان هو المخلوق الأول عند الله، وهذا المخلوق الأول خلق لجنة عرضها السماوات والأرض، وجاء الله به إلى الدنيا كي يدفع ثمن الجنة، إذاً هو كائن مفضل، لأن الله عز وجل حينما عرض الأمانة على السماوات والأرض والجبال في عالم الأزل أبين أن يحملنها، وأشفقنا منها، وحملها الإنسان، فلما قبِل هذا الإنسان حمل هذه الأمانة كان عند الله المخلوق الأول رتبة، إذاً سخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، تسخير تعريف وتكريم.
 المشكلة أن هذا الإنسان له إله، و هذا الإله له أوامر و نواه، فهو آلة بالغة التعقيد، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، إلا أن لهذه الآلة بالغة التعقيد التي هي الإنسان صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حرص الإنسان اللامحدود على سلامته، وحرصه اللامحدود على سعادته، ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع، أضرب على هذا مثلاً؛ إنسان يمشي بأرض فلاة، وجد لوحة كتب عليها: حقل ألغام، ممنوع التجاوز، حفاظاً على سلامته ينصاع إلى هذه اللوحة، انطلاقاً من حبه لسلامته، أنا حينما أفهم أوامر الدين قيداً لحريتي أكون أجهل الجهلاء بالدين، أما حينما أفهم قواعد الدين ضماناً لسلامتي فأنصاع إليها حرصاً على سلامتي، فالحقيقة موضوع الفهم مهم جداً في الحركة، الإنسان كائن متحرك، هذه الطاولة كائن ساكن، ما الذي يحركه؟ حاجته إلى الطعام والشراب، حفاظاً على بقائه كفرد، ما الذي يحركه؟ حاجته إلى الطرف الآخر، إلى الزواج حفاظاً على بقاء النوع، ما الذي يحركه؟ التفوق حفاظاً على بقاء الذكر، هذه الحاجات الأساسية التي أودعت فينا متوافرة بأعلى درجة في الدين، فأنت حينما تنطلق من حرصك على سلامتك تتبع تعليمات الصانع، و حينما تنطلق من حرصك على سعادتك تعقد اتصالاً مع مصدر الجمال والكمال والنوال، أي الله صاحب الجمال والكمال والنوال، والإنسان جبل وفطر و برمج على حب الجمال والكمال والنوال، فأنت كإنسان معك تعليمات الصانع، والصانع خلقك للسعادة لا للشقاء، والدليل:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود:119]

 خلقهم ليرحمهم، خلقهم لجنتين، جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، قال تعالى:

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن : 46]

المذيع :
 كيف لنا في ظل هذا الكلام الجميل أن نعرف حدود العلاقة الصحيحة للمسلم بالمجتمع، ولنبدأ بعلاقة المسلم بغير المسلمين، هل هي انعزال أم تواصل أم محبة شديدة؟

علاقة المسلم الصحيحة بغير المسلم :

الدكتور راتب:
 هذا السؤال يجاب عليه بعد أن يفهم الإنسان علة وجوده، الإنسان خلق للجنة، الجنة ثمنها العمل الصالح، لأن ثمن الجنة التي يصبو إليها، لأن ثمن الجنة التي خلق من أجلها، تقتضي أن يعمل صالحاً، ويكون في مجتمع، فالانعزالي ألغى عمله، و الذي يختلط مع الناس ويشدونه إليهم ألغى استقامته، فلا بد من أن تنطلق إلى عمل صالح يحقق علة وجودك في الدنيا، ولا بد من أن تبتعد عن فئة تستطيع أن تشدك إليها، فأنا أضرب مثلاً لعبة شد الحبل، أنت تلتقي مع الناس إن استطعت أن تشدهم إليك، إلى المبادئ، إلى القيم، إلى الحق، إلى الذي أراده الله منا، أما إذا التقيت معهم واندمجت معهم، فاستطاعوا أن يشدوك إليهم، فهناك خطر، هذا موضوع توازني، مادمت تستطيع أن تشدهم إليك، مادمت مستطيعاً أن تقنعهم بدينك، بمنهجك، أن تقنعهم بإنسانيتهم، أن تقنعهم أنهم خلقوا للجنة، وأن الذي خلقهم خلقهم ليسعدهم لا ليعذبهم، إذا استطعت أن تقنعهم لا بد من أن تختلط بهم، لا بد من أن تعاملهم، لكن تعاملهم بحيث لا تتأثر ثوابتك في العلاقة بهم.
المذيع :
 مبادئي الدينية..
الدكتور راتب:
 من أجل أن تكون معهم، هم يشربون الخمر أنت لا تقدر، لا بد لك من ثوابت، والثوابت لا يفرط بها إطلاقاً.
المذيع :
 إذا كان لي جار يشرب الخمر غير مسلم، هل أنا مطالب بمقاطعته أم أقاطع جلسة الخمر فقط؟
الدكتور راتب:
 أقصد بالاختلاط العلاقة الحميمة، أنت قد تكون موظفاً في دائرة، وقد يكون المدير العام ملحداً، علاقتك مع المدير علاقة عمل تأتي في الوقت المناسب، تقدم ما يطلب منك وانتهى الأمر، نحن عندنا علاقة عمل، علاقة جوار، علاقة زمالة، علاقة حرفة، علاقات كثيرة، هذه العلاقات كلها لا تقتضي منك الاندماج، علاقة حميمة، العلاقة الحميمة:

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))

.

[ أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

.
المذيع :
 إذا كان صديق عمر أو جار عمر منذ عشرات السنوات، وهو على غير دين الإسلام هل أنا مطالب أن أبتعد عنه؟

الدين الإسلامي دين أممي و ليس وطنياً :

المذيع :
 لا بالعكس، هذا غير المسلم إنسان، ودينك أممي، دينك ليس وطنياً بل أممياً، لذلك:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

[ سورة الحجرات: 13]

 مثل صارخ، سلمان فارسي:

((... سلمان منَّا أهل البيت ))

[ الحاكم والطبراني عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده ]

 صهيب رومي:

(( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه))

[ كنز العمال عن عمر]

 أبو لهب، عم النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴾

[ سورة المسد: 1]

 نحن ديننا أممي، هذا الدين العظيم دين الإنسانية.
المذيع :
 المسلم له حق شرعي أن يكوّن علاقات مع غير المسلمين.

على كلّ إنسان أن ينقل الناس من الضياع إلى الهدى :

الدكتور راتب:
 واجبه، هو في الدنيا لعمل صالح، لو أنت لك قريب أرسلته إلى باريس ليدرس، نقول له: علة وجودك في باريس هي الدراسة، فلابد من التحرك، لا بد من تستأجر بيتاً قريباً من الجامعة، هذه جزئية، لا بد من أن تصاحب طالباً يتقن اللغة الفرنسية، كي تحاوره طوال اليوم، لابد من أن تشتري مجلة متعلقة باختصاصك، حينما يتضح الهدف جلياً واضحاً هذا الهدف الواضح يفرز لك مئات الوسائل الجزئية في تحقيقه، أنا عندما أؤمن إيماناً يقينياً أنني مخلوق لجنة عرضها السماوات والأرض، وجاء بي إلى الدنيا كي أدفع ثمنها، وثمنها العمل الصالح، والدليل الإنسان عندما يقترب من أجله يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون : 99-100]

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾

[ سورة الفجر:24 ]

 أنا لأني مطلوب مني أن أنقل الناس من الضياع إلى الهدى، من الشرذمة إلى الجمع، هذا هدف أساسي، فلا بد من أن أختلط مع الناس لكن اختلاط أحافظ به على ثوابتي، فإذا جروني أبتعد عنهم، وإن جررتهم إليّ أقترب منهم.
المذيع :
 وألا نتنازل عن مبادئنا، لو كانت العلاقة بيني وبيني وبين أشخاص غير مسلمين غير مبنية على الدعوة، صديق نخرج معاً ونتسلى ولا يؤثر بي سلباً أيضاً لا أدعوه إلى الخير، هل هناك إشكال شرعي بهذه العلاقة؟

على كل مؤمن إقامة علاقات هادفة مع الطرف الآخر :

المذيع :
 المؤمن معه رسالة، ممكن إنسان بلا رسالة همه الاستمتاع، الآن العالم الغربي همه الاستمتاع، همه الرفاه، همه الاختلاط، همه النزهات، همه السياحة، همه البيوت الجميلة، أنا أذكر مرة التقيت مع شخص مندوب شركة هولندية، فبعد أن انتهى عملنا الحرفي أخذته إلى مكان جميل في دمشق، وذكرت له شيئاً عن الله، قال لي: قف، هذه المعلومات لا أهتم بها، ولا أعنى بها، ولا ألقي لها بالاً، أنا لا أهتم إلا بامرأة جميلة، وبيت واسع، وسيارة فارهة، العالم الغربي عالم آخر، عالم يعيش لحظته، هدفه الرفاه، أما أنت كإنسان معك رسالة تحميل، رسالة مقدسة، جاء الله بك إلى الدنيا كي تنعم بجنة عرضها السماوات والأرض بعملك، قال تعالى:

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل: 32]

 فأنا حينما أفهم حقائق الدين الكبرى، وحينما أفهم سرّ وجودي، وغاية وجودي، وحينما أستنير بنور الله، حينما أنصاع لمنهج الله، أنا إنسان آخر أقيم علاقات مع كل الناس، علاقات هادفة، أنا معي رسالة.
المذيع :
 المسلم لا يعتزل غير المسلمين هذا شرعاً خاطئ.
الدكتور راتب:
 أعوذ بالله إذا اعتزل لغى عمله الصالح، لغى وجوده.
المذيع :
 احتكاكنا بهم ليروا السلوك الطيب منا فيتحبب إليهم دين الإسلام، وأن تشدهم إليك، وألا تتأثر ثوابتك بهذه القضية.

تطبيق منهج الخالق :

الدكتور راتب:
 أكبر بلد إسلامي في العالم أندونيسيا، مئتان وخمسون مليوناً، سبب وصول الإسلام إلى هؤلاء تسعة تجار فقط، ذهبت إلى الصين، أبلغت أن في الصين ثمانين مليون مسلم، ثم علمت أن هذه الملايين الثمانين بدأت بمسلم واحد، بنى مسجداً في العاصمة بكين، وانتشر الإسلام، الإسلام رسالة، الإسلام أممي، الإسلام منهج الخالق.
المذيع :
 نحن كمسلمين مأمورين أن نحتك، وأن ننشر ديننا بتواصلنا وليس بانعزالنا.
الدكتور راتب:
 كلمة أخرى، المسلمون اليوم في المهاجر؛ في أمريكا الشمالية والجنوبية، وفي أوروبا، وفي أستراليا، وفي أي مكان في العالم - والله أعني ما أقول - لو طبقوا منهج ربهم تطبيقاً حقيقياً لكان موقف الغرب من المسلمين غير هذا الموقف..
المذيع :
 حديثنا عن العلاقة بين المسلم وأبناء المجتمع، ومازال حديثنا في الجزء الأول عن علاقة المسلم بغير المسلم، هناك بعض العلاقات التي لا نعرف كيف نتعامل فيها، مثال؛ لك جار غير مسلم يهنئك بعيدك، حينما تأتي أعياد النصارى وبعض الأعياد مربوطة بعقائدهم، وهي ليست أعياد كيوم الأرض بل مرتبطة بعقيدتهم ماذا أفعل كمسلم؟

إقامة علاقات ودّ مع الطرف الآخر بعيداً عن الأعياد :

الدكتور راتب:
 أنا من عادتي أتصور لي جاراً غير مسلم، قبل يومين أو ثلاثة أطلب زيارته معي هدية، وأسأله عن أولاده، وعن صحتهم، وأقدم هدية فقط، هذه الهدية تحدث مودة بالغة.
المذيع :
 هو سيفهمها من أجل العيد.
الدكتور راتب:
 إذاً بعد العيد، بعد شهر من العيد، يا سيدي أنا أقيم علاقة معه علاقة ود، أساسها الود والإهداء.
المذيع :
 هو يزورني في عيدي ألا أزوره في عيده؟
الدكتور راتب:
 القضية خلافية، حديثاً أفتى القرضاوي بها، أفتى أن تهنئه بعيده، لكن عيده مبني على الشرك، هناك مشكلة كبيرة أنا أقترح الحل الوسط أن أقيم معه علاقة ود كبيرة جداً، وأنا أريه من هو المسلم، من هو المؤمن، محبته للآخرين، محبته للناس عامة، كرمه، انضباطه، ما من داع أن أذكر له عيده، وأهنئه به.
المذيع :
 القضية فيها توازن، إذا استشعرت أنا كمسلم أن هذا الإنسان سيكرهني ويعتقد أنه متفضل عليّ وأنا جاحد له في تلك اللحظة يمكن أن تكون تهنئته لا جدوى منها.
الدكتور راتب:
 يوجد توجيه نبوي: " لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له ". إذا شخص ازدراك، أنا لي كلمة باللغة الدارجة: الذي يعطيك جانبه أعطه ظهرك، المفروض أن يكون هناك مودة، والود بين كل البشر.
المذيع :
 إذا كان ودوداً كثيراً، ويزورني في عيدي، أنا لا أريد أن تؤخذ عليّ كمسلم أنني أنا قطوع في أعياده، بهذه الحالة الاستثنائية يمكن أن أزوره؟
الدكتور راتب:
 هو إذا كان مثقفاً ثقافة عالية، وأنا متعلم متمكن، الموضوع نطرحه طرحاً علمياً هادئاً، لعلي أقنعه بما أعتقد، معي حجج وبراهين وأدلة، وبود بالغ، وبهدوء بالغ، يمكن أن أقنعه بوجهة نظري.
المذيع :
 في بعض المناسبات الذين يعيشون في الخارج، ومعظم احتكاكهم ببيئات غير مسلمة، يكون هناك احتفالات عامة بمدرسة أولادهم، قد يكون فيها مخالفات شرعية، قمار، وميسر، وخمور، الأصل على المسلم أن يعتزلها أم يشارك بها؟

الاحتكاك بالبيئات المختلفة مع الاعتزاز بالدين :

الدكتور راتب:
 أنا أذكر أن طالبة متفوقة جداً في أمريكا نالت الدرجة الأولى عندما كان كلينتون هو الرئيس، وهناك ترتيب أن الطلاب الأوائل في الجامعات يدعون إلى القصر الجمهوري، ويتلقون الشهادة من رئيس الجمهورية، فهذه الطالبة متفوقة جداً، الأولى على جامعتها، فلما دعيت إلى حضور الحفل في واشنطن، وتسلم الشهادة من رئيس الجمهورية كلينتون، قالت: أنا لا أسافر من دن محرم، فأعطوها ثلاث بطاقات، لها بطاقة ولأمها ولأبيها، وقالت: أنا لا أصافح الذي قدم لي الشهادة، فأذكر أن كلينتون قال لها: أنا أحترم رغبتك وسأعطيك الشهادة من دون مصافحة، اعتزت بدينها.
المذيع :
 لكنها لم تعتزل المناسبات؟

القيم الأساسية للغرب إسلامية و هي سبب تقدمهم :

الدكتور راتب:
 لا، لم تعتزل المناسبات، قالت: أنا لا أصافح ولا أسافر من دون محرم، وانتهت العملية، أنت بيّن للناس، هذا الطرف الآخر عنده قلق عام، عنده اختلال توازن، يجد شخصاً متماسكاً، قال أحد الفلاسفة البريطانيين: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين، لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم بالإسلام.
 أؤكد لك أخي الكريم الاتحاد السوفيتي قبل أن ينهار حرم الخمر، وإذا تأملت في إيجابيات الغرب تجد أنها كلها إيجابية، اكتشفوا بعقولهم وبذكائهم أن المنهج الإلهي أفضل منهج، الآن في فرنسا أنشؤوا بنوكاً إسلامية وليس لهم علاقة بالإسلام إطلاقاً، لكن وجدوا أن هذا أربح، وجدوا أن المال ينبغي أن يكون هكذا استثماره، فكلما تقدم العالم اقترب من الدين لا لأنهم يعبدون الله أبداً، لأنهم يعبدون الدولار من دون الله، والآن إيجابيات الغرب كلها إسلامية، إذا تكلمنا عن الإيجابيات؛ حقوق المواطن، فرص العمل متساوية، القانون فوق الجميع، لا يوجد أناس فوق القانون، هذه القيم الأساسية في حياتهم، سبب تقدمهم وتقدمهم بعد تجارب مريرة جداً.
المذيع :
 هي سبب تقدمهم، ونحن سبب تأخرنا تركنا لثوابتنا الشرعية وعدم التزامنا بها.
الدكتور راتب:
 أعجبني شخص التقى بإنسان غربي قال له: كيف أنتم مسلمون و متخلفون؟ قال له: لأننا قصرنا في تطبيق ديننا أصبحنا متخلفين.
المذيع :
 والغرب حينما تمسك بذلك أصبح هو المجتمع القوي.
الدكتور راتب:
 أنا سافرت للغرب أقول لك هذه الكلمة: كل إيجابيات الغرب إسلامية، لا لأنهم يعبدون الله..
المذيع :
 لو استطاع المسلمون وخاصة الذين يقيمون في الخارج أن ينقلوا لهم أن الإسلام يدعو إلى كل هذه الصفات الفضيلة، لا تغش، لا تسرق...

ما يجب على المسلمين فعله في الغرب :

الدكتور راتب:
 سيدي أنت في بلدك لا سمح الله ولا قدر قد يخطئ الإنسان، فإذا أخطأ يشار إلى اسمه بالذات، فلان الفلاني أخطأ، لكن المسلم إذا عاش في الغرب وأخطأ يشار إلى دينه، يتهم دينه، لذلك المعنى الدقيق النبي صلى الله عليه وسلم ذكره، أنت على ثغرة من ثغر هذا الدين فلا يؤتين من قبلك، أنا أقول لأخواننا في ألمانيا بأوروبا، في بريطانيا، في أستراليا إلى أمريكا، أقول لهم: هذا الأسترالي أو هذا الألماني أو هذا الإيطالي هذا لم يقرأ القرآن، ولم يقرأ سنة النبي العدنان، ولم يقرأ كتب الفقه، إلا أن الإسلام عنده هو أنت، فإذا أخطأت فهم الإسلام فهماً خاطئاً.
المذيع :
 سيدي كنت تكمل حديثك عن أهمية ما يفترض أن يفعله المسلمون في الخارج..
الدكتور راتب:
 هذا المسلم الذي يقيم في بلاد الغرب أو في غير بلاده يحمل رسالتين، الرسالة الأولى أن ينقل للغرب حقائق هذا الدين، وأنا أريد وأتمنى على هذا المسلم الذي يعيش في الغرب أن ينقل حقائق الدين مشروحة ومطبقة، لأن الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، هذا المسلم حينما يرونه صادقاً، صدقه دعوة، أميناً الأمانة دعوة، عفيفاً عفته دعوة، صادقاً صدقه دعوة، ، يعطيهم الإسلام بأبهى صورة، بأجمل تطبيق، بتماسك أيديولوجي إن صح التعبير، بتعليل عميق، الإنسان بحاجة أن يفهم شيئاً عن حقيقة الكون، والحياة، والإنسان، الإسلام قدم تعليلاً عميقاً جداً لحقيقة الكون، ولحقيقة الحياة الدنيا، ولحقيقة الإنسان، فإذا قدمنا إلى هؤلاء الضائعين أيديولوجياً قدمنا لهم هذه الحقائق مدللة بأدلة علمية، واقعية، اجتماعية، نفسية، ثم رأوا رأي العين مسلماً يمشي أمامهم، ورد أن الكون قرآن صامت، والقرآن كونٌ ناطق، والنبي صلى الله عليه وسلم قرآنٌ يمشي، العالم الغربي يريد أن يرى إسلاماً يمشي، لا يريد محاضرة، لا يريد ندوة، يريد أن يرى مسلماً مستقيماً.
المذيع :
 المسلمون ينتظرون من المتدينين هذا الأمر، فأنا أرى الإنسان حينما يكون في بلاد الغرب معه رسالة كبيرة جداً، حينما يذهب إليهم ينقل إليهم هذا الإسلام العظيم، المبادئ، وحينما يأتي إلى بلده ينقل إلى بلده أن القانون فوق الجميع، وأن المواطنة فهم عميق جداً.
 أي نأخذ ما في رؤوسهم، وندع ما في نفوسهم..

الابتعاد عن جلد الذات لأن إيجابياتنا رائعة :

الدكتور راتب:
 إلا أن الإنسان حتى لا يحس بأنه بحاجة إليهم يوجد مقولة دقيقة جداً، ثقافة أية أمة ملك البشرية جمعاء، لأنها بمثابة عسل استخرج من مختلف زهرات الشعوب، على مرّ الأجيال، وهل من العقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها؟ أنا أؤكد لك عندي طالب نال دكتوراه ببحث غريب جداً، أتى بمئة اكتشاف غربي، وأرانا يقيناً أن هذه الاكتشافات أساسها إسلامية، سرقت وعزيت إلى علمائهم، نحن عندنا جلد ذات، نعظمهم ونصغر أنفسنا، الأمر ليس هكذا، أنا مرة كنت في أستراليا، رئيس الجالية ودعني وبكى، قال لي: بلغ أخواننا في الشام أن مزابل الشام خير من جنات أستراليا.
 طبعاً الأردن شام حتى أطمئن أخواننا في الأردن، قلت له: اشرح لي؟ قال: لأن ابنك في أستراليا احتمال أن يكون ابنك خمسين بالمئة ملحداً، وسامحني بالكلمة الثانية وخمسين بالمئة شاذاً، ابنك في بلاد الشرق أنت مطمئن أن ابنك صالح مستقيم، بناتك محجبات، و أن أزواجهم طاهرون، نحن نعيش إيجابيات رائعة، ولكن صار معنا عقدة نقص أمام الغرب، فصارت البطولة أن تجلد الذات، نحن عندنا تماسك أسري العقل لا يصدقه، شخص مقيم في الشام ويريد أن يعمر مسجداً، فاختار أرضاً في جنوب دمشق مربعة، وأحد أضلاعها على القبلة، وهناك محسن أراد أن يبني مسجداً في هذه المنطقة، هذه الأرض صاحبها مستخدم في مدرسة لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، يسكن في غرفة مع أولاده، ومعاشه لا يكفي عشرة أيام مصروفاً، ورثها قبل شهر، طلب ثمنها خمسة ملايين، ساومه أحد أخواني الذي هو مشرف على أرض المسجد على أربعة ملايين، وافق، عمل له شيكاً بمليونين قال: أين بقية المبلغ؟ قال له: عند التنازل، قال: ما التنازل؟ قال: تذهب إلى مديرية الأوقاف، وتتنازل عن هذه الأرض لتكون مسجداً، قال: مسجد، مزق السند، وقال: والله إني أستحي من الله أن أبيع أرضاً لتغدو مسجداً، أنا أولى منك أن أهبها إلى الله، المسجد قائم في القدم أعلى مئذنة بدمشق، يقول هذا المحسن: والله ما صغرت في حياتي أمام إنسان كما صغرت أمام هذا الفقير.
 عندنا بطولات، عندنا بذل، يجب أن نعلم ما عندنا، عندنا تماسك أسري، كم أب باع بيته في أرقى أحياء دمشق واشترى أربعة بيوت لأولادهم وزوجهم؟
 يقول لي أخ كان في فرنسا: رأيت شخصاً يقف على نهر السين، سألته: ما الذي تفكر به؟ قال: أن أقتل أبي، قال: لم؟ قال: أحب فتاة فأخذها مني. نحن الأب عندنا مقدس، نحن نعيش ببقية قيم، بقية وفاء، بقية حياء، بقية خجل، بقية عمل صالح، كم أخت في الشام تبيع بيتها من أجل أخيها، لتزوجه؟! كم أب يسكن في حي من الدرجة العاشرة ويزوج أولاده؟!
المذيع :
 كيف يفترض أن تكون طبيعة العلاقة الشرعية الصحيحة بين المسلم وبين غيره من المسلمين غير المتدينين؟

العلاقة الشرعية الصحيحة بين المسلم وغيره من المسلمين غير المتدينين :

الدكتور راتب:
 أنا أعتقد أن هذه العلاقة نوعان، علاقة جوار، وعلاقة حميمة، إذا شخص غير ملتزم، وبعيد عن الدين، ولا يوجد عنده شيء حرام، أنا لا أستطيع أن أقيم معه علاقة حميمة، لو فرضنا سهرت عنده تأتي زوجته بثياب فاضحة تجلس معكم، ابحث عن مؤمن على شاكلتك أقم معه علاقة حميمة، أما إنسان آخر فتقدم واجبك تجاهه.
المذيع :
 من للطرف الآخر؟ من سيهديهم؟
الدكتور راتب:
 نحن لهم ولكن لا نسمح لهم أن يؤثروا فينا، نقيم معهم علاقات..
المذيع :
 كيف سنوازن بين الأمرين؟
الدكتور راتب:
 يا أخي من خلال اللقاءات، أنا جارك، وأنا أودك، وأنت غال علي، أنا عندي في حياتي بعض المبادئ والقيم، سأقول لك: هل تقبلني بهذه المبادئ؟ أنا معك، انتهى الأمر.
المذيع :
 هم عائلة مناسباتهم مختلطة وأنا متدين ضد الاختلاط، تفضلوا عندنا على العشاء، النساء في الداخل والرجال بمكان آخر.
الدكتور راتب:
 انتهى الأمر، أنا علاقاتي قوية مع الكل، لكن أنا لا يوجد عندي اختلاط في حياتي، فالعمل الطيب، الاستقامة، الكرم، هذا يحبب الناس بك، ساعتئذ يحترمون مبدأك.
المذيع :
 أنت علمتنا أن الفضيلة هي التي تكون في الوسط.
الدكتور راتب:
 وسط بين طرفين.
المذيع :
 وسط تتواصل مع الناس بثوابت شرعية، الانعزال عن الناس خوفاً من الحرام مرفوض، وأن تنخرط بحرامهم أيضاً مرفوض.
الدكتور راتب:
 الجواب: من خالط الناس وصبر على أذاهم أفضل من الذي لا يخالطهم، ولا يصبر على أذاهم.
المذيع :
 إذاً المسلم لا ينعزل، أيضاً لا يتنازل عن ثوابته؟
الدكتور راتب:
 إذا كان أقوى من ذلك يعلل ثوابته، يسهر سهرة مع جاره غير الملتزم، ما فوائد غض البصر مثلاً، فوائد الاقتصار على الزوجة في العلاقات مثلاً، يشعر أنه إنسان كريم.
 يوجد كتاب الإنسان ذلك المجهول، كتاب أول طبعة خمسة ملايين نسخة، أنا قرأت بعيني في هذا الكتاب هذا النص التالي: أفضل نظام للرجل أن يقصر طرفه على امرأة واحدة.
المذيع :
 ولا يتحدث من ناحية شرعية.
الدكتور راتب:
 أبداً قضية علمية محضة، كلما تقدم العلم اقترب من الدين، الأصل هو الدين، أنا وكلام دقيق لا أثني على الدين إذا وافق العلم، أنا أثني على العلم إذا وافق الدين، الأصل هو الدين.
المذيع :
 ملخص العلاقة الشرعية بين المسلم وإخوانه المسلمين غير الملتزمين المودة والمحبة، لا يوجد استعلاء عليهم، لكن لا يوجد أيضاً انخراط بأمور فيها مخالفات شرعية، ولا اعتزال عنهم، كيف تكون العلاقة؟

القدوة قبل الدعوة :

الدكتور راتب:
 الأولى أن يقدم تعليلاً علمياً لمنهجه، فلعله يقنع من حوله بهذا المنهج، أنت لك جار، هذا الجار لا يطبق شيئاً من الدين، أنت ألا ترغب أن يكون صالحاً مطبقاً للدين؟ هذا جزء من دعوتك، أنت تكرمه، تزوره، تتفقد أحواله، أحياناً تقرضه مبلغاً، أحياناً تعاونه في قضية، إذا سافرت يوصيك بحاجات معينة، تنفذها كلها، عندئذ أملأ قلبه محبة لي ليفتح لي عقله لبياني، النقطة الدقيقة جداً أحسن إليه حتى يمتلئ قلبه محبة لك، عندئذ يفتح لك عقله لبيانك، هذه القصة قبل أن تتكلم يجب أن يكون هناك حب، الحب يسوق وصول الأفكار كلها إليه، أنت أحسن إليه، أكرمه، تفقد أحواله، اخدمه خدمة معينة، أنت عندك هدف، أنت صاحب رسالة يا أخي، هذا جارك هو ليس سيئاً ولكنه غير منضبط، ولا يقيم قيمة لمنهج الله عز وجل، أنت عندما تزوره وتكرمه، اضطر لمبلغ فأدنته عندئذ يحبك، ملأت قلبه محبة لك، بإحسانك، ليفتح لك عقله لبيانك، لذلك قالوا: القدوة قبل الدعوة.
المذيع :
 معنا أخونا محمد تفضل...
السائل:
 شيخنا أنت تقول: يجب ألا يكون الإنسان منعزلاً بحيث يكون متمسكاً بثوابته، كيف والمغريات والمعاصي ويختلط ويكون متمسكاً بثوابته؟

الإرادة في تطبيق الدين :

الدكتور راتب:
 الحق قاس، الذي لا يوجد عنده إرادة ليلتزم لا يوجد أمل منه، إذا لا أقدر لا أقدر، ما من داع للدعوة إطلاقاً، فأنت تملك إرادة وهذه الإرادة، إن الله خلق آدم على صورته، الله عز وجل مريد وأعطاك إرادة، إذاً أنت مصلحتك بتطبيق الدين، تحتاج إلى إرادة.
المذيع :
 كيف لي أن أحافظ على ثباتي؟

الحاضنة الإيمانية تحافظ على ثبات المؤمن :

الدكتور راتب:
 قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

 أنت بحاجة إلى حاضنة إيمانية، بحاجة إلى بيئة إيمانية، بحاجة إلى أصدقاء مؤمنين، بحاجة إلى علاقات إيمانية، هؤلاء يعطونك الحاضنة، الإنسان عندما يعيش بين مؤمنين كلهم يشير عليه بالعمل الصالح، كلهم ينهاه عن خطأ، فأنت تعيش بين نصحة:

(( المؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ نَصَحَةٌ مُتَوَادُّونَ، وَإِنِ افْتَرَقَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ، وَالْفَجَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ غَشَشَةٌ مُتَخَاذِلُونَ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ))

[ الترغيب والترهيب للمنذري، والبيهقي في شعب الإيمان ]

 فلا بد من أن تطبق الدين في نفسك أولاً، وفي أهلك ثانياً، وفي عملك ثالثاً، أصبحت قدوة أنا الآن أنفتح على الآخرين، أنفتح في حدود منهجي، ولا بد من بيئة حاضنة، هذه مأخوذة من قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119 ]

المذيع :
 أخي موسى تفضل...
السائل:
 هل أنا مضطر أن أدخل البيوت لدعوة أخواني؟

دخول البيت للدعوة ليس ضرورياً :

الدكتور راتب:
 لا، لست مضطراً، لك جار زارك ترد له الزيارة.
المذيع :
 أخي موسى تفضل...
السائل:
 ليسوا سواء هذه الآية، والسؤال الثالث أنا مرة سمعتك تقول إذا هناك مذهب فيه شيء يناسبك ما من مانع أن تأخذ من هذا وهذا، أي أن تنتقي.
 أخي محمد تفضل...
السائل:
 هناك فتوى أنا ما اقتنعت بها، أنك إذا اجتمعت بجارك لا تبدأه أنت بالسلام، هكذا جاءت الفتوى، هذه تسبب لي الحرج ويكون رجلاً كبيراً.

لاحرج من طرح السلام على غير المسلم :

الدكتور راتب:
 لا سلم عليه، لا يوجد بها شيء أبداً. ليس بخيركم من عرف الخير، ولا من عرف الشر، ولكن من عرف الشريَّن، وفرق بينهما، واختار أهونهما، لو عينك بعينه وما سلمت عليه هذا خطأ، أعتقد لو سلمت عليه الخطأ يكون أقل.
المذيع :
 أن تبدأ غير المسلم بالسلام لا حرج، هل هناك من صيغة معينة لطرح السلام؟
الدكتور راتب:
 هذه قضية خلافية، ويوجد فتوى، بالأخير سيدي المسلم عندما يسلم على جاره هو عنده مليون غلطة أيضاً، أنا أقول: المجتمع الآن لا يوجد به انضباط كامل، أما هذا الجار فيرى من إحسانك، ويرى من ورعك، ومن استقامتك، فيحترمك كثيراً، ويحترم أسلوبك في الحديث معه.
المذيع :
 أخي محمد تفضل...
السائل:
 أنا حالياً أدرس في تخصص الشريعة، أحياناً تكون الجلسات العائلية فيها نوع من الحرام، من الغيبة والنميمة، ويكون فيها الكبار الذي يقدر عمرهم بخمسين أو ستين سنة، وأنا أكون الصغير، إن تكلمت لا يسمعون لي، هل الصحيح أن أعتزلهم أم لا؟

الإقناع بالمعروف أو الانسحاب بعذر مقبول :

الدكتور راتب:
 أنت إذا قدمت اعتذاراً مقبولاً عندهم، عندي موعد أنا خجلان منكم وانتهى الموضوع، لا يوجد داع أنتم مخطؤون وأنا سوف أترككم.
المذيع :
 لماذا لا يأمر بالمعروف؟
الدكتور راتب:
 إذا عنده إمكانية يقنع يجب أن يأمر بالمعروف، أنا قلت: إذا استطاع أن يقنع الناس بالمنهج الصحيح الأفضل أن يقنعهم.
المذيع :
 يقول يا عم جلستك حلوة، ونحن مسرورون بجلستك، لكن علينا ألا نذكر أحد بسوء، إذا أصروا على الباطل ينسحب..
الدكتور راتب:
 انسحب، وإذا قاطعتهم أنهيت عملك الصالح.
المذيع :
 أخي أبو بكر تفضل...
السائل:
 نعم أنت في بلاد الشام، وهذه بلاد الشام، نحن منفتحون على أخواننا النصارى الموجودين هنا، لكن يوجد نقطة من أخواننا المسلمين الذين يقعدون هناك ويصبح يفتي بنفسه، وهو ليس من أهل الإفتاء، يسمع النصارى لكن هم يستهزئون من هذا الرجل، أنت لا تشوه ديننا.

الدين اختصاص و أدلة :

الدكتور راتب:
 أنا معك بهذا الكلام، أنت عندما تنتهي الجلسة خذه إلى مكان آخر، وقل له: هذا الكلام الذي تكلمت به خطأ، أتمنى ألا يعاد مرة أخرى.
المذيع :
 إذا كان لفضيلتكم توجيه للذين ينفتحون على غير المسلمين حتى لا يتشدقون ولا يميعون الدين..
الدكتور راتب:
 الدين اختصاص سيدي، التدين سهل للكل، أنت ممكن أن تكون صادقاً، وأميناً، ومتقناً لعملك، وباراً بوالديك، وزوجاً صالحاً، وأباً صالحاً، أما الدعوة إلى الله فاختصاص، أنت عندما لا تملك وسائل الدعوة، وعلم الدعوة، ونصوص الدعوة، وأدلة الدعوة، الأولى ألا تدخل بمجال لا تملكه، فالأولى أن تبقى في المجاملات، وفي الأشياء البسيطة، أما إذا معك حجة، معك أدلة، معك نصوص، ومعك إحصاءات، وذكرتها بأدب جمّ، بلطف شديد، ممكن أن تنقل الناس إلى الطريق الصحيح.
المذيع :
 أنتقل إلى الفيس بوك ومجموعة من الأسئلة...
 آية تقول: كيف نتعامل مع المجتمع نحن كملتزمين ودعاة؟

التعامل بالإحسان مع غير الملتزمين :

الدكتور راتب:
 نتعامل معهم بالإحسان، مع الحفاظ على ثوابتنا، التق معهم، واسألهم، وأجبهم، وكن مؤنساً لهم، وإذا طلبوا منك شيئاً قدمه لهم، مع البقاء بالثوابت.
المذيع :
 لدينا سؤال من محمود في ظل الأوضاع التي نعيشها مع كثرة الاختلاط والانفتاح مع الآخر أصبح هناك اختلاط كبير بين الرجال والنساء، ما هي حدود الملتزم بعلاقته مع المرأة؟

حدود الملتزم بعلاقته مع المرأة :

الدكتور راتب:
 إذا كلن هناك اختلاط لا بد منه مغطى بالشرع، الرجل يغض بصره، والمرأة تتحجب فقط.
المذيع :
 ما المقصود مغطى بالشرع؟
الدكتور راتب:
 أنت موظف في شركة، و هناك اجتماع مجلس إدارة، ويوجد نساء بالجلسة، أغض بصري، أنا هذا عملي، هذه وظيفتي، وهناك اجتماع لمدراء الأقسام أنا أغض بصري.
المذيع :
 محمد الصخري هل يجوز لي أن أعتزل عن المجتمع حولي في العمل والسكن بسبب أنهم يكثرون من الغيبة؟

الابتعاد عن مجتمع الغيبة إن لم يستجيبوا للنصح :

الدكتور راتب:
 عندما يكون هناك غيبة وأنت تبين أخطار الغيبة بأدب وبأدلة، أنا إذا هذا الكلام سوف يعاد أنا أعتذر منكم.
المذيع :
 نادر يقول: أنا ملتزم عندي مشكلة عندما أنصح يقابلونني بالرفض، وعندما أنصحهم مرة ثانية يعتقدون أني انصحهم لمصلحة، فصرت أقلل علاقتي.

الذكرى تنفع المؤمنين :

الدكتور راتب:
 الجواب فذكر إن نفعت الذكرى، إذا كان تذكيرك قوياً، ومعه أدلة ولطيف، ممكن أن تجد ثمرة لهذا التذكير، إن لم تجد ثمرة إطلاقاً معنى هذا أن الذكرى لم تنفعهم.
المذيع :
 محبة الشام تنقل لنا جزءاً من حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

((.. فالزم بيتك، وأمسك لسانك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصة نفسك، عليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة ))

مصاحبة من يعرف قدر العلم و قدر الدين :

الدكتور راتب:
 أصل هذا الحديث:

(( .. إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا ـ مادية مقيتة، وَهَوًى مُتَّبَعًاـ الجنس، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ الْعَوَامَّ...))

[ الترمذي و أبو داود عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ]

 ما معنى خاصة نفسك؟ زملاؤك المخلصون المهذبون، أقرباؤك، جيرانك، زمالة، قرابة، جيرة.
المذيع :
 هل هذا الحديث ينطبق على هذا الزمان؟
الدكتور راتب:
 طبعاً.
المذيع :
 هل هي دعوة للانعزال؟
الدكتور راتب:
 لا تسمّها انعزالاً، سمّها انضباطاً، أنا لا أصاحب إلا إنسان يعرف قدر العلم، وقدر الدين، إذا كان يستهزئ بالدين لا أصاحبه، ما من داع لأعاديه، أو أهاجمه، أنسحب بانتظام.
المذيع :
 بعض الفتيات وخاصة في سن الشباب وبعضهم حديثي العهد بالالتزام، يرون بيئات حولهم غير منضبطة ينزعجون، ينعزلون، ويؤمنون:

(( بَدَأَ الإِسلامُ غريباً، وسَيَعُودُ غريباً كما بدَأَ، فطُوبَى للغرباءِ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 عليهم أن يكونوا غرباء منعزلين هل هذا هو المطلوب؟

الانعزال ضد العمل الصالح الذي هو علة وجود الإنسان :

الدكتور راتب:
 الأولى أن يتفقهوا في الدين، وأن يحسنوا إلى ذويهم، حتى يملكوا قلوبهم، وبعدئذ يأتي الحوار الهادف المدلل بأدلة صحيحة، هذا الموقف أرقى بكثير، الانعزال سهل، أنهيت عملك بالانعزال، أما أنت فاطلب العلم، والذي أنت تنكره على من حولك، ابحث عن علته الشرعية، وتعليله الحكيم، اطلب العلم واجلس معهم جلسة هادئة ولطيفة وبمودة وبيّن لهم هذا الخطأ.
المذيع :
 كيف نتعامل مع العائلة الغير متدينة؟
الدكتور راتب:
 يوجد خطأ ارتكبه سابقاً، كيف اختار هذه الزوجة غير المتدينة بالأساس؟
المذيع :
 لنفترض ابن والده ووالدته لا يصلون مثلاً.
الدكتور راتب:
 قال تعالى:

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾

[ سورة لقمان: 15 ]

 ولكن صاحبهما في الدنيا معروفاً، ممكن أن ترفض شيئاً بنعومة وبأدب ولطف.
المذيع :
 الشيء إذا كان حراماً، أما إذا شيء مثل ادرس فلا ينعزل، لا يهجرهم.
الدكتور راتب:
 أعوذ بالله، الحقيقة أن الانعزال ضد العمل الصالح يا أخي، علة وجودك في الدنيا العمل الصالح، إذا انعزلت أنهيت عملك الصالح.
المذيع :
 والدتي غير محجبة، والدي لا يصلي، هذا ليس مبرراً للابتعاد عنهم.
الدكتور راتب:
 مرة قال لي شخص: والدتي غير محجبة، قلت له: طلقها، قال: ماذا أطلقها؟ قلت له: إذاً هذه قدرك، أنا مزحت معه، الأب والأم قدر.
المذيع :
 الله يفتح عليكم دكتور نختم حلقتنا بالدعاء؟

الدعاء :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، الفاتحة.

خاتمة و توديع :

المذيع :
 في ختام هذا اللقاء نلخص ما قاله فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي، أن الأصل على المسلم أن يكون متواصلاً ومنفتحاً وإيجابياً مع جميع أفراد المجتمع، حتى مع غير المسلمين، لكن هو الذي يشدهم، ولا يتأثر بثوابتهم، إن شدوه إلى الباطل يبتعد، في علاقته مع غير الملتزمين هو أيضاً قريب منهم فيما هو مباح، ويوضح مبدأه، وهو قريب من الناس الملتزمين ليوصل دعوته، ليس بمنغلق، وليس بمنعزل عن أحد، يوصل الحكمة الشرعية بعد فهمه لدينه وعلمه ليعلم الناس لماذا شرع الله هذا فيحترمونه ويقتربون من دينهم أكثر.
 إلى هنا مستمعينا ينتهي هذا اللقاء، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018