٠09برنامج حياة المسلم 1 - إذاعة حياة إف إم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 017 - كنوز رمضان.


2015-08-25

مقدمة :

المذيع :
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صلّ وسلم، وأنعم وأكرم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً وسهلاً بكم مستمعينا الكرام على الهواء مباشرة عبر أثير إذاعتكم حياة fm في حلقة ولقاء جديد من برنامجكم مع فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، فأهلاً وسهلاً بكم مستمعينا، ومرحباً بكم فضيلة الدكتور محمد، أهلاً وسهلاً يا دكتور.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم.
المذيع :
 دكتورنا الكريم في نفحات هذا الشهر الكريم، في نفحات شهر رمضان، هنالك كنوز عظيمة في طيات هذا الشهر الفضيل، في لحظات صيامه وقيامه، في لحظات نهاره، في لحظات قيامه وليله، بين ثنايا كتاب الله عز وجل، هو شهر القرآن الكريم، في لحظات ذكر الله، وصلة الأرحام، والأعمال الصالحة، فهل لنا أن نغرف معكم من كنوز رمضان، وهو عنوانها لهذا اللقاء.

رمضان دورة مكثفة لفتح صفحة جديدة مع الله :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.
 الحقيقة أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر وقال هو يصعد: خاب وخسر من أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى؟ وكأن هذا الشهر هو دورة مكثفة للصلح مع الله، دورة مكثفة لفتح صفحة جديدة مع الله، دورة مكثفة لإلغاء الماضي بكل ما فيه من تقصير، إلا أن هناك ملاحظة لا بد منها، الذنوب التي تغفر في رمضان هي التي بينك وبين الله، هذا ذنب يغفر، لمجرد أن يقول العبد: يا رب لقد تبت إليك، كأن الله يلقي في روعه وأنا يا عبدي قد قبلت، والصلحة بالتعبير الدارج بلمحة، والإنسان حينما يصطلح مع الله طويت صفحة عن كل أعماله السابقة:

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 فرمضان شهر الصلح مع الله، شهر فتح صفحة جديدة مع الله، شهر البدء من الصفر في علاقتك مع الله، هذه مناسبة لا تقدر بثمن، لو فرضنا ترجمناها إلى واقع الحياة، إنسان عليه ديون بمئات الملايين، وكلها موثقة بسندات، وبالإمكان أن يحجز على أملاكه المنقولة وغير المنقولة، وأن يعلن إفلاسه، فقيل له: افعل كذا وكذا لثلاثين يوماً وأنت معفى من كل ديونك الممليرة، فرصة لا تعوض، الله عز وجل يعدنا أن الإنسان إذا صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ذنبه، لأن الله عز وجل نهاك عن المعاصي والآثام، نهاك عن الكذب، نهاك عن الغش، نهاك عن الزنا، نهاك عن كل المعاصي والآثام إلا أنه في رمضان نهاك عن الطعام والشراب، نهاك عن المباح، نهاك عن الطعام والشراب المباح، نهاك عن الحلال، فلأن تترك المعاصي من باب أولى، قد يقول قائل للتقريب: لا يوجد آية ولا حديث ينهى عن ضرب الأب والأم، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا ﴾

[سورة الإسراء: 23]

 إذا أنت ممنوع أن تقل لهما: أف، وأن تشد نظرك إلى الأب نوع من أنواع أف، وأن تخبط الباب حينما تخرج تعبيراً عن غضبك، نوع من الأف، فإذا نهيت عن كلمة أف وما يساويها فلأن تكون منهياً عن إيقاع الأذى بالأم والأب من باب أولى، هذا بالفقه اسمه: باب الأولى، رمضان أنت منعت أن تأكل، وأن تشرب، وأن تقترب من حلالك ممنوع فلأن تدع المحرمات من باب أولى.
المذيع :
 رمضان هو شهر الكنوز وشهر الطاعات هل لنا أن نغرف منها وأجرها المضاعف في هذا الشهر الفضيل؟

 

العبادة سرّ وجودنا :

الدكتور راتب:
 الحقيقة أن العبادة هي طاعة لكنها طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، هذه العبادات هي سرّ وجودنا، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56]

 لدينا عبادات شعائرية وعبادات تعاملية، وهذا كلام دقيق جداً، العبادات الشعائرية كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، بتعبير آخر الصلاة من أجل أن تتصل بالله، والصيام من أجل أن تتصل بالله، والحج من أجل أن تتصل بالله، و الزكاة من أجل أن تتصل بالله، والنطق بالشهادة من أجل الاتصال بالله، أن تعقد مع الله صلة هذا جوهر العبادة بأكملها، لكن برمضان دورة مكثفة، دورة مركزة، دورة تنهي الماضي بكلمة واحدة، إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، رمضان فرصة لا تتكرر إلا كل عام، أنا الذي أتصوره الإنسان عندما ترك برمضان الطعام والشراب والمباحات، فلأن يدع المعاصي والآثام من باب أولى، فإذا استطاع أن يضبط نفسه في ثلاثين يوماً، معنى هذا أن هذه الأيام الثلاثون شكلت عنه، تحمل طاعة بشكل مستمر، فبطولة المؤمن الصائم أن يتابع انضباطه بعد رمضان، أما الذي يعود إلى ما كان عليه قبل رمضان فكأنه ما صام رمضان، هذه فرصة من أجل أن ترقى رقياً نوعياً، وكل سنة يوجد قفزة نوعية، صار هناك درج، كل عام ترتقي في فهمك، في عقيدتك، في إحسانك، في استقامتك، في محبتك لله، فإذا بعد رمضان عدنا إلى ما كنا عليه قبل رمضان ما عاد هناك ارتقاء، ما عاد هناك درج، لذلك هناك إنسان يصوم رمضان مثله كمثل الناقة حبسها أهلها فلا تدري لا لم حبست؟ ولا لم أطلقت؟

ارتباط ضعف الانضباط بضعف الإيمان :

 الشيء الآخر وهو الحقيقة المرة برمضان حينما يضعف الإيمان يضعف الانضباط، يضعف الانضباط يضعف الفهم عن الله عز وجل، حينما يكون الإنسان قبل رمضان بعيداً عن الله رمضان صار شهر الولائم، والسهرات، والمسلسلات، أي ابتعدنا عن حقيقة هذا الشهر ابتعاداً كلياً، وأكثر الأسر في رمضان تلتقي على مائدة الإفطار، صار موسم ولائم كل يوم في بيت، والسهرة للسحور، والسهرة في أي شيء لا يرضي الله، بما يرى على الشاشة، أو بما يتكلم بلسانه، فإذا شهر رمضان شهر الولائم والمسلسلات، ما عاد الشهر الذي أراده الله عز وجل.
المذيع :
 الناس من خلال الولائم يحبون أن يحيوا صلة الرحم، وإفطار الصائم.

صلة الرحم تقوم على تفقد شؤون الآخرين و مساعدتهم :

الدكتور راتب:
 هذا موضوع آخر، أنا أرى أن صلة الرحم أحد أكبر القربات إلى الله، أي الإنسان بحياته اليومية يوجد عدد من أقربائه المحدودين يراهم كل يوم تقريباً أو كل أسبوع، عدد قليل من أقربائه يوجد تعامل يومي معهم، ساكن في بيت أهله، يرى أمه وأباه كل يوم، أخوته يأتون إلى بيت أمهم وأبيهم، يرى أخوته، لكن يوجد عدد كبير من أقرباء الإنسان قد لا يتاح له أن يصلهم، أو أن يتفقد شؤونهم، من هنا جاءت عبادة صلة الرحم، أنت برمضان ينبغي أن تتفقد أقرباءك الذين لا تلتقي بهم إلا قليلاً، ماذا يفهم من صلة الرحم؟ المفهوم المعاصر بسيط جداً وساذج، أن اطرق بابه زائراً بالعيد، إذا ما وجدته تضع له بطاقة، حتى أن معظم الناس يتمنون ألا يجدوا من يزورون حتى يحققوا باليوم أكبر برنامج زيارات، يتمنى أن يكون النصف غير موجودين.
المذيع :
 لكن هل هذا هو المطلوب؟
الدكتور راتب:
 لا، المطلوب أن تتصل به، وأن تتفقد شؤونه، فإن كان بحاجة إلى مال أن تمده، إن كان بحاجة إلى توجيه أن توجهه، إن كان بحاجة أن يسألك عن موضوع ابنه، وأي كلية تفضل، أن تعطيه الجواب، هناك تعاون، هناك اتصال، هناك إن كان جائعاً تطعمه، عنده مشكلة تحلها له، هذا معنى صلة الرحم، الله عز وجل جعل التكافل الاجتماعي على أساس نسبي، وهناك عدة أسس؛ أسس الجوار، الجار له حق كبير، والقريب له حق، والمؤمن له حق، لذلك الأقربون أولى بالمعروف، بعضهم قال: الأقربون نسباً، والأقربون إيماناً، والأقربون فقراً، فالإنسان عندما يصوم الصيام الذي أراده الله يجب أن يكون هناك قفزة نوعية بحياته، بعلاقاته، بسهراته، بنشاطه، فالمؤمن إنسان آخر.
 أريد أن أقول كلمة دقيقة: أنت تقول: ذهب عياره أربعة وعشرين، أو واحد وعشرين، نسبة الذهب إلى النحاس أقل، أو ثمانية عشر، أو ستة عشر، وأقل ذهب أحد عشر، هذه الأصناف الأربعة كلها ذهب، إلا أن نسبة الذهب إلى النحاس متفاوتة، نقول: الفرق هنا بالدرجة، أما حينما آتي بمعدن خسيس كالتنك، وأقول: ذهب، نقول: الفرق بين الذهب والتنك ليس بالدرجة بل بالطبيعة، وأنا أقول بكل ما أملك من ثقة أن الفرق بين المؤمن وبين غير المؤمن فرق بالطبيعة، المؤمن إنسان آخر؛ مبادئه، قيمه، انضباطه، تفكيره، طموحاته، نشاطاته، وقت فراغه، علاقته بأقربائه، علاقته بجيرانه، بمن فوقه، بمن تحته، بالأقوياء، هذا المؤمن نموذج، لهذا أنا أقول: الإيمان مرتبة أخلاقية، ومرتبة علمية، ومرتبة جمالية.
المذيع :
 عنوان نقاشنا كنوز رمضان مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، ونبدأ باتصال أخي يزن تفضل:
 ما علاقة القضاء والقدر بصلة الرحم؟

علاقة القضاء والقدر بصلة الرحم :

الدكتور راتب:
 القضاء والقدر يلخص بما يلي، حكم ومعالجة، كطبيب مرّ بالمستشفى وجد مريضاً ضغطه منخفض جداً، حكم على أن ضغطه منخفض فأمر برفع الملح، إدراك حالته قضاء، والمعالجة قدر، مريض ثان ضغطه مرتفع جداً فأمر بطعام لا يوجد به ملح، إدراك الحقيقة قضاء، والمعالجة قدر، يأتي إنسان يستقيم، عند الله مستقيم يقدر له الإكرام، والتيسير، والأسرة الصالحة، والأولاد الأبرار، إنسان بمعصية يقدر له عقاباً يرده إلى الدين، فالقضاء حكم والقدر تقدير.
المذيع :
 معنا أخي أبو عمر تفضل:
 الذين ينقضون عهد الله بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض.

تلبية دعوة الأقرباء الأغنياء لا الفقراء هذه الصلة مصلحة لا عبادة :

الدكتور راتب:
 يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، الله أمر بصلة الرحم، فقطع الرحم، أي أقرباؤه الفقراء تركهم، عنده قريب أو قريبان أغنياء فالتصق بهم، وقال بعض العلماء: تلبية دعوة الأغنياء من الدنيا، وتلبية دعوة الفقراء من الآخرة، إذا عنده أقرباء أغنياء يصلهم دائماً، بأي مناسبة يكون معهم، وأقرباؤه الفقراء ينساهم، هذا صار موضوعاً ثانياً، أنه اختار من صلة الرحم ما له علاقة بدنياه، فهذه الصلة لا تعد عبادة تعد مصلحة.
المذيع :
معنا أخي يزن من جديد:
 أن القضاء والقدر متغير فمثلاً علاقة القضاء والقدر بصلة الرحم، عمر الإنسان يزيد بصلة الرحم؟

صلة الرحم لا تطيل العمر تطيل البركة فيه :

الدكتور راتب:
 العمر ثابت إلا أن مضمون العمر متغير، مثلاً شخص فتح دكانه خمس ساعات، باع بمئة ألف، وآخر فتح ساعة باع بمليون، لم يعد للزمن قيمة، القيمة للغلة، فالإنسان لو عاش عمراً بسيطاً الشافعي عاش أقل من خمسين سنة، ترك مؤلفات لا يعلمها إلا الله، فإذا الله عز وجل أعطى إنساناً الزمن لا يقدم ولا يؤخر، إن أتفه أعمار الإنسان العمر الزمني، وهناك عمر عقلي، وعمر عاطفي، وعمر أعمال صالحة، فحينما يغتني عمره بالعمل الصالح كأنه عاش مئة سنة.
المذيع :

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك]

 صلة الرحم لا تطيل العمر تطيل البركة فيه.
الدكتور راتب:
 تطيل الأعمال الصالحة، قيمة الدكان بالغلة لا بالدوام، يطول حكماً بالعمل الصالح، قال تعالى:

﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

[سورة القصص: 24]

 لما سقى لهما ثم تولى إلى الظل، وقال:

﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾

 وقالوا: الغنى والفقر بعد العرض على الله. لا يعد الغني غنياً في الدنيا إلا إذا جاء يوم القيامة وسلم من عذاب النار.
المذيع :
 معنا أخي ماجد تفضل.
 عندي زوج ابنتي يمنع ابنتي أن تزور أمها، ما جزاء هذا؟ كيف أتصرف معه؟

 

معالجة المشاكل باللين لا بالعنف :

الدكتور راتب:
 والله الصهر غال يا أخي أولاً، وإذا منعها نحن نلاطفه لدرجة أن يستحي بحاله، دائماً وأبداً الموقف الكامل يحجم الشخص، فأنتم زوروها وأكرموها، وأحضروا معكم هدية، هو عندما يجد هدية وأنتم تزورونها يصغر أمامكم، ثم يسمح لها، لا يوجد مشكلة، الموضوع لا يعالج بالعنف، أنا ضد العنف.
المذيع :
 لو كان نسيبه مثلاً قد حلف يميناً أو نذر نذراً أنها لا تزور أمها؟
الدكتور راتب:
 يقول لها: أنا ألغيت اليمين فقط، هذه فتوى ابن تيمية، حلف يميناً وغلط ماذا يفعل؟ يقول: ألغيت اليمن، اذهبي إلى أهلك، يكفر عنه بإطعام عشرة مساكين، قال ابن تيمية: من حلف يمين طلاق وفي نيته أن يحملها على فعل ما أو أن يمنعها من فعل ما وهو يكره فراقها كفراق دينه، هذا الطلاق لا يقع عند ابن تيمية، هو طلاق قسمي، يكفر عنه بإطعام عشرة مساكين، وهذا ما تأخذ به المحاكم الإسلامية في أرجاء العالم الإسلامي.
المذيع :
 تفضل أخي كمال:
 بعض الناس تقول له: صم رمضان أو صلّ، يقول لك: أنا ما تركت الصيام والصلاة إلا بقدر الله، يحتج بالقدر وقد يفهم القدر فهماً خاطئاً.

عقيدة الجبر تلغي الدين :

الدكتور راتب:
 هذا الإنسان اضربه ضرباً مبرحاً، قل له: بقدر الله لماذا يغضب؟ جيء لسيدنا عمر بشارب خمر فقال: أقيموا عليه الحد، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدر عليَّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار. لا تصدق ولا واحد بالمليار الله عز وجل كتب على الإنسان الشقاء بلا سبب، بلا مقدمات، قال تعالى:

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾

[سورة يس: 12]

 نكتب فعل مضارع، الآن، قدموا فعل ماض، نكتب الآن ما قدموا، فالإنسان عندما يتخذ قراراً بمعصية، ويعصي تسجل عليه فقط، أما أنه مكتوب عليه الشقاء سابقاً فهذا ألغى الدين كله، عقيدة الجبر تلغي الدين، تلغي الجنة، تلغي النار، تلغي العدل، تلغي كل شيء، تلغي الدين كله بهذه الفكرة، فقال: إن الله قدر عليَّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله.
المذيع :
 أوشكنا على نهاية النصف الأول من رمضان، هذه الأيام معدودات، كيف نستغلها خير استغلال؟

 

كيفية استغلال رمضان خير استغلال :

الدكتور راتب:
 والله أنا أتمنى على الأخوة المستمعين، إذا استطعت أن تؤجل المشكلات العويصة لبعد رمضان أصفى لنفسك، اترك هذا الشهر شهر عبادة، قم بالحد الأدنى من عملك وليس الحد الأقصى، أحياناً يوجد مشكلة عويصة تحتاج إلى لقاءات كثيرة، ومشاحنات، هذه جمدها إلى بعد رمضان، هذا الشهر شهر إقبال على الله، شهر الصلة بالله، شهر القرآن، شهر الحب، شهر العودة إلى الله عز وجل، الحياة ممتلئة بالمشكلات، فالإنسان يفرغ نفسه برمضان ليكون مع الله في هذا الشهر الفضيل.
المذيع :
 أخي محمد تفضل:
 أريد أن أسأل نحن بهذه الأزمة في سوريا منذ خمس سنين والدعاء في رمضان، ما الحكمة ألا يوجد شخص له دعاء مستجاب ينقذنا من الذي نحن فيه؟

الأزمات الصارخة والقاسية جداً تمتحن الناس و تفرزهم :

الدكتور راتب:
 أولاً: أنت أمام مريض مفتوح بطنه لعمل جراحي يحتاج إلى عشر ساعات، أحياناً يوجد أعمال جراحية بالقلب، قلب مفتوح، أقل عملية ست عشرة ساعة، لو جاء الابن وقال للطبيب: لا نريد أن نكمل، لا يرد عليه، النتيجة إيجابية، والشفاء حاصل، لكن العملية تحتاج إلى وقت، فعندما يطول الأمد، لو أن المشكلة حلت بشهر واحد الممتحنون في البلد خمسة بالمئة، وقد وصلت إلى أربع سنوات الممتحنون خمسة وتسعون بالمئة، فكلما امتد زمن الأزمة اتسعت رقعة الممتحنين، أنا أعتقد بهذه الأزمات الصارخة والقاسية جداً معظم الشعب امتحن، الغني امتحن بغناه، والفقير بفقره، والعالم بعلمه، والطبيب بطبه، كل إنسان امتحن، ودفع ثمن نجاحه أو رسوبه، امتداد الأزمة، لا تكرهوا الفتنة فإن فيها حصاد المنافقين، هناك إنسان يظهر نفاقه بعد سنتين، ربنا عز وجل هو الحكيم، هو العليم، يجب أن تحترم قرار الله عز وجل، هذا إله، وكل شيء وقع بأمره، كل شيء وقع أراده الله، أي سمح به، كل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق. لا ينزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، هذه الحقيقة المرة، لا تحاب نفسك، لا تحاب أمتك، هناك تقصير، لكن أنا سوف أقول كلمة دقيقة جداً: أب عنده ثلاثة أولاد، واحد ذكي جداً ومتفوق تركه، حقق الهدف، والثاني منغولي أيضاً تركه، لا يوجد أمل، والثالث ذكي جداً ومقصر، فصب تربيته على الثالث، فإذا واحد ميؤوس من صلاحه، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

 وإذا كان صالحاً جداً، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 وهناك حالة ثالثة لا هو كافر، ولا هو مطبق فعليه معالجة، إن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه. وإذا أحبّ الله عبده عجل له بالعقوبة، يوجد أنفاس طاهرة وأدعية لكن الله له خطة أنا أحترمها لو لم أفهم حكمتها، أفقه تفاصيلها، إله، هل يعقل أن يقع في ملك الله ما لا يريد؟ مستحيل، كل شيء وقع أراده الله، أي سمح به فقط، ما معنى سمح به؟ طبيب تزوج ولم ينجب لمدة عشر سنوات، ثم أنجب طفلاً آية في الجمال، تعلق به تعلقاً مذهلاً، ثم اكتشف الأب الطبيب أن ابنه مصاب بالتهاب الزائدة الدودية، فهذا الطبيب الرحيم والولهان بابنه يسمح بفتح بطن ابنه بعد التخدير الكامل، واستئصال الزائدة، يسمح بالخياطة ثم يذهب مفعول المخدر وهناك آلام شديدة بعدها، أب رحيم وعليم. كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.

﴿ هُنالِكَ ابتُلِيَ المُؤمِنونَ وَزُلزِلوا زِلزالًا شَديدًا ﴾

[سورة الأحزاب: ١١]

 الصحابة زلزلوا، والآن هذه الأحداث الأليمة في بعض البلاد الإسلامية فرزت الناس، أناس كفروا بالله، وأناس ازدادوا ثبات، وأناس أعطوا كل ما عندهم، لا تكرهوا الفتنة فإن فيها حصاد المنافقين، وهذه الفتنة تفرز الناس إلى صادق و كاذب، الذي فيه خير كامن ظهر بهذه الفتنة، وهناك شر كامن ظهر.
المذيع :
 أخي أبو عدنان تفضل:
 أنا أذهل بكلام الدكتور؛ الكلمتان اللتان تكلم بهما عن العملية الجراحية في سوريا، بصراحة جواب شاف لكل إنسان، نحن أمة المليار والنصف، ندعو ولا يوجد قبول من الله، أعطانا الجواب الشافي فعلاً، سؤالي كيف نمارس علوم الطاقة دون أن نشرك بالله وقوانين الجذب، وقوانين الكارما والقوانين الحديثة، بدون الإشراك بالله؟

 

من اتبع منهج الله فهو في برّ الأمان :

الدكتور راتب:
 الإنسان ممكن أن يأخذ من أشياء منوعة في صلاحيتها، إذا أخذ منها شيئاً صالحاً، مثلاً البرمجة العصبية اللغوية، هذا منهج لرفع الطاقة، لرفع الإنتاج، فيها بند ابدأ من النهاية، أنا أعجبني، النهاية الموت، اعتبر الموت سيقع، الصفقة لا ترضي الله، هذا الدخل لا يرضي الله، هذه السهرة لا ترضي الله، ابدأ من النهاية، هذا مبدأ بالبرمجة العصبية اللغوية، لا يوجد شيء حق صرف إلا الدين والقرآن والسنة، لا يوجد شيء باطل صرف هناك تداخل بينهما، فالمؤمن يتبع منهج الله عز وجل، فهو في بر الأمان، مثل نهر فيه شاطئ جاف وشاطئ مائل زلق، والنهر عميق جداً، فالبطولة أن أمشي في الشاطئ الجاف وأنا مطمئن، أما هذا الشاطئ المائل الزلق، إذا مشيت فيه فاحتمال السقوط في النهر كبير جداً، فالبطولة أن أمشي في الشاطئ الجاف وأنا مطمئن، أما هذا الشاطئ المائل الزلق إذا مشيت فيه فاحتمال السقوط في النهر كبير جداً، لذلك من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه:

(( إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما شبهات، من توقاهن كن وقاءً لدينه، ومن توقع فيهن يوشك أو يواقع الكبائر، كالمرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه، لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه))

[رواه أبو يعلى وفيه موسى بن عبيدة وهو متروك]

المذيع :
 إذا كان لك نصيحة كيف نستثمر ما بقي من رمضان؟

 

استثمار ما بقي من رمضان :

الدكتور راتب:
 يا سيدي أولاً يقول سيدنا سعد بن أبي وقاص: " ثلاثة أنا فيهن رجل- أي بطل، كلمة رجل لا تعني ذكر، تعني أنه بطل، لذلك قالوا ما كل ذكر برجل- وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، ما صليت صلاةً وشغلت نفسي حتى أقضيها، ولا سرت في جنازة بغير ما تقول حتى أنصرف منها- الشاهد بالثالثة - وما سمعت حديثاً من رسول الله حتى علمت أنه حق من الله تعالى. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( رأيت عمود الإسلام قد سلّ من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام))

[ الطبراني والحاكم عن ابن عمرو ]

 فعليكم بالشام في آخر الزمان، هذا الحديث في الصحاح، يؤكد أن الشام في نهاية الزمان أفضل بلد في العالم، في البدايات مكة والمدينة، في أواخر الزمان في الشام، فما قولك أن الله عز وجل يطهر أهل الشام ويؤهلهم ليكونوا أفضل بلد في الأرض، هذا الذي قاله العلماء، وأحاديث فضل الشام عبارة عن ثلاثين حديثاً صحيحاً، وقع كتاب تحت يدي لأحد كبار علماء الحديث عن فضل الشام، نرجو من الله أن يكون هذا البلد مؤهلاً ليكون البلد الأول في أحداث الساعة.
المذيع :
 الله يفتح عليكم دكتور نختم حلقتنا بالدعاء؟

 

الدعاء :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، الفاتحة.

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله بكم فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي، إلى هنا مستمعينا ينتهي هذا اللقاء، نلتقي الثلاثاء حديثنا عن كنوز رمضان انتهى، لكن كنوز رمضان مفتوحة للجميع أعاننا الله على الصيام والقيام، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018