٠09برنامج حياة المسلم 1 - إذاعة حياة إف إم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 015 - علاقة المسلم بالشأن العام.


2015-08-11

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، اللهم صلّ وسلم، وأنعم وأكرم على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 بتحية الإسلام نحييكم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً وسهلاً بكم مستمعينا الكرام على الهواء مباشرة عبر أثير إذاعتكم حياة fm في مجلس العلم والإيمان، مع فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، فأهلاً وسهلاً بكم مستمعينا، ومرحباً بكم فضلية الدكتور محمد أهلاً وسهلاً يا دكتور.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع :
 نحن وإياكم دكتورنا الكريم سيكون حديثنا في هذه الحلقة مع فضيلتكم عن علاقة المسلم بالشأن العام في الأمة التي يعيش فيها، فمن الملاحظ أن الكثير من المسلمين وبين قوسين من المتدينين هم ينفصلون عن الشأن العام، لا يتدخلون في حياة الناس، لا يتدخلون في كثير من الوظائف السيادية في هذه الدولة، لوجود كثير من المخالفات وفق معتقداتهم فيها، فباتوا منعزلين، هل هذا هو الصواب أم المسلم عليه أن يكون شريكاً في الشأن العام في الدولة التي يعيش فيها سواء كانت دولة ملتزمة أو دولة مبتعدة عن الدين دولة كافرة؟ كل هذا هو حوارنا مع فضيلتكم.

الاهتمام بالشأن العام جزء من الدين :

الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، وهذا سؤال دقيق جداً..
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات..
 الحقيقة الدقيقة أن الإنسان له شأن خاص، وله شأن عام، بيته، وارداته، زوجته، أولاده، من حوله، من فوقه، من تحته، هذا شأن خاص، فهذا الشأن الخاص يكاد يكون معظم البشر مهتمين به اهتماماً يومياً، هو يحتاج إلى أن يأكل ويشرب، حفاظاً على بقائه كفرد، يحتاج إلى أن يتزوج حفاظاً على بقاء النوع، يحتاج إلى أن يتفوق حفاظاً على بقاء الذكر، يوجد دوافع فطرية بالإنسان تجعله كائناً متحركاً يتحرك إما للحفاظ على وجوده بالطعام والشراب، أو للحفاظ على نوعه بالزواج والتناسل، أو بالحفاظ على ذكره بالتفوق، لكن الإنسان أحياناً يرى أن شأنه الخاص أكبر من شأنه العام فيتقوقع، ينسحب تدريجياً بل هناك ظروف حينما يكون الوضع العام غير مقبول، وقوي، ويتحرك بلا مبادئ وقيم، يغلب على معظم الناس الانطواء والتقوقع بالشأن الخاص، وهذا يتيح للقوي أن يزداد قوة، وأن يزداد عنفاً وإيذاء للخلائق، لذلك الاهتمام بالشأن العام جزء من الدين، وهذا شيء تؤكده نصوص كثيرة، إلا أن الإنسان - والكلام دقيق جداً - حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( المؤمن القويُّ .. ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 ماذا تعني القوة؟ تعني قوة المال، وتعني قوة العلم، وتعني قوة المنصب، العلم قوة، والمال قوة، أنت بالمال تفتح مستشفى، تفتح معهداً شرعياً، تفتح جمعيات خيرية، تطعم الجائعين، تعلم غير المتعلمين، حركتك واسعة جداً بالمال، وأنت بالمنصب بجرة قلم تحق حقاً، وتبطل باطلاً.

 

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

 النقطة الدقيقة جداً أن علة وجود الإنسان في الدنيا العلة الأولى والأخيرة هي العمل الصالح، لأن العمل الصالح ثمن الجنة، ولأن الإنسان بالأصل خلق للجنة، وجيء به إلى الدنيا ليدفع ثمن الجنة، فحينما يلغي العمل الصالح من حياته يلغي جنته، يلغي وجوده، يلغي علة وجوده، الإنسان حينما يقترب أجله، يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِي* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾

[سورة المؤمنون: 99-100]

 ما تذكر أهله، ولا بيته، ولا أولاده، تذكر شيئاً واحداً عند الموت، قال تعالى:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِي* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾

[سورة المؤمنون: 99-100]

 فهذه العلة الخطيرة والدقيقة والعميقة لو نظرنا إليها ونحن في مقتبل الحياة لجاءت حركتنا وفق منهج الله عز وجل، فسلمنا وسعدنا، أما حينما نبتعد عن منهج الله، نتحرك وفق مصالحنا وغرائزنا، ونتخذ قرارات تخالف منهج الله عز وجل فسوف ندفع الثمن قبل أن نموت، لذلك لو أن الإنسان عرف الآخرة وآثرها على دنياه ربح الدنيا والآخرة معاً، ولو أنه غفل عن الآخرة وآثر دنياه خسر الدنيا والآخرة معاً، النتائج لا تصدق باهرة، والثمن معقول وتملكه، أنت ما منعك الله عز وجل أن تأكل وأن وتشرب، تأكل وتشرب وتشتري بيتاً وتتزوج، وقد تشتري مركبة الآن، ولك زوجة وأولاد، وبنات وأصهار وكنائن، تعيش بسعادة، لكن هذا البيت وفق منهج الله، هذا البيت في مداخلاته، في مدخولاته ومخروجاته، وفق منهج الله عز وجل، لا يوجد معصية، لا يوجد موقف لا يرضي الله، لا يوجد لقاء لا يرضي الله، لا يوجد تطلع إلى من لا تحل لك، لك زوجة تحصنك، حياة المؤمن لا يوجد فيها حرمان، الدليل:

﴿ وَمَن أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

[سورة القصص: ٥٠]

 عند علماء الأصول المعنى المخالف: الذي يتبع هواه - أي شهوته - وفق منهج الله لا شيء عليه.

 

كلّ شيء حرمه الله علينا يلغي سلامتنا وسعادتنا :

 أريد أن أؤكد للأخوة المستمعين ليس في الإسلام حرمان، أؤكد لهم ثانية أن كل شيء حرمه الله علينا هذا يلغي سلامتنا وسعادتنا، تماماً كما لو أنك رأيت لوحة مكتوب عليها: حقل ألغام ممنوع التجاوز، لا يمكن لثانية واحدة أن تتوهم أن هذه اللوحة وضعت حداً لحريتك، إلا أنها وضعت ضمان لسلامتك، وفي اللحظة التي ترى أنك كائن معقد تعقيد إعجاز، يوجد شهوات وطموحات وفكر وإدراك وعقل ولذة وسعادة وحركة وزواج وزنا، وخدمة المجتمع، وإيذاء المجتمع، وهناك إنسان يبني مجده على أنقاض الآخرين، وحياته على موتهم، وسلامته على إقلاقهم، وإنسان يبني مجده على خدمة المجتمع، فهناك مداخلات كثيرة جداً، وقضايا كثيرة جداً، فأنت حينما تستنير بنور الله تماماً تركب مركبة، والطريق وعر، والليل دامس، ولا تملك إضاءة، في الطريق صخور وحفر، الحادث حتمي بالمئة مليون، يوجد صخرة ما رأيتها دخلت بها، تحطمت السيارة، يوجد حفرة ما رأيتها سقطت بها، الضوء لهذه المركبة وجوده مصيري، وجوده من أجل سلامتك، بالضوء رأيت الصخرة ابتعدت عنها، بالضوء رأيت الحفرة انحرفت عنها سلمت، ونجوت، وسرت، ووصلت، هذا النور جاء في قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

[ سورة الحديد: 28 ]

للمؤمن نور يميز به الحق من الباطل :

 المؤمن عنده نور، له زوجة، وهناك امرأة لا تحل له، لا يخلو بها إطلاقاً، مهما كلف الأمر، وهناك امرأة غير منضبطة متفلتة، لا يملأ عينه من محاسنها، يخاف من الله، قال تعالى:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 30]

 هناك شريك لا يحلل ولا يحرم، لا يشاركه، جار عنده تفلت لا يسهر عنده، المؤمن يمشي بمنظومة قيم، عنده هدف واضح، ولهذا الهدف طريق واضح، لذلك يختار أصدقاءه من المؤمنين، يختار عمله أن يكون مشروعاً لا يفتح ملهى، لا يفتح أشياء لا ترضي الله عز وجل، لا يعمل بنكاً ربوياً، عنده منهج يمشي عليه، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا ﴾

[سورة السجدة:18]

 ماذا يقابل هذا الكلام؟ كمن كان غير مؤمن، لكن الله ما قال ذلك، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

 معنى ذلك إن لم تكن مؤمناً لا بد من الفسق والفجور، بالآية ملمح دقيق جداً، قال تعالى:

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

[سورة الجاثية:21]

 والله هذا لا يتناقض مع عدل الله، ولا يتناقض مع وجوده، والله أنا أقول هذه الكلمة: أن يعامل المستقيم الصالح الطاهر النقي العفيف الذي يضبط شهوته، الذي يكون باراً بأهله، زوج ناجح، زوجة ناجحة، هذا الإنسان الذي يتحرك وفق منهج الله أيعقل أن يعامل كما يعامل الفاسق المنحرف؟ هذا الشيء يتناقض مع وجود الله، قال تعالى:

﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾

[سورة السجدة:18]

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾

[سورة الجاثية:21]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

[ سورة القصص :61 ]

الفرق بين المؤمن و غير المؤمن :

 لذلك أريد أن أقول كلمة: الفرق بين المؤمن و غير المؤمن ليس فرقاً في الدرجة، بل فرقاً بالطبيعة، أنا عندي ذهب عياره أربعة وعشرين، وواحد وعشرين، وثمانية عشر، وستة عشر، وأحد عشر، لكن كله ذهب، الفرق بين هذه الأصناف الفرق بالدرجة، لكن التنك والذهب الفرق بالطبيعة لا بالدرجة، معدن خسيس ومعدن نفيس، أنا أعتقد يقيناً أن غير المؤمن خسيس، لئيم، بخيل، كذوب، منافق، ذو وجهين، لا يرعى عهداً ولا ذمةً، هذا شأن البعيد عن الله عز وجل، تحركه غرائزه فقط، تحركه مصالحه، أقول لك كلمة: العالم الغربي كله لا يوجد عنده مبادئ، عنده مصالح، يمكن أن يدعم أكبر مجرم في الأرض من أجل مصالحه، ويمكن أن يقاوم أكبر إنسان صالح من أجل مصالحه، فبين أن تحكمنا المبادئ وبين أن تحكمنا المصالح فرق كبير، لذلك أنا أضرب مثلاً أكرره كثيراً...
 سيدنا عمر جاء ملك الغساسنة مسلماً، طبعاً نفسيته نفسية ملك، وأسلم، هناك أعرابي من عامة الناس، من دهمائهم، من سوقتهم، داس طرف ردائه، فانخلع رداؤه عن كتفه، هذا الملك الغساني جبلة بن الأيهم ضرب هذا الأعرابي من فزارة ضربة هشمت أنفه، فشكاه إلى سيدنا عمر، سيدنا عمر استدعى الملك الغساني، تصور الملك وإلى جانبه واحد من دهماء الناس، أقل درجة، شاعر معاصر صاغ الحوار شعراً: فسأل سيدنا عمر جبلة: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ قال جبلة: لست ممن ينكر شياً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي. فقال عمر: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك و تنال ما فعلته كفك، صعق جبلة. قال: كيف ذلك يا أمير؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟ قال عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً. فقال جبلة: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى و أعز، أنا مرتد إذا أكرهتني. فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.

العصور ثلاثة؛ مبادئ و أشخاص و أشياء :

 هناك مفكر جزائري اسمه مالك بن نبي، في بعض كتبه إشارة إلى أن هناك عصر المبادئ، و عصر الأشخاص، و ينتهي بعصر الأشياء، مشكلة عصر الأشياء الذي نحن فيه الإنسان يستمد كل مكانته من موقع بيته، ومن مساحة بيته، ومن أثاث بيته، أو من سيارته، أو من رقم مكتوب إلى جانب المركبة، فهذا عصر أشياء، فنحن نتقاتل على الأشياء، الأصل الآن هو الرفاه، لا يوجد مبادئ، و لا قيم، الإنسان يعيش ليترفه، ليتلذذ بالأشياء لا ليسعد بها، والفرق بين السعادة واللذة كبير جداً، اللذة حسية تحتاج إلى وقت وإلى مال وإلى صحة، وإذا فقدنا أحدها فقدنا اللذة، في البدايات لا يوجد مال ويوجد صحة ووقت، في منتصف العمر لا يوجد وقت وهناك صحة و مال، في النهاية يوجد وقت و مال ولا يوجد صحة، هذه الدنيا هكذا، فالإنسان بين أن يعرف أنه في آخرة يتحرك وفق منهج الله فيسلم ويسعد، وبين أن يظن أن القضية يعيش لحظته كالعالم الغربي.
المذيع :
 نتحدث عن فهمنا لوجودنا في هذه الدنيا، وعن العلاقة التي يفترض أن تجمعنا في أمتنا وفي الشأن العام، ولكل واحد منا كما ذكر الدكتور شأن خاص؛ أهله وعائلته والناس التي حوله، ولكن أيضاً علاقة تربطه بالشأن العام، بالوظائف الحكومية، ببناء هذه الدولة، أو الانعزال عنها، كيف ينظر الإسلام لموقف المسلم من الشأن العام دكتور؟

موقف المسلم من الشأن العام :

الدكتور راتب:
 بارك الله بك، السؤال محرج أولاً والسؤال دقيق، ولكن لي ملاحظة دقيقة وهي أن هناك قاعدة وهي أنه ينبغي أن تعرف الشرين وأن تفرق بينهما، وأن تختار أهونهما، هذه كلمة لسيدنا عمر، قال: ليس بخيركم من عرف الخير ولا من عرف الشر، لكن من عرف الشرين وفرق بينهما، واختار أهونهما.
 بعض الأمثلة يمكن أن تستخدم المواصلات العامة، وجدت امرأة محجبة ومنضبطة وورعة كثيراً، الازدحام يكون فيه تحرش أحياناً، أنت بهذه الحالة تفضل أن يكون في مركبة خاصة تقتنيها، وأنت ضمنت أنه لا يوجد أية مشكلة مع الأهل، فهناك شأن عام وشأن خاص، ليس بخيركم من عرف الخير ولا من عرف الشر، لكن من عرف الشرين وفرق بينهما، واختار أهونهما. ونحن حياتنا الآن كلها ليس بين خير مطلق وشر مطلق، بين شرين، أيهما أكثر خطأ؟ أكثر بعداً عن الحق؟ نختار الأقل، لأن الاختيار بالأقل و ليس بالمطلق، وأساساً لا يوجد لون أبيض ناصع فقط وأسود ناصع فقط هناك مليار لون رمادي بينهما، نحن حياتنا ليس حياة أبيض أو أسود، حياة رمادي.
المذيع :
 هذه المنهجية تجيب عن نقطة أن كثيراً من الناس المسلمين من يبتعد عن الشأن العام، كثير من قرارات الحكومة تكون خاطئة تساير قضايا محرمة، هناك ربا، وظلم للناس.

انسحاب المسلم من الشأن العام يؤدي إلى تفرد القوي بالقرارات :

الدكتور راتب:
 حينما نبتعد عن الشأن العام تنفرد الحكومة باتخاذ القرار، وقد تصدر قراراً بإنهائنا، قراراً بإنهاء صوتنا في الحياة، بإنهاء قوتنا، فالخطأ السابق من نتائجه الخطيرة إلغاء وجودك، هذا الذي يحصل دائماً، إذا كان ليس لنا علاقة، أنا سوف أتكلم كلمات يقولها العوام: لا علاقة لنا، فخار يكسر بعضه، سلامتك يا رأسي، من أخذ أمي عمي، هذه كلمات رددها العامة واعتقدوا بها تماماً، لذلك ترك القوي ليفعل ما يشاء.
المذيع :
 أنت دكتور ما رأيك بهذه العبارات؟
الدكتور راتب:
 هذه عبارات انهزامية، وعبارات لها ثمن باهظ جداً، وقد دفعت بعض البلاد هذا الثمن، قد يكون علاقته بالسبب والنتيجة واحد لمليون، لا علاقة لنا ، سلامتك يا رأسي، من أخذ أمي عمي، هذه كلمات تقال دائماً، فعندما انسحب المسلم من الشأن العام تفرد القوي بالقرارات، هذه القرارات تطورت إلى أن تنهي شأن المسلمين كلياً، حوصروا وقطعت أمامهم جميع السبل، ولم يبق لهم إلا الخضوع، هذا الذي بقي لهم أو القتل، هذا من خصائص آخر الزمن، موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لم يقتل؟ ولا المقتول فيم قتل؟ يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير، فالإنسان عندما يقصر يصل إلى درجة لم يعد يملك شيئاً، فلئلا نصل إلى هذه النتيجة ينبغي أن نكون على صحوة، وعلى تفهم بواقع المسلمين.
المذيع :
 كثير من الدول، مجموعة من الناس الأذكياء الأمينين والمتمكنين، تجنبوا المشاركة بالشأن العام، يخاف أن يدخل إلى قطاعات الأمن وما شابه، لأنه أحياناً يكون هناك ضرب واعتداء وظلم للناس، يخاف أن يدخل إلى بعض المناصب الحكومية، لأن الحكومة لا تسير دائماً بما يرضي الله، هل اليوم الدكتور محمد راتب النابلسي يدعو الناس لدخول هذه القطاعات أم إلى الابتعاد عنها؟

على المؤمن أن يكون له وجود قوي في الشأن العام لينصر أمته :

الدكتور راتب:
 إذا كان هذا قراراً جماعياً، قرار أمة، قرار شعب بكامله، والكل دخلوا، ما عادوا قلة يبطش بها.
 هناك نقطة دقيقة، أنت عندما تسمح لواحد يدخل في الشأن العام، وحوله ألف واحد متملكين كل شيء، يسحقون سحقاً، أما لو أنت اعتبرته منهجاً للأمة، فأنا خذ دكتوراه واشتغل بالوزارة، خذ شهادة عليا وادخل كلية عسكرية، فصار المؤمن المسلم له وجود قوي بالشأن العام، لم يعد هناك فئة قليلة تأتي وتقيم عليه الدنيا.
المذيع :
 ما الحاجة لدخولنا للشأن العام لهذه الوظائف؟
الدكتور راتب:
 لأنه الآن في التشريع الوضعي، هذا التشريع بيد القوي، فإذا القوي حوله أناس أقوياء مثله يأخذ رأيهم، أنت عندما تكون ضعيفاً انتهيت، أنا أرى إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله ينبغي فرضاً أن تكون قوياً، لأن خيارات القوي في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى.
المذيع :
 أنت قلت إذا كان سالكاً وفق منهج الله، ولكن الواقع الحالي لكثير من الحكومات العربية هي ليست تسير في طريق الله، وهذا ما يبعد الكثير عن الشأن العام.

المؤمن لا يعصي الله لعلمه أن علم الله يطوله وقدرته تطوله :

الدكتور راتب:
 أنت عندما تريد أن تصل إلى الشأن العام على حساب مبادئك وقيمك لا، عندئذ أنا أقول كلمة وأنا أعتقد بها وأصر عليها: عندئذ يكون الضعف وسام شرف لك.
المذيع :
 ممكن أن تعطينا مثالاً حتى تتوضح الفكرة.
الدكتور راتب:
 تريد أن تصل إلى منصب، ويجب بهذا المنصب أن تظلم، وأن تهمش أناساً، وأن تحرم أناساً وهم محقون، وأن تعطي أناس ما لا يستحقون، وأن تسرب هذا المنصب لمن لا يحسنه، إذا أنت كنت قوياً، وأجبرت أن تفعل هذه الأشياء، لا والله، إذا أنا اعتذرت وبقيت ضعيفاً هذا وسام شرف لي، لأنني أبني مجدي على أنقاض الآخرين، ما الذي يحصل؟ الإنسان أحياناً يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني حياته على موتهم، يبني عزه على ذلهم، يبني غناه على فقرهم، هنا المشكلة، فأنا لا أقبل أن أبني مجدي على أنقاض الآخرين، هناك آخرة وموت وأبد.
 أخي الكريم؛ الإنسان إذا ما أدخل الله في حساباته أقسم لك بالله لا أرى في الدنيا أغبى منه، إذا لم يدخل الله في حساباته، مثل رائع..سيدنا عمر أراد أن يمتحن راعياً، فقال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال: ليست لي، لها حل، قال: قل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟!. هذا الراعي على ضعف ثقافته الإسلامية وضع يده على جوهر الدين، لا معه دكتوراه، ولا ماجستير، ولا ليسانس بالشريعة، ولا عنده مكتبة أربعة جدارن، ولا عنده موقع بالانترنيت، هذا البدوي عندما قال: أين الله، وضع يده على حقيقة الدين، وأنت حينما تقول: أين الله، أنت فقيه، أنت عرفت الله، أنت بالتعبير المعاصر أدخلت الله في حساباتك، أنت عندما تكون موظفاً في دائرة، والمدير العام قوي جداً، ومستقيم تماماً، وأي غلطة ينزل عقاباً غير معقول، فأنت تعد للمليار قبل أن تخطئ معه أليس كذلك؟
أبلغ من ذلك أنت راكب سيارتك في عمان، والإشارة حمراء قبل الكاميرات، وهناك شرطي واقف، و ضابط شرطة بسيارة، وشرطي على دراجة، أنت مواطن من الدرجة الخامسة لا تملك شيئاً، هل تتخطاها؟ مستحيل، لأن علم واضع القانون - وزير الداخلية - يطولك من خلال من؟ من خلال الشرطي، وقدرته تطولك، من خلال مخالفة كبيرة، فأنت عندما تقتنع يقيناً أن علم واضع القانون يطولك، وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، هذا قانون، هناك أفضليات و خيارات، لكن ممكن أن تعصيه بحالتين، قبل وضع الكاميرات، الساعة الثالثة بالليل ليس هناك شرطي، أو إذا أنت أكبر من وزير الداخلية، أما مواطن عادي لا تملك أي ميزة، وعلم واضع القانون يطولك وقدرته تطولك فلا يمكن أن تعصيه، الآن اسمع القرآن الكريم:

﴿ اللَّهُ الَّذي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ وَمِنَ الأَرضِ مِثلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمرُ بَينَهُنَّ لِتَعلَموا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَد أَحاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلمًا ﴾

[ سورة الطلاق: ١٢]

 أي الله عز وجل علمه يطولك، وقدرته تطولك، فكيف تعصيه؟ هذا الإيمان، المؤمن لا يمكن أن يعصي الله، لعلمه اليقيني أن علم الله يطولك وأن قدرته تطولك، هذا المعنى هو أحد أسباب الاستقامة.
المذيع :
 منهج جميل بالتفكير، إذاً الإنسان عليه أن يتحرى بدخوله في الشأن العام، إذا كان يرى أن المصلحة الأكبر للأمة بوجوده هناك وخاصة إذا كان المنهج جماعياً.

 

من رأى أن المصلحة الأكبر للأمة بوجوده في منصبه فعليه أن يبقى :

الدكتور راتب:
 وإذا ما لبى يكون مجرماً بحق الأمة، أنا أقدر أن أخدم الناس، أقدر أن أقيم الحق، أقدر أن أضبط الأمور، أقول: لا؟! إذا لا يقدر ينسحب، أحياناً ماذا يصير؟ إنسان بمنصب رفيع ضغط عليه أن يفعل أشياء لا ترضي الله ماذا يفعل؟ يستقيل إذا لم يستطع، واستقالته وسام شرف له.
المذيع :
 كثرة انسحاب الناس من الشأن العام، ترك هذه الكراسي، وهذه المناصب مفتوحة لكثير من الناس الذين يبتعدون كل البعد عن ربنا.
الدكتور راتب:
 هنا عندنا أهون الشرين، أنا عندما أكون بمنصب وأقدر أن أطبق الشرع والقانون، بنزاهة ثمانين بالمئة، وإن تركته جاء واحداً طبقه عشرة بالمئة، لا، أبقى به، هذا أهون الشرين، هذه كلمة دقيقة لسيدنا عمر.. ليس بخيركم من عرف الخير ولا من عرف الشر لكن من عرف الشرين وفرق بينهما واختار أهونهما.
المذيع :
 الحديث بغاية الأهمية والحساسية، حديثنا عن الشأن العام، وعلاقة المسلم بالشأن العام، وملخص أن يحاول أن يدخل إلى الشأن العام، ويكون له وجود في المؤسسات الحكومية، في الأمنية، في سيادة القرار، في كل مكان، حتى يأمر بالصواب، وينصف الناس، ويخدم هذه الأمة، في حال تعرضه إلى إجبار أن يظلم الناس هنا استقالته وانسحابه وسام شرف له..
 لكن المنهج العام أنت تدعو الناس الآن أن يدخلوا في القطاع العام بالحق، بالانضباط، أن يخدموا الأمة، دكتور تقييماً لكثير من الأحداث التي جرت في بعض الدول العربية دون أن نذكر الأسماء التي كان فيها بطريقة أو بأخرى محاولة لإيجاد حكم إسلامي ولم تنجح، لم يكن هناك قاعدة شعبية في المناصب العامة والأمنية تساعدهم وتساندهم، ومن ثم تعليق فضيلتكم على التجربة التركية؟

على الإنسان أن يؤدي الذي عليه ليكون عند الله بريئاً :

الدكتور راتب:
 قبل، التعليق الأول أحد خلفاء بني أمية كان مكروهاً من قبل الناس، مروان بن محمد، آخر خليفة، الناس لا يحبونه إطلاقاً، فكان إذا صلى العيد وانتهت الصلاة خرج الناس من المسجد لأن الخطبة بعد الصلاة، يصعد للمنبر لا يوجد أحد، مرة صعد إلى المنبر قبل أن يصلي، يريد أن يخطب، والناس أمامه جميعاً، فأمسك أحدهم طرف ردائه وقال له: هذا الشيء ما فعله رسول الله خلاف السنة، لم يستجب له و ظل يصعد، أنا لفت نظري قول الآخر قال: أما هذا فقد أدى الذي عليه ..
 أنا بحياتي ممكن أن أعتبر هذا منهجاً، أنا أؤدي الذي عليّ وقد لا أنتبه، ولا تعنيني النتائج، أديت الذي عليه، نصحته، بينت له، استجاب أو لم يستجب ليس هذا من شأني، هذا شأنه هو، فأنت أدِّ الذي علي، النصيحة تأدية الذي عليك، وإذا ما استجاب لا يستجيب أنت أمام الله بريء.
المذيع :
 هل تدفع اليوم كثير من الشعوب الإسلامية ضريبة انقطاعها عن الشأن العام؟

ثمن انقطاع المسلم عن الشأن العام باهظ جداً :

الدكتور راتب:
 دفعت وانتهت، ودفعت أثمن وأغلى ثمن في الحياة، طبعاً تقول: لا دخل لي، فخار يكسر بعضه، سلامتك يا رأسي، من أخذ أمي عمي، هذه كلمات رددها العامة.
المذيع :
 في كثير من الدول العربية، كثير من الأشخاص أصحاب المبادئ، والأخلاق، والدين، هم تجار كبار، رجال أعمال كبار، أكاديميون، أطباء، لكن يتوقفون عند قطاعهم الخاص، لا يدخلون للحكومة، لم يدخلوا في الشأن العام، لم ينشئوا مؤسسات - مجتمع مدني- كبيرة تحوي الناس، انعزالهم عن الحياة الاجتماعية والشأن العام، اليوم عندما تحتاجهم الأمة لا وجود لهم، كل واحد في شأنه الصغير الخاص به.

التدرج في إزالة الباطل لرسوخه و قوته :

الدكتور راتب:
 حينما نرى دولة إسلامية والذي وصل إلى قمتها إنسان مسلم صادق، لا يوجد شك بهذا هل هو قادر أن ينفذ كل الإسلام؟ لا يقدر، ولا خمسة بالمئة، خمسة بالمئة هذا إمكانياته، هل يستطيع أن يلغي بنكاً ربوياً؟ لا يقدر، هل يلغي ملهى؟ لا يقدر، الوضع الآن مع التطور، ورسوخ الباطل، وقوة الباطل، إزاحته ليست سهلة، هذا يحتاج عشرات السنين، أقل شيء ثلاثون سنة حتى تنقل أمة من وضع إلى وضع.
المذيع :
 وهل يقبل الله منا؟
الدكتور راتب:

﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾

[ سورة البقرة: 286 ]

 هناك نتائج كارثية، نحن وصلنا إلى درجة تطبيقه كلياً صعب جداً، أنا ليس من النمط اليائس، لا، أنا من النمط التدريجي، عفواً هل هناك أقوى من الإله؟ هو القوي، والخمر مؤذية مليار بالمئة، كيف الله حرمها؟ بالتدريج، إذا كان الخالق القوي كن فيكون، زل فيزول، ما أراد الطفرة أراد التدرج، هذا منهج، الحاكم يجب أن يكون ذكياً جداً، يطبق واحدة، مرة أعرف حاكماً مسلماً عمل مشروعاً صار هناك ضجة، فسحبه، بعد سنتين طبقه لكن عندما عرضه أول الأمر ما كان مقبولاً، يجب أن تلاحظ الوضع العام، أنت لست تعيش وحدك، تحتاج إلى دراسة، حكمة، أكبر عطاء إلهي هو الحكمة.
المذيع :
 لو عرض عليّ أن أكون وزيراً في أحد الدول، ومقابل هذا المنصب الكبير هناك مجموعة من المسؤوليات مثلاً تعاملي مع البنوك الربوية، وفي بعض المخالفات الشرعية، لو أنا قبلت بهذا المنصب وبقيت على هذه المخالفات وحاولت تدريجياً تجاوزها هل أنا آثم؟

 

من نوى الإصلاح بالتدريج فلا شيء عليه :

الدكتور راتب:
 مادام هناك تدرج لا يوجد مشكلة، الله تدرج بالتحريم، إذا أنت تنوي الإصلاح، وكنت حكيماً جداً، وفي وقت معين لا تستطيع أن تلغي كل شيء، بدأت بإلغاء الأشياء بالتدريج، الله عز وجل ما حرم الخمر مرة واحدة، حرمها بالتدريج، عفواً لماذا بقيت الآيات التحريمية في القرآن الكريم؟ كان يجب أن تحذف أليس كذلك؟ علمك كيف تعمل في ظرف آخر في آخر الزمان.
المذيع :
 هل ترى التجربة التركية والحكم الإسلامي فيها هو قريب لما تتفضل به بالتدرج؟

تجربة ماليزيا الاقتصادية وتركيا الإسلامية تجربتان رائعتان :

الدكتور راتب:
 والله أنا أقول نحن كمسلمين في هذا الشرق الأوسط نحن بحاجة إلى تجربتين معاً، تجربة ماليزيا الاقتصادية وتركيا الإسلامية، تجربتان رائعتان.
المذيع :
 ما الذي يبهرك بالتجربتان؟
الدكتور راتب:
 أولاً بماليزيا عدد الشعب خمسة وعشرون مليوناً، قبل خمس وعشرين سنة كان في الغابات متوحشاً، الآن صادرات ماليزيا إلى العالم تفوق العالم العربي بأكمله بما فيه النفط، قفزة ماليزيا مذهلة، أي الله هيأ لها مهاتير محمد، واستطاع أن يصل إلى تفعيل طاقاتها إلى أعلى درجة، فنحن بحاجة إلى تجربة ماليزيا الاقتصادية، وتركيا، هل سمعت من يحكم تركيا قال مرة واحدة بالإسلام؟ ولا كلمة لعشر سنوات، ولا حرف، لكنه طبق الإسلام على الجميع، فوجدوا عظمته، جعل الذين طبق عليهم الدين يرون عدل الإسلام، يرون رحمته، هو أطلعهم على أسرار هذا الدين العظيم، وما ألزمهم به إطلاقاً، هذه البطولة أن تري الناس عظمة هذا الدين دون أن تحملهم عليه إكراهاً، لا إكراه في الدين، أنا أرى هاتين التجربتين رائعتين، الاقتصادية في ماليزيا والإسلامية في تركيا، لا يوجد أية كلمة بالدين في تركيا، لكن كل شيء فيه نفع عممه على الكل من دون تفرقة أبداً.
المذيع :
 لكن دخول الإسلاميين للحكم في تركيا كان في البداية فيه قبول بعض المخالفات والآن مع الوقت يقومون بتجاوزها، فهذه المنهجية.
الدكتور راتب:
 لا يوجد غيرها الآن.
المذيع :
 أما لا ننعزل عن الشأن العام.
الدكتور راتب:
 أو ننتهي عندما ننعزل، تكون فضلت على الآخر، وينفرد بالحكم، ثم ينهيك، ينهي وجودك بعد ذلك، ولا أحد يكلمه، والعالم كله معه.
المذيع :
 وهذا ما يحصل في كثير من الدول الإسلامية، والدول العربية، نختم برسالة للأمة الإسلامية في هذا الموضوع، رسالة للمسلم الناشئ من يختارون تخصصاً، من يبدؤون أعمالهم حول مشاركتهم بالشأن العام؟

رسالة للأمة الإسلامية حول مشاركتها بالشأن العام :

الدكتور راتب:
 أنا أرى أن هذه الأمة أمة ضعيفة سابقاً في الجاهلية متقاتلة، حروب، قبائل، تخلف، نزعات غير معقولة، من كان أشرف مني فليضربها، مدّ رجله، قام شخص ضرب رجله، عشر سنوات بقيت الحرب، قتال، خلافات، عصر جاهلي، فجاء الإسلام قلب الدنيا رأساً على عقب، أي ممكن أعراب في الصحارى تصل فتوحاتهم إلى مشارف الصين، وإلى مشارف باريس، أنا كنت في فرنسا من سنة تقريباً، كنت في مكان يدعى بواتييه، المكان الذي وصل إليه الغافقي، وصل إلى مشارف باريس، أمة تعيش تحت الخيام تصل إلى مشارف الصين، ومشارف باريس، أقسم لك بالله لو فهم الصحابة الكرام الإسلام كما نفهمه نحن اليوم ما خرج من مكة، للمدينة لا يصل، فهموه منهج السماء، فهموه المبادئ والقيم، فهموه حقوق الآخر، فهموه العدل، فهموه الرحمة، عندما فهموا الإسلام هذا الفهم، وأقول لك ثانية، لو فهمت الجاليات الإسلامية الإسلام كما فهمه الصحابة لكان شأن العالم الغربي تجاه الإسلام غير هذا الفهم.
المذيع :
 والجاليات الإسلامية لو كان لهم مشاركة بالشأن العام لساهموا في اتخاذ قرارات تنصر الأمة، الله يفتح عليكم دكتور نختم حلقتنا بالدعاء؟

الدعاء :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اجعل هذا البلد الأردن آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، الفاتحة.
 في منصبه

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله بكم فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي، متحدثاً عن أهمية مشاركة المسلمين والغيورين على دينهم من أبناء وفتيات هذه الأمة الإسلامية بالشأن العام، وجودهم في كل مكان ينصرون الخير والحق، وهم مستخلفون لبناء هذه الأرض.
 إلى هنا مستمعينا ينتهي هذا اللقاء، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018