٠09برنامج حياة المسلم 1 - إذاعة حياة إف إم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 009 - الورع والتقوى.


2015-06-30

مقدمة :

المذيع :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأتمّ الصلاة وأزكى التسليم على نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبن الطاهرين، السلام عليكم ورحمة الله وتعالى وبركاته، أهلاً وسهلاً بكم مستمعينا الكرام على الهواء مباشرة عبر أثير إذاعتكم حياة fm في مجلس العلم والإيمان، في رحلتنا في طلب العلم مع فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، فأهلاً وسهلاً بكم مستمعينا، ومرحباً بكم فضيلة الدكتور محمد، أهلاً وسهلاً يا دكتور.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم.
المذيع :
 دكتورنا الكريم سيكون حديثنا في هذه الحلقة عن الورع والتقوى، هذه المصطلحات وهذه المفاهيم الراقية في ديننا الإسلامي لا بد لها من تأصيل وتوضيح وتطبيق في حياتنا، نبدأ معكم فضيلة الدكتور ونحدث مستمعينا عن الورع والتقوى..

الإنسان كائن متحرك تحركه أشياء ثلاثة :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه الطيّبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين.
 أخي الكريم بارك الله بك، وبارك الله بهذه الإذاعة، التي أتمنى أن تكون في الدرجة الأولى منبراً دعوياً لهذا الدين العظيم.
 الحقيقة أن الإنسان كائن متحرك، هذه الطاولة كائن ساكن، الإنسان كائن متحرك، ما الذي يحركه؟ حاجته إلى الطعام والشراب، حفاظاً على بقائه كفرد، ما الذي يحركه؟ حاجته إلى الشريك، حفاظاً على بقاء النوع، وما الذي يحركه؟ الحاجة إلى التفوق، حفاظاً على بقاء الذكر، بقاء الفرد، بقاء النوع، بقاء الذكر، فالإنسان متحرك، يخرج من بيته يبحث عن رزقه، يبحث عن عمل، يبحث عن دراسة، يبحث عن تجارة، يبحث عن وظيفة، كائن متحرك، أثناء حركته هنا عندنا فرض، واجب، سنة مؤكدة، سنة غير مؤكدة، مباح، مكروه تنزيهاً، مكروه تحريماً، حرام، لا يوجد شيء بحياته صغيراً كان أو كبيراً، قريباً أو بعيداً، ضمن بيته، بعمله، بالطريق، بسفره، بحضره، بإقامته، إلا يخضع لأحد هذه الأحكام، ولأن الإنسان مجبول على حبّ وجوده، وعلى حبّ كمال وجوده، وعلى حبّ استمرار وجوده، فيجب أن يعرف الحكم الشرعي بأي شيء، إن عرفه طبق تعليمات الصانع، والصانع هو الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، لأنها الجهة الخبيرة، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14 ]

 فالإنسان بعيداً عن العبادة والطاعة، والثواب والعقاب، والجنة والنار، هو كائن حريص على سلامته وسعادته واستمراره، هذه الثلاثة مودعة في كيانه، فإذا عرف الحق سلم وسعد في الدنيا والآخرة، وإن كانت الحركة خطأ شقي وهلك في الدنيا والآخرة، القضية مصيرية.

 

الجهل أزمة أهل النار في النار :

 لذلك أهل النار وهم في النار ما مشكلتهم؟ قال تعالى:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 هي أزمة علم فقط، لأن الإنسان حريص على سلامته بالفطرة، وعلى سعادته، وعلى استمراره، فالخطأ في العلم فقط، لذلك والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، أذكر مزارعاً عنده عشرة بيوت بلاستيكية، وغلة كل بيت مئتان أو ثلاثمئة ألف ليرة - والقصة قديمة منذ عشرين سنة - الآن خمسة أضعاف، عنده سماد، تعليمات الصانع لتر في البرميل، هو بخطأ منه واجتهاد خاطئ مبني على جهل وضع لترين فحرق كل المزارع، هذا السماد حساس إذا ضعف الكمية النبات يحترق، فالإنسان يخسر ملايين مملينة باجتهاد خاطئ، هذه القصة دقيقة جداً.

 

حرص الإنسان على سلامته وسعادته واستمراره :

 أنا أقول: لأن الإنسان حريص على سلامته وسعادته واستمراره ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع، والصانع هو الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، لأنها الجهة الخبيرة، ولا تبتعد دعك من الدين كلياً، اشتريت كومبيوتر فحص دم، الآن توضع نقطة دم على الجهاز يعطيك اثني عشر تحليلاً بثانية، إذا كل تحليل بمئة دينار مثلاً، هذا الجهاز اشتراه من جهة عملاقة في ألمانيا لسبب أو لآخر نسوا أن يضعوا له تعليمات الصانع، لا يشغله، ينتظر أن تأتي التعليمات، لأن التعليمات أهم منه، لو استعمله بلا تعليمات أتلفه، وإن خاف أن يتلفه لا يستخدمه، فيجمد ثمنه، فالتعليمات أهم من الجهاز، لهذا قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1-4]

 أيعقل أن يعلم قبل أن يخلق؟ قال: لا، هذا الترتيب ليس ترتيباً زمنياً بل ترتيباً رتبياً، حياة الإنسان متوقفة على منهج ربه، المنهج قبل الإنسان:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن: 1-4]

 فالإنسان إما أن يسعد أو أن يشقى، مثلاً صفيحة البنزين هذا سائل متفجر وأساسي بالسيارة، إذا وضعت هذه الصفيحة في المستودع المحكم في السيارة، وسال في الأنابيب المحكمة، وانفجر في الوقت المناسب في المحرك، وفي المكان المناسب في البستونات، ولّد حركة نافعة قد تقلك إلى مكان جميل في العيد، صفيحة البنزين نفسها إن صبت نفسها على المركبة، وأصابتها الشرارة، أحرقت المركبة ومن فيها، فبين أن يكون البنزين قوة دافعة نافعة وبين أن يكون قوة مدمرة، هكذا الشهوات كالسائل المتفجر، إما أن الشهوات قوة دافعة، أو قوة مدمرة، نرقى بها إلى أعلى عليين، ونهوي بها إلى أسفل سافلين.
المذيع :
 موضوع الورع والتقوى كيف نفهمه؟

الورع أوسع باب ندخل منه على الله :

الدكتور راتب:
 أنا حينما أفهم أنني مخلوق أول عند الله بالقرآن والسنة، وأنني مخلوق للجنة، والجنة أبدية، سعادة أبدية، وأن الله جاء بي إلى الدنيا كي أدفع ثمن الجنة استقامة وعملاً صالحاً، أنا بهذا المنطلق الأيديولوجي العقدي الكبير الآن أتحرك وفق منهج الله، لأني مخلوق للجنة، شخص أرسله أبوه إلى فرنسا لينال شهادة من السوربون، مادام هدفه واضحاً فوقته كله إما في المطالعة، أو مع صديق يتكلم معه الفرنسية ليتدرب، أو يشتري مجلة متعلقة باختصاصه، فكل نشاطاته جزئيات نشاطاته متعلقة بهدفه، قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة الملك : 22]

 شخص هدفه واضح كالشمس، والطريق إلى الهدف واضح، والوسائل واضحة، هذه هي السعادة، والثاني يمشي مكباً، اصطدم بحائط، بعامود، بحجر، بحفرة، راح، فالإنسان تماماً كالسيارة، الورع أسرع طريق إلى الله، وأوسع باب ندخل منه على الله.

 

أخطر شيء أن يحجب الإنسان عن ربه بمعصية :

 الآن:

((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط))

[الجامع الصغير عن أنس]

 ما المخلط؟ الذي خلط عملاً صالحاً مع آخر سيئاً، الإنسان يحاسب نفسه دون أن يشعر عندما خلط عملاً صالحاً مع عمل سيئ شعر بالحجاب، هذا الحجاب أخطر عقاب إلهي، قال تعالى:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[سورة المطففين: 15]

 فلما خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً وقع بالحجاب، الصالح له أجر عليه لكن المحصلة صار هناك حجاب، العمل الصالح مهما قلّ لك أجر عليه عند الله هكذا الحساب، لكن أنت أمام نفسك عندما يكون عملك مع العمل الصالح عملاً سيئاً فالسيئ حجبك عن أن تستمتع بالعمل الصالح الذي عملته، فلذلك أخطر شيء أن يحجب الإنسان عن ربه بمعصية تحول بينه وبين الله عز وجل.
المذيع :
 ما معنى كلمة الورع والتقوى؟

 

تعريف الورع و التقوى :

الدكتور راتب:
 والله الورع بمعناه الدقيق المؤصل أن تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، أي السرعة العالية في القيادة، الاعتدال بالسرعة ورع، والسرعة العالية جداً قد تفاجأ بحادث مدمر، هي السرعة ماشية ولكن معها أخطار، إذا تركت ما لا بأس به حذراً من مفاجأة غير متوقعة، هذا ورع.
 التقوى أن تتقي الخطر بالنور، مرة ثانية تمشي بسيارة، التقوى مصابيح، بالمصباح رأيت الأكمة، رأيت الحفرة، رأيت الطريق المنعطف، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

[ سورة الحديد: 28 ]

﴿ كِفْلَيْنِ﴾

 أي ضمانة في الدنيا والآخرة،

﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً ﴾

 أي قرآناً كريماً، فأنت كمؤمن معك نور، أنت لا تأكل مالاً حراماً لأنك تعلم بهذا النور أن المال الحرام تالف، سيتلف، ستنتهي متعة إنفاقه وتبقى تبعة كسبه، أما الحلال فقد تجحد في كسب المال من طريق مشروع لكن تنعم به، فدائماً الرؤية العميقة سبب سعادتنا، اسأل شخصاً حياته مستقيمة، بيته إسلامي، زوجته صالحة، أولاده على درجة عالية من التربية، بناته شابات محتشمات، دخله معقول، لماذا سعيد؟ دون أن يشعر نفذ أمر الله، الله ما خلقنا للشقاء يا أخي الكريم، هذه كلمات العامة تحت قدمك، الله خلقنا للسعادة والدليل، قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾

[ سورة هود:119]

 خلقنا ربنا ليرحمنا، خلقنا لجنتين؛ جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، هذا الإيمان، عندما تكون أنت موقناً يقيناً قطعياً أن هذا الأمر الذي ألزمك الله به ليس حداً لحريتك ولكنه ضمان لسلامتك، صار مسافة كبيرة، لذلك:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾

.

[ سورة البقرة: 187 ]

 كيف؟ تيار كهربائي عشرة آلاف فولط هذا له حرمة، ثمانية أمتار، يضعون لوحات تحذيرية، يوجد ثمانية أمتار بينك وبينه، لو تخطيت هذه المسافة الإنسان يحترق، فالوقوف عند الحدود ضمان للسلامة.
المذيع :
 الورع بمعناه أن تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، والتقوى هي نور..
الدكتور راتب:
 أن تتحرك بنور الله، ونور الله هو القرآن والسنة.
المذيع :
 هناك كثير من القضايا لها أحكام في ديننا، ما هو تسلسل الأحكام؟

 

تسلسل الأحكام :

الدكتور راتب:
 الذي تتوقف عليه سعادتك هو الفرض، كاستنشاق الهواء وشرب الماء.
المذيع :
 كالصلوات الخمس.
الدكتور راتب:
 والاستقامة الفرائض أساسها، بدون فرائض لا يوجد سلامة، الفرض الذي تتوقف عليه علة وجودك وهو السلامة والسعادة، وحكمه فرض عين على كل مسلم.
المذيع :
 من يفعله يؤجر...
الدكتور راتب:
 قبل أن يؤجر سلم وسعد، أنا أريد أن أفهم الأجر فهماً دقيقاً، أنت حينما تفعل عملاً طيباً هذا العمل يرتفع إلى الله يأتيك ثوابه، ما هو الثواب؟ هذا التجلي الذي ينزل على قلبك سكينة ورحمة، فأنت سعيد جداً، أحياناً جندي يجاهد، يرجع عنده عاهة بجسمه، يريد أن يذهب مرة ثانية ذاق طعم الجهاد، الله يذيق المجاهد طعماً استثنائياً، تجده فقد أحد أعضائه ويتمنى العودة للجهاد مرة ثانية، الله عز وجل عندما يتجلى على الإنسان تجلياً استثنائياً يكون أسعد الناس، أنا أعرف شخصاً بالسجن حفظ كتاب الله، أقسم لي بالله أنه قعد ثمانية أشهر كان أسعد إنسان، وهو في السجن، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ يقول بعض العلماء الكبار: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن حبسوني فحبسي خلوة، وإن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟

الفرق بين اللذة والسعادة :

 الإنسان بستانه في صدره، عفواً أنا مضطر أن أقول لك نقطة دقيقة: الفرق بين اللذة والسعادة، اللذة حسية تحتاج إلى مال، وإلى وقت، وإلى صحة، لحكمة بالغة بالغة الإنسان دائماً ينقصه واحدة، في البداية يوجد صحة، لكن لا يوجد مال، يوجد صحة ووقت في ولكن لا يوجد مال، تقدم بالعمر بالأربعينات أسس شركة، اعتلى منصباً رفيعاً، صار معه مال وصحته جيدة، لكن لا يوجد وقت، كبر في السن، سلم المعمل لأولاده، صار عنده وقت وعنده مال، لكن لا يوجد صحة، دائماً اللذة تحتاج إلى صحة، وإلى مال، وإلى وقت، ودائماً الإنسان ينقصه واحدة منهم، أما الصلة بالله فبستاني في صدري، عندك صلة بالله تغنيك عن كل شيء، فالمؤمن سعيد دائماً، لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف، في نفس المؤمن من الأمن والله ما لو وزع على أهل بيت لكفاهم، المؤمن وحده الله يمنحه الأمن، والدليل:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ*الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام81-82]

 موضوع الدين شيء كبير جداً.
المذيع :
 بدأت معنا شيخنا بالفرض..

 

الفرض هو ما تتوقف عليه سلامتك وسعادتك :

الدكتور راتب:
 حينما تتوقف سلامتك وسعادتك على شيء ما هو الفرض، فالصلاة فرض، وترك الحرام فرض، وكل شيء تتوقف عليه سعادتك وسلامتك فهو فرض.
المذيع :
 بعد الفرض.
الدكتور راتب:
 الواجب، أنت العشاء صليته في المسجد، الوتر واجب، إن تركته غير ترك الفرض، مسافة كبيرة هو أقل إثماً من ترك الفرض، العشاء أربع ركعات، الوتر ثلاث هذا واجب، السنة ركعتان، فرض واجب سنة، السنة الحقيقة بمفهومها الأيديولوجي العميق هو طريق للفرض، الفرض أربع ركعات صلى ركعتين تهيئة، وما فقد من الفرض بغفلة رمم بالسنة البعدية، القبلية هيأ نفسه، والبعدية رمم ما نقصه بالفرض، الفرض هو الأساس من أجل أن تهيئ نفسك، أنا أعرف الشاحنات الضخمة يجب أن يهيئ المحرك عشر دقائق، أو يحترق المحرك، أنت أصبحت جاهزاً للفرض صليته، لو جاءك خاطر غفلت عن الله قليلاً ترمم بالسنة البعدية، الفرض هو الأصل، والسنة الطريق الأمثل الذي سلكه النبي صلى الله عليه وسلم لإكمال الفرض أو لأدائه أداء دقيقاً جداً، مثلاً غسل الإناء إذا بللته ليس غسيلاً، أما فركته أضفت الصابون أول مرة وثاني مرة ما بقي أثر للصابون، الثالثة نظافة تامة.
المذيع :
 تحدثنا عن الفرض والواجب..

الفرق بين السنة المؤكدة و غير المؤكدة :

الدكتور راتب:
 السنة مؤكدة وغير مؤكدة، المؤكدة فعلها النبي صلى الله عليه وسلم دائماً، وغير المؤكدة فعلها من حين لآخر، هذا الفرق بينهما.
المذيع :
 ما المطالب في هذا الوقت؟
الدكتور راتب:
 المؤكدة سنة، ما تمكنت لا شيء عليك، لا شيء في ترك السنة لكن أنت تكون تركت الأكمل، السنة الطريق التي رسمه النبي لكمال الفرض.
المذيع :
 بعد السنة المؤكدة والغير مؤكدة؟

توضيح المباح و المكروه و الحرام :

الدكتور راتب:
 المباح، المباح شيء ليس له علاقة بالآخرة، أنت الآن تلبس كنزة سوداء، أنا ثوب أبيض، لون الثياب ليس له علاقة بالدين، هذه أذواق.
المذيع :
 الأقل من المباح؟
الدكتور راتب:
 عندنا شيء مكروه تنزيهاً، وشيء مكروه تحريماً، المكروه تحريماً أقرب للحرام، والمكروه تنزيهاً أقرب للمباح.
المذيع :
 مثال.
الدكتور راتب:
 إذا ذبح الدابة ينبغي ألا يذبحها أمام أختها.
المذيع :
 هذه كراهة تنزيه.
الدكتور راتب:
 ليس حراماً، كراهة تنزيه، لكن إذا ذبحها أمام أختها ذبح اثنين ثلاث أربع أمام أختها حطمها، لذلك يوجد توجيه نبوي ألا يذبح الشاة أمام أختها، هو لم يعمل شيئاً هي للذبح بالنهاية، لكن الأكمل ألا تذبحها أمام أختها.
المذيع :
 هذه كراهة التنزيه، أما كراهة التحريم.
الدكتور راتب:
 فأقرب للحرام، مثل إذا إنسان اغتاب إنساناً، الغيبة حرام، لكن عندما يكون الشخص تريد أن تشاركه وسألك يجب أن تقول الحقيقة، هنا ليس حراماً، إذا سألك عن أمانته، وعن حجمه المالي، وله أغلاط، لماذا تحكي الثانية، سألك عن شخص من أجل أن يقيم معه عمل، يهمك أمانته وخبرته، إذا عنده زوجة سيئة لماذا تتكلم عن هذه؟ هذه ليس لها علاقة، فالكراهة التنزيهية أرقى، أنت تنزهت عن ذكر شيء ما سألك عنه، أما سألك عن أمانته وعن خبرته في معمل، في رأس مال كبير، فيجب أن تقول الحقيقة المتعلقة بخبرته وأمانته، فأنت قلت له إن عنده زوجة سيئة، هذه ليست لها علاقة، يجب أن تترفع عنها تنزيهاً.
المذيع :
 بعد ذلك نصل إلى الحرام.
الدكتور راتب:
 الحرام مثلاً لو إنسان ما زنا، الزنا حرام، لكن قبل هذه أقل من الحرام، الحرام هو الزنا الكامل.
المذيع :
 يبقى في خانة الحرام ولا يسمى زنا.
الدكتور راتب:
 أقل من الزنا، فصار عندنا فرض، واجب، سنة مؤكدة فعلها دائماً، سنة غير مؤكدة فعلها من حين إلى آخر، مباح الموضوع لا علاقة له بالحلال والحرام، الآن يوجد كراهة تنزيهية وكراهة تحريمية، حرام، شرب الخمر والقتل.
المذيع :
 الحرام فيه صغائر وكبائر؟

لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار :

الدكتور راتب:
 لا، موضع ثان، النبي صلى الله عليه وسلم:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

 كلام دقيق جداً أريد أن أوضحه بمثل، طريق عرضه حوالي ستين متراً، وعن يمينه واد سحيق، وعن يساره واد سحيق، وأنت تمشي في المنتصف، الآن المقود حركته سنتمتراً واحداُ وثبت التحريك، هذا السنتمتر المصير أين؟ إلى الوادي، ليس فوراً بعد دقيقتين، الكبيرة حركت المقود تسعين درجة، الطريق عريض تستطيع أن ترجعه:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

 يوجد مخالفات لو أنت أصررت عليها انقلبت إلى كبائر، وهناك كبائر لو أنك تبت منها فوراً انقلبت إلى صغائر:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[ الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

المذيع :
 الورع والتقوى في هذا السلم أين يمكن أن نجد لهم مكاناً؟

 

الاحتياط ورع :

الدكتور راتب:
 المخالفات منوعة جداً، فأنت حينما تأخذ احتياطك، الاحتياط ورع، هذه السهرة كلها رجال، لكن ممكن أن تدخل الزوجة لتضيف، والزوجة غير ملتزمة، الدعوة للرجال، وزوجته منفتحة، تدخل بكامل زينتها تضيف، فالورع مثل هذه الجلسة لا تحضرها أنت، الداعي غير ملتزم إطلاقاً، ومستعد أن يكون الكلام غير منطقي، وغير واقعي، ومستعد أن يريك فيلماً لا يعرف من أنت، الورع أن تبتعد عن هذا المجلس:

(( لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي ))

[أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، عن أبي سعيد ]

 العلاقة الحميمة، أنت قد تكون موظفاً بدائرة وفيها مدير عام، احترمه احتراماً كبيراً، وتنفذ تعليماته كمدير عام، وهو غير ملتزم، لا تقيم معه علاقة حميمة، لا تذهب نزهة ثلاثة أيام، إذا الشخص غير ملتزم تقيم معه علاقة عمل لا شيء فيها، والعلاقة الحميمة ينبغي ألا تقيمها إلا مع مؤمن.
المذيع :
 إذا مول كبير يبيع الخمور وأنا أريد ألا أشتري خمراً، أشتري خضراوات أو معلبات، بالنهاية الجيب واحد هو سيستفيد، هل من الورع ألا أربحه؟

 

الاضطرار يدفع الإنسان إلى أشياء بعيدة عن الورع :

الدكتور راتب:
 الجواب إن كنت مضطراً فقط، أحياناً تكون مسافراً، و لا يكون أمام أمام الفندق إلا محل واحد، مضطر إلى قطعة جبنة تأكلها مع الشاي، وعنده خمر، الأكمل أن تبتعد عن هذا المحل الذي يبيع الخمور، وهو يتحدى ديننا، لا أشجعه، إذا كان هناك بديل، أما إذا لم يكن هناك بديل فصار مضطراً.
المذيع :
 هل يقاس هذا على من يبيع الدخان؟
الدكتور راتب:
 قد تفاجأ الآن ماذا سأقول؟ الإدمان في الخمر 15% أي مئة شارب خمر يستطيع أن يترك الخمر خمسة و ثمانون، إدمان الدخان 85% مئة مدخن يتركه فقط خمسة عشر، مشكلة كبيرة، أنا عضو مؤسس في جمعية مكافحة التدخين، ثلاثة آلاف مادة سامة، والله أقول ما رأيت مدخناً عاقلاً.
المذيع :
 كثير من القضايا يتعامل مع مؤسسة هناك شبهة مالية، ربا، أنا تعاملي معها في المباح.

 

حرمة المال لا في عينه ولكن في طريقة كسبه :

الدكتور راتب:
 أنت موظف في شركة عملاقة، أموالها في البنوك، وتضيف أموال الفوائد إلى رأس مالها، أنت مدير مستودع أخشاب، يأتيك طلب من المدير العام أن سلم ثلاثة أطنان، والسيارة الشاحنة واقفة، أنت بهذا العمل ليس لك علاقة بالإدارة العامة، إذا قلنا: العمل هنا حرام قد حجرت واسعاً، أنت بعمل لا يوجد به أي شبهة، لذلك حرمة المال لا في عينه ولكن في طريقة كسبه، مثلاً هناك عنب يزرع في شمال إفريقيا معظمه يأخذ لمعامل الخمر، في فرنسا، فأنت عندما تزرع عنباً تعلم يقيناً أن هذا العنب لن يؤكل يؤخذ ليكون خمراً، هنا عندنا سد الذرائع، باب في الفقه اسمه سد الذرائع، مع المحرمات، إذا علمت يقيناً أن هذا العنب مآله إلى الخمر.
المذيع :
 إذا كان يقيناً أما إذا يختلط؟
الدكتور راتب:
 لست مكلفاً.
المذيع :
 صاحب محل يبيع ملابس نسائية ممكن أن يكون فيها شيء فاضح؟
الدكتور راتب:
 هذه الملابس الفاضحة إن لبستها المرأة لزوجها لا شيء عليها، هناك قناة نظيفة، المشكلة أن معظم النساء يشترين هذه الثياب للطريق، الورع أن تدع هذه الألبسة، أنا أعرف صديقاً أقسم لي بالله معه تسع فتاوى أن هذه الثياب الفاضحة والضيقة لا شيء فيها، ومع ذلك يشعر بانقباض كلما رأى فتاة تلبس هذه الثياب الفاضحة أو القصيرة أو الضيقة يشعر بحرج، فجاء القول الشهير: استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك، قلب بيعه إلى قميص نسائي أكمامه طويلة وتنورة واسعة.
المذيع :
 هذا من باب الورع ولكن إن بقي على بيعه ليس بآثم.
الدكتور راتب:
 ليس بآثم ولكن هو متضايق، بالضبط قال لي: معي تسع فتاوى، وأشعر بانقباض عندما أرى فتاة ترتدي هذه الثياب، استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك.
المذيع :
 هل يلزم الإنسان ما يستشعر به من ورع الآخرين أم نفسه فقط؟
الدكتور راتب:
 لا الإلزام بما هو شائع بين العلماء، عندما معروف ومنكر، لا ينكر المعروف إذا كان هناك من جاء به، أي لا ينكر المعروف الذي قد يكون مقبولاً عند بعض الناس.
المذيع :
 الله يفتح عليكم دكتور نختم حلقتنا بالدعاء؟

الدعاء :

الدكتور راتب:
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، احفظ بلادنا وبلاد جميع المسلمين، احقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين، الفاتحة.

خاتمة و توديع :

المذيع :
 بارك الله بكم فضيلة العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي، كان حديثنا عن الورع وعن التقوى، جعلنا الله وإياكم من أهل التقوى والروع، لنكون ذا مكانة مرموقة عند خالقنا سبحانه وتعالى، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018