٠09برنامج حياة المسلم 1 - إذاعة حياة إف إم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 113 - النفس اللوامة.


2017-09-12

مقدمة :

المذيع:
 الحمد لله رب العالمين، يا ربنا صلّ وسلم، وأنعم وأكرم على نبينا ورسولنا محمد الصادق الأمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته مرحباً بكم مستمعينا على الهواء مباشرة عبر أثير إذاعتكم حياة fm في مجلس علم وإيمان في حلقة جديدة مع العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي مرحباً بكم شيخنا وأستاذنا.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم، وأعلى قدركم.
المذيع:
 حياكم الله دكتور محمد أهلاً وسهلاً بكم، مستمعينا الكرام هذا البرنامج يأتيكم كل ثلاثاء بعد موجز أنباء الليلة ويعاد ذات الليلة في الساعة الحادية عشرة مساء، وأيضاً يوم الجمعة مساءً وبإمكانكم العودة لجميع حلقات البرنامج عبر قناة إذاعة الحياة على موقع اليوتيوب أهلاً وسهلاً بكم.
النفس اللوامة عنوان حلقتنا لليوم نبدؤها بقوله سبحانه وتعالى في سورة القيامة بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

﴿لا أُقسِمُ بِيَومِ القِيامَةِ*وَلا أُقسِمُ بِالنَّفسِ اللَّوّامَةِ﴾

[سورة القيامة: ١-٢]

 فضيلة الدكتور محمد ما هي النفس اللوامة؟

 

تعريف النفس اللوامة :

الدكتور راتب :
 قبل أن نبدأ بالحديث عن النفس اللوامة لابد من معالجة موضوع القَسَم.
 الإنسان يقسم بعظيم، لأن الله أعظم العظماء، كيف يقسم؟ العلماء قالوا: لا أقسم لأنه لا يليق بعظيم العظماء أن يقسم بمن هو أدنى منه، بعضهم قال: للفت نظر الإنسان أن هذا الموضوع كبير، ليس عند المتكلم بل عند السامع.
 إذاً موضوع النفس اللوامة النفس كأنه يوجد ثناء عليها، يوجد إنسان معصوم الأنبياء وحدهم، المؤمنون ليسوا معصومين، لكن كلما حاسب المؤمن نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، أحياناً يتكلم كلمة فيها جرح، أحياناً فيها كسر خاطر، كلمة فيها استهزاء، فالإنسان عندما يتوب من كل ذنب وقع فيه له مقام عند الله عز وجل، ودائماً وأبداً التوبة النصوح هي إقلاع عن الذنب كلياً، وعقد العزم ألا يعيده ثانياً، والندم ثالثاً.
 التوبة لها أركان؛ الندم والإقلاع فوراً والعزيمة في المستقبل ألا يعود إليها، الإله يقسم للفت نظرنا لعظم ما يقسم به، أقسم بالنفس اللوامة، يوجد أنبياء معصومون، ورسل معهم رسالات، ومؤمنون محفوظون، ومؤمنون أقل حفظأص، أي مرتبته أقل من الأول، فهذا الذي قد تزل قدمه الله عز وجل قال:

﴿قُل يا عِبادِيَ الَّذينَ أَسرَفوا عَلى أَنفُسِهِم لا تَقنَطوا مِن رَحمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغفِرُ الذُّنوبَ جَميعًا﴾

[سورة الزمر: ٥٣]

 وأحياناً يقول بعض العلماء: اليأس يقترب من الكفر، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللَّهِ إِلَّا القَومُ الكافِرونَ﴾

[سورة يوسف: ٨٧]

 فالمؤمن توّاب كثير التوبة، والله عز وجل:

﴿ تابَ عَلَيهِم لِيَتوبوا ﴾

[سورة التوبة: ١١٨]

المذيع:
 ما معنى هذه الآية دكتور؟

 

الشدائد تحمل الإنسان على التوبة :

الدكتور راتب :
 الآية دقيقة جداً، ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة، أما الآية الثانية تابوا فتاب عليهم أي قبِل توبتهم، تاب عليهم ليتوبوا ساق عليهم بعض الشدائد لتكون دافعاً لهم لهدايتهم، فتاب عليهم ليتوبوا أي ساق لهم بعض الشدائد، أحياناً يوجد خوف، قلق، مرض، وضع داخلي صعب مع زوجته، مع أولاده، في عمله مثلاً، هذه الشدائد سميت مصائب لأنها تصيب الهدف، والآية تقول:

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

[سورة النساء: ١٤٧]

 أي مستحيل وألف مستحيل أن تكون على الحق الصحيح ثم تأتي مصيبة فيها إذلال، مثلاً سيدنا رسول الله قبل وفاته ظن بعضهم أنه يعاني من مرض ذات الجنب فغضب، قال: هذا مرض ما كان الله ليصيبني به، أنا أعتقد قياساً على هذا النص المؤمن له كرامة عند الله ممكن أن يسوق الله له شدة ولكنها معقولة، شدة مقبولة ومعقولة وطفيفة، أما شدة مدمرة فمستحيل، لأن:

﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ﴾

[سورة النحل: ٩٧]

 الطيبة صلة مع الله، الطيبة سعادة، الطيبة تفاؤل، الطيبة حكمة، الطيبة كلام سديد، الطيبة موقف يشكر عليه.
 أقول كلمة لمستمعينا: إن لم تقل ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني عنده مشكلة بإيمانه، أنت مع العظيم، مع القوي، مع الرحيم، مع الغني، مع الحكيم، أنت مع ذات كاملة، أسماؤه كلها حسنى، وصفاته كلها عليا.
المذيع:
 نحن ندرك أن هذه الأسماء والصفات لله لكن لا نشعر دائماً أنها معنا أي لا يشعر الإنسان دائماً أن الله معه وأن الله هو القوي لماذا لا نشعر بهذا؟

 

ارتقاء المؤمن عند الله بالنفس اللوامة :

الدكتور راتب :
 يوجد جواب علمي لكن يحتاج لدقة، إذا وجد في بيتك براد وميكرويف وفرن ومروحة ومكيف، أي كل الأجهزة عندك لكن لا يوجد في البيت كهرباء، كل هذه الأجهزة معطلة لا قيمة لها، قطعة بلاستيكية، إذا سرت الكهرباء في البيت المكيف يبرد الجو، والثلاجة تحفظ الطعام، والمكواة تكوي اللباس، أي هذا الإيمان عندما يكون هناك صلة بالله كل شيء له معنى بالحياة، كل شيء مسعد، والله حتى المؤمن في بيته يتمتع بسعادة لا يتمتع فيها من كان في مستواه المادي، لأن له صلة مع الله عز وجل.
 فالمؤمن متى يرقى عند الله؟ بالنفس اللوامة، يحاسب نفسه، لعل في هذه الكلمة تجاوزاً للحدود، لعل هذه الكلمة آلمت شخصاً، مرة قرأت كلمة قالها شخص، قال: أنت ضعيف لأنك مؤمن، هذا الإيمان ضعف؟ أنت أخلاقي لأنك ضعيف، وضعيف لأنك أخلاقي. يوجد كلمات كالسم في الجسد، فالإنسان يضبط لسانه، يضبط بصره، يضبط سمعه فيرقى عن الله.
المذيع:
 ماهي النفس اللوامة دكتور؟

الفرق بين النفس اللوامة و النفس المطمئنة :

الدكتور راتب :
 هي النفس التي عرفت ربها، وقصرت في عبادته عن غير قصد طبعاً، هذه نفس لوامة. أي كلمة تكلم بها أمام إنسان تضعضع مركزه، كان قاسياً أكثر مما يجب مع زوجته، مع شريكه، فيشعر بتأنيب الضمير، هذه صحة نفسية، لكن المشكلة الكبيرة الصاعقة إن أخطأ و لم يشعر بشيء.
 وهناك النفس المطمئنة:

﴿يا أَيَّتُهَا النَّفسُ المُطمَئِنَّةُ*ارجِعي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرضِيَّةً﴾

[سورة الفجر: ٢٧-٢٨]

 أي عرفت ربها، فاستقامت على أمره، وأقبلت عليه، فأصبحت نفساً مطمئنة. ويوجد النفس اللوامة، يوجد خطأ الخطأ يرمم:

﴿قُل يا عِبادِيَ الَّذينَ أَسرَفوا عَلى أَنفُسِهِم لا تَقنَطوا مِن رَحمَةِ اللَّهِ ﴾

[سورة الزمر: ٥٣]

 كلما أخطأ تاب إلى الله توبة نصوحة، قالوا: إن المؤمن تواب أي كثير التوبة.
 لكن أتمنى أن أوضح نقطة؛ الذنب الأول التوبة منه سهلة جداً، يا رب لقد تبت إليك، يا عبدي وأنا قد قبلت، أما الذنب إذا ارتكب مرة ثانية فيصبح هناك ضعف بالتوبة، أنا أقترح على أخواننا الكرام أن يضيف لها صدقة، أن يرممها بعمل صالح، وكلما أعيد مرة ثانية يحتاج إلى صدقة أكبر، أو عمل صالح، وليس لنا غير الله عز وجل في النهاية.
المذيع:
 حسناً دكتور إذاً النفس اللوامة هي النفس التي تشعر بتأنيب الضمير واللوم الداخلي عندما تقع في معصية مع الله وهذه علامة إيمان؟
الدكتور راتب :
 طبعاً هذه علامة إيمان، هذه صفة الله أقسم بها.
المذيع:
 إذاً الإنسان الذي له ضمير يؤنبه عند الوقوع في الخطأ هذه علامة تدل على الإيمان، حسناً ما المطلوب دكتور حينما تلومني نفسي؟
الدكتور راتب:
 هذا الذنب كما قلت قبل قليل التوبة الأولى سهلة جداً، المعنى الدقيق للتوبة الإقلاع فوراً عن هذا الذنب، وعقد العزم ألا يعود إليه قطعاً، ثم الندم.
المذيع:
 أضرب لك مثالاً شيخنا الكريم؛ إنسان أخر الصلاة دون عذر، أي لم يكن بين يديه شيء مضطر له وأخر الصلاة كثيراً، صلاها دون أن يخشع بها، أو أن يدرك تفاصيلها، لامته نفسه، لماذا تأخرت عن الصلاة ولم تتقنها؟ ماذا يفترض أن يفعل؟

 

مثال على النفس اللوامة :

الدكتور راتب:
 ألا يعود إليها، أي يصلي بالمسجد، بيتك بجانب المسجد تصلي بالمسجد، لم يعد هناك مشكلة، صلِّ مع أهلك، أنا لي اجتهاد لعله صحيح، إذا إنسان ذهب لأداء صلاة الفجر في المسجد وغلب على ظنه أن كل أهله سوف يبقون نائمين، إذا أيقظهم فرداً فرداً وتوضؤوا وصلوا جماعة لا تقل هذه الجماعة في البيت عن الجماعة في المسجد، أنت وزوجتك وابنتك وابنك، ثم جلستم حوالي ربع ساعة آية قرآنية شرحت، أصبح بالبيت نور، أحياناً ترى سهرة كلها عن الدنيا، المؤمنون سهرتهم فيها دعوة إلى الله، أنا أقول لأخواننا الذين يجتمعون كل أسبوع: خصصوا نصف الجلسة للمواضيع الدينية، شخص يحضر موضوعاً دينياً ويلخصه ويعرضه، أصبح هناك ذكر لله عز وجل:

﴿ أَلا بِذِكرِ اللَّهِ تَطمَئِنُّ القُلوبُ﴾

[سورة الرعد: ٢٨]

 أي حديث لا يوجد فيه ذكر الله عز وجل لا تستطيع أن تقوم من مجلسك، لا يوجد خبر طيب في هذه الأيام، الأخبار كلها سلبية.
المذيع:
 حسناً دكتور ما هي أقسام النفس؟ حينما نتحدث عن النفس اللوامة هل هناك أنواع يمكن من خلالها أن نصنف النفس اللوامة؟

 

أقسام النفس :

الدكتور راتب:
 يوجد النفس المطمئنة، هذه أعلى درجة، ويوجد اللوامة، ويوجد المذنبة، ويوجد الشاردة عن الله عز وجل، شيء خطير جداً.
المذيع:
 إذا لكي نلم بالأفكار، النفس اللوامة هي التي تشعرك بتأنيب الضمير حينما تقترف ذنباً بحق الله عز وجل، هي علامة إيمان، والأصل حينما يأتي هذا الشعور للإنسان أن يتبعه بالتوبة واستبدال الخطأ بالصواب؟

بطولة الإنسان أن يفهم دينه و يبتعد عن الفتاوى غير الصحيحة :

الدكتور راتب:
 لكن هناك فكرة؛ عندنا عبارتان دقيقتان، يوجد خطأ في الميزان وخطأ بالوزن، الخطأ بالوزن لا يتكرر، أنت وزنت كيساً فيه فاكهة توهمت أنه كيلو واحد و هو عبارة عن كيليين، هذه لا تعاد مرة ثانية هذا خطأ، أما الخطأ في الميزان فلا يصحح، يوجد في الميزان خطأ لو استخدمته عدة مرات لا يصحح. فالبطولة أن يكون الخطأ إن حصل في الوزن لا في الميزان، النبي يشفع للأمة كلها، العاصي المذنب يظن أنه إن فعل ما يشاء من الذنوب فالنبي سيشفع له، هذا خطأ في الميزان، فهم الدين فهماً خطيراً جداً، أي:

(( شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي))

[ أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]

 لها معنى دقيق تحتاج لشرح طويل، تأخذه على ظاهره وترتكب أعمالاً سيئة.
 إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا، ولا تأخذ عن الذين مالوا.
 وأتمنى على الأخ ألا يفرح لفتوى غير دقيقة، فتوى غير صحيحة، أي سمعت كلمة من يومين من عالم أنه يوجد إسهال فتاوى، أي إنسان غير متعمق في الدين، غير فاهم للقرآن يفتي، يكون صلى إماماً في مسجد وهو تاجر متوسط لا دارس علم، إن هذا العلم دين.
المذيع:
 سألت إنساناً ولم يكن مختصاً في أمور الدين لكنه لم يعلمني أنه غير مختص فأفتى لي هل أنا آثم إن سرت على فتواه؟
الدكتور راتب:
 عندي جواب آخر، أنت عندك منزل ترغب في بيعه، خرجت من البيت وجدت أمامك دلالاً، قال لك: ثمنه ثلاثة مليون، هل تبيعه رأساً؟ طبعاً لا، فمن أجل منزل ترى أكثر من دلال، يوجد شيء أقوله دقيق: الله جعل مكيال الإنسان حاسة سادسة، أحياناً تشعر بالأعماق أن الفتوى غير صحيحة.
 قال مرة لي شخص: هو يعمل بالألبسة النسائية لكنه يجلب الموضة، كلما قام أحد مصممي الأزياء بتصميم قصير يقوم بالتقصير، قال لي: أنا معي فتوى من تسعة علماء أقسم بالله لكنني كلما أرى امرأة تلبس من الملابس التي صممتها أحس بانقباض، لا أنسى هذا الموقف، قال لي: معي تسعة فتاوى، يقوم بصنع شيء يظهر مفاتن المرأة في البيت، لا يوجد مانع أبداً، أما هذه للطريق فكل مفاتنها ظاهرة في هذا اللباس، ثم نصحته أن يغير مصلحته، فغير لثياب ولادي، أي أنت تقوم بشيء يسهم في إثارة الفتنة لا ترتاح.
المذيع:
 هو يبيع ملابس وكل إنسان يستخدمها في الوجه الذي يريد.
الدكتور راتب:
 كلام صحيح مئة بالمئة، لكن نريد الشيء العملي، كم امرأة تلبس هذا الشيء لزوجها فقط؟ والله واحد بالمئة، الآن الشخص يعمل في الألبسة الولادية لا يوجد مشكلة، ارتاح نفسياً لأنه لا يوجد مشكلة مع ربه.
المذيع:
 شكرا لكم دكتور، نذهب في فاصل قصير ثم نعود لاستقبال هواتفكم في الحديث عن موضوعنا النفس اللوامة فابقوا بالقرب.
 حياكم الله مستمعينا الكرام في حلقتنا مع العلّامة الدكتور محمد راتب راتب النابلسي مرحباً بكم أستاذنا الكريم.
الدكتور راتب:
 بارك الله بكم، ونفع بكم.
المذيع:
 أهلا بكم دكتور مد الله بعلمكم وعمركم يا رب، مستمعينا الكرام نرحب في مشاركتكم الهاتفية في حديثنا عن موضوع النفس اللوامة، دكتورنا الكريم بعدما تحدثنا عن النفس اللوامة في التي يشعر صاحبها بتأنيب الضمير حينما يخطئ بحق الله عز وجل أنتقل معكم شيخنا للآية الثانية بعد المئة من سورة التوبة في قوله تعالى:

﴿وَآخَرونَ اعتَرَفوا بِذُنوبِهِم خَلَطوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتوبَ عَلَيهِم إِنَّ اللَّهَ غَفورٌ رَحيمٌ﴾

[سورة التوبة: ١٠٢]

بطولة الإنسان الابتعاد عن الفتور و السعي للتألق دائماً :

الدكتور راتب:
 ممكن قبل أن أجيب عن هذا السؤال يوجد موضوع دقيق.

((إنا معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا))

[ من الجامع لأحكام القرآن عن محمد بن كعب ]

 الأنبياء جميعاً على اتصال مستمر بالله، والرسل الكبار معهم رسالة، يوجد نبي معصوم من أن يخطئ، ويوجد رسول معه رسالة، ويوجد مؤمن:

((أما أنتم فساعة وساعة، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة))

 إذا نحن كمؤمنين ساعة وساعة، لكن أين البطولة؟ يوجد فتور مدة ثلاث و عشرين ساعة، وتألق ساعة، ويوجد تألق مدة ثلاث و عشرين ساعة وفتور ساعة، إذاً نحن نتفاوت في الدرجات.
 يوجد فتور لكن لا يوجد معصية، كلامي دقيق جداً، الفتور غير المعصية، أحياناً يصلي الإنسان يبكي، وأحياناً لا، لكنه قرأ قرآناً، وله أجر كبير، فهذا الفتور يعني الحال، يخف عنده هذا التألق الروحي مع الله، يخف قليلاً لحكمة بالغة، لهذا الإنسان يبقى نشيطاً، وكلما يرتفع الإنسان درجة ويداوم عليها أصبح الشيء سهلاً، ثم ينتقل لمرحلة أخرى، إذاً يوجد ساعة وساعة، يوجد مؤمن عنده ثلاث و عشرون ساعة تألق وساعة فتور ويوجد مؤمن بالعكس.
المذيع:
 إذاً القاعدة دكتور أن الإنسان عليه فرائض، وهي خط أحمر، عليه ألا يقصر فيها، وهنالك محرمات واضحة لا يجترئ أن يقترب منها، لكن إذا لم يستطع دائماً عليه أن يزيد من النوافل والسنن فلو خفض في هذا يعود إلى ما كان عليه.

لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار :

الدكتور راتب:
 لكن لابد من حقيقة خطيرة؛ سوف أصور طريقاً، عرضه ستون متراً، ويوجد عن يمينه واد سحيق، وعن يساره واد سحيق، أنت تمشي في المنتصف، ما هي الصغيرة؟ المقود حرفته سنتمتراً واحداً لو ثبته ستكون في الوادي، الكبيرة حرفته تسعين درجة لكن يمكن أن ترجعه، لذلك النبي قال:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))

[الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

 الكبيرة مع التوبة تنتهي، ما مشكلة المسلمين؟ خذ ألف بيت، بهذا البيوت لا يوجد خمر، ولا زنا، ولا قمار، لكن إطلاق البصر، عدم ضبط اللسان، الغيبة، النميمة، هذه الأشياء التي يراها الإنسان غير كبيرة تغدو بالثبات عليها كبيرة.
المذيع:
 قول الله تعالى في الآية الكريمة:

﴿وَآخَرونَ اعتَرَفوا بِذُنوبِهِم خَلَطوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ﴾

 من المقصودون في هذه الآية دكتور؟

 

للمؤمن تألقات كثيرة لكنه غير معصوم :

الدكتور راتب:
 مؤمن له تألقات جميلة، له أعمال صالحة، لكن قدمه زلت، أنا كمؤمن يوجد في حياتي شخص واحد معصوم ولا يوجد غيره، معصوم من أن يخطئ في أقواله، أو أفعاله، أو إقراره، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما نحن فساعة وساعة، لكن عدم العصمة لا تعني أنه يوجد معصية، لا تعني أنه يوجد فتور، كلامي دقيق، يوجد فتور ويوجد استقامة، لا يوجد مؤمن يقترب من شيء محرم، مستحيل.
المذيع:

﴿ خَلَطوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ﴾

  ما المقصود بها دكتور؟

 

الابتعاد عن الأعمال التي لا تقدم و لا تؤخر :

الدكتور راتب:
 السيئ هنا يوجد تفاوت، إذا جلس عدة ساعات يتابع شيئاً لا ينفعه، أو لعب بالشطرنج لكنه قضى خمس ساعات أو ست في الشطرنج، لو فهم القرآن، لو قرأ القرآن، لو ذكر الله، لو قرأ كتاباً في الدين، قرأ تفسيراً، هذا أفضل بكثير، فهناك عمل لا يقدم ولا يؤخر، فالإنسان عمره محدود، أي لا يوجد تعريف للإنسان جامع مانع كهذا؛ الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
المذيع:
 أم مراد أهلاً وسهلاً باتصالك معنا تفضلي.
السائل:
 السلام عليكم أعطاكم الله العافية وجزاكم الله خيراً دكتور محمد راتب النابلسي أريد أنا أسأل: كيف يعرف الإنسان أن ما يصيبه ابتلاء أم عقاب؟ والسؤال الثاني؛ هل من الجيد أن يزكي الإنسان نفسه أم أن يلوم نفسه؟
المذيع:
 سؤال أم مراد الأول أظن أنه يمس كثيراً من الناس، إذا شعر الإنسان بابتلاء من الله عز وجل أن شيئاً ينغص حياته كيف يعرف إذا كان امتحاناً من ربنا أم عقاباً؟

الله عز وجل يلقي في روع المؤمن سبب ابتلائه :

الدكتور راتب:
 أضرب مثلاً بسيطاً؛ أب ضرب ابنه ممكن ألا يقول له السبب؟ مستحيل، ضربتك لأنك نلت صفراً في الرياضيات مثلاً، فهو أب عادي، هذا عاقب ابنه يبين له سبب العقاب، إله عظيم يسوق لعبده مشكلة من دون سبب، لذلك الله يلقي في روع الإنسان أن هذا من أجل هذا، شخص له عمل صالح لكن أثناء تنفيذه ارتكب مخالفة، دخل ليتوضأ فضرب رأسه بشجرة، وقع مغمى عليه، قال: يا رب أنا أخدم عبادك لماذا فعلت بي هكذا؟ أي يجب أن يكون عملك طيباً، فكلما ارتقى الإنسان عند الله عز وجل يشعر بذنبه أكثر.
 أقول لك كلمة دقيقة: أنا مهما كان نظري حاداً جداً، ومعي ميزان حرارة، أقول لك: حرارتك سبع و ثلاثون وثلاثة أرباع الدرجة، هل تصدق أن البعوضة حساسيتها في الحرارة واحد على ألف من الدرجة المئوية، بعوضة، فالإنسان كلما ارتقى عنده حساسية أعلى، أحياناً هناك كلمة فيها قسوة، أحياناً نظر فيها استهزاء، طالب سأل سؤالاً يضحك الأستاذ، لماذا ضحكت؟ أنت منعت أن يسأل أحد، بهذه العملية أنت ارتكبت خطأ كبيراً، أي إذا سئل هذا السؤال جوابه كذا.
المذيع:
 بكل الحالات هو على خير، إما أن يكون قد اقترف معصية، فربنا يطهره منها، أو يمتحنه لاختبار إيمانه، لكن الإنسان يجب ألا يكون الله غاضباً عليه؟
الدكتور راتب:
 أنا برأيي من باب الثقة بالله المطلقة أن الله عز وجل لابد من أن يلقي في روع المؤمن أي في كيانه لماذا ساق له هذا الابتلاء، والدليل:

﴿بَلِ الإِنسانُ عَلى نَفسِهِ بَصيرَةٌ*وَلَو أَلقى مَعاذيرَهُ﴾

[سورة القيامة: ١٤-١٥]

 أذكر تماماً إنساناً جمع أمواله في شهر رمضان، فكان عليه زكاة تقدر بأربعة عشر ألفاً و خمسمئة، بضغط من زوجته يجب أن ندهن المنزل، يجب أن نغير الأثاث، استجاب لها، ودهن المنزل وغير الأثاث، ولم يدفع زكاة ماله، عنده سيارة، هذه السيارة صدمت بحادث، والشيء الذي لا يصدق أن الفاتورة أربعة عشر ألفاً و خمسمئة، تطابق الرقمين رسالة من الله، الله يبعث رسائل أحياناً،
 مرة خطيب خرج على المنبر وقرأ خطبة رائعة جداً، ونسي أن يقرأ الفاتحة بالصلاة، يبدو أنه كان هناك إعجاب كبير في خطبته، فالله عز وجل بالمرصاد.
المذيع:
 إذاً إذا أذنبت أنا، وألقى الله في روعي أن هذا الابتلاء هو نتيجة هذا الذنب، فالأصل أن أستغفر وأتوب، عدا ذلك الإنسان يحسن الظن بالله، أن الله ساقه لي فيجب أن أصبر.

 

حسن الظن بالله دائماً :

الدكتور راتب:
 لكن إن لم يجد عملاً له سلبياً يستحق هذه المصيبة أنا أرضى عن الله عز وجل، أي أب ربى ابنه تربية عالية جداً، أحسن لباس، أحسن كتب، مرة كان الطعام على الطاولة قال له: لا تأكل، يقول له: حاضر بابا، لماذا لا آكل مثلاً؟ أحياناً تأتي مصيبة بلا سبب، بتوهم الإنسان ليس هناك سبب، لكن قد يكون هناك شيء الله علمه، ويقولون: إن الله يحب أن يسمع صوت عبده من حين لآخر، فإذا أهمل الدعاء، أهمل طلب الرجاء، تأتيه مصيبة فيها ضيق، يقول له: يا رب ليس لي غيرك.
المذيع:
 تفضلي أختي أم تغريد.
السائل:
 السلام عليكم، لي سؤال؛ أختي مراهقة وعمرها سبع عشرة سنة، قالت لي اعترافاً خطيراً جداً، قالت لي: أنا لا أحب أن يرضى الله عني، قلت لها: لماذا؟ قالت لي: لأنه إذا أحب الله عبداً ابتلاه، وأنا لا أتحمل الابتلاء، أخاف من المرض، أخاف أن يعذبني الله، فكيف يمكن لي أن أغير هذا المفهوم عندها؟

ابتلاء الإنسان لامتحانه :

الدكتور راتب:
 المفهوم يحل بالآية التالية:

﴿ما يَفعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُم إِن شَكَرتُم وَآمَنتُم ﴾

 ضمانة من الله بنص من القرآن الكريم.
المذيع:
 حسناً كيف نطابق الآية مع نص الحديث: إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه؟
الدكتور راتب:
 الابتلاء الناتج عن المعصية له معنى، ويوجد ابتلاء للامتحان، الله يلقي في روعه أن هذا ابتلاء، الله ابتلى سيدنا إبراهيم بذبح ابنه، ولم يكن سهلاً، يمكن هو أصعب ابتلاء في تاريخ البشرية، ابنه نبي:

﴿ قالَ يا أَبَتِ افعَل ما تُؤمَرُ ﴾

[سورة الصافات: ١٠٢]

 وبالمعنى الواسع تبتلى بالمال أحياناً، تبتلى بالمرض، تبتلى بالصحة، تبتلى بالعمر المديد، علة وجودنا في الدنيا الابتلاء:

﴿الَّذي خَلَقَ المَوتَ وَالحَياةَ لِيَبلُوَكُم ﴾

[سورة الملك: ٢]

﴿ وَإِن كُنّا لَمُبتَلينَ﴾

[سورة المؤمنون: ٣٠]

 أخ كريم بعث ابنه لكي ينال الدكتوراه من السوربون، هذا الابن في باريس يوجد مسارح، يوجد دور سينما، يوجد ملاه، يوجد مكتبات، يوجد كل شيء، نقول: علة وجوده الوحيدة في هذه المدينة العملاقة الدراسة. ونحن علة وجودنا الابتلاء،

﴿الَّذي خَلَقَ المَوتَ وَالحَياةَ لِيَبلُوَكُم﴾

  وباللغة الدارجة: لا نشم رائحة الجنة من دون ابتلاء، والابتلاء قد يكون إيجابياً، قد يبتلى بالمال.
المذيع:
 أي حتى لا يخاف الإنسان الامتحان أحياناً لا يكون فيه أذية أو عقاب، مثلاً جاءه أمر يحبه ولكن يغضب الله، فهذا ابتلاء من ربنا يمتحنه دكتور صحيح؟
الدكتور راتب:
 يدير حديثاً ممتعاً مع موظف ثان، يأتي أخ من بلد آخر يقول له: تعال غداً، تعال غداً أي هناك إقامة ليلة في الفندق، وهذا فقير، هذا ابتلاء، أوقف حديثك معه هذا مواطن، خدمة المواطن سرّ وجودك في هذا المكان.
المذيع:
 هل من الأفضل أن يكثر الإنسان من تزكية نفسه أم من لومها دكتور؟

 

الدين كله افتقار إلى الله :

الدكتور راتب:
 رب العالمين قال:

﴿ فَلا تُزَكّوا أَنفُسَكُم هُوَ أَعلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾

[سورة النجم: ٣٢]

 سيدنا يوسف:

﴿ وَإِلّا تَصرِف عَنّي كَيدَهُنَّ أَصبُ إِلَيهِنَّ وَأَكُن مِنَ الجاهِلينَ﴾

[سورة يوسف: ٣٣]

 هذا اعتراف دقيق جداً، أي إذا الله لم يحفظ الإنسان ويحصنه سوف تزل قدمه، لا تقل: أنا، سيدنا إبراهيم قال:

﴿ رَبِّ اجعَل هذَا البَلَدَ آمِنًا وَاجنُبني وَبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنامَ﴾

[سورة إبراهيم: ٣٥]

 الدين كله افتقار إلى الله، الصحابة الكرام في بدر افتقروا فانتصروا، وفي حنين هم هم، وفيهم سيد الخلق اعتدوا بعددهم فلم ينتصروا.
المذيع:
 هل يفهم البعض أن الإنسان عندما يكثر من لوم ذاته يصل إلى مرحلة الإحباط النفسي؟

 

النفس اللوامة نفس راقية جداً :

الدكتور راتب:
 هذا شيء بينه وبين نفسه، أما من المفروض أن يكون له مكانته في المجتمع، أي عنده معاتبة بينه وبين نفسه، ولا يوجد داع أن ينزل مكانته عند الناس.
المذيع:
 حسناً دكتور بينه وبين نفسه ألا يمكن أن يحبط؟ أنا عملي قليل، أنا لا قيمة لي.
الدكتور راتب:
 هذا إيجابي والله، عملي قليل قم بعمل كثير، أنت مخير، صلاتي متقطعة فلتكن متقنة، بري بوالدتي قليل زرها كل أسبوع، لا، بالعكس حالة جيدة جداً، النفس اللوامة نفس راقية جداً.
المذيع:
 على الإنسان أن يكثر من لوم نفسه لا تزكيتها خوفاً من الغرور أو الإقلال من العبادة لكن دون الوصول إلى حالة جلد الذات.

 

مهمة الإنسان في هذا الزمان كشف إيجابيات حياته :

الدكتور راتب:
 طبعاً، تلك حالة مرضية يقع فيها أناس كثيرون، اترك الموضوع الشخصي، نحن متخلفون؟ لماذا متخلفون؟ والله في هذه السنتين رغبتي الوحيدة أن اكتشف إيجابيات حياتنا، نحن نواجه حرباً عالمية ثالثة، انظر إلى ايجابياتنا، عندنا أسرة متماسكة، الأب أب، كم أب يبيع بيته في المدينة ليزوج أولاده؟ والله بالآلاف، يبيع بيته بدمشق بأرقى أحيائها يسكن في الريف، ويؤمن بثمن بيته خمسة بيوت، أنا راغب في الفترة الأخيرة في كشف إيجابيات بلادنا، عندنا تماسك أسري مذهل، كم أخت تبيع منزلها لكي تزوج أخاها؟
المذيع:
 نقف من جديد ثم نعود لنكمل حلقتنا وحديثنا فيها عن النفس اللوامة... دكتورنا الكريم في قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بأقوام يذنبون))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 أو كما جاء في قوله، والحديث الآخر:

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

 البعض يفهم أن الإنسان جبل على الخطأ وكأنه شيء طبيعي؟

 

من أذنب و لم يشعر بذنبه فحالته خطيرة جداً :

الدكتور راتب:
 أي لحق حالك واكسب ذنباً؟!
المذيع:
 البعض يفهمها هكذا دكتور.
الدكتور راتب:
 نعم، أنا فهمي للحديث كما يلي: إذا بلغت حالة أنك لا تشعر بذنبك، هذه حالة خطيرة جداً، أي إذا سهر الإنسان سهرة اغتاب أشخاصاً كثيرين، وتكلم كلاماً لا يرضي الله عز وجل، وأثنى على المتفلتين أنهم يعرفون كيف يعيشون، هذه ذنوب كبيرة جداً، فالإنسان عندما يرتكب أخطاء باللسان، الحقيقة من عدّ كلامه من عمله فقد نجا، الكلام عمل، أحياناً تسفه شخصاً مؤمناً، أحياناً تعظم شخصاً فاجراً، أحياناً تثني على شخص كسبه غير مشروع، الثناء عليه مشكلة كبيرة، أحياناً تثني على إنسان متفلت، أحياناً تغض البصر عن ابنك، وتحاسب الآخرين، هذا كله أخطاء كبيرة جداً.
المذيع:
 شيخنا الكريم في حديثنا عن النفس اللوامة كان الإنسان يعود ويقع في نفس الذنب يستشعر أن مستوى التلويم بدأ ينخفض.

حاجة كل إنسان إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب:
 طبعاً، والتوبة تصبح أصعب، أسهل توبة أول توبة من ذنب معين، الثانية أصعب، والثالثة أصعب بكثير، أنا كنت أقترح على الأخوة الكرام إذا إنسان وقع في ذنب وتاب منه ثم زلت قدمه يجب أن يدعمه بصدقة، الصدقة ترمم، لكن يوجد جواب دقيق، الله عز وجل قال:

﴿وَاصبِر نَفسَكَ مَعَ الَّذينَ يَدعونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ وَالعَشِيِّ ﴾

[سورة الكهف: ٢٨]

 أنت بحاجة إلى حاضنة إيمانية، مؤمن تسهر معه، صديق تسافر معه، يوجد علاقة حميمة، وعلاقات عمل، علاقات العمل ليس لها علاقة بالدين إطلاقاً، قد يكون المدير ملحداً، مادام دوامك صحيحاً وعملك متقناً فلا شيء عليك، لكن المشكلة في العلاقات الحميمة، سفرة أربعة أيام أو خمسة بين أسرتين، إذا لم يكن هناك حجاب مشكلة كبيرة، والله أعرف أسرتين سافرا إلى الساحل في العيد، ورجعا كل شخص طلق زوجته وتزوج الثانية، هذه مشكلة كبيرة جداً، يوجد تقصير في تطبيق الشريعة كبير، نحن عندنا الكبائر، الكبائر مفروغ منها أما الاختلاط بكل زينتها أمام رجل تحل له مثلاً.
المذيع:
 حسناً دكتور أحياناً بعض الناس في تلويم النفس يصل حدّ المبالغة يثقل على نفسه الحياة.
الدكتور راتب:
 الجواب نفسك مطيتك إلى الله فارفق بها، الحالة أصبحت وسوسة.
المذيع:
 أضرب لكم مثالاً أي قد يكون الإنسان صاحب عمل، أو مصلحة، قصر أحد الموظفين عنده، يفترض أن ينال عقوبة لأنه أضر بالعمل، يخشى أن يقطع رزقه هل هذه النفس في مكانها؟

 

محاسبة المقصر في عمله بعد إنذاره و عقابه :

الدكتور راتب:
 إنذار من دون عقاب، الثانية إنذار مشدد، والثالثة مع عقاب، في الرابعة تقول له: مع السلامة، هو قطع رزقه بيده.
المذيع:
 أما سكوته عنده فقد يضر بمؤسسته؟
الدكتور راتب:
 طبعاً وقد يقلده الآخر وهذه مشكلة كبيرة.
المذيع:
 دكتورنا الكريم في قضية النفس اللوامة أحياناً الإنسان يشعر بتلويم وبتأنيب الضمير، ولكنه لا يتبعه بقرار التغيير، وخاصة في ساعات الليل، يمكن الإنسان في سكون الليل يعرف المعنى الحقيقي للحياة لكن ما إن يخرج النهار حتى ينكث؟

خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :

الدكتور راتب:
 أكفر كفار الأرض فرعون الذي قال:

﴿فَقالَ أَنا رَبُّكُمُ الأَعلى﴾

[سورة النازعات: ٢٤]

 والذي قال:

﴿ ما عَلِمتُ لَكُم مِن إِلهٍ غَيري ﴾

[سورة القصص: ٣٨]

 حينما أدركه الغرق قال:

﴿ قالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذي آمَنَت بِهِ بَنو إِسرائيلَ ﴾

[سورة يونس: ٩٠]

 أقول كلمة دقيقة: الإنسان له مليون خيار رفض، لكن مع الإيمان خيار وقت، إما أن تؤمن في الوقت المناسب، والدليل:

﴿ يَومَ يَأتي بَعضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفسًا إيمانُها لَم تَكُن آمَنَت مِن قَبلُ أَو كَسَبَت في إيمانِها خَيرًا ﴾

[سورة الأنعام: ١٥٨]

 لذلك فرعون نفسه آمن حينما أدركه الغرق أن الله عز وجل حق، وسيدنا موسى نبيه، هذه الحقيقة يعرفها جميع الناس لكن بعد فوات الأوان.
 طالب يدخل الامتحان ولم يدرس يأخذ صفراً بجدارة، عاد إلى المنزل فتح الكتاب فهم الموضوع، لكن متى فهمه؟ بعدما قدم الامتحان وقد أخذ الصفر.
المذيع:
 أي النفس اللوامة يمكن أن تكون للآخرين، أنا لي إنسان قريب، صديق، ابن، أخطأ هل ألومه أما أنا مسؤول عن نفسي فقط؟

 

النفس اللوامة خاصة بصاحب النفس فقط :

الدكتور راتب:
 تلك نصيحة، اللوامة خاصة بصاحب النفس.
المذيع:
 إذا أراد الإنسان أن يرتقي من النفس اللوامة إلى مرتبة النفس المطمئنة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في كتابه كيف له أن يصل؟

كيفية الارتقاء من النفس اللوامة إلى النفس المطمئنة :

الدكتور راتب:
 ضبط استقامته، ضبط جوارحه، ضبط دخله، وإنفاقه، ضبط بيته وعمله، الله يحاسبك عن نفسك، هل أقمت الإسلام في نفسك أولاً ثم في بيتك ثانياً ثم في عملك ثالثاً؟ ضبط الدخل، والإنفاق، ضبط اللقاءات الاجتماعية، يكون هناك اختلاط شديد جداً، ضبط السهر، قد يكون سهر فيما لا يرضي الله عز وجل، كلما ضبط أموره أكثر اقترب من الله أكثر.
المذيع:
 في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:

(( إذا أذنب العبد ذنباً نُكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب صقل منها، فإن عاد تعظم فذلك الران، الذي قاله الله سبحانه وتعالى في كتابه:

﴿كَلّا بَل رانَ عَلى قُلوبِهِم ما كانوا يَكسِبونَ﴾

[سورة المطففين: ١٤]

أكبر عقاب إلهي للمؤمن أن يحجب عن الله عز وجل :

الدكتور راتب:
 هذه النفس حينما ترتكب الذنب وتعيده بعد حين انتقل من ذنب إلى عادة، والعادة صعبة جداً تركها، الذنب إذا ألف أصبح عادة، أي برمج نفسه على قبولها.
المذيع:
 فتكون عقوبته أن الله ران على قلبه أي أغلق عليه.
الدكتور راتب:
 نعم وهذا أكبر عقاب إلهي:

﴿كَلّا إِنَّهُم عَن رَبِّهِم يَومَئِذٍ لَمَحجوبونَ﴾

[سورة المطففين: ١٥]

 فلو استمع للقرآن لا يتأثر، إذا أب مثالي جداً في منزله إكرام، وتوجيه، وثقافة، وعلم، هذا الإكرام الشديد علق أولاده به، إذا يوم لم ينظر إلى ابنه يحرقه، فكلما ارتقى يصبح الحجاب أصعب، أنت ألفت الصلة بالله، ألفت أن تكون غالياً على الله، ولكن إذا حجبك الله،

﴿كَلّا إِنَّهُم عَن رَبِّهِم يَومَئِذٍ لَمَحجوبونَ﴾

 أكبر عقاب إلهي للمؤمن ليس عنده أية مشكلة في بيته، ولا في سيارته، ولا في دخله وإنفاقه، ولا في محله التجاري، لكنه محجوب عن الله، الذنب حجبه، الذنب كلما كبر يصبح أسمك، يوجد حجاب رقيق ويوجد حجاب سميك.
المذيع:
 وكيف يقبل الإنسان على الله ويلغي هذا الحجاب؟

 

التوبة النصوح تلغي الحجاب بين الإنسان و ربه :

الدكتور راتب:
 بالتوبة، إذا تاب العبد توبة نصوحة أنسى الله حافظيه والملائكة وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه:

(( ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده السموات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السموات بين يديه ))

[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]

المذيع:
 هذه النفس جبلت على أن تحب الهوى وأن تحب المعصية وأن تحب زينة الحياة وبنفس الوقت تلومنا إذا وقعنا فيها؟

 

الله عز وجل أودع في الإنسان حاجات ثلاث :

الدكتور راتب:
 يوجد جواب دقيق جداً، أعتقد أن أهم نقطة في اللقاء الطيب، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها مثلاً، صفيحة البنزين سائل متفجر، إذا وضع هذا السائل في المستودع المحكم في السيارة، وسار هذا البنزين في الأنابيب المحكمة إلى المحرك، وانفجر في الوقت المناسب والمكان المناسب، ولّد حركة نافعة، قد تقل المستمعين إلى العقبة بالعيد مثلاً، صفيحة البنزين نفسها صبها على المركبة أعطها شرارة تحرق المركبة ومن فيها، فالشهوات قوى دافعة، أو قوى مدمرة، لكن أهم شيء ما من شهوة أودعت بالإنسان إلا لها طريق نظيف راق حتى حب العلو في الأرض، إذا شخص أكل حقق أول حاجة الطعام والشراب ببقاء الفرد، تزوج حقق المطلب الثاني لبقاء النوع، أكل وشبع وتزوج وأنجب، ولكن عنده حاجة ثالثة يسميها علماء النفس: تأكيد الذات، إثبات أنه موجود، بتعبير آخر: العلو في الأرض، يشار له المهندس الأول، الطبيب الأول، القائد الأول، مثلاً هذه الحالة مقبولة عند الله، الثالثة تستغل في الدين، اخدم الناس، يكون لك عمل صالح يرفعك، أي الله عز وجل رفع قدر النبي الكريم، ولكل مؤمن كذلك.
المذيع:
 دكتور في نهاية حلقتنا النفس اللوامة هي التي تلوم صاحبها عن الوقوع في المعصية، هي تدل على إنسان فيه خير عظيم، وعليه أن يعالج ذلك في التوبة.
 نختم حلقتنا بالدعاء، دكتور نسأل الله أن يتقبل منكم ومنا.

الدعاء :

الدكتور راتب:
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018