بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة ق - تفسيرالآيات 1-10 ، الإيمان بالله و اليوم الآخر كلٌّ لا يتجزأ


1995-06-02

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الأول من سورة ق.

مذاهب العلماء في تفسير الحروف المقطعة:

﴿ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ﴾

للعلماء في هذه الحروف التي تتصدَّر بعض السور مذاهب كثيرة في تفسيرها:
من هذه المذاهب: الله أعلم بمراده، ومن هذه المذاهب أنها أوائل أسماء الله الحسنى.
ومن هذه المذاهب أنها أوائل أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
ومن هذه التفسيرات أن القرآن الكريم إنما صيغ من جنس هذه الأحرف، فإعجاز القرآن الكريم أن موادَّه الأولية بين أيديكم، فأحد أسباب الإيمان بأنه كلام الله تعالى، وهو سرّ إعجازه، والحروف التي نُظِمَ منها هي حروف اللغة العربية، ولكن الله تحدَّى الناس جميعاً أن يأتوا بمثل هذا القرآن فلن يأتوا، ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيراً.

ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ:

القرآن المجيد
هذا قسَم، فربنا سبحانه وتعالى يُقسِمُ بالقرآن المجيد، المجيد العالي، المجيد الشريف، وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، كم هي المسافة بين الخالق والمخلوق ؟ بين القديم والحادث ؟ بين الكمال كمالاً مطلقاً والإنسان الضعيف ؟ كم هي المسافة بين الله وعباده ؟ هي المسافة نفسها بين كلام الله وكلام عباده، هذا ينبغي أن يدفعنا إلى قراءة القرآن، وإلى فهم القرآن، وإلى تدبُّر القرآن، وإلى تطبيق القرآن، لأنه كتابنا المقرَّر، وفي القرآن الكريم أحاديث كثيرة لا شكَّ أنكم تعرفونها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إلى أن هذا القرآن غنىً لا فقر بعده، على كلٍّ:

 

﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾

 

انحراف الكفار و تقصيرهم بسبب إغفالهم اليوم الآخر:

﴿ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) ﴾

هل العجب أن يرسِلَ الله سبحانه وتعالى رسولاً يبيِّن للناس طريق سعادتهم ؟ العجب هو ألا يُرسِل، وهناك معنى دقيق جداً هو: أن كمال الخلق من لوازمه كمال التصرُّف، فكـما أنّ في الخلق إعجازاً، كذلك في الخلق علمٌ وحكمةٌ، وغنىً وقدرةٌ، ولطفٌ، وكل أسماء الله تعالى ترونها في خلقه، وما الكون إلا مظهرٌ لأسماء الله الحُسنى، فكما أنَّ الكون يدلُّ على الله، ومن لوازم كمال الخلق كمال التصرُّف، إذاً ليس عجيباً أن الله سبحانه وتعالى يُنزل على سيدنا النبي صلى الله عليه وسلَّم كتاباً، بل العجب ألاّ يُنزِل، العجب ألاّ يبيّن، العجب ألاّ يأتي رسولٌ معه كتابٌ فيه تبيانٌ لكل شيء.
الآيات بعد القسم وجوابه وصلت إلى الدار الآخرة.
اليوم الآخر
ويا أيها الأخوة الكرام، إن أخطر موضوعٍ في العقيدة بعد الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر، لأنك إن آمنت باليوم الآخر غيّرت كل الخطّة التي تسير عليها، إذا آمنت باليوم الآخر، وأدخلت هذا اليوم في الحسابات اليومية صِرْتَ إنساناً آخر، لأن كل عملك سوف تُحَاسَب عليه، وكل دخلِك سوف تُحَاسَب عليه، وكل إنفاقك سوف تحاسَب عليه، في اليوم الآخر تسوّى الحسابات، وتؤدّى الحقوق، وتؤدّى المظالم لأصحابها.
فكل إنسانٍ يا أيها الأخوة أغفل أن يدخل في عقيدته اليوم الآخر، أو آمن باليوم الآخر ولم يُدخِل هذه العقيدة في العلاقات اليومية فإنه عندئذٍ ينحرف، ويقصِّر، وينقطع، ويشقى.

محاسبة الإنسان يوم القيامة حساباً عسيراً سبب في استقامته:

بادئ ذي بدء: قبل أن تعطي ماذا سأجيب الله عزَّ وجل يوم القيامة إنْ سألني: لمَ أعطيت هذا، وأنت تعلم أنه فاسق ؟
قبل أن أمنع، قبل أن أُطلِق بصري، قبل أن أغضَّ بصري، قبل أن أرفض، قبل أن أوافِق، قبل أن أغضب، قبل أن أُطَلِّق، قبل أن تتحرَّك يجب أن توقن أن هناك يوماً تُسأل فيه عن كل شيء، وتُحَاسَب فيه على كل شيء.

(( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ؟ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ]

يا أيها الأخوة الكرام، دقِّقوا إذا كنتم مع بشرٍ مثلكم، مع إنسانٍ قد لا تحبّونه، وقد لا تقدِّرونه، لكن هذا الإنسان قوي إذا ضبط أحد الناس بمخالفةٍ سوف يحاسبه، فحينما يوقِن الإنسان أن الذي أصدر قانوناً و مرسوماً يطوله علمه، وتطوله قدرته إذاً لابدَّ من أن يستقيم على أمره.
أكاد أقول: إن قانون الاستقامة أن توقن أن الذي أصدر هذه التعليمات يطولك علمه إذا خالفتها، وتطولك قدرته إذا عصيت أمره، لمجرَّد أن تؤمن أن علم الله يطولك إذا عصيته، وأنت في قبضته، وسوف يُحَاسِبُك، إذاً لابدَّ من أن تستقيم على أمره، ومن هنا يمكن أن نقول: إنَّ أيّ خللٍ في الاستقامة يتبعه خللٌ في العقيدة، إن أيّ انحرافٍ عن منهج الله أصله ضعفٌ في الإيمان بالله، لذلك أكثر ركنين من أركان الإيمان وروداً معاً هما: الإيمان بالله واليوم الآخر.
َ

﴿ئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾

الإيمان بالله و اليوم الآخر كلّ لا يتجزأ:

إن الإيمان كلٌ لا يتجزَّأ، محاولة الفصل بين أركان الإيمان محاولةٌ مستحيلة، أنت إذا آمنت بالله خالقاً ومربيّاً ومسيّراً، وآمنت به أنه يعلم، وسيُحاسِب فلابدَّ من أن تستقيم على أمره، لا يمكن أن تفكِّر في معصيته، لأن الله سيحاسبك، وأقول مرَّة ثانية: أنت تسلك هذا السلوك لا مع الله عزَّ وجل، ولكن مع إنسانٍ قد لا تحبّه، وقد لا تقدِّره، ولكنه قوي، إذا كان قادراً على أن يعلم مخالفتك له، وإذا كان قادراً على أن يُنزِل بالإنسان أشدَّ العقوبات فلا يمكن أن تعصي أمره، فكيف بخالق الكون ؟
ليس معقولاً بعد أن صرنا تراباً أن نُخْلَقَ من جديد، وأن نحاسَب على كل أعمالنا وهذه عقيدة الكافرين، وهذا تفكيرهم ومقالهم.

الأدلة التي وردت في القرآن الكريم عن اليوم الآخر:

1 ـ الدليل النقلي:

بل يا أيها الأخوة الكرام، إن الإيمان باليوم الآخر هو إيمان من نوع اليقين الإخباري، لأن الله أخبرنا في قرآنه الكريم أن هناك يوماً يُحاسَب فيه الناس جميعاً، تسوّى فيه كل العلاقات، ترمَّمُ فيه كل المظالم، تؤدّى فيه كل الحقوق، يُحاسَب الإنسان على أدقِّ الأعمال.

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ (8) ﴾

( سورة الزلزلة )

﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾

( سورة الأنبياء )

إذا أيقنَّا أن هذا اليوم يقوم فيه الناس لرب العالمين، ويأخذون جزاءهم العادل ؛ فالمنطق والعقل والحكمة، وحبك لذاتك وفطرتك كل هذا يقتضي أن تستقيم على أمر الله، هذا هو الدليل النقلي الذي ورد في القرآن الكريم عن اليوم الآخر.

2 ـ الدليل العقلي:

لكن العلماء يرون أن هناك دليلاً عقلياً: في الحياة تفاوت كبير، في الصحَّة، في المال، في الوسامة، في الذكاء، في القدرات، في القوى، هناك ظالمٌ ومظلوم، قويٌّ وضعيف، غنيٌّ وفقير، فإذا انتهت الحياة الدنيا هكذا من دون يومٍ آخر فإن هذا الوضع غير السوي لا يتناسب مع كمال الله عزَّ وجل، فكمال الله يقتضي أن تسوَّى فيه الحسابات، هناك يومٍ تسوّى فيه الحسابات، تؤدَّى فيه الظُلامات.
إذاً أنت مع دليلين: دليلٍ نقلي في الكتاب والسنَّة، ودليلٍ عقلي، أن العقل السليم لا يقبل أبداً أن خالق الكون العظيم يَدَع خلقه هملاً بلا حسابٍ، ولا مسؤوليةٍ، ولا جزاءٍ، ولا ثوابٍ ولا عقابٍ، ولا جنّةٍ ولا نار، ومن ظنَّ أن الحياة الدنيا تنتهي هكذا فما عرف الله أبداً.

الأحمق من يوهم نفسه أنه أدخل اليوم الآخر في حساباته اليومية:

الحقيقة أيها الأخوة والخطورة هي أن الإنسان أحياناً لا يكذِّب باليوم الآخر تكذيباً قولياً، ولا يكذب باليوم الآخر تكذيباً لفظياً، يقول لك: لا، أنا مؤمن بهذا اليوم، ولكن إذا دقَّقت في سلوكه، وفي عمله، وفي كسبه للمال، وفي علاقاته الاجتماعية، وفي زواجه، وفي طلاقه، وفي عطائه ومنعه لا ترى أبداً أن هذا اليوم العظيم داخلٌ في حساباته اليومية.
إخواننا الكرام، الذي يكسب مالاً حراماً، الذي يجمع مالاً عن طريق الكذب أو الاحتيال، والذي يغشُّ الناس، والذي يبتزّ أموال الناس، هذا لو أنه صلَّى فهو في الحقيقة لم يُدخِل اليوم الآخر في حساباته اليومية، أين قوله تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر )

أين قول النبي صلى الله عليه وسلَّم:

(( لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ))

[الترمذي عن أبي برزة]

امتحان الإنسان لإيمانه بعمله لا بإقراره:

أيها الأخوة، أحد أكبر أركان الإيمان بعد الإيمان بالله أن يؤمن باليوم الآخر، لذلك تجد انضباط المؤمن عجيباً، وسر انضباطه أن لحظة الوقوف بين يدي الله عزَّ وجل لا تغادر ذهنه أبداً، قبل أن يفعل شيئاً، قبل أن يغش، قبل أن يكذب، قبل أن يأخذ ما ليس له، قبل أن يفتري على الناس يقول: كيف أقول لله عزَّ وجل ؟ ماذا أقول له ؟ فالإنسان يمتحن إيمانه لا بإقراره، بل بعمله، فإذا كان عمله يؤكِّد إيمانه فليحمد الله عزَّ وجل، أما إذا كان عمله لا يؤكد إيمانه فليشمِّر، وليجدِّد إيمانه، ولمجرَّد أن تأكل مالاً حراماً، وأنت تعلم يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا اليوم العظيم ما أدخلته في حساباتك، لمجرَّد أن تظلم امرأةً لا سند لها يجب أن تعلم أن هذا اليوم العظيم ما أدخلته في حساباتك، لمجرّد أن تدلِّس، أو أن توهم لتكسب مالاً حراماً يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا اليوم العظيم ما أدخلته في حساباتك.

الفرق بين المؤمن و غير المؤمن في رؤية الحياة:

﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾

هذه مقولة أهل الكفر، إنهم آمنوا بالدنيا فقط بأنها كل شيء، والمال فيها كل شيء، والملذَّات فيها كل شيء، والقوّة فيها كل شيء، والجمال فيها كل شيء، والتنعُّم فيها كل شيء، مالُها ونساؤها، وطعامها وشرابها، ومتعها ومباهجها هي كل شيء، لذلك الفرق الجوهري بين المؤمن وغير المؤمن، أن غير المؤمن يقبِلُ على الدنيا، ولا يسأل، ولا يلتفت إلى صواب عمله أو خطئه، لكن المؤمن لا يأخذ من الدنيا إلا بالقدر الذي سمح الله له به.

﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾

( سورة هود: الآية 86 )

أي ما بقي له، ما بقي مسموحاً له أن يفعله هو الخير، أما الذي حرَّمه الله عليه فلا يقترب منه ولو أدّى ذلك إلى هلاكه.
فكيف قلتم هذا: رجعٌ بعيد ؟ الله جلَّ جلاله الذي بدأ الخلق يعيده، الذي خلق الإنسان من تراب، من نطفةٍ، من ماءٍ مهين، وجعله إنساناً سويَّاً، في دماغه مئة وأربعون مليارَ خليَّةٍ عصبية لم تُعْرَف وظيفتها بعد، في شبكية عينه مئة وثلاثون مليونَ مخروطٍ وعُصيّة، فيه ثلاثمئة ألف شعرة، ولكل شعرة وريد وشريان وعصب وعضلة، وغدَّة دهنية وغدَّة صبغية، الذي أودع فيه قلباً يضخ كل يوم ثمانية أمتار مكعَّبة، وشبكة شرايين وأوردة طولها مئة وخمسون ألف كيلو متر.
أكرر للبيان والاعتبار: في الإنسان شبكة أوردة وشرايين وشعريّات طولها مئة وخمسون ألف كيلو متر، كذلك في الكليتين طريق يقطعه الدم طوله مئة كيلو متر كل يوم، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم سيحاسبه، وسيعيد خلقه مرَّةً ثانية.

إنكار الكافر يوم القيامة و الحساب فيها:

لذلك المقولات تتشابه، لأن ملَّة الكفر واحدة.

﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾

فمن هو الكافر ؟ هو الذي آمن بالدنيا فقط، الدنيا في نظره كلّ شيء، القوَّة فيها كل شيء، المال فيها كل شيء، المتعة الرخيصة فيها كل شيء، ثم يأتي الموت على كل شيءٍ حصَّله في الدنيا، ويخسره في ثانيةٍ واحدة، لمجرَّد أن يقف قلبه كل أملاكه ليست له، كل ثيابه تبقى في الخزانة، يُلفُّ في قماشٍ أبيض رخيص، ويودع في التراب، وانتهى الأمر، لذلك فإن المؤمن يحسب حساباً دقيقاً لهذه الساعة، ساعة مغادرة الدنيا، وغير المؤمن لا يُدْخِلُ هذه الساعة في حساباته أبداً، وكأن الموت على غيرنا قد كُتِب.

أحد أسباب انضباط المؤمن في الحياة الدنيا إيمانُه باليوم الآخر:

إخواننا الكرام، إذا آمنتم باليوم الآخر الإيمان الصحيح، وأدخلتم هذا اليوم في الحسابات اليومية، بل في الحسابات الساعية، بل في حساب الثواني، ونظر أحدكم وقال: ماذا سأجيب الله عنها يوم القيامة ؟ كلمة شاردة، أو ابتسامة في غير موضعها، مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ، فكل محاسب عليه، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾

( سورة الزلزلة )

إذا أدخلتم اليوم الآخر في حساباتكم، في بيوتكم، في تجارتكم، في صناعتكم، في كل نشاطات حياتكم فقد أصبتم، ورضي الله عنَّا وعنكم، لكن كثيراً من الناس في وادٍ آخر.
موضوع اليوم الآخر موضوع خطير جداً، وهو أخطر موضوع في العقيدة بعد الإيمان بالله هو اليوم الآخر، وأحد أسباب انضباط المؤمن إيمانُه باليوم الآخر.
ذات مرَّةٍ ضربت مثلاً توضيحياً بإنسان ركب مركبة، والإشارة حمراء، والشرطي واقف، وسيارة الضابطة واقفة، وضابط كبير من شرطة السير واقف، وإذا تجاوز شخص الإشارة يلحقونه، ويحجزون مركبته، وهؤلاء كلهم بشر عاديون، فهل يُعقَل أن يتجاوز هذه الإشارة ؟
من المستحيل، ولا بالمليار واحد أن يتجاوز إنسان الإشارة الحمراء، وهو يعلم علم اليقين أنه سيضبط، وسيُحاسَب أشدّ الحساب، فكيف مع خالق الأرض والسماوات ؟ كيف ؟!!

العاصي من يغامر بسعادته في الدنيا و الآخرة:

والله أيها الأخوة، لا أعجب من الذي يطيع الله عزَّ وجل، هذا شيء طبيعي، لكن العجب العُجاب مِن الذي يعصي الله، فماذا تملك من الدنيا ؟ الإنسان كل كيانه منوط بشريان الدم في دماغه، لو تجمَّدت خثرة في الدماغ لغيّرت حياته، فإن استقرت في مكان يصاب بالعمى، وفي مكان يفقد ذاكرته، وفي مكان يُصاب بالشلل، أين قوَّة الإنسان ؟ هل تملك لهذا الدم الذي يجري في الدماغ في أدقّ الأوعية، هل تملك أن يبقى سائلاً ؟ إذا تجمَّد أصبحت حياة الإنسان جحيماً، هذا القلب الذي ينبض من يملك حركته الدائمة ؟ من يملك مرونة شرايينه ؟ من يملك هذا الشريان التاجي الذي يغذِّي عضلة القلب ؟ من يملك هذا الشريان ؟ إذا ضاق هذا الشريان أصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق، فعلى أي شيءٍ يستند العاصي ؟ العاصي مغامر، والعاصي مقامر، يقامر بسعادته في الدنيا والآخرة، فالعجب العجاب ممن يرى نفسه في قبضة الله و يعصيه، ممن يرى أن أمره كله بيد الله ويخرج عن منهجه، هذا هو العجب العجاب لا كما قال هؤلاء الكفَّار.

﴿ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ﴾

فناء الإنسان في قبره:

قال تعالى:

﴿ قَدْ عَلِمْنَا﴾

أي حينما يوضعون في قبورهم، وحينما تبدأ الكائنات الحية عملها في أكل لحومهم.

﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾

الله جلَّ جلاله هو الذي يعلم كيف أن هذا الإنسان يفنى في قبره، ولا يبقى منه إلا ذرَّةٌ هي التي تعيد بناءَه من جديد يوم القيامة.. ألا وهي عَجبُ الذنَب.

قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ: آية لها عدة معان:

1 ـ إما أنهم إذا ماتوا ابتلعتهم الأرض فأنقصت عددهم:

﴿ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾

إما أنهم إذا ماتوا ابتلعتهم الأرض، فكأن الأرضَ أنقصت عددهم.

2 ـ أو أن التراب حينما يأكل لحمهم يتناقص الجسد شيئاً فشيئاً:

أو أن التراب حينما يأكل لحمهم في القبر فيتناقص الجسد شيئاً فشيئاً، وقد ورد في الأثر أن الإنسان في أول يومٍ يوضع في قبره يقول الله له:

(( عبدي، رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحيُّ الذي لا يموت ))

التفكُّر في الموت جزء من الدين:

أيها الأخوة، إن الإنسان مدعوٌّ وهو في الدنيا، وهو حيٌّ يُرزَق أن يدخل إلى غرفةٍ مظلمة، بلا مصباح أبداً، وليقبع فيها ساعاتٍ طويلة، ألا يشعر بالضجر ؟ ألا يشعر بالوحشة ؟ غرفة كبيرة فيها سرير وثير، وفيها نوافذ، أطفئ المصباح، واجلس وحدك عدة ساعات بماذا ستشعر ؟ القبر على طول الزمن لا نافذة له ولا سرير، ولا شيء من هذا، إنك تحت التراب، وفي اليوم الواحد تشيّع عشرون جنازة أو أكثر، في هذا الحي في اليوم الكثير من النعي، فهذا الذي أعلمونا أنه توفي أين يبيت هذه الليلة ؟ تحت الأرض، تحت التراب، أين كان ينام قبل وفاته ؟ على سرير، حوله زوجة وأولاد، هناك طعامٌ وشراب، هناك ثياب، هناك بيتٌ نظيف، يُوضَع في القبر ويهال عليه التراب، وقد قال سيدنا عمر: " كفى بالموت واعظاً يا عمر ".
إخواننا الكرام، التفكُّر في الموت جزء من الدين، التفكُّر مع التساؤل: يا ترى كيف تنتهي حياتي ؟ بأية طريقة ؟ أين أموت ؟ في البيت أم خارج البيت ؟ أين أُغسَّل ؟ أفي البيت ؟ أين أُدفَن ؟ هذه الخواطر ضرورية جداً لأنها كوابح.

ابتعاد الإنسان عن المعصية عند تفكيره بالموت و الحساب:

التفكر في الموت
أيها الأخوة الأكارم، لو أنك كنت على طريقٍ معبَّد تركب مركبة، الخطران الكبيران أن تنحرف يمنةً أو يسرةً، وعلى اليمين وادٍ سحيق، وعلى اليسار وادٍ سحيق، والخطر الثاني هو أن تتعطل المركبة، والتفكُّر في الموت يجعلك على الطريق، ويدفعك نحو الأمام، والذي يقيك الانزلاق والوقوف هو التفكُّر بالموت، وسبحان الله ! إن الموت ما ذُكِرَ مع كثيرٍ إلا قلَّله، وما ذُكِرَ مع قليلٍ إلا كثَّره، فالإنسان القوي الغني المتمكّن يحلّ بالمال كل قضية، ولكنّ الموت يقلِّل هذا المال، بل يذهبه، ماذا ينفعه المال حينما يموت ؟ والفقير المعذَّب المريض يأتي الموت فينهي كل مشكلاته.

 

﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾

 

فيا أيها الأخوة الكرام، التفكُّر في الموت جزءٌ من الدين، والتفكّر في الموت كابح يكبح جماح النفس، التفكر في الموت يكبح جماح النفس عن أن تزل قدمُها في معصية، أو أن تقف وهي في طريق الإيمان.

الانغماس في الدنيا والانشغال بها يجب ألا تبعد الإنسان عن التأمل:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾

لا مانع من أن يزور الإنسان من حينٍ إلى آخر مقبرة، وإذا رأى جنازة فليتبع هذه الجنازة، ولينظرْ بنفسه كيف أن النعش يُفتَح، ويُرفع الميت، وقد بدا جسمه ملفوفاً بهذا القماش، ثم يُنزَّل في القبر، وكيف يُوضع اللوح الحجري، وكيف يُهال التراب عليه، ويذهب أهله إلى البيت، وقد غادر البيت ولن يعود، خرج من البيت أفقياً، ليتذكَّر الإنسان أنه إذا خرج من بيته آلاف المرَّات قائماً فلابدَّ من أن يخرج في إحدى هذه المرَّات أفقياً، تذكّر أنك إذا دخلت إلى بيتٍ من بيوت الله لتصلي فلابدَّ من أن تدخل مرَّةً ليُصلَّى عليك.
قرأت كلمة وهي: " صلّ قبل أن يُصلَّى عليك "، فلابدَّ من أن يصلَّى عليك، فهذا الانغماس في الدنيا والانشغال بها، وكسب الدرهم والدينار، والانخراط في متاعبها ومشاغلها، وحُطامها ومكاسبها، هذا ينبغي أن يُعدَّل، ينبغي أن تكون هناك ساعة تتأمَّل فيها سرَّ وجودك، وغاية وجودك، وعظمة ربك، ومنهج ربك.

تكذيب الكفار بالقرآن الكريم الذي أُنزل على النبي الكريم:

ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾

فقد قال بعضهم عن النبي عليه الصلاة والسلام: ساحر، لأن الحق الذي جاءهم هو النبي عليه الصلاة والسلام، والحق الذي جاءهم هو القرآن الكريم فقالوا:

﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾

قال بعض المفسِّرين: الحق هو القرآن الكريم الذي أُنزِل على النبي صلى الله عليه وسلم، كذَّبوا به، وقالوا:

﴿ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾

( سورة الصافات )

 

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾

قالوا عن النبي عليه الصلاة والسلام: إنه شاعر، إنه كاهن، إنه ساحر.

رفض الكفار للقرآن الكريم قبل فهم و تدبر آياته:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾

وفي الآية إشارة لطيفة.

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾

أي أنهم لم يدرسوا القرآن، وما قرؤوا القرآن، وما تدَّبروا آياته، وما وقفوا عند معانية آياته، كما لو أن شخصاً جاءته رسالة فسلَّمها إليه ساعي البريد، وقبل أن يفتحها مزَّقها، فهذا إنسان أحمق، اقرأها أولاً، لكنه مزَّقها قبل أن يفتحها، وقبل أن يقرأ مضمونها، وهذا الذي يكذِّب بهذا الكتاب قبل أن يقرأه، وقبل أن يفهمه، وقبل أن يتدبَّر آياته، وقبل أن يعمل على تطبيقه هو إنسان غبي، غبي جداً، رفض الشيء قبل معرفته، إنه غباءٌ من هذا الإنسان ما بعده غباء.

شقاء الإنسان في الدنيا و الآخرة عند تركه القرآن العظيم:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾

لمجرَّد أنه جاءهم كذَّبوا به دون تدبُّر، دون وعي، دون فهم، هل هناك بربِّكم من عمل أيها الأخوة أعظم من أن تمضي وقتاً في فهم كلام الله ؟ فهم هذا المنهج، هذا الوحي الذي جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خطاب السماء إلى الأرض، هل في المكتبات كلها كتابٌ يرقى إلى هذا الكتاب ؟ اُدخلوا إلى بعض المكتبات تجدوا آلاف الكتب، عشرات ألوف الكتب، مئات ألوف الكتب ؛ في التاريخ والجغرافيا، والقصَّة والأدب، والعلوم والفنون بربِّكم، وما شاكل ذلك، أما هذا الكتاب فهو منهج، هذا منهج حياتك، تسعد بتطبيقه في الدنيا والآخرة، و تشقى بتركه في الدنيا والآخرة.

تفسير كلمة مريج:

1 ـ المريج هو الكاهن:

﴿ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾

بعضهم قال: كاهن.

2 ـ المريج هو الشاعر:

بعضهم قال: شاعر.

3 ـ المريج هو الساحر:

بعضهم قال: ساحر، وأهل الكفر إذا أرادوا أن يصفوا الحق يختلفون، ساعة يقولون: ضعف بشري أمام قوى الطبيعة القاهرة، وساعة أخرى يقولون: المتديِّن إنسان يعوّض نقصاً أَلَمَّ به، فيتهمون أهل الدين اتهامات ما أنزل الله بها من سلطان.

عدم اتفاق الكفار على وصف أهل الحق بوصف واحد:

﴿أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾

أمرٍ مضطرِب، هم فيما بينهم مختلفون، لم يتفقوا على وصفٍ موحّدٍ لأهل الحق، لكن الشيء الدقيق أن الحديث بينهم عن اليوم الآخر:

﴿ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) ﴾

عدم اقتناع الكفار بأنهم سيبعثون بعد الموت و يحاسبون:

ولكن ما علاقة هذا الكلام بالآيات التالية ؟

﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) ﴾

الحقيقة أن هؤلاء الكفَّار الذين كذَّبوا، كذَّبوا بالحق و كذَّبوا هذا القرآن، وأنكروا اليوم الآخر، وقالوا:

﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾

( سورة المؤمنون )

فكيف السبيل إلى إقناعهم بوجود خالقٍ عظيم ؟ وربٍ رحيم ؟ ومسيرٍ حكيم ؟ كيف السبيل إلى إقناعهم بأن هناك يوماً آخر توزن فيه الأعمال، وتؤدى فيه الحقوق، وتسوى فيه الظُلامات ؟

منهج القرآن في إثبات اليوم الآخر:

السبيل: هذا الكون الذي تحت سمعنا وبصرنا، الشيء الثابت الوحيد الذي يخضع له كل إنسان هذا الكون العظيم، فكلَّما تاهت النفوس، واضطربت الأفكار، وظهرت الشكوك، ومرجت النظريات، فالكون بسماواته وأرضه، بمجرَّاته، بكواكبه ومذنَّباته، بنجومه، بشمسه وقمره، والأرض: بالبحار والجبال، والصحارى والغابات، والأسماك والأطيار، والنباتات وخلق الإنسان، هذا الكون هو الذي يدلًُّ على الله، الكون يدل على الله
هو الذي ينطق بكمال الله، هو الذي ينطق بوحدانية الله، هو الذي ينطق بحكمة الله، برحمة الله، بعلم الله، وبقدرة الله، هو الشيء الثابت، وإذا اضطربت عقيدة الإنسان، وتزلزلت أفكاره فليَدَعْ كل شيء، وليتجه إلى الكون ليتأمَّل فيه.

﴿ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) ﴾

فما هو الحل ؟ كيف نؤمن بخالق الكون ؟ بأسمائه الحسنى وصفاته الفَضلى ؟ كيف نؤمن بهذه الرسالة السماوية ؟ بهذا الكتاب المقدَّس ؟ كيف نؤمن ؟ قال تعالى:

﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾

عظمة الله تتجلى في الكون:

إنه لن تقع عينك على خلل، وبعض الأرقام تشير إلى أن العلماء قدَّروا أن في الكون قريباً من مليون مَليون مجرَّة، هذه المعلومات راجحة إلى الآن، وأن في كل مجرَّة قريباً من مليون مَليون نجم، وأن المجموعة الشمسية نقطة في درب التبانة، والمجموعة الشمسية قطرها ثلاث عشرة ساعة، أما نحن أي: الأرض والقمر القطر ثانية ضوئية، نحن والشمس القطر ثماني دقائق فقط، هذه المجموعة الشمسية، وقد أرسلوا مركبة فضائية إلى المشتري، بقيت المركبة ست سنوات في الفضاء تسير ولم تصل.
عظمة الله في الكون
بالمناسبة بيننا وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، والضوء يقطع في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، ثم اضرب في الساعة، باليوم، بالسنة، وهذه المسافة بين الأرض وأقرب نجم ملتهب لو أردت أن تقطعها بمركبةٍ أرضية تحتاج إلـى خمسين مليون عام، هذا رقمٌ دقيق.
أكرر: لو أردت أن تقطع المسافة بين الأرض وأقرب نجمٍ ملتهب تحتاج إلى خمسين مليون عام، وأقرب نجم ملتهب يبعد عنَّا أربع سنوات ضوئية فقط، بينما نجم القُطب يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية، في حين أن بعض المجرَّات تبعد عنَّا مليون سنة ضوئية، وبعض المجرات المُكتشفة حديثاً تبعد عنا أربعة وعشرين ألف مليون سنة ضوئية، أي أنها كانت في هذا الموقع الذي رأيناه بالمراصد العملاقة قبل أربعة وعشرين ألف مليون سنة، الآن لا يعلم إلا الله أين هي.

﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾

صنعة الله المطلقة في كل شيء:

نجم صغير جداً أحمر اللون في برج العقرب اسمه قلب العقرب، يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما، بين الأرض والشمس مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، والشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرَّة، أي مليون وثلاثمئة ألف كرة أرضية، يمكن أن توضع في جوف الشمس، وبينهما مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وقلب العقرب يتسع للأرض والشمس مع المسافة بينهما.
قلب العقرب
وهذا الكون العملاق لولا حركة النجوم حول نجوم أخرى لأصبح كتلةً واحدة، لأن قوى التجاذب تجمعه في كتلة واحدة، أما الحركة الدائرية فينشأ عنها قوى نابذة تكافئ القِوى الجاذبة، هذه الحركة المستمرة تجعله مستقراً بهذا الترتيب، أما لو أن الحركة توقَّفت لأصبح الكون كتلةً واحدة.

﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾

( سورة ق: الآية 3 )

يعني أنك لا ترى أي خلل، والفروج هنا تعني الخلل.

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾

( سورة النمل: الآية 88 )

كلُّ صنعتِهِ متقنة، كل عمله محكم.

﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾

التفكر في ملكوت الله يؤدي إلى عدم التكذيب بالحق:

إذا اضطربت الأفكار، و اضطربت الأدلَّة، وكلٌ يدَّعي وصلاً بليلى، والحياة كلها مذاهب، واضطرابات، وأفكار، ونظريات هدَّامة، ونظريات صحيحة، ونظريات مغلوطة، كان الشيء الثابت هو الكون، فالكون يدلُّ على الله، ودعك من كل الخلافات، دعك من كل التمزُّقات، دعك من كل الاضطرابات الأرضية، الكون هو الشيء الثابت الوحيد الذي يدل على الله، طبعاً يدل على مليون حقيقة، ولكن كل هذه الحقائق في ثلاث كلمات: الله موجود، وواحد، وكامل.
الخلاصة اليقينية وجود، وحدانية، وكمال مطلَق، فإذا دلَّك الكون على خالقٍ عظيم واحد كامل، يقتضي كمال هذا الخالق العظيم أن يبين لخلقه لماذا خلقهم ؟ ولماذا أوجدهم ؟ وماذا ينتظرهم ؟ وماذا عليهم أن يعملوا ؟ فكان هذا القرآن الكريم، لماذا كذَّبوا بالحق ؟ لأنهم لم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها، لو نظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها لما كذَّبوا بالحق، هذه الآية دقيقة جداً:

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾

فما العمل ؟ لقد كذَّبوا بالحق، كذبوا بهذا القرآن، كذبوا هذا النبي العدنان، لم يعبؤوا بهذا الدين وقالوا: الحياة هي كل شيء، بعد الموت لا وجود لشيء أبداً، فكيف السبيل للإيمان ؟ إنه قال:

﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾

الدنيا ما هي إلا إعداد و تمهيد للآخرة:

لو نظرت في خلق السماوات والأرض لعرفت أن هذا الخالق العظيم كماله مطلق، ويقتضي كماله أن يبين لعباده لماذا خلقهم ؟ ولماذا أوجدهم ؟ وماذا ينتظر منهم ؟ وماذا عليهم أن يعملوا ؟ ولماذا جعل حياتهم محدودة ؟ ولماذا خلقهم لحياةٍ أبدية ؟ ولماذا كانت هذه الحياة الدنيا إعداداً وتمهيداً للحياة الآخرة ؟ هكذا، فلذلك ينقصنا أن نتأمَّل في خلق السماوات والأرض، الكون يدلُّنا على كل شيء، يدلُّنا على أن لهذا الكون خالقاً واحداً كاملاً موجوداً، ومن لوازم كماله أن يبين لخلقه، وهذا القرآن بين أيدينا.

﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾

قدرة الله عز وجل في جعل الأرض لا تنحرف عن مسارها:

مسار الأرض
إخوتنا الكرام، الأرض تدور حول الشمس بمسار إهليلجي، وهذا المسار له قطران: قطرٌ أصغر وقطر أكبر، إذا وصلتْ إلى القطر الأصغر تزيد سرعتها، وينشأ عن هذه الزيادة قوة نابذة جديدة تكافئ القوة الجاذبة الجديدة من قِصَر المسافة، لأن الجذب متعلِّق بالمسافة، والكتلة في قانون الجاذبية، فحينما تصل الأرض إلى القطر الأصغر تزيد سرعتها، وحينما تصل إلى القطر الأكبر تقلّ سرعتها لكي لا ينشأ قوّة تفلُّت من جاذبية الشمس، لكن فرضاً لو أن الأرض تفلَّتت من جاذبية الشمس، وأردنا أن نعيدها إلى الشمس، ماذا علينا أن نفعل ؟ هذا كلام فرضي، وغير واقعي إطلاقاً، الجواب: نحتاج إلى مليون مَليون حبل فولاذي، وقطر كل حبل خمسة أمتار، طول كل حبل مئة وستة وخمسون مليون كيلو متر، تُزرَع هذه الحبال الفولاذية على وجه الأرض المقابل للشمس، وإذا زُرِعت فنحن أمام غابة من الحبال الفولاذية، بين كل حبلين مسافة حبل واحد، تستحيل الزراعة والصناعة، والبناء والعمران، وانتهى كل شيء، وتُحجَب أشعَّة الشمس، فكل هذه الحبال المليون مليون حبل، قطر الحبل خمسة أمتار، هذا الحبل يقاوم قوى شد تقدر بمليوني طن، كلها تمسك بالأرض، وتثبتها في موقعها من الشمس.
الملخَّص أن الأرض مرتبطة بالشمس بقوَّة تساوي مليون مَليون ضرب مليوني طن، كل هذه القوة من أجل أن تحرف الأرض عن مسارها المستقيم ثلاثة مليمترات في الثانية، فلو أنها سارت بشكل مستقيم لخرجت من مدارها حول الشمس، فتنحرف كل ثانية ثلاثة مليمترات، وهذه الثلاثة مليمترات تشكِّل مداراً مغلقاً حول الشمس.

 

رفع السماء بغير عمد آية من آيات الله الدالة على عظمته:

 

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

( سورة الرعد: الآية 2 )

هل يقدر الإنسان أن يبني بناء من ثلاثين طابقاً مساحته ألف متر بلا أعمدة ؟ ويجعل ارتفاعه عن الأرض عشرة أمتار ؟ تمشي من تحته بالهواء من دون أعمدة ؟ هذا الشيء فوق طاقة الإنسان، أن ينشئ بناء من ثلاثين طابقاً من دون أعمدة إطلاقاً، وأول طابق يرتفع عن الأرض عشرة أمتار، وأنت تتحرَّك من تحته، وأنت تمشي بالهواء، والهواء فيه قِوى جذب، وأنت لا تشعر.
ما المد والجزر ؟
السماء
إن البحر أحياناً يرتفع إلى عشرين متراً، هذا مِن جذبِ القمر للبحر، هناك أبحاث تؤكِّد أن القمر يجذب القشرة الأرضية اليابسة، ولذلك يضطرب دمُ الإنسانِ في أيام مدّ القمر وهو بدر، والنبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نصوم هذه الأيام الثلاثة، وهناك بحوث الآن أُخِذت من ملفَّات القضاء، وعيادات الأطباء، ومن مخافر الشرطة أن معظم الجرائم تُرتكب في هذه الأيام الثلاثة، حينما يفور الدم، هذا أيضاً متعلِّق بالجاذبية.

﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾

جعلها كرة، معنى مددناها أي جعلنا الصفوف التي عليها تستمر إلى أبد الآبدين، الشكل الوحيد الذي تمشي عليه الخطوط بلا توقّف هو الكرة، أما المكعَّب فإن الخط يقف عند الحرف.

﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾

( سورة فاطر: الآية 13 )

هذه إشارة إلى أنها كرة.
وهناك إشارة ثانية، وهي:

﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾

تداخل الظلام مع النور بالأشكال الهندسية لا يكون إلا في الكرة.

الجبال آية عظيمة من آيات الله:

﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً﴾

الجبال
جبال همالايا ارتفاعها اثنا عشر ألف متر، لو أتينا بكرة قطرها متر فإن أعلى جبل في العالم يُمَثَّل على هذه الكرة بسنتيمتر واحد، أعلى جبل ارتفاعه اثنا عشر كيلو متراً يقابله سنتيمتر، وأعلى جبل في العالم ثلثاه تحت الأرض، معنى هذا أن اثني عشر كيلو متراً تحت الأرض، وأربعة وعشرين تحت الأرض، فربنا عزَّ وجل وصف الجبال مرة بأنها رواسي، ومرَّة وصفها بأنها أوتاد، فالطبقات الأرضية يأتي الجبل فيربط بعضها ببعض، والعلماء يقولون: لو جئت ببيضة غير مسلوقة وأدرتها فإنها تقع، لأن فيها طبقات غير متجانسة، أما إذا سلقتها فإنها تدور معك، فالأرض حينما تدور ففيها طبقات غير متجانسة، فيأتي الجبل كالوتد فيربط بعضها ببعض.

 

﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾

الله جعل الجبال رواسي، كيف أن الدولاب إذا دار بسرعة كبيرة يضطرب فيوضع له قطع من الرصاص في بعض الأماكن كي يدور بسرعة من دون اضطراب، الله جعل الجبال رواسي، وجعلها مستودعات للمياه، وضاعف بها مساحة الأرض، وجعل الجو في الجبال جوّاً مريحاً، بارداً في الصيف.

 

 

الورود الجميلة لم يخلقها الله إلا تكريماً للإنسان:

الورود

 

 

﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾

هل عندكم فكرة عن عدد الأبصال التي خلقها الله عزَّ وجل من أجل أن نُمْتِعَ العين بها ؟ عددها أكثر من مئة ألف، فالورود التي من أصل بصلة أنواع كثيرة، وأنواع نباتات الزينة التي توضع في البيوت بمئات الألوف، وكل نبات له طباع، له خصائص، هذه ليست للأكل والشرب، هذه ليمتع الإنسان بها عينه، أفلا تشكرون ؟
هذه الورود الجميلة مثل الزنبق، ألوان جميلة جداً، روائح فوَّاحة، لمن خُلِقت هذه ؟ خُلِقت تكريماً لهذا الإنسان.

 

 

﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾

 

الحكمة من نضج الفاكهة تباعاً:

الفاكهة
الله عزَّ وجل جميل يحب الجمال، الفاكهة التي تأكلها فيها متعةٌ للعين قبل أن تمتع فمك بها، التفاحة لها منظر جميل جداً، كل أنواع الفواكهِ النظرُ إليها مُتعة قبل أن تأكلها، ألوان، أشكال، حجوم، توشيح أحياناً، ألوان متألِّقة، اللون الأصفر في التفاح جميل جداً، يوجد عليه خد أحمر أحياناً، وكذلك العنب، فهذه الفواكه من خلقها ؟ من صمَّمها ؟ لماذا خُلقت ؟ خُلِقت للإنسان.

 

﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾

هذه النباتات بعضها محاصيل تنضج في يوم واحد، وبعضها خضراوات تنضج تباعاً، وبعضها فواكه، والفواكه مبرمجة، لو أن الله عزَّ وجل جعل جميع الفواكه تنضج في يومٍ واحد فماذا نفعل ؟ لكن انظر: تنضج العوجة أولاً، وبعدها الكرز، ثم المشمش، وبعده التفاح، وبعده الأجاص، وثم الدُرَّاق، هناك برنامج، والفاكهة الواحدة تقطفها خلال شهر، لو كانت تقطف في يومٍ واحد فماذا نفعل بها ؟ حقل البطيخ يُجنى منه البطيخ خلال تسعين يوماً، ثلاثة أشهر بأكملها تجني بطيخاً من هذا الحقل ذو تصميم، وله ترجيح، هناك مرجِّح، وهو حكيم.

 

 

الهدى قرار داخلي يتخذه الإنسان قبل كل شيء:

 

﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾

الهدى
هذه الآية دقيقة جداً، هذا الكون هو تبصرة، أي: به تبصر عظمة الله عزَّ وجل، فإذا كان الإنسان غافلاً يذكِّرَه هذا الكون.

﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾

إذا كان غير منيب لا يستفيد، معنى هذا أن منطلق الهدى يبدأ منك حينما تتخذ قراراً بطلب المعرفة، فإن كل شيءٍ يدلُّك على الله، وحينما يتجه الإنسان إلى شهواته، ويعرض عن ربه فلو رأى الآيات الصارخة فلن يهتدي إلى الله بها، معنى هذا أن الهدى يبدأ باختيار ذاتي، وهذه الآية واضحة جداً، الكون.

﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) ﴾

إذا أناب العبد إلى ربه يصبح الكون له تبصرة، إذاً الهدى قرارٌ داخلي تتخذه أنت قبل كل شيء، تريد أن تعرف الحقيقة عندئذٍ كل شيءٍ في الكون يدلُّ على الله.

قدرة الله عز وجل على إعادة خلق الإنسان كما أنشأ الجنَّات و خلقها:

﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ(9)﴾

جنات أي بساتين.
وحبّ الحصيد أي: المحاصيل ؛ القمح والشعير، وما إلى ذلك.

﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾

هذا الرُطب الذي تحمله هذه الأشجار.

﴿رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾

كما أنشأ الله هذه الجنَّات، وخلقها، وأصبحت ذات بهجةٍ للناظرين فالله سبحانه وتعالى يعيد خلق الإنسان مرَّةً ثانية يوم القيامة.
إذاً: الجواب على تساؤل الكفَّار، وإنكارهم البعث، وإنكارهم الحق، وتكذيبهم بهذا القرآن هو النظر في ملكوت السماوات والأرض.

الماء أساس كل شيء حي:

الماء

 

﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾

الله عزَّ وجل قال:

 

 

﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾

 

( سورة الأنبياء: الآية 30 )

وحيث رَأيت الماء رأيت الخضار، والبساتين، والجبال الخضراء والمحاصيل.




 

فوائد النخل:

﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾

قوائد النخيل
والحديث عن النخل يطول، إنها من أكرم الأشجار، وهذا الذي تحمله من ثمار عبارة عن صيدلية، يوجد ست وأربعون مادَّة غذائية في التمر، ولا يقبل التلوُّث، وهو مهدئ ومنشِّط، ومليّن للأمعاء، ومضيّق للشرايين من أجل النزيف، وربنا عزَّ وجل تكلَّم عن التمر في معرض المخاض فقال:

﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً ﴾

(سورة مريم )

وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتابع تفسير هذه الآيات الكريمة بتوفيق الله وعونِهِ.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018