بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

محاضرات و جامع التقوى – الحلقة 158 : معنى كلمة رجل في القرآن الكريم والسنة المطهرة.

2015-05-31

معنى كلمة رجل في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة الكرام، يظن بعض الناس أن كلمة رجل في القرآن والسنة تعني أنه الذكر، والحقيقة بخلاف ذلك، كلمة رجل في القرآن تعني أنه بطل، قال الله تعالى:

﴿رِجالٌ لا تُلهيهِم تِجارَةٌ وَلا بَيعٌ عَن ذِكرِ اللَّهِ ﴾

[سورة النور: ٣٧]

هذه آية.
 سيدنا سعد بن أبي وقاص يقول: " ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس – من هذه الثلاثة- ما صليت صلاة فشردت فيها بغيرها حتى أقضيها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي لغير ما تقول حتى أنصرف منها، - الشاهد في الثالثة- وما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى" إذاً قضية الحديث الشريف، الحديث كما قال الله عن رسوله:

﴿وَما يَنطِقُ عَنِ الهَوى*إِن هُوَ إِلّا وَحيٌ يوحى﴾

[سورة النجم: ٣-٤]

 أي الإنسان العادي جزء كبير من كلامه ينطق به من الأهواء، وهذه واضحة جداً في البيع والشراء، مادامت البضاعة بضاعته يكون قد ربح ربحاً كبيراً جداً، أما إذا كان البضاعة من شخص ند له فيبحث عن عيوبها دون أن يشعر في عقله الباطن، فهذا الإنصاف للمؤمن، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، معنى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام إذا قال حديثاً فموقف المؤمن من كلام النبي أنه وحي غير متلو.
 الوحي وحيان؛ وحي متلو بالمعنى والنص وهو القرآن، ووحي غير متلو المعنى من الله والنص من رسول الله وهذا هو الحديث:

﴿وَما يَنطِقُ عَنِ الهَوى*إِن هُوَ إِلّا وَحيٌ يوحى﴾

[سورة النجم: ٣-٤]

 إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أثنى على سيدنا سعد، كان إذا دخل سعد عليه هش له وبش، وما قال لأحد من صحابته: فداك أبي وأمي إلا لسيدنا سعد، ما فدى النبي أحداً من أصحابه إلا سعد بن أبي وقاص، ارم سعد – ببدر- فداك أبي وأمي.
 فقال:" ثلاثة أنا فيهن رجل وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس، ما صليت صلاة فشردت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أانصرف منها- الشاهد في الثالثة- وما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى ".
هذه تمهيد النص...

المغفرة من لوازم العبادة :

 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ))

[البخاري]

 تصور تاجر عليه مئة مليون، لو باع بيته والأرض التي يملكها ومحله التجاري لا يستطيع أن يفي عشرة ملايين، ماذا يفعل بهذا الدين الساحق؟ لو أن إنساناً عليه ديون كثيرة جداً، وفوق طاقته، وقال له أحدهم: لو فعلت كذا وكذا بثلاثين يوماً تعفى من هذه الديون. الآن كلام النبي صلى الله عليه وسلم:

(( من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تقدَّم من ذَنْبِهِ))

 وقال صلى الله عليه وسلم:

(( فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً ، خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))

[ابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه]

 نحن قادمون على شهر عبادة لو صمناه كما أراد الله صياماً كاملاً، ليس عن الطعام والشراب، عن أية معصية فهذا صيام كامل، ترك الطعام والشراب جزء من الصيام أما حينما تغض البصر، تضبط اللسان، لا يوجد غيبة، لا يوجد نميمة، لا يوجد كلام ليس له معنى، هذا الشهر شهر عبادة، ومن لوازم العبادة المغفرة:

((خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه))

لذلك الإنسان بهذا الشهر سوف يعفى من كل ذنوبه.

الصيام عبادة رائعة فيها غفران لجميع الذنوب :

 لكن هناك كلمة دقيقة؛ إذا كان مستوى الإنسان في هذا الشهر هنا، ومستواه قبل أن يأتي رمضان هنا، فالصعود المفاجئ مستحيل، يجب أن يكون تدريجياً، أي قبل أسبوعين من رمضان يجب أن يكون هناك اهتمام بالطاعة تماماً، بأداء الصلوات، بضبط اللسان، حتى يكون هذا تمهيداً لهذه العبادة الرائعة، التي فيها غفران لكل الذنوب، لا يمكن أن تأتي فجأة، تحتاج إلى تمهيد، فنحن في هذين الأسبوعين من المفروض الإنسان يمهد لصيام يرضي الله عز وجل.
 مع الأسف الشديد شهر رمضان أصبح عند المسلمين شهر الولائم، والسهرات، والمسلسلات، يرجع من التراويح يوجد مسلسلات يريد أن يتابعها، ويسهر للسحور، وقد يكون الحديث عادياً جداً، وفيه غيبة ونميمة، عندما فهمنا الصيام فقط ترك الطعام والشراب وقعنا في خطأ كبير، الله عز وجل غني عن ترك الطعام والشراب، لكن يريد أن يرقى بنا في هذا الشهر، فكل زلات الأقدام غيبة، نميمة، متابعة فيلم لا يرضي الله عز وجل، سهرة مختلطة، نصف النساء لا يحللن لك تجلس معهن، ويلبسن أبهى زينة، يقول لك: هكذا كل الناس، الإسلام فيه تميز، فأنت عندما تفكر في هذا الشهر تطبق تماماً مئة بالمئة، تفكر بعد رمضان أن تتابع هذا الصيام السلوكي، وأن يفطر فمك فقط، نكون بذلك قد حققنا الهدف من شهر رمضان.
 ما ذكرت هذا قبل رمضان بأسبوعين إلا كي نمهد لهذا الشهر الفضيل، أي الأصل في هذا الشهر الصيام، والأصل في هذا الشهر القيام، وكأن الصيام في النهار، والقيام في الليل، ثواب الصيام في النهار تقبضه نقداً في الليل، في التراويح، صلاة عشرين ركعة أو ثماني ركعات مناسبة كي تقبض ثمن ترك الطعام والشراب، لأن الشيء الذي يلفت النظر أن الإنسان ينهى عن أية معصية، أما في رمضان فينهى أن يأكل الشيء الطبيعي الحقيقي المألوف الذي من حقه أن يأكله، أنت في رمضان تدع الطعام والشراب.

الانتباه لخطورة الأعمال الفنية :

 يوجد ملمح دقيق؛ إذا تركت الطعام والشراب في رمضان، والطعام والشراب حل لك، فلأن تدع المعصية من باب أولى، أنت عندك في رمضان موقف حرج، تركت الطعام والشراب في سبيل الله فهل يعقل أن تطلق بصرك في محارم الله؟ لم يعد للصيام معنى، يوجد معه غض بصر، لا يكفي، يوجد أعمال فنية لا ترضي الله عز وجل.
 بالمناسبة وإن كان الوقت غير مناسب أن نبحث هذا الموضوع، خطورة الأعمال الفنية الأفلام لها خطورة كبيرة، قد يظن أحدكم أن خطورتها من هذه المشاهد المثيرة، هذه خطيرة، والأخطر من ذلك أن هذا الفيلم يطرح شيئاً تسميه المغزى، الهدف من هذا الفيلم، الفيلم قصة، القصة لها هدف، الشيء الذي يؤلم أن هذا الفيلم يطرح قيماً تتناقض مع الدين، مثلاً يريك شخصاً يسكن بقصر، ببيت فخم جداً، بفيلا، وهو إنسان ضخم وكبير، وليس ملتزماً إطلاقاً، يمكن واضع السيناريو مصمم القصة ليريك أن شيخ الحي فقير، بيته فوضوي، أولاده بالطريق، هذه أخطر من أن تهاجم الدين، هذا التعليم بالصورة أبلغ من التعليم بالفكرة، الدين لم تهاجمه فقط قدمت نموذجين الأول متفلت من أي منهج ديني، وله زوجة رائعة، وبيت فخم، ولقاءات بمستوى عال، وصاحب الدين يوجد في بيته مشاكل، وزوجته ليست كما يتمنى، وأولاده بالطريق، يطرح قيماً تهدد الدين، لكنه يطرح طرحاً سلوكياً، أي حدث، ما القصة؟ القصة فيها فكرة، لكن فيها أحداث، وفيها مغزى، وفيها حوار، فكلها تتناقض مع الدين.
 فأنا يمكن أن أقول لك: السرقة لا يوجد فيها خطأ، أنت تقيم الدنيا عليّ لأنني أنا اصطدمت مع خطوط دفاعك، أنت عندك خطوط دفاع كمسلم ليس مقبول عندك أن تأكل مالاً حراماً أو تزني، مستحيلة، هذه خطوط دفاع بالحياة الواعية البشرية لا تقبل، لكن أحيانا أنا ممكن أن أتسلل، أنا ممكن أن أقنعك بشيء في القصة لا تقنع به بوعيك إطلاقاً.
 لذلك يوجد كتاب فيه نص دقيق جداً، من حق الأديب - الإنسان الذي عنده شعر وقصة ومسرحية، والفيلم قصة ممثلة - أن يصور الرذيلة لكن على نحو نشمئز منها، فإذا صورت الرذيلة على نحو نعجب به فإن مجتمعاً بأكمله سيسقط، هذا واقع، اليوم مجتمع بأكمله يسقط من رذيلة مصورة بتصوير ذكي جداً. حرية انفتاح أي القيود الدينية كلها ليس لها داع، سهرة مختلطة، لا يوجد صلاة.
 الفيلم أحياناً لا يتكلم كلمة عن الدين، لا يهاجم الدين أبداً، لكن يوجد فيه قيم جديدة أقنعك بها وأنت لا تشعر، هنا المشكلة، المشكلة في القيم التي يطرحها الفيلم.
 فأنا أتألم أشدّ الألم لعل هذا في الشام فقط في رمضان، شهر رمضان شهر الأفلام والمسلسلات، شهر الولائم والعزائم، شهر اللقاءات حتى الفجر، هذا ليس رمضان، هذا لا يمت لرمضان بصلة، تركنا الطعام والشراب في النهار، وفعلنا كل شيء في الليل.

الاستعداد لرمضان ليكون قفزة نوعية :

 نحن إذا كان هذا الشهر أردت أن يكون قفزة نوعية إلى الله حقيقية في إيمانك، في دينك، في علاقتك بالله، يجب أن يكون هناك إعداد، الآن قبل أسبوعين اضبط الأمور، عندك جلسة حاسمة مع شريكك افعلها قبل رمضان، عندك تصفية حساب في رمضان افعلها قبل رمضان، لا تدع قضية معقدة في رمضان، دع رمضان، والله هناك أشخاص في رمضان يقوم بإجازة يعتكف في منزله، يقرأ القرآن، ويتصل بالله، وله أذكار إلخ، أي أنت أدخل الشهر بحسابك، لا تدعه شهراً عادياً كبقية الأشهر. إلا أننا في هذا الشهر نصوم صياماً كاملاً، فنرجو الله أن يلهمنا جميعاً أن يكون صيامنا مقبولاً في رمضان.
وما ذكرت هذا قبل أسبوعين إلا لأخذ بعض الاحتياطات والاستعدادات، أي إذا كان هناك مشكلة معقدة أتمنى أن تحلها قبل رمضان، شخص إذا أصبح معه مرض نفسي سوف يؤثر هذا على عبادته، يوجد مشكلة بتجارته، بعمله، بوظيفته، بموضوع تزويج ابنته، حاول أن تؤخرها لبعد العيد، أو قبل رمضان، حتى ندع هذا الشهر فيه صفاء مع الله، وشهر رمضان شهر القرب من الله، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله ))

[الطبراني في المعجم الكبير]

 إن لم يغفر له فمتى؟ أي وقت مناسب للمغفرة كرمضان؟ هذا شهر التوبة، شهر بتعبير تجاري يوجد دفتر تجاري عندك، انتهت السنة والأرباح تحققت، وانتهى كل شيء، فأنت تصنع دفتراً جديداً، أو تغلق الصفحات، أو تضع علامة فارقة، الآن نحن بدأنا من جديد، أي شهر رمضان فتح صفحة مع الله جديدة.
 فكل شخص منا عنده زلات قدم، عنده تقصير، يحاول في هذا الشهر ألا يكون هناك تقصير إطلاقاً، العبادات والصلوات ثم إن التراويح ليس قضية اختيارية، التروايح سنة مؤكدة، ممكن أن تكون في البيت لا يوجد مانع، و ممكن أن تكون بالجامع، أي التراويح ممكن أن تصليها في الجامع أو البيت، لكن لابد منها، لا تتوهم سنة فقط، عند الضرورة القصوى هي سنة فعلاً، أما هي فتعني أنك قد فعلت شيئاً في النهار، تركت الطعام والشراب والكذب والغيبة والنميمة...إلخ، الآن جاء وقت قبض الثمن في الليل في أثناء الصلاة، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا في صيام هذا الشهر الفضيل.
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.