بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

محاضرات و جامع التقوى – الحلقة 128 : العاقل من يحتاط للأمر قبل وقوعه.

2015-02-15

العاقل من يحتاط للأمور قبل وقوعها :

 أيها الأخوة الكرام، من صفات المؤمن أنه يبحث عن الحكمة، ويأخذها من أي مصدر، فقد روت بعض الكتب الأدبية أن صيادين انطلقا ليصطادا، مرا بغدير، في هذا الغدير سمكات ثلاث، كيسة وأكيس منها وعاجزة، الكيس هو العاقل، أي عاقلة وأعقل منها وعاجزة أي غبية.
 والحقيقة أن الإنسان حينما يعمل عقله وهو أثمن شيء في حياته بعد النص يسلم ويسعد، فإذا عطل عقله أو استخدمه في غير ما خلق له يشقى ويهلك.
 فسمكات ثلاث مرّ بهما صيادان، أبصرا الغدير، وابصرا ما فيه من السمك، فتواعدا أن يرجعا ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك، فسمعت السمكات قولهما - السمكات كيسة عاقلة وأكيس منها وعاجزة - أما الأولى فإنها ارتابت وتخوفت، هذه الأكيس، الأذكى، الأعقل، سمعت السمكات قولهما أما أكيسهن - أعقل واحدة من الثلاث - فإنها ارتابت وتخوفت وقالت: العاقل يحتاط بالأمور قبل وقوعها، فلم تعرج على شيء حتى خرجت من المكان الذي يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير فنجت، هذا الغدير جانبه نهر، وبين النهر والغدير فتحة فلما سمعت الأعقل قول الصيادين أنهما توعدا أن يرجعا ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك فخرجت و نجت.
 سمعت السمكات قولهما أما أكيسهن – أعقلهن- فإنها ارتابت وتخوفت وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، نقف وقفة متأنية هل يستطيع شخص من الأخوة الحاضرين وأنا معكم أن يلغي حدث الموت؟ يوجد إنسان خلد؟ أنبياء، أغنياء، أذكياء، عقلاء، حكام، محكومون، هذا الموت، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:

والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***

 و:

كل ابــن أنثى وإن طالت سلامــته  يـــوماً على آلة حدبـــاء محمول
فإذا حمــــلت إلى القبور جنـــــــــازة  فاعــــلم بأنــــك بعدهـــــــا محمول
***

 كل شخص منا له بيت، يدخل ويخرج باليوم مرتين أو أكثر، يوم الجمعة لا يخرج إطلاقاً إذا كان لا يصلي الجمعة، لكن يوجد مرة لابد من أن يخرج بشكل أفقي أي بالنعش، عبدي رجعوا وتركوك، وبالتراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت، هذه الساعة التي لابد منها طالت أم قصرت يوجد يوم الخروج من البيت يكون بشكل أفقي، هذا آخر خروج، كل شخص منا عندما يغادر المنزل ينتظره أهله مساء للساعة العاشرة لم يأت ينتظرونه للحادية عشرة، لم يأت للثانية عشرة، لم يأت يقلقون، إلا الميت إذا خرج لا أحد يقول: لماذا لم يأت؟ خرج ولم يعد.
 للتقريب بعض الدول النفطية إذا شخص له عمل في هذه الدولة، وله دخل فلكي، ومعه إقامة على جوازه، أحياناً يختم على هذا الجواز مغادرة بلا عودة.
 ونحن جميعاً شئنا أم أبينا محكوم علينا أن نغادر من دون عودة، هذا الموت، فكل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت:

والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
***

التفكر في الموت :

 أخواننا الكرام؛ فهذه الذكية جداً، العاقلة جداً قالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها.
 يوجد بعض البرامج النفسية أنا لست مؤمناً بها، لكن هناك لقطة أعجبتني، البرمجة العصبية اللغوية في بعض الأعمال أي أنت تضاعف قدراتك إذا ضطبت وقتك وخططت، موضوع طويل جداً لكن ممكن أن يسقط هذا على منهج الله عز وجل.
 فهذا العاقل يحتاط من الأمور قبل وقوعها، لذلك من السنة التفكر في الموت، النبي الكريم يقول: " أكثروا ذكر الموت هذا الموت هادم اللذات، مشتت الجماعات، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به".
 والإنسان يفضل أن يكثر من زيارة القبور، هذا كان طبيباً، وهذا كان مهندساً، وهذا كان عميداً في الجيش، وهذا، وهذا تحت القبر، أين بيته؟ زوجته؟ أولاده؟ بناته الصبايا؟ أصهاره؟ كنائنه؟ مكانته؟ مكتبه؟ دكانته؟ وظيفته؟ سهراته؟ لقاءاته؟ سفرياته؟ سياحته أين هي؟ إلى القبر.
 عبدي رجعوا وتركوك، وبالتراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت، لي قريب توفي من واجبي أن أشيع الجنازة إلى القبر، وضع في القبر، نزل حفار القبور إلى القبر فتح الكفن عن وجهه، أدار وجهه نحو القبلة، صعد وضعت البلاطة على الفتحة، أهيل عليها التراب، وانطلقنا، خرجنا من المقبرة وبقي هو هناك.
 لذلك الإنسان حينما يموت أهله الذكور يودعونه إلى القبر، وأهله النساء يودعونه في المنزل، وانتهى، يوجد حزن عندنا تقاليد في الشام يضعون على الثريات قماشاً أسود، في البيت لا يوجد احتفالات، ولا لقاءات، لمدة أسبوعين أو ثلاثة و أقصى شيء لمدة شهر، ثم يرجعون مثلما كانوا.
رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 السمكة العاقلة قالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، فلم تعرج على شيء أي لم تفعل شيئاً إلا شيئاً واحداً بحثت عن مخرج من هذا الغدير، يوجد مخرج فتحة تتصل بالنهر فخرجت من المكان الذي يخرج منه الماء، أو يدخل منه الماء من النهر إلى الغدير، فنجت، هذا موقف العاقل.
لذلك أنا أقول: التفكر في الموت أحد أكبر أسباب العودة إلى الله، أي ينام في غرفة نوم كلفت مبالغ فلكية، يوجد زوجة و أولاد و أصهار و كنائن و لقاءات و سهرات إلخ.

العاقل لا يقنط من منافع الرأي :

 الآن الأقل عقلاً؛ أما الأقل عقلاً الكيسة- الأولى الأكيس الأعقل- الآن الكيسة أي هناك القليل من الإهمال، بقيت في مكانها حتى عاد الصيادان بسذاجة أنه عندها مخرج، الحل جاهز، وأما الكيسة لا الأكيس بقيت في مكانها حتى عاد الصيادان فذهبت لتخرج من حيث خرجت صديقتها فإذا بالمكان قد سدّ، الصيادان سدوا المكان فقالت: فرطت وهذه عاقبة التفريط.
 الإنسان أحياناً يقع في منزلق التفريط، أو يقع في منزل الإفراط، الإفراط حالة مبالغة غير معقولة، والتفريط إهمال، قالت: فرطت وهذه عاقبة التفريط، لكن لا يوجد يأس غير أن العاقلة لا يقنط من منافع الرأي، ما الحل؟ المكان سدّ، والصيادان ينتظران أن يصطادا السمك، والكيسة جدا هربت، هي لم تخرج غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، لا يستسلم، لا ينهار، يفكر، يخطط، فإنها تماوتت - التماوت تصنّع الموت وزن تفاعل فيه تصنع- ثم إنها تماوتت فطفت على سطح الماء منقلبة تارة على بطنها، وتارة على ظهرها، فأخذها الصياد بيده ووضعها على الأرض بين النهر والغدير، ففرت إلى النهر فنجت، لكن أعصابها تحطمت لكن هربت، وأما العاجزة الغبية فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت.
 مرة التقيت بشخص يحمل شهادة عليا في الجغرافيا، وأعرفه مدرساً قلت له: أين أنت؟ ما آخر أخبارك؟ قال لي: أنا انتقلت من التدريس إلى الوزارة - وزارة التربية- يوجد بالتربية دائرة البحوث، أي المتفوقون جداً تصبح مرتبتهم بالبحوث تخطيط مناهج، تأليف كتب، مستوى عال جداً، قلت له: أين أنت؟ قال لي: والله أنا بالوزارة، قلت له: ماذا تفعل؟ قال لي: والله لا عمل لي فقط أتنقل هناك.
 فهذه الكيسة لما رأت الصياد أغلق المكان أيقنت بالهلاك، غير أن العاقل لا يقنت من منافع الرأي، تماوتت فطفت على سطح الماء، منقلبة تارة على ظهرها، وتارة على بطنها، فأخذها الصياد وضعها على الأرض بين النهر والغدير، فوثبت إلى النهر فنجت، الآن كتفكير لو وضعها في مكان بعيد عن النهر انتهت، أي حظها جيد، وضعها إلى جانب النهر، قال: وأما العاجزة فلم تزل في إقبال وإدبار حتى صيدت.
 تراه لا إنجاز إنجاز له، يجلس بعد الظهر بجانب بيته، أنا والله صدقوا ولا أبالغ لا أرى في حياتي أغبى ممن يجلس في المقهى، عنده بيت، زوجته أمامه، أولاده، بناته، ممكن أن يدير معهم حديثاً لطيفاً، جالس بالقهوة للساعة الثانية ليلاً، والله الذي يجلس في المقاهي ما رأيت أغبى منه، الوقت ثمين جداً، أنت وقت، تعريفك الجامع المانع أنك وقت، بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منك.

الأبوة مسؤولية و تكليف من الله :

 أنا أقول كلمة أتمنى أن تكون دقيقة: يوجد بالبيت زوج، هو أب، إذا دخل إلى البيت كان في البيت عيد، دخولك عيد، لطيف رحيم مرح، الأب يدخل إلى البيت يصبح في البيت عيد، يتعلق به أولاده، يفرحون به، وهناك أب إذا خرج من البيت يصبح في البيت عيد، عبوس وسباب وشتائم وضرب أبواب، ما هذا المنزل؟ قطعة من الجحيم، إذا لم تجعل بيتك جنة تكون مخطئاً كثيراً، بالمودة واللطف وأحياناً المزح، كان يمزح عليه الصلاة والسلام، كان مؤنساً إذا دخل إلى بيته أصبح عيد، فأنا أتمنى وأقول لك كلمة أدق ليس لها علاقة بالدخل أبداً، دخلت مرة إلى بيت في الشام، لا أعتقد أنه يوجد صاحب بيت أفقر من هذا، عندنا جبل قاسيون فيه جادات، كلما الجادة ارتفعت كان سعر البيت ارخص، البيت بالجادة العاشرة، عبارة عن غرفتين من البلاط، لا يوجد إسمنت، فيه بساط متواضع جداً، وطفل جميل الصورة، لكن ثيابه نظيفة بسيطة، أنا شعرت أن هذا البيت جنة، أي الزوج صالح وأهله بينهما مودة ظاهرة، وعنده بنت وصبي، الأهل لا يحتاجون إلى مال يحتاجون إلى مودة، يحتاجون إلى أب مبتسم، أب مرح، حنون، لطيف، رحيم، يجلس مع أولاده يسألهم، يلاعبهم أحياناً.
 من يصدق أن النبي الكريم على عظم قدره سيد الخلق وحبيب الحق كان إذا سجد يركب الحسن والحسين على ظهره، يطيل السجود من أجلهم، حتى يبقوا مرتاحين، نبي عظيم وهو يخطب بالأمة يرى ابن ابنته أعتقد الحسن أو الحسين ينزل من على المنبر ويحمل أحدهما ويصعد إلى المنبر، ويتابع الخطبة، من يفعلها من الخطباء؟ أعتقد لا أحد يفعلها.
 فهذا الطفل يحتاج إلى مودة، كان إذا مشى في الطريق سلم على الصبية، ومرة كانوا يتسابقون، فجرى معهم نبي الأمة، هذه البطولة والعظمة بالبيت أن يكون هناك جنة، ببيتك جنة، مودة، محبة.
 درسنا في علم النفس هذا الطفل أكل شرب لم يكن نظيفاً نظفناه، عنده حاجة، أكل هذه حاجة أولى، نظفته حاجة ثانية، يوجد حاجة ثالثة - والله الذي كتب هذا الكلام ليس له علاقة بالدين أبداً، عالم نفس- قال: يجب أن تضمه باليوم عشرين ضمة، غير الأكل والشرب تحمله وتضمه هذه غذاء له، يرضع الحنان بهذه الطريقة.
 النبي الكريم رآه أحد الأشخاص يقبل ابنته أو ابنه قال: والله نحن لا نفعل هذا؟ قال: وما أفعل إذا نزع الله من قلبك الرحمة؟؟ أي هذا ابنك من له؟ أنا لي كلمة مشهورة: الآخر أنت له وغيرك له أما ابنك فمن له غيرك؟ مَن مِن الممكن أن يضمه؟ يقبله؟ يطمئنه؟ من غيرك؟ أنت الأب، فإذا شخص دخل إلى بيته يجب أن يكون بيته جنة، يجب أن يحس أولاده أن مجيء والدهم عيد، يوجد عيد أكيد فالبطولة بدخولك وليس بخروجك، الأب القاسي يخرج من البيت الحمد لله، الكل يرتاحون، هذا حمار، وأنت لا تفهم، وأنت غبي، ما هذا الأب؟ الأب مصدر حنان، مصدر عطف، مصدر محبة، فأنا أرى أن الموضوع إذا لم تجعل بيتك جنة فعندك مشكلة بمودتك، بمحبتك، بتواضعك، في الخارج أنت وزير، لكن هنا لست وزيراً، هنا أنت شخص من أهل البيت.
 قالت السيدة عائشة: كان يجلس معنا النبي الكريم وهو واحد منا فإذا حضرت الصلاة فكأنه لا يعرفنا ولا نعرفه. دخل وقت صلاة، لكن إن لم يكن الوقت وقت صلاة يجلس معهم، ترى أب لا يتكلم ولا كلمة، يمسك الجريدة، ضعوا الأكل، يقوم ينام، ابنك ينتظرك طوال النهار ولا كلمة، ولا قصة، ولا ابتسامة، ولا قبلة، ولا ضمة، هذه مشكلة كبيرة، أنا أقول: الأبوة مدرسة، الأبوة مسؤولية، تكليف من الله، يجب أن يلمس حنانك وعطفك ومحبتك، ويكون هناك عفو، لا يوجد ابن كامل.
 يوجد منهج طبقته في التعليم حوالي ثلاثين سنة، هذا الطالب لم يكتب الوظيفة مثلاً ممكن أن أوبخه، ممكن أن أعاقبه، ممكن أن أضربه مثلاً، المدرسون هكذا، أنا أفتح دفتري أضع إشارة أقول له: أنت لك غلط في العام الدراسي فقط خمس مرات لا أضربه، ولا أوبخه، ولا أعنفه، شخص سوف يعيش معي تسعة أشهر خمس مرات يغلط، ليست بمشكلة طبيعي جداً، فله خمس فرص للخطأ، لم يكتب الوظيفة هذه إشارة كتابة، لم يحضر هذه إشارة تأخر، إشارة ثالثة، عنده خمس فرص بعدها هناك عقاب شديد.
 فأنت إذا عاملت أولادك بهذه الطريقة ممكن أن يغلط، هذه الغلطة تسجلت لا تعيدها، لا ضربته، ولا أهنته، ولا سببته، وإياك أن تعنف ابنك أمام إخوته البنات، أو أمام ضيف، أو أمام صديقه، تكون حطمته، يقبل منك أقصى العقوبات لكن بينك وبينه، وليس أمام الناس، أنا أحياناً أقول: بطولة الأب إذا جاء صديق ابنه - وأنت واثق من صديقه - أن يرى ترحيباً في المنزل أنه يقول لزوجته أن تحضر العشاء لهم، يحس أنه أنت، رفيقك غال علينا، هذا ذكاء من الأب.
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.