بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحلقة ( 05 – 29 ) : الانتماء الشكلي للدين لا معنى له .

2014-07-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

عبادة الله ثمن التمكين في الأرض ثم الاستخلاف :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع ومضة من ومضات هذا القرآن الكريم وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[سورة البقرة:62]

 الحقيقة في هذه الآية ملمح خطير هو أن الانتماء الشكلي لا يقدم ولا يؤخر، الانتماء الشكلي إلى جهة، أو إلى منهج، أو إلى مذهب، أو إلى دين، الانتماء الشكلي لا يقدم ولا يؤخر، وكأن الله يريد أن يكون انتماؤنا إلى هذا الدين انتماءً حقيقياً، فكل إنسان ولد من أبوين مسلمين، يقول: أنا مسلم، ماذا طبقت من هذا الدين؟ هل ضبطت دخلك؟ هل ضبطت إنفاقك؟ هل أديت العبادات؟ هل أقمت منهج الله في الأرض؟ هل سعيت إلى هدف نبيل؟ هل اقتربت من الله؟ هل خدمت عباده؟ هل بنيت مجدك على الأعمال الصالحة؟ فهذا الذي آمن بالله، ماذا تقتضي هذه الوقفة من الإيمان بالله؟ الالتزام، فلذلك الإنسان لا يقيّم إطلاقاً بأقواله، يقيّم بأعماله، يقيّم بسلوكه، فحينما كان الانتماء شكلياً، المسلمون اليوم يزيدون عن مليار وثمانمئة مليون، مليار وثمانمئة مليون وليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، و لكن الله عز وجل قال:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 وهذا الاستخلاف شيء محقق، قال تعالى:

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 قانون إلهي، قال تعالى:

﴿ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 دققوا أيها الأخوة الكرام؛ ثم يقول الله عز وجل:

﴿ يَعْبُدُونَنِي ﴾

[ سورة النور: 55 ]

 أي ثمن التمكين في الأرض ثم الاستخلاف أن تعبد الله عز وجل، فإذا أخلّ الفريق الآخر وهم البشر بما وعد الله به من طاعة والتزام فالله جل جلاله في حلّ من وعوده الثلاثة، هذا سؤال يسأله معظم الناس: ألسنا مسلمين؟ ألسنا مؤمنين نعاني ما نعاني من مشكلات؟ هناك أقوياء، أمرنا ليس بيدنا، هذه مظاهر ضعف التطبيق، طبعاً الإيمان ثمرة كبيرة جداً، لكن ما لم يكن بعد الإيمان الطاعة والالتزام فثمار الإيمان لا تقطف، فلذلك:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

الإسلام منهج تفصيلي كامل :

 الإسلام منهج كامل، منهج تفصيلي، فإذا أخذت منه العبادات ولم تأخذ المعاملات لا تنتفع، فلذلك النبي صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه:

(( أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار ))

[ مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 هذا الفصل بين العبادات والمعاملات فصل غير معقول إطلاقاً، هذا الدين منهج كامل، أنا أكاد أقول: منهج مؤلف من خمسمئة ألف بند، يبدأ من أخصّ خصوصيات الإنسان، يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، منهج كامل، هذا الذي توهم الدين أن تؤدي عبادات شعائرية ليس غير دون أن تنضبط بمنهج الله، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حينما جاء بهذه الرسالة العظيمة والتقى أصحابه بالنجاشي ملك الحبشة سأل عن هذا الدين سيدنا جعفر رضي الله عنه، فقال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء))

[ ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 إذاً هذه العبادة التعاملية أنا أقول: لا يمكن أن نفلح أو أن ننجح في علاقتنا بالله عز وجل إلا إذا حققنا معاً العبادة الشعائرية والعبادة التعاملية، وكأني بالعبادة التعاملية تشبه العام الدراسي بأكمله، وكأني بالعبادة الشعائرية تشبه الامتحان، فالذي لم يدرس، لم يداوم، لم يقرأ، لم يبحث، لم يؤد ما عليه، ساعات الامتحان الثلاث لا تنفعه إطلاقاً، فحينما قصر المسلمون في العبادات التعاملية لم يضبطوا دخلهم، ولا إنفاقهم، ولا بيتهم، ولا علاقاتهم، حينما تفلتوا من منهج الله عز وجل واكتفوا بالعبادات الشعائرية هذه العبادات بنصوص كثيرة بعضها قرآني، وبعضها نبوي، تؤكد أن العبادات الشعائرية وحدها لا تكفي، لذلك رُبّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بهذه الحقائق، وأن ننتفع بما سيكون من تطبيقات لها، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.