بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

محاضرة في مدينة عمان ـ الجامعة الأردنية - حفل تخريج حفظة القرآن الكريم : مشروع كالشمس للدنيا - فضل وأهمية القرآن الكريم في حياتنا .

2016-02-28

مقدمة :

 حضورنا الكرام؛ باسمكم نرحب بفضيلة العلامة الدكتور محمد راتب النابلسي، شيخ الشباب، أستاذنا وحبيبنا الفاضل مرحباً بك، ونرحب بكم جميعاً فرداً فرداً، وعسى الله أن يتقبل من الجميع.
 علماؤنا هم سراج دعوتنا، وضياء مسيرتنا، فهم المصابيح التي نبصر بها إن داهمتنا ليلة ظلماء، وهم الغياث لنا بكل ملمة ولهم أجيبوا أيها العقلاء، نبدأ بكلمتنا الأولى مع فضيلة الدكتور محمد المجالي رئيس مشروع:" كالشمس للدنيا" فليتفضل أهلاً ومرحباً.

القرآن الكريم يزين شخصية المؤمن و يرتقي بها :

 سلام الله عليكم جميعاً أيها الأخوة والأخوات، والزملاء والأبناء والبنات، ورحمة الله تعالى وبركاته، وأرحب باسم الجامعة الأردنية بأستاذنا وشيخنا العلّامة الدكتور محمد راتب النابلسي، فحياك الله بين أبنائك وبناتك، عودنا فضيلته على أن يكون مشاركاً فاعلاً في نشاطات الجامعة، وأيضاً المؤسسات القرآنية الأخرى، فجزاك الله عنا كل خير، وأسأل الله أن يكون في ميزان حسناتك، وجميع الذين يبذلون جهداً من أجل رفعة الأمة الإسلامية، برنامجنا باختصار هو تكريم لأهل القرآن، وهو تكريم متواضع، وإلا فالتكريم الحقيقي هو عند الله سبحانه وتعالى، حين يقال لقارئ القرآن: اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها، وحين يقول ربنا عز وجل:

﴿ إِنَّ الَّذينَ يَتلونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقوا مِمّا رَزَقناهُم سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرجونَ تِجارَةً لَن تَبورَ ﴾

[ سورة فاطر: ٢٩]

 النصوص كثيرة ولسنا بمعرض الحديث عن الفضائل، فلا أحسب الذين أمامي إلا من أهل القرآن، نسأل الله أن يكون هذا، اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، التكريم لثلة في أكثر من برنامج في الحفظ، وفي القراءة والإتقان، ونحن على يقين أيها الأبناء أيتها البنات أن من ينشأ على كتاب الله لا يمكن أن يكون أمره إلا خيراً، بدليل قوله تعالى:

﴿ إِنَّ هذَا القُرآنَ يَهدي لِلَّتي هِيَ أَقوَمُ ﴾

[ سورة الإسراء: ٩]

 والجامعة الأردنية حينما يكون فيها مثل هذا المشروع الشمس للدنيا، وجامعات أخرى أخذت نفس الأسلوب، ليكون القرآن جزءاً من حياتي، من مخططاتي، من برنامجي، من شخصيتي، من هويتي، هكذا الأصل، الحياة الحقيقية بالقرآن، وقيمتي الحقيقية هي بالقرآن، هذا الذي يرفع الله به، حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:

(( إِن الله يرفع بهذا الكتاب أَقواماً ، ويضع به آخرين ))

[أخرجه مسلم ]

 فهلم إلى أن نتنافس ونتسابق:

﴿ وَفي ذلِكَ فَليَتَنافَسِ المُتَنافِسونَ ﴾

[ سورة المطففين: ٢٦]

 لا نبخس الآخرين مهما بلغوا ما شاء الله من العطاء والإتقان والتخصص، ولكن ما أجمل أن يكون مع هذا أيضاً القرآن الكريم، الذي يزين هذه الشخصية، يرتقي بها لتكون قرآنية، وحديثي ومعشري أخلاقي، طيب المعشر، والله يا أبنائي وبناتي هذا الذي نحتاجه هذه الأيام، كيف نكون قرآنيين بمعنى كالربانيين وليس بالمفهوم السلبي، كيف نكون فعلاً على هدي القرآن ليكون القرآن هدى لنا وشفاء ونوراً إلى آخر أوصاف القرآن الكريم.
مرة أخرى لا أريد الإطالة، أرحب بكم جميعاً في هذا المشروع، ونحب أن نشكر القائمين على هذا المشروع، وإن شاء الله تكون الأرقام طيبة وفعالة.
 أيضاً هذا الصنف المسكين الحزين الذي يجلس هنا على خجل من الشباب الذين يحبون أن يملأ صداهم للقرآن الجامعة إن شاء الله من الجبيهة إلى ضاحية الرشيد وليس هذا طبعاً إنقاصاً لا سمح الله لكن حقيقة نريد المعادلة، وهذه نفسها المشكلة الموجودة في جمعية المحافظة على القرآن الكريم، الذي أتشرف بترؤسها، هي مشكلة عامة لكن إن شاء الله نتغلب عليها، وهي موجودة وللانشغال ليس أكثر ولا أقل، وخاصة في الحياة، لكن في الجامعة نريد أن تكون العدوى الإيمانية الطيبة القرآنية، وهذه الرسالة طبعاً لهذا الفريق، أسأل الله أن يجمل حياتنا بالقرآن، ويهدينا سواء السبيل، وأن نكون إن شاء الله من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته، حياكم الله مرة أخرى، وخاصة شيخنا الحبيب الدكتور محمد راتب النابلسي، وصلى الله على حبيبنا محمد وعلى أهله وصحبه وسلم.
 جزاك الله خيراً فضيلة الدكتور المجالي على هذه الكلمة الطيبة، ولإشرافكم على هذا المشروع، هو الذي يأتي شفيعاً لصاحبه يوم القيامة، وهو الذي يدافع عن صاحبه يوم القيامة، وهو الذي شرع فيه الحسد والغبطة، وهو الذي يرقى بصاحبه ليكون مع السفرة الكرام البررة، هو الذي يكرم صاحبه الجديد، هو الذي يرشد الناس كل الناس إلى الحق، وإلى الفضيلة، هو الذي ينفع صاحبه إذا ما انقطع العمل والأجل، هو الذي يرفع أقواماً بما درسوا وحفظوا وطبقوا، هو الذي يحفظ الذهن والعقل والروح، هو الذي يقد من يضع القرآن أمام الجنة، وهو الذي فيه تضاعف الحسنات، فالحرف بحسنة بل بعشر، والله يضاعف لمن يشاء، وهو الذي يسمح لك بأن تصنف من أهل الله وخاصته، هو القرآن الكريم كلام رب العالمين، ومع محاضرتنا مع فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي عن فضل وأهمية القرآن في حياتنا .

الدين العظيم منهج الإنسان في الأرض :

 أيتها الأخوات الفضليات؛ أيها الحضور الكريم؛ بارك الله بكم، ونفع بكم، وحفظ لكم إيمانكم جميعاً، ومن يلوذ بكم، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون القرآن ربيع قلوبنا.
 أيتها الأخوات الفضليات؛ الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، لي تعليق على هذه المقولة الجامعة المانعة الآن ما لم ير الناس إسلاماً يمشي أمامهم إن حدثك فهو صادق، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، لأن النجاشي حينما التقى به سيدنا جعفر قال: حدثني عن الإسلام؟ قال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه))

[أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 أي إن حدثنا فهو صادق، إن عاملنا فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف، ويأتي النسب تاجاً على رأسه.
 لذلك أيتها الأخوات الفضليات هذا الدين العظيم منهج الإنسان في الأرض، هذا الدين العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، لأن الإنسان أعقد آلة في الكون، هذا التعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، أعقد آلة في الكون، ولهذه الآلة صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من حرصنا جميعاً بدون استثناء على سلامتنا، وعلى سعادتنا، وعلى استمرارنا، أي يوجد بالأرض سبعة مليارات ومئتا مليون إنسان، وأنا أجزم بأنه ما من شخص من هؤلاء جميعاً إلا وهو حريص حرصا ًلا حدود له على سلامته، من يحب المرض؟ من يحب القهر؟ من يحب الفقر؟ لا أحد، ما منا واحد إلا وهو حريص على سلامته، وحريص على سعادته، من منا لا يتمنى أن يكون زواجه ناجحاً وسعيداً وبيته واسعاً ودخله معقولاً؟ هذه حاجات أساسية بالبشر كلها، إذا الإنسان حريص على سلامته، من أن يصاب بشيء يعرقل سلامته في الدنيا، وعلى سعادته، وعلى استمراره، الاستمرار بتربية الأولاد.
 كنت أقول لأخوتنا المسلمين في بلاد الغرب: لو بلغت أعلى منصب في الأرض، وارتقيت إلى أعلى مرتبة علمية، وحققت كل أهدافك في الدنيا بأعلى درجة، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس، لذلك الآية تقول:

﴿ فَلا يُخرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشقى﴾

[ سورة طه: ١١٧]

 السياق اللغوي فتشقيا، لماذا جاءت هذه النكتة البلاغية في القرآن؟ استنبط العلماء أن شقاء الرجل شقاء حكمي لامرأته، بل شقاء المرأة شقاء حكمي لزوجها، بل شقاء الأبوين بل شقاء الأولاد شقاء حكمي للأب والأم، فلذلك الذي يعتني بأولاده يعتني بنفسه، وكنت أقول: لو بلغت أعلى منصب في الأرض، وجمعت أكبر ثروة فيها، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.

النجاح و الفلاح :

 لذلك يستنبط من هذا الكلام أن النجاح غير الفلاح، قد تنجح في جمع المال فأنت ناجح في تجميع ثروة طائلة، وقد تنجح في تسلم منصب رفيع، لكن الفلاح أن تحقق سرّ وجودك وغاية وجودك، لذلك في القرآن:

﴿ فَأُولئِكَ هُمُ المُفلِحونَ ﴾

 أنت حينما تحقق علة وجودك وهي أن تعرف الله أولاً من آياته، وأن تخضع لمنهجه، وأن تتحرك لخدمة عباده، عندئذ تكون فالحاً، وقال بعضهم في الدعاء: يا رب لا يحلو الليل إلا بمناجاتك، ولا يحلو النهار إلا بخدمة عبادك، فهذا الإنسان الذي نذر نفسه لله، يأكل ويشرب ويتزوج ويسكن ويتقن عمله لكن هدفه كبير.
 أي دائماً وأبداً يوجد حقيقة دقيقة جداً لأن الإنسان في الأصل خلق ليعرف الله، ويسعد به، نفسه أنا أصفها لا نهائية، بمعنى أنك إذا اختارت هدفاً نهائياً محدوداً كالمال، كالمنصب، كالتمتع بالحياة، إذا اختار الإنسان هدفاً نهائياً قبل أن يصل إليه هو سعيد بانتظاره، فإذا وصل إليه صغر هذا الهدف، واكتشف حقيقة مرة، هذه الحقيقة أن الله لم يسمح للدنيا مهما عظمت أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة، بل متناقصة، فلذلك الإنسان إذا بلغ أهدافه المادية، له حالة لا تحتمل، لا يعجبه شيء، يشعر دائماً بالملل من حياته.
 أما إذا عرفت الله بمجرد أن تعقد العزم على معرفة الله، والله أنا لا أبالغ أنت أسعد إنسان في الأرض، وقد تكون في وظيفة متواضعة جداً، وقد تنقصك مثلاً أشياء كثيرة.
 ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء.

سلامة الإنسان باستقامته و باتباع تعليمات الصانع :

 أكاد أقول: لا يوجد على وجه الأرض إلا يبحث عن سلامته، سلامته باتباع تعليمات الصانع، سلامته بالاستقامة.
 مثلاً لو أن الطريق إلى الله مادي، وفي الطريق أكمات وصخور وعقبات وحفر وما إلى ذلك، فهذا الطريق غير سالك، لن يكون سالكاً إلا إذا أزحت كل العقبات، والعقبات هي المعاصي والآثام.
 السؤال الثاني: لو أنك أزحتها كلها هل حققت الهدف؟ الجواب المؤسف: لا، بقي أن تتحرك أنت، الآن أزحت العقبات جعلت الطريق إلى الله سالكاً، بأن ألغيت المعاصي والآثام، مادام هناك معصية إذاً هناك حجاب، أي معصية، أي أكل مال حرام، أي تطلع إلى غير ما سمح الله لك به، أي مخالفة شرعية يغدو هذا الشيء حجاباً بينك وبين الله، والله أقرأ هذه الآية يقشعر البدن منها:

﴿ كَلّا إِنَّهُم عَن رَبِّهِم يَومَئِذٍ لَمَحجوبونَ ﴾

[ سورة المطففين: ١٥]

 المعاصي حجاب، الآن بعد أن تزيل العقبات من الطريق إلى الله، أزحت كل العقبات والصخور والنتوءات والحفر، بقي عليك أن تتحرك، والحركة هي العمل الصالح، علة وجودك وغاية وجودك، قال تعالى:

﴿ رَبِّ ارجِعونِ * لَعَلّي أَعمَلُ صالِحًا ﴾

[ سورة المؤمنون: ٩٩-١٠٠]

 وحجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح.
 أكاد أقول لكم كلمة: نحن نتصور أحياناً بالثقافة الدينية العادية الشائعة أن الإنسان إذا دعي إلى عمل صالح ينبغي أن يلبي، هذا شيء، وأن تشعر كل يوم أن علة وجودك في الدنيا العمل الصالح شيء آخر، لذلك: " ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي يا بن آدم، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة".

الإنسان زمن و مضي الزمن يستهلكه :

 أنت قيمتك بالوقت، والله أيتها الأخوات الفضليات ما من تعريف جامع مانع رائع محدد للإنسان كهذا التعريف: "أنت بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك"، أنت زمن ولأنك زمن أقسم الله لك بمطلق الزمن، وجاء جواب القسم أنك خاسر، خالق الأكوان يقسم لك أنك خاسر ويقول لك:

﴿وَالعَصرِ * إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسر ﴾

[ سورة العصر: ١-٣]

 خاسر، لماذا يا رب أنا خاسر؟ قال: لأن مضي الزمن وحده يستهلكك، فقط قبل أن تؤمن، قبل أن تعمل الصالحات، قبل أن تقول أي شيء، مضي الزمن وحده يستهلكك، لكن ربنا جلت حكمته وعظمت مودته قال:

﴿ إِلَّا الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوا بِالصَّبرِ﴾

 سماهم الإمام الشافعي أركان النجاة، أي يوم لابد من أن تزداد معرفتك بالله، ولابد من أن يزداد عملك الصالح، ولابد من أن تدعو إلى الله، وتواصوا بالحق، هذه أيضاً دعوة إلى الله، هذه أيضاً فرض عين بحدود ما تعلم ومع من تعرف، وأنت تصبر على معرفة الله أولاً، وعلى تنفيذ أمره ثانياً، وعلى الدعوة إلى الله ثالثاً، هذه الآية جامعة مانعة لو تدبروا الناس هذه الآية لكفتهم:

﴿وَالعَصرِ * إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسر ﴾

[ سورة العصر: ١-٣]

 أنت زمن ما معنى زمن؟ أي شيء له أبعاد ثلاثة، له طول وعرض وارتفاع، هذا الشيء المادي، لكن هذا الشيء إذا تحرك شكّل بعداً رابعاً هو الزمن، فالإنسان له وزن كأي شيء مادي، وله حجم كأي شيء مادي، وله أبعاد ثلاثة، لكن إذا تحرك وهو كائن متحرك يكون هناك بعد رابع، فلذلك الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، فبطولتك أن تفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً ينفعك بعد انقضاء الزمن، إذاً نعيد الآية:

﴿وَالعَصرِ * إِنَّ الإِنسانَ لَفي خُسر ﴾

[ سورة العصر: ١-٣]

 أي مضي الزمن وحده يستهلكك إلا إذا فعلت في هذا الزمن عملاً ينفعك بعد انقضاء الزمن.

إنفاق الزمن فيما يرضي الله عز وجل :

 إذاً الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي صلى الله عليه وسلم قرآن متحرك، ولن تنجح الدعوة إلى الله إلا إذا رأى الناس إسلاماً يمشي أمامهم، هذا له أثر بليغ أبلغ من أي دعوة نصية، أبلغ من أي دعوة بيانية.
 الآن من آيات هذا القرآن الكريم:

﴿ فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾

[ سورة البقرة: ٣٨]

 هذا كلام خالق السموات والأرض، دققوا هذه العبارة متكررة في القرآن:

﴿ فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾

 أي:

﴿ فَلا خَوفٌ عَلَيهِم ﴾

 في المستقبل:

﴿ وَلا هُم يَحزَنونَ﴾

 على ما مضى.
 ماذا بقي؟ أنت الآن في لحظة، الآن الماضي مضى، والمؤمل غيب، و ليس لك إلا الساعة التي أنت فيها، هذه اللحظة لابد من أن تنفق فيما يرضي الله، إما في مزيد من طلب العلم، أو في العمل، أو في الأمر الذي أوكلك الله به. فالإنسان في عبادة و الآية تقول:

﴿ وَلا يَطَئونَ مَوطِئًا يَغيظُ الكُفّارَ وَلا يَنالونَ مِن عَدُوٍّ نَيلًا إِلّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ ﴾

[ سورة التوبة: ١٢٠]

العبادة نوعان؛ شعائرية و تعاملية :

 نحن عندنا عبادة شعائرية مألوفة هي: الصلاة والصوم والحج والزكاة والنطق بالشهادة، هذه العبادة الشعائرية ليست وحدها هي الإسلام، لأنه بني الإسلام على خمس، الإسلام غير الخمس، الإسلام منهج تفصيلي يبدأ من أخصّ خصوصيات الإنسان وينتهي بالعلاقات الدولية، منهج تفصيلي، فكل إنسان يتوهم أن الإسلام صوم وصلاة وحج وزكاة، يا أخي هذه عبادة شعائرية، عبادة هدفها أن تقبض ثمن عبادتك التعاملية، يوجد عبادة تعاملية وعبادة شعائرية، أنت في الصلاة لماذا تصلي؟ لتقبض ثمن استقامتك، سكينة تنزل على قلبك، إذاً:

﴿ فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾

 أخواننا الكرام، درسنا في علم النفس عن مرض عصري وهو مستمر في الحياة مرض الكآبة، وهي تزداد مع تقدم السن، فالإنسان إذا عاش لحظته، وعاش شهواته ومصالحه وحظوظه، كلما تقدم به السن ضعف جسمه، انحنى ظهره، ضعف بصره، عنده علل كثيرة، فهذا معه كآبة، أما الذي اختار الله عز وجل والله أيها الأخوة كلما تقدمت به السن ازداد نشاطاً وتألقاً.
 كان هناك عالم بالشام، بلغ الثامنة و التسعين، كان يتمتع بقامة منتصبة، وبصر حاد، وأسنانه في فمه، وذاكرة قوية، فكان يُقال له: يا سيدي ما هذه الصحة التي أعطاك الله إياها؟ قال: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
 هذه القصة أروي معها قصة ثانية؛ زرت مرة في العيد أحد أصدقائي فتح لي والده قال لي: والله محمد ليس هنا، طلب مني الدخول، فدخلت لعنده، قال لي: عمري سبع و تسعون سنة، قلت له: ما شاء الله! ثم قال لي: عملنا البارحة تحليلاً كاملاً فكانت النتيجة أن كل شيء جيد، كله طبيعي، قال لي: والله أنا لا أعرف الحرام أبداً، لا أعرف المال الحرام، ولا الجنس الحرام أبداً، ربط هذه الصحة بهذه الحياة، لذلك من عاش تقياً عاش قوياً، لذلك أنا والله أتأمل من الشباب والشابات صحة جيدة في طاعة الله، الصحة شيء ثمين جداً مادام الشاب نشأ في طاعة الله، حفظ جوارحه من أن تعصي الله، حفظ لسانه، حفظ عينيه، له عند الله مكافأة كبيرة.

الوعد الإلهي أثمن من أي شيء في الدنيا :

﴿ أَفَمَن كانَ مُؤمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَستَوونَ﴾

[ سورة السجدة: ١٨]

 والله أن أقول كتعليق على هذه الآية: أن يستوي المؤمن مع الكافر، والشاب التائب مع الشاب العاصي، والشاب الذي دخله حرام مع الشاب الذي دخله حلال، والشاب المنضبط مع المتفلت، والله هذان النموذجان المتكرران يتناقضان مع وجود الله، مستحيل وألف ألف مستحيل:

﴿ أَفَمَن كانَ مُؤمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَستَوونَ﴾

[ سورة السجدة: ١٨]

 وقال تعالى:

﴿أ َم حَسِبَ الَّذينَ اجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَجعَلَهُم كَالَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ﴾

[ سورة الجاثية: ٢١]

 مستحيل، وقال أيضاً:

﴿ أَفَمَن وَعَدناهُ وَعدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقيهِ كَمَن مَتَّعناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنيا ﴾

[ سورة القصص: ٦١]

 أذكر مرة إنساناً قال لي كلمة، قال: تقول إن المؤمن سعيد – يبدو أن هذا الشخص علماني- قال لي: لا، ليس سعيداً، لا يملك ميزة واحدة عن غير المؤمن، قلت له: اشرح، قال لي: إذا كان هناك موجة حر سيتحملها ولو كان مؤمناً، وإذا كان هناك غلاء أسعار سيتحمل ذلك، قلت له: وقد خطر على بالي مثل مقابل لمثاله، رجل فقير جداً، يسكن بكوخ، دخله قليل، له خمسة أولاد، معاشه قليل- جمعت مصائب كثيرة- وضعه لا يحتمل، ثم قلت له: هذه الشخص عنده عم يملك خمسمئة مليون، مات بحادث وهو وريثه الوحيد، العم ليس له أولاد هذا خلال ثانية امتلك خمسمئة مليون، الآن أنظمة المواريث وحصر الإرث بالدول معظمها فيها روتين طويل يحتاج إلى سنة، لماذا في هذا العام الذي سبق تسلم المبلغ لم يأكل لقمة زيادة، لم يشتر معطفاً خاصاً لماذا هو أسعد الناس؟ لأنه دخل في الوعد الإلهي، اسمعوا الآية:

﴿ أَفَمَن وَعَدناهُ وَعدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقيهِ كَمَن مَتَّعناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنيا ﴾

[ سورة القصص: ٦١]

 فيا أيتها الأخوات الفضليات؛ الله عز وجل عندما يعدك بحياة طيبة في الدنيا والآخرة، يعدك أن يحفظك، ويحفظ كل ما تخافين عليه، هذا الوعد الإلهي أثمن من أي شيء في الدنيا، إذاً:

﴿ فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾

[ سورة البقرة: ٣٨]

﴿ فَلا خَوفٌ عَلَيهِم ﴾

 من المستقبل.

من يتبع هدى الله لا يضل عقله و لا تشقى نفسه :

 قال تعالى:

﴿ قُل لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَولانا وَعَلَى اللَّهِ فَليَتَوَكَّلِ المُؤمِنونَ﴾

[ سورة التوبة: ٥١]

 دقق اللغة دقيقة جداً، لم يقل: علينا كتب لنا:

﴿ لَها ما كَسَبَت وَعَلَيها مَا اكتَسَبَت ﴾

[ سورة البقرة: ٢٨٦]

﴿ قُل لَن يُصيبَنا إِلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَولانا ﴾

 هذا الشعور بالأمن للمؤمن يفوق حدّ الخيال، المؤمن يشعر بأن الله عز وجل تكفل له بالسلامة والسعادة في الدنيا والآخرة، الآن الآية الأولى:

﴿ فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ﴾

 الآية الثانية:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشقى ﴾

[ سورة طه: ١٢٣]

 أي لا يضل عقله ولا تشقى نفسه.
 لنجمع الآيتين معاً: الذي يتبع هدى الله عز وجل لا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، ولا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ماذا بقي من السعادة؟ لذلك استقيموا ولن تحصوا الخيرات.

ضرورة طلب العلم لمعرفة أوامر الله عز وجل :

 أخواننا الكرام، نحن نتوهم أحياناً أن الدين صلاة وصوم وحج وزكاة وشهادة، صح هذه عبادات شعائرية، أما الدين كمنهج والله لا أبالغ قد يصل إلى خمسمئة ألف أمر، كسب المال، إنفاق المال، اختيار الزوجة، معاملة الزوجة، معاملة الأم والأب، تربية الأولاد، اختيار الحرفة، بنود كثيرة، هذه البنود تحتاج إلى متابعة، تحتاج إلى طلب العلم، طلب العلم أخواتنا الفضليات ليس وردة توضع على الصدر، لا، طلب العلم هواء نستنشقه، ليس لك خيار إطلاقاً، فالذي لم يستقم على أمر الله فهو على الباطل قطعاً، هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً لديكم، الآن:

﴿ فَبِأَيِّ حَديثٍ بَعدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤمِنونَ ﴾

[ سورة الجاثية: ٦]

 القرآن آيات الله.

آيات الله كونية و قرآنية و تكوينية :

 الله له آيات كونية وتكوينية وقرآنية:

﴿ فَبِأَيِّ حَديثٍ بَعدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤمِنونَ ﴾

[ سورة الجاثية: ٦]

 أي ليس هناك إلا ثلاثة طرق سالكة لمعرفة الله؛ الآيات الكونية خلقه، والتكوينية أفعاله، والقرآنية كلامه.
 نأخذ آية كونية فقط؛ الشمس أكبر من الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي ممكن أن يدخل في جوف الشمس مليون وثلاثمئة ألف أرض، وبينهما مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، عندما يقول الله بالقرآن؟

﴿ وَالسَّماءِ ذاتِ البُروجِ ﴾

[ سورة البروج: ١]

 أحد أبراج السماء برج العقرب، أنا كنت بأمريكا، دخلنا إلى قبة سماوية، مرسوم بين النجوم خطوط، فعلاً على شكل عقرب، عندما وصلوا بين نجوم برج العقرب ظهر عقرب حقيقي، هذا النجم الصغير المتألق الأحمر اللون اسمه قلب العقرب، يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟
 هذه آيات كونية، تكوينية أفعاله، أي قصة تسمعونها من أفعال الله عز وجل، أي هناك دراسة دقيقة لما يجري مع الناس، نحن نشهد آخر فصل من حياته، هذا فلان فلس، هذا صار عنده مشكلة، لكن الحقيقة الدقيقة ما من نتيجة إلا لها مقدمات، فإذا رجعنا إلى المقدمات رأينا انسجاماً دقيقاً جداً بين المقدمات والنتائج، لذلك من المستحيلات، من المنطق أن تتوقع نتائج مختلفة بالمقدمات الثابتة، لا نعمل، لا نطلب العلم، لا نضبط بيوتنا، وننتظر سعادة من الله، وتوفيقاً من الله، هذا نوع من الغباء، هذا الغباء بعينه أن تنتظر نتائج مذهلة من مقدمات ثابتة، أما أنت إذا لم تغير المقدمات لن يوجد نتائج.
شيء آخر آياته القرآنية والتكوينية أفعاله.
 أخواننا الكرام، الحقيقة الخيار صعب جداً لا يوجد حلّ ثالث، إما أن تكون وفق منهج الله أو انتظر كل شيء، يا رسول الله عظني ولا تطل؟ قال له: قل: آمنت بالله ثم استقم، قال له: أريد أخف من ذلك؟ قال له: إذاً فاستعد للبلاء.