بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحلقة ( 19 – 29 ) : ملكية الله ملكية مطلقة.

2014-07-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد، وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألوِيَتِه، وارضَ عنّا وعنهم يا ربّ العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

الكون وما فيه ملك لله عز وجل :

 أيها الأخوة المشاهدون؛ لازلنا في برنامج:" ومضات قرآنية "، والآية اليوم هي قوله تعالى:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 بادئ ذي بدء؛ هذه اللام التي ألصقت بلفظ الجلالة هي لام الملكية، وإذا عبر القرآن الكريم عن ملكية لله عز وجل فهذه الملكية من نوع خاص، الله عز وجل ملكنا خلقاً وتصرفاً ومصيراً، قد يملك الإنسان شيئاً محدداً لكن ملكية الله عز وجل مطلقة، ملكنا خلقاً هو الذي خلقنا، وملكنا تصرفاً، وملكنا مصيراً، قال تعالى:

﴿ لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الشورى: 49]

 وكلمة السموات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، لذلك الكون ما سوى الله كله ملك لله عز وجل، ملك خلق، وملك تصرف، وملك مصير.

من عرف الله و أطاعه دخل الجنة :

 الآن أيها الإنسان، أيها المخلوق الأول، أيها المخلوق المكلف، إن تبدي ما في نفسك أو لا تبديه يعلمه الله، بمعنى أن الطبيب لا يعالج المريض إلا إذا شكا له ألمه، لكن الله عز وجل هو الطبيب الحقيقي، إن عبرت عن مشكلتك أو لم تعبر عنها، إن سألت الله أن يشفيك منها أو لم تسأله، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 محاسبة المربي، محاسبة الطبيب، محاسبة الرحيم، لأن الله عز وجل خلقنا لجنة عرضها السموات والأرض، وجاء بنا إلى الدنيا كي ندفع ثمن الجنة، أي كي نعرفه، وكي نعبده، وكي نعمل الأعمال الصالحة تقرباً إليه، فإذا عرفناه وأطعناه وتقربنا إليه كانت هذه المعرفة وهذه الطاعة وهذا العمل الصالح سبباً لدخول الجنة، الله عز وجل خلقنا للجنة، لذلك قال تعالى:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى *وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى *وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى* فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[سورة الليل1-7]

 أي صدق أنه مخلوق للجنة، فاتقى أن يعصيه، وأعطى مما أعطاه الله، هناك جانب عقدي صدق أنه مخلوق للجنة، وجانب سلوكي، وجانب جمالي.

أصل الدين معرفة الله :

 أيها الأخوة الكرام؛ قال تعالى:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 هذه الملكية ملكية خلق وتصرف ومصير، أما أنتم أيها البشر فأنتم قبلتم حمل الأمانة، وحمل الأمانة يقتضي طاعة الله، يقتضي معرفته أولاً، وطاعته ثانياً، والتقرب إليه ثالثاً، فأنتم أيها البشر حينما قبلتم حمل الأمانة ينبغي أن تؤدوا هذه الأمانة، قال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾

[سورة النساء: 58]

 لذلك أعظم أمانة تملكها أيها الإنسان نفسك التي بين جنبيك، وقد قال الله عز وجل:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

[ سورة الشمس :9-10]

 ما معنى زكاها؟ أي عرفها بربها، لأن أصل الدين معرفة الله، هذا الإنسان الذي غفل عن الله هل فكر يوماً أن هناك حياة دنيا بعدها موت؟ وبعدها قبر؟ وبعدها دار آخرة؟ وبعدها في جنة يدوم نعيمها أو في نار لا ينفد عذابها؟ الإنسان هو المخلوق الأول، خلق للجنة، وجاء الله به للدنيا ليؤهل نفسه لدخول الجنة، أو يدفع ثمن الجنة، ثمن الجنة معرفة الله أولاً، وطاعته ثانياً، والتقرب إليه ثالثاً.

أمراض الجسد تنتهي عند الموت و أمراض النفس تبدأ بعد الموت :

 من هنا قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 هناك أمراض نفسية، والمشكلة أيها الأخوة؛ أن أمراض الجسد تنتهي عند الموت، لكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 كما قلت قبل قليل: محاسبة الطبيب، محاسبة المربي، محاسبة الرحيم، محاسبة الحكيم، قال تعالى:

﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 للتوضيح المثل أحياناً يوضح، إنسان معه التهاب معدة حاد، فالطبيب المختص بهذا المرض أخبره أنه بالإمكان أن تشفى من دون عمل جراحي، لكن يجب أن تخضع لحمية دقيقة جداً، فإن آثرت أن تأكل أو أن تشرب بلا انضباط فلا بد من عمل جراحي، فالأمر بيدك، إما أن تنضبط بحمية صارمة، وعندئذ تشفى من هذا المرض، من هذه القرحة في المعدة، أو أن تؤثر لذة الطعام على لذة الصحة، وعندئذ أنت مضطر إلى إجراء عمل جراحي، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 إن أبديته أو لم تبده سيان، قال تعالى:

﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 لأنه رب، لأنه رحيم، لأنه خلقك للجنة، إذاً:

﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 يغفر لمن يشاء، إذا عاد طائعاً لله عز وجل، ويعذب من يشاء، إذا أصرّ على معصيته يأتي العقاب، فإما أن تؤثر الحمية مع الصحة، أو أن تؤثر لذة الطعام على ما بعد الطعام الذي سيؤذي هذه المعدة، قال تعالى:

﴿ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 أي بالحمية، قال تعالى:

﴿ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 بالعمل الجراحي، قال تعالى:

﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة البقرة: 284]

 الله عز وجل قدير على هذا وعلى هذا.