بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - الجزائر - المحاضرة : 17 - حكمة الصوم ونتائجه .


2016-06-17

مقدمة :

المذيع:
 أرحب بكم في برنامج: مزامير داود، مرحبا بك سيدي الشيخ أتشرف أن أحاورك في هذا الشهر الكريم شهر رمضان المبارك، مرحباً بك سيدي الشيخ.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم ونفع بك.
المذيع:
 سيدي الشيخ؛ الجزائريون هم في شهر رمضان المبارك فرحون بأن يشاهدوا الشيخ راتب النابلسي في هذا الشهر الفضيل عبر شاشة الشروق، كلمة بمناسبة شهر رمضان المبارك للجمهور الجزائري.

 

الإنسان العاقل ينبغي أن يبحث عن تعليمات الصانع :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 بادئ ذي بدء الإنسان خلق لعبادة الله، والدليل:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

[سورة الذاريات:56 ]

 فالعبادة خضوع تام لمنهج الله عز وجل, الذي يبدأ من أخص خصوصيات الإنسان وينتهي بالعلاقات الدولية, هذا المنهج اصله افعل ولا تفعل, والله عز وجل هو الخالق, وهو الصانع, وهذا الإنسان هو أعقد آلة في الكون, والتعقيد تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز, ولهذه الآلة صانع عظيم, ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة, فالإنسان انطلاقاً من حرصه على سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، ينبغي أن يتبع تعليمات الصانع, هذا هو الدين, نخضع له, نخضع للذي أنزله على نبيه, هو الله خالق السموات والأرض, صاحب الأسماء الحسنى والصفات العلا, هو الموجود والواحد والكامل, هذا الإله أرسل أنبياءه ليدلوا الناس إلى طريق سعادتهم وسلامتهم, فالإنسان حينما يتحرك وفق منهج الصانع الخبير يسلم ويسعد في الدنيا والآخرة, فلذلك قال تعالى :

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[سورة الرحمن:46]

 جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، إلا أن هذا الخوف لابد من أن يترجم إلى سلوك، افعل ولا تفعل، أودع الله في الإنسان الشهوات، والشهوات أي شهوة يمكن أن نتحرك من خلالها مئة وثمانين درجة، إلا أن الشرع الحكيم أعطانا درجات محدودة مئة درجة مثلاً، ضمن هذه المئة حلال، خارج هذه المئة حرام، لذلك ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة تجري خلالها، والدليل قال الله تعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

[سورة فصلت:33]

 دليل آخر:

﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

[سورة يوسف:108]

 لذلك، قال الله تعالى:

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة القصص50]

 عند العلماء، علماء الأصول المعنى المخالف أن الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، أي بالإسلام لا يوجد حرمان، لكن يوجد تنظيم، يوجد افعل ولا تفعل، وكلام قطعي، ما من شهوة على الإطلاق أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة طاهرة يسمو بها وتسمو به، إذاً الإنسان العاقل الذي أوتي الفهم العميق، والإدراك الصحيح، ينبغي أن يبحث عن تعليمات الصانع، فالإنسان بالكون يعرف الصانع، وبالشرع يعبده.
المذيع:
 سيدي الشيخ، نحن في شهر رمضان المبارك الإنسان وجب أن يجدد حياته، يجدد ثقته بربه سبحانه وتعالى من خلال اغتنام فضائل هذا الشهر الكريم، كيف ينظم الإنسان حياته في هذا الشهر؟

 

كيفية تنظيم الإنسان حياته في شهر رمضان :

الدكتور راتب :
 إن صح التعبير هذا الشهر دورة مركزة، دورة مكثفة، دورة لترك المباح، والإنسان إذا ترك المباح خوفاً من الله لأن يدع المحرم من باب أولى، وكأن الله قوّى لنا الإرادة في رمضان، أعطانا شيئاً مسموحاً به بالأساس أن نأكل ونشرب، لكن هذا الشيء في شهر رمضان ممنوع، فالإنسان إذا ترك المباح في رمضان خوفاً من الله وتقرباً إليه، فلأن يدع غير المباح والمحرم من باب أولى، فكأن هذا الشهر درج.
 في كل شهر ترقى رقياً نوعياً, العام القادم رقي آخر, إلى أن يصل الإنسان إلى الهدف الذي أراده الله له, أما الذي يمضي رمضان فيعود إلى ما كان, هنا مشكلة كبيرة جداً, لم ينتفع من رمضان, فالإنسان إن جاء عيد الفطر يفطر على الطعام والشراب فقط أما الذي تركه في رمضان من غيبة, من نميمة, من إطلاق بصر, من إيقاع بين الناس, ما لم يستمر بعد رمضان كما في رمضان من حيث الاستقامة لم ينتفع من هذا الشهر, لذلك قال الشاعر الغير صحيح كلامه:

رمضان ولّى  هاتها يا ساقي
***

 هذا كلام مرفوض كلياً, الطاعات التي أقدرك الله عليها في رمضان ينبغي أن تستمر, أنت في رمضان صليت الفجر في جماعة, وينبغي بعد رمضان أن تصلي الفجر في جماعة, فمن صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي, ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح, إذاً العبادات التي أتقنتها في رمضان هذه يجب أن تستمر بعد رمضان, لكن لا يفطر إلا فمه يأكل ويشرب كما هي العادة قبل رمضان.
المذيع:
 نخرج من شهر رمضان المبارك، ربما من بين أهم أو من بين المآثر التي أنا شخصياً تابعتها للشيخ محمد راتب النابلسي هو تكلمه عن الحكمة ومآثر الحكمة، الحكمة لا يعطيها الله سبحانه وتعالى إلى أي شخص، ربما هي من ثمار محبة الله عز وجل، لذلك ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كبيراً، أليس ذلك سيدي الشيخ؟

 

الحكمة أكبر عطاء إلهي على الإطلاق :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن الحكمة أكبر عطاء إلهي على الإطلاق، لكن هذه الحكمة لا تؤخذ ولكنها تؤتى، أي لو أن كافراً أخذ الحكمة غش الناس، فالإنسان المؤمن يحظى من الله بالحكمة، ومن يؤتى الحكمة؟ الأنبياء جميعاً، قال الله تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

[سورة القصص:14]

 هذا عطاء إلهي كبير جداً، لذلك هذه الحكمة لا يستطيع الإنسان بذكائه أن يأخذها، ولكن يأخذها بطاعة الله، فكأنها مكافأة للمؤمن المطيع لله عز وجل، أساساً هي للأنبياء:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾

[سورة القصص:14]

 سيدنا موسى.
 المؤمن يؤتى الحكمة إذا أخلص دينه لله عز وجل، وتقرب الى الله، وخطب وده، فالحكمة أن تتكلم الكلمة المناسبة في الوقت المناسب في الأسلوب المناسب مع من يناسب وفي أي مكان مناسب.
المذيع:
 نعم، لكن من هم الأشخاص الذي يعطيهم ربنا سبحانه تعالى؟ وهل هي هدية من الله؟

 

الحكمة هدية الله عز وجل للأنبياء و المرسلين :

الدكتور راتب :
 الأنبياء والمرسلون قطعاً:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾

[سورة القصص:14]

 أما المؤمن فعلى قدر إيمانه، وعلى قدر إخلاصه يؤتى من هذه الحكمة، فالإنسان بالحكمة يسعد بزوجة من الدرجة العاشرة، والذي لم يؤت الحكمة يشقى بزوجة من الدرجة الأولى، الذي أوتي الحكمة يدبر أمره بالمال القليل، وغير الحكيم يتلف المال الكثير، بالحكمة يجعل العدو صديقاً، ومن دون حكمة يجعل الصديق عدواً، أكاد أقول لك: إنها أكبر عطاء إلهي:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[ سورة البقرة :269]

 هذا كلام الله عز وجل.
المذيع:
 الإنسان المسلم كيف يستطيع أن يقول بأنني وفيت حق الله سبحانه وتعالى أو ما هي المميزات التي تميز الإنسان ليعرف أنه محبوب عند الله سبحانه وتعالى؟

 

الحكمة هدية و توفيق من الله للإنسان المستقيم :

الدكتور راتب :
 والله الإنسان بهذه النقطة الدقيقة ينبغي أن يتهم نفسه دائماً، أحد التابعين الكبار قال: التقيت مع أربعين صحابياً ما منهم واحد إلا ويظن نفسه منافقاً.
 ينبغي أن تتهم نفسك دائماً اتهاماً معقولاً لكن نفسك مطيتك فارفق بها، فجلد الذات إذا تابعناه كان هناك مشكلة كبيرة، إذا كنت على خير بمعرفة بالله، تؤدي الفرائض، تؤدي الواجبات، زوج ناجح، ابن ناجح، أخ ناجح مثلاً، أستاذ ناجح بعملك، هذا خير كبير، فإذا شكرت هذا تابعك الله عز وجل بخير أكبر، فالحكمة تجعل من العدو صديقاً، ومن المال القليل كثيراً، ومن الشخص المعامل صديقاً، الحكمة قمة الذكاء بل هي قمة التوفيق، بل هي أكبر عطاء الإلهي، تؤخذ لا بذكائك ولا بقوتك ولكنها تؤتى من الله هدية على استقامتك.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 شكراً لكم سيدي الشيخ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018