٠18رمضان 1435 هـ - خواطر إيمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1435 - خواطر إيمانية - الدرس : 17 - الحديث الشريف : من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا


2014-07-15

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

لكلّ شيء وظيفتان؛ وظيفة تعريفية و وظيفة تكريمية :

أيها الأخوة الكرام ؛ أشكر القائمين على هذا المؤتمر أو الملتقى دعوتهم الكريمة التي أعتز بها ، والتي إن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي ، وأرجو الله أن أكون عند حسن ظنكم .
أيها الأخوة الأكارم ؛ بادئ ذي بدء : هل تعلم أيها الإنسان من أنت ؟ أنت المخلوق الأول عند الله ، لقوله تعالى : هلال خير وبشر

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

[سورة الأحزاب: 72 ]

ولأنك قبلت حمل الأمانة سخر الله لك ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه تسخير تعريفٍ ، وتسخير تكريم ، والدليل : أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى الهلال فقال:

((هلالُ خَيْرٍ ورُشْدٍ))

[الطبراني عن أنس بن مالك]

بيّن النبي من خلال هذا الحديث القصير أن كل شيء خلقه الله له وظيفتان ، وظيفة تعريفية ، ووظيفة تكريمية .
عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((هلالُ خَيْرٍ – ننتفع به – ورُشْدٍ – يرشدنا إلى الله -))

[الطبراني عن أنس بن مالك]

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

الكون إذاً مسخر للإنسان بعد أن قبل حمل الأمانة تسخيرين ، تسخير تعريف وتسخير تكريم ، تسخير التعريف يقتضي أن نؤمن ، وتسخير التكريم يقتضي أن نذكر، فالإنسان إذا آمن وشكر حقق الهدف من وجوده ، وحينما يحقق الهدف من وجوده تتوقف جميع المعالجات الإلهية ، قال تعالى : كل ما في الأرض من جمال هو مسحة من جمال الله

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

[سورة النساء: 147]

الإنسان إذا آمن بالله واحداً وموجوداً ، وواحداً وكاملاً ، وآمن بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى ، وخضع لمنهجه ، فقد حقق الهدف من وجوده ، ذلك أن على وجه الأرض الآن سبعة مليارات ما منهم واحد إلا وهو حريصٌ على سلامة وجوده ، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده ، سلامة وجوده بخضوعه لتعليمات الصانع ، لأن الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها ، فسلامة وجوده بخضوعه لتعليمات خالقه ، وكمال وجوده في التقرب إليه ، كل ما في الأرض من جمال مسحة من جمال الله ، فالإنسان إذا عرف الله واتصل به ، اتصل بأصل الجمال في الكون ، فلذلك ينبغي أن يقول المؤمن : ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني ، الإنسان مخلوق للسعادة ، قال تعالى :

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[سورة هود: 119]

خلقهم ليسعدهم .

 

الحكمة من المصائب التي تصيب الإنسان :

أيها الأخوة الكرام ؛ هذه السيارة التي نركبها ، لماذا صنعت ؟ من أجل أن تسير أليس كذلك ؟ نقول : علة صنعها السير ، لكن فيها مكبحاً ، ما مهمة المكبح ؟ أن يوقفها والإيقاف عكس السير ، ماذا نستنبط من هذا المثل ؟ أن الإنسان مخلوق للسعادة ، فإذا غفل عن الله ، أو قصر بما عليه ، أو أساء إلى خلق الله ، لا بد من أن يلفت الله نظره إلى خطئه ، إما بياناً أو تأديباً ، فلذلك قال تعالى :

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

[سورة السجدة: 21 ]

هذه الآية أصل في المصائب .

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

[سورة السجدة: 21 ]

المصائب تأديب من الله لعباده المخطئين
فلذلك حينما نفهم أن كل مصيبة ساقها الله لنا ، علتها ، وحكمتها ، ومؤداها أن يصحح المسار ، يوجد بالمسار خطأ عن طريق المصيبة نصحح المسار ، مرة ثانية :

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

[سورة السجدة: 21 ]

فحينما يفهم المؤمن حكمة المصيبة ، ووظيفة المصيبة ، ودور المصيبة ، وغاية المصيبة ، حينما يفهم على الله ما ساقه له قد ينتفع به ، وقد يسعد به ، لكن ورد في بعض الآثار أنه : " ما من عثرة ولا اختلاج عرقٍ إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر ، وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ، ما نزل بلاء إلا بذنب ، ولا يرفع إلا بتوبة " .
هذه الحقيقة المرة التي ينبغي أن تكون أفضل عندكم من الوهم المريح ، بين أن تعيش في وهم مريح ، وبين أن تعيش في حقيقة مرة .
" ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود ، إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر ، وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ، ويعفو عن كثير ".
أخوتنا الكرام ؛ من آداب المؤمن أنه إذا وقعت مصيبة بأخيه يحسن الظن به ، ويقول : لعلها ترقية ، لكنني أنصح كل أخ مؤمن أنه إذا أصابته مصيبةٌ أن يبحث عن سبب هذه المصيبة ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

[سورة النساء: 147]

لا تنس مثل السيارة ، صنعت لتسير ، وفيها مكبح ، المكبح يتناقض مع علة صنعها من أجل سلامتها ، فالإنسان حينما يتلقى من الله معالجات .

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

[سورة البقرة: 155-156]

أخوتنا الأكارم ؛ من أورع ما قال سيدنا عمر في هذا الموضوع أو قيل عنه ، أنه إذا أصابته مصيبةٌ قال : " الحمد لله ثلاثة ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني - أكبر مصيبة مصيبة الدين ، أن تخرج عن منهج الله ، ألا تأبه لوعيد الله ، أن تنصرف عن طاعته - الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها ، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها ".

خطوات معالجة الله عز وجلّ للإنسان :

الهدى البياني هدي الله لك وأنت معافى بين أهلك
أخوتنا الكرام : الحقيقة أن الله جلّ جلاله في تربيته للمؤمن يسلك معه مراحل متتابعة ، المرحلة الأولى : الهدى البياني ، تستمع إلى قرآن ، إلى تفسير ، إلى حديث ، إلى شرح ، إلى موعظة ، إلى قصة ، إلى موضوع ، إلى ندوة دينية ، هذا هو الهدى البياني ، أول شيء الهدى البياني ، وأنت صحيحٌ ، معافى في بيتك وأولادك ومن حولك ، الأمور كلها على ما يرام ، لكن هناك خطأ ، وتقصيراً ، وانحرافاً ، وعدواناً ، لا بد من معالجة ، لأن الله رب العالمين ، وتقضي ربوبيته أن يعالج الإنسان ، فلذلك أول حقيقة أن الله يبدأ مع هذا الإنسان الذي غفل عن الله ، أو تجاوز حدود الله ، أو قصر فيما ألزمه الله به ، أو أساء لخلق الله ، هذا الإنسان الله عز وجل يبين له ، يرسل له من ينصحه ، قد يستمع إلى خطبة يجد فيها تنبيهاً له، قد يتابع ندوة يجد فيها تنبيهاً له ، إذاً أول شيء في معالجة الله عز وجل لهذا الإنسان الذي غفل عن الله ، وتجاوز حدوده ، وقصر في واجباته ، أن الله يبين له ، إما برسالة من صديق ، أو من عالم ، أو من خطيب مسجد ، أو من كتاب يقرؤه ، أو من ندوة يتابعها ، هذا هو الهدى البياني ، لذلك الموقف الكامل من الهدى البياني أن تستجيب .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

[سورة الأنفال:24]

استجابة فقط ، هناك دعوة من الله لما يحييكم ، دعوة لسلامتكم ، دعوة لسعادتكم، دعوة لرقيكم ، إذا جاءتكم دعوة من الله ينبغي أن تستجيب .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

[سورة الأنفال:24]

التأديب التربوي أن يسوق الله للإنسان مشكلة
لو أن هذا الإنسان لم يستجب ، ما الذي يحصل ؟ يخضع لمرحلة ثانية هي التأديب التربوي ، يسوق الله لهذا الإنسان مشكلة ، أو شبح مصيبة ، يخوفه ، يقلقه ، هناك من يتجاوزه، هناك من يزعجه ، لذلك ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة , هذه حقيقة دقيقة ، إن لم يستجب للهدى البياني يخضع لتربية أخرى اسمها التأديب التربوي ، يأتي التأديب ، دائماً وأبداً البطولة أن تبحث عن السبب ، وقد قالوا : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ، أصبح هو المصيبة ما دام هناك شيء مزعج ، لذلك ورد :

(( يا عبادي إني حَرَّمتُ الظُّلمَ على نفسي ، وجعلتُه محرَّماً بينكم ، فلا تَظَالموا ، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدوني أهدكم ، كُلُّكم عار إلا مَنْ كَسوْتُه فاستكسوني أكسكم ، كُلُّكم جائع إلا مَنْ أطعمتُهُ ))

[مسلم عن أبي ذر الغفاري]

إلى آخر الحديث ، في نهاية الحديث وهو حديث قدسي :

((فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ))

[مسلم عن أبي ذر الغفاري]

الله يقصم من لا يعود إليه ويتوب من الظالمين
هذه البطولة :

(( ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ))

فالإنسان أول شيء هدى بياني ، بيان ، توضيح ، ثم تأديب تربوي ، هناك شيء ثالث عبّر عنه العلماء بالإكرام الاستدراجي ، قد يكرمه الله عز وجل ، بربحٍ ، ببيتٍ ، بشيء يطمح إليه ، فلعله بهذا الإجراء الثالث يشكر ، أي وظيفة الإنسان في الهدى البياني أن يستجيب ، وفي التأديب التربوي أن يتوب ، وفي الإكرام الاستدراجي أن يشكر ، فإذا لم يستجب، ولم يتب ، ولم يشكر ، جاء القصم .

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[سورة الأنعام: 44 ]

لذلك البطولة أن تستجيب إذا دعيت إلى الهدى ، ولا سمح الله ولا قدر لو لم تستجب البطولة أن تتوب إذا جاء التأديب التربوي ، فإن لم تتب بالتأديب التربوي وجاء الإكرام الاستدارجي ينبغي أن تشكر ، فإن لم تفعل هذه ولا هذه ولا تلك جاء القصم .

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 44 ]

أنواع المصائب :

أخواننا الكرام ؛ المصائب تختلف من إنسان إلى آخر ، مصائب الأنبياء مصائب كشف ، عند النبي الكريم كمالات قد لا تظهر إلا بالمصيبة ، أي خرج إلى الطائف مشياً على قدميه ، المسافة تقدر بثمانين كيلو متراً ، يصل إليها ، يُكفر به ، يستهزأ به ، صبيانهم يضربونه، يسيل الدم من قدميه ، يأتيه ملك الجبال ، يقول له : يا محمد لو شئت لأطبقنا عليهم الأخشبين - الجبلين - قال : لا يا أخي ؛ اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده .
أي مصائب الأنبياء مصائب كشف لكمالاتهم ، ولكن حينما ننتقل إلى المؤمنين مصائب المؤمنين مصائب دفع لهم في طريق الإيمان ، ليرفعوا سرعتهم ، أو ليرفعوا أجرهم، مصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع ، الآية الكريمة :

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾

[سورة البقرة: 155-157]

إذاً المؤمن مصائبه دفع لمزيد من الإقبال على الله ، لمزيد من الطاعات ، لمزيد من القربات ، أو رفع لنيته ، ولأجره ، هذه مصائب أهل الإيمان ، والشيء الدقيق إذا أحبّ الله عبداً ابتلاه ، قال : فإن صبر اجتباه ، وإن شكر اقتناه ، أما مصائب المعرضين عن الله مصائب الكفار والمشركين فمصائب ردعٍ أو قصمٍ ، يردع أولاً فإن لم يستجب يقصم ، لذلك مصائب الأنبياء كشف ، مصائب المؤمنين رفع ودفع ، مصائب الكفار والمشركين قصم وردع ، هذه أنواع المصائب ، والبطولة أن نقف من المصيبة الموقف الكامل .
ومرة ثانية : من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر .

رأس الحكمة مخافة الله :

أيها الأخوة ؛ الله عز وجل يقول :

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾

[سورة القيامة: 38]

تفعل ما تشاء ، تأكل ما تشاء ، تأخذ مالاً من غير شرعية ما تشاء ، تؤذي من تشاء ، وهكذا :

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[سورة العنكبوت: 2]

أغبى أغبياء الأرض من لايدخل عقاب الله بحسابه
فلا بد من عقاب من الله عز وجل ، فما البطولة ؟ أن تدخل الله جل جلاله في حساباتك ، أقول لكم صادقاً : هناك إنسان لا يعبأ بأن يحسب لعقاب الله حساباً ، هذا أغبى أغبياء الأرض ، أي إنسان لا يدخل عقاب الله في حساباته يعد من أغبى أغبياء الأرض ، ولذلك هناك نقطة دقيقة جداً :

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾

[سورة الطلاق: 12]

أنت مع إنسان أقوى منك إن أخطأت فهذا الخطأ مسجل و ستحاسب عليه ، لا يمكن أن تخالفه ، أي بشكل آخر بين أيدينا تركب مركبة ، والإشارة حمراء ، وأنت مواطن عادي، والجزاء كبير جداً ، ماذا تفعل ؟ لا يمكن أن تتجاوز لماذا ؟ لأنك موقن أن واضع قانون السير تطولك عقوبته ، يطولك علمه ، لذلك لا تخالف ، فإذا علمت كما قال الله عز وجل :

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾

[سورة الطلاق: 12]

حينما تعلم ذلك لا بد من أن تراجع نفسك ، البطولة قبل أن تتحرك ، قبل أن تأخذ ما ليس لك ، قبل أن تظلم ، قبل أن تستعلي ، أدخل عقاب الله في حسابك ، لذلك قالوا : رأس الحكمة مخافة الله .

الإنسان خُلق ضعيفاً ليفتقر بضعفه فيسعد بافتقاره :

أنت في قبضة الله في أية لحظة
لذلك أيها الأخوة ؛ الله عز وجل قال :

﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

[سورة الأعراف: 183]

لا شك أنكم تعلمون أن المتانة مقاومة قوة الشد ، فالفولاذ أمتن عنصر ، لذلك المصائد والتل فريك يصنع من الفولاذ المضفور ، الفولاذ أمتن عنصر ، والألماس أقسى عنصر، المتانة مقاومة قوة الشد ، والقساوة مقاومة قوة الضغط ، فالألماس أقسى ، والفولاذ أمتن، الله عز وجل قال :

﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

[سورة الأعراف: 183]

أي هذا الإنسان في قبضة الله بثانية واحدة نقطة دمٍ لا تزيد عن رأس دبوس إذا تجمدت في أحد عروقه دماغه أصيب بالشلل ، أنت في قبضة الله ، أحياناً إذا ضاق الشريان التاجي دخلت في أزمات لا تنتهي ، إذا تجمدت نقطة دم في مكان ما دخلت في أزمة ثانية ، فالإنسان ضعيف .

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

[سورة النساء: 28 ]

بل لو أن الإنسان خلق قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه ، لكنه خلق ضعيفاً ليفتقر بضعفه فيسعد بافتقاره .

 

التّولي و التّخلي :

الصحابة الكرام هم قمم البشر ، في بدر ماذا فعلوا ؟ خضعوا لله .

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾

[سورة آل عمران: 123]

أي افتقروا فانتصروا ، افتقروا إلى الله فانتصروا ، هم هم ، ومعهم سيد الخلق وحبيب الحق ، في حنين اعتدوا بعددهم ، فلم ينتصروا .

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾

[سورة التوبة: 25 ]

الآن أضع بين أيديكم هذه الخبرة ، ما في مؤمن على وجه الأرض يقول : أنا إلا ويؤدب ، أما إذا قال : الله ، فالله يتولاه ، فالصحابة الكرام في بدر قالوا : الله ، فانتصروا ، في حنين قال : نحن كثيرون ، فلم ينتصروا ، المخلص أنت بين التولي والتخلي ، تقول : الله ، يتولاك الله ، لذلك قال تعالى :

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[سورة آل عمران: 159 ]

الله عز و جلّ غني عن تعذيب عباده :

أنت كمؤمن تعاملك اليومي مع الله ، حينما تعزو نجاحاً إليك وأنت لست كذلك هذا شرك خفي ، والنبي الكريم يقول :

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي أما إني لستُ أقولُ إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ، ولكن شهوة خفية ، وأعمالاً لغير الله))

[رواه البزار عن أبي صالح ]

أيها الأخوة ؛ إذاً لا بد من ذكر أن الله عز وجل غني عن تعذيبنا ، قال تعالى :

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً﴾

[سورة النساء: 147 ]

طبعاً لو أن إنساناً عنده ثلاثة أولاد - دققوا بهذا المثل - ولد منغولي ، لا يوجد به أمل، وولد ذكيٌ جداً ومتفوق ، الأول تركه لأنه لا يوجد به أمل ، والثاني تركه لأنه حقق كمال البنوة ، الثالث ذكي ومقصر ، يصب الأب تربيته على الثالث ، لأن عنده إمكانية عالية وقصّر في استغلالها .
فلذلك الإنسان حينما يكفر بالله كفراً مغلظاً كما قال الله عز وجل :

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[سورة الأنعام: 44 ]

أما حينما يكون بخير يخضع لتجربة ، ولصعوبة ، تماماً كما لو أن إنساناً معه ورم خبيث منتشر في كل جسمه ، سأل الطبيب ماذا آكل ؟ يقول له : كُلْ ما شئت ، أما الذي يعاني من التهاب حاد في المعدة يخضعه الطبيب لحمية قاسية جداً ، أيهما أفضل أن يقال لك كل ما شئت أم أن تخضع لحمية قاسية ؟ الحقيقة الحمية القاسية أفضل لأن هناك أملاً بالشفاء.
لذلك أيها الأخوة ؛ حينما ترى أن الله يتابعك ، يحاسبك ، يسوق لك بعض الشدائد إثر بعض المخالفات ، إذا كان هناك تقصير ، أو تجاوز ، أو انحراف ، تأتي المصيبة ، فاشكر الله على أنك في العناية المشددة ، هناك إنسان ضمن عناية مشددة ، مع ذلك الأمل كبير بشفائه ، و إنسان خارج العناية المشددة و لا أمل من شفائه .
لذلك قالوا : إذا أحبّ الله عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، ون شكر اقتناه ، ومن أحبنا أحببناه ، ومن طلب منا أعطيناه ، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا .

 

مرور العالم بثلاث مراحل :

يستمد الناس في هذا العصر قيمتهم من مقدار ما يملكون
سيدنا عمر أيها الأخوة ؛ جاءه جبلة ملك الغساسنة مسلماً ، فرح به ، ورحب به ، هذا الملك في أثناء طوافه حول الكعبة ، بدوي من قبيلة فزارة داس طرف ردائه ، فانخلع رداءه عن كتفه ، هو ملك - جبلة بن الأيهم ملك الغساسنة - جاء مسلماً طاف حول الكعبة ، بدوي داس طرف ردائه فانخلع رداءه عن كتفه ، فضرب هذا الأعرابي ضربةً هشمت أنفه ، وسال الدم، هذا الأعرابي شكاه إلى سيدنا عمر ، سيدنا عمر جاء به ، أمام سيدنا عمر ملك الغساسنة وبدوي من فزارة ، شاعر معاصر صاغ هذه القصة شعراً ، قال عمر لجبلة : أصحيحٌ ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟ فقال جبلة : لستُ ممن ينكرُ شيا ، أنا أدبت الفتى أدركت حقي بيديَّ ،قال عمر : ارض الفتى لا بد من ارضائه ، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه ، أو يهمشن الآن أنفك وتنال ما فعلته كفك ، قال : كيف ذاك يا أمير هو سوقةٌ وأنا عرشُ وتاج ؟ كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً ؟ قال له : نزوات الجاهلية ورياح العنجهية قد دفناها ، أقمنا فوقها صرحاً جديداً وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيدا ، فقال جبلة : كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعز أنا مرتد إذا أكرهتني ، قال : عنق المرتد بالسيف تحز ،عالمٌ نبنيه كل صدع فيه يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .
أخوتنا الكرام ؛ بعض الفلاسفة أو المفكرين في شمال أفريقيا في بلد الجزائر ، رأوا أن العالم مرّ بمراحل ثلاث ، عصر المبادئ ، ثم عصر الأشخاص ، ثم عصر الأشياء ، الآن الإنسان يستمد قيمته من مساحة بيته ، يستمد قيمته من نوع سيارته ، أو برقم آخر مع النوع هناك مئتان ، أو ستمئة مثلاً ، فلذلك تستمد مكانة الإنسان من متاعه كما ورد قيمة المرء متاعه، القيمة الآن التفاضلية بين الناس متاع الناس ، أما في عصور سابقة فالقيمة أخلاقية.

المصيبة رسالة من الله عز وجل :

أيها الأخوة ؛ الآن هناك ملاحظة دقيقة جداً ، سأوضحها بمثل ، طفل صغير بالصف الخامس طلب من والده ألا يدرس ، قال له : كما تريد ، في اليوم الثاني هذا الطفل لا يوجد عنده عنده مدرسة فنام للساعة العاشرة ، أكل ، ذهب إلى السينما ، رأى نفسه أسعد طفل ، عندما كبر لا وظيفة ، ولا تجارة ، ولا شهادة ، ولا بيت ، ولا زوجة ، حقد على أبيه ، قال له : يا أبتِ يوم قلت لك : أريد ألا أدرس لِمَ لم تعنفني ؟ الآن دقق في هذه الآية :

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾

[سورة القصص: 47 ]

أي المصيبة رسالة من الله .

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة القصص: 47 ]

فالبطولة بالمؤمن أن الله سبحانه وتعالى إذا ساق له مصيبة أن يشكر الله عليها لماذا ؟ لأن الله عز وجل رأى فيه خيراً ، ساق له مصيبة كي يشفى من مرض ألمّ به ، هذا الفهم الصحيح للمصائب عند المؤمنين .

 

كل شيء أراده الله وقع وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة :

لذلك هناك حقيقة دقيقة جداً أرددها كثيراً لأنها تلقي ضوءاً على مشكلات العالم الإسلامي ، كل شيء وقع في الأرض بالخمس قارات من آدم إلى يوم القيامة ، كل شيء وقع أراده الله ، ما معنى أراده ؟ العلماء قالوا : سمح به فقط ، تماماً كأب طبيب تزوج ولم ينجب ، مضى على زواجه عشر سنوات ، ثم جاءه غلامٌ هو آيةٌ في الجمال ، تعلق به تعلقاً مذهلاً ، لكن بعد حين اكتشف الأب الطبيب أن ابنه مصاب بالتهاب الزائدة ، فسمح للطبيب أن يخدر ابنه ، ويشق بطنه ، وتستأصل الزائدة ، المثل واضح ، هذا معنى أن كل شيء وقع أراده الله ، معنى أراد لا تعني أنه رضي ، ولا تعني أنه أمر ، لكن سمح فقط ، فكل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، هذه المقولة التوحيدية تفسر كل شيء يجري على وجه الأرض ، كل شيء وقع أراده الله ، أي سمح به ، لم يأمر ولم يرضَ ، كما أن الأب الطبيب سمح أن يفتح بطن ابنه لاستئصال الزائدة ، لكنه لم يرضَ أن تكون هذه العملية في الأصل ، كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، الآن : وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، أي لا يوجد بالكون شر مطلق ، الشر المطلق يتناقض مع وجود الله ، هناك شر نسبي موظف للخير ، الشاهد الدقيق الواضح : ازداد عدد الداخلين في الإسلام بعد أن طغت أمريكا

﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾

[سورة القصص: 4-6]

الآن دقق :

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾

[سورة القصص: 4-6]

هذه الآية دقيقة جداً تبين أنه ما من طاغية على وجه الأرض إلا ويوظف الله طغيانه لخدمة دينه والمؤمنين من دون أن يشعر ، ومن دون أجر أو ثواب .
أيها الأخوة ؛ قالوا : إذا مات العبد الصالح استراح من عناء الدنيا ، وإذا مات العبد الفاجر استراحت منه البلاد والعباد والشجر والدواب ، ماذا بقي ؟
مرة سألني أخ قال لي : ما علاقة الدواب بالرجل الفاجر إذا مات ؟ قلت له : لأنه كان ممنوع استيراد العلف .

أخطر شيء بالعقيدة أن يتوهم الإنسان أن الله قدّر عليه ما يفعله :

أيها الأخوة جيء بشابٍ شارب خمر إلى سيدنا عمر ، فقال سيدنا عمر لهذا الشاب: أقيموا عليه الحد ، فقال هذا الشاب : والله يا أمير المؤمنين إن الله قدّر عليّ ذلك ، فقال عمر : أقيموا عليه الحد مرتين مرة لأنه شرب الخمر ، ومرة لأنه افترى على الله ، ثم قال : ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضرار ، الآن أدخل بموضوع خطير جداً حينما تتوهم أن الغلط الذي ترتكبه قد أراده الله ، أو قدره عليك ، أو أجبرك عليه ، وقعت في أفسد عقيدة ، وقعت في عقيدة الجبر ، عقيدة الجبر تلغي الثواب والعقاب ، تلغي الجنة والنار ، تلغي الفضائل ، تلغي التكليف ، في اللحظة التي تتوهم بها أن الله أجبرك على هذه المعصية وقعت في خطأ مدمر ، لولا حرية الإنسان ، لولا حرية الاختيار ، لا معنى للجنة والنار ، ولا معنى للثواب والعقاب ، ولا معنى للخير والشر ، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى عن القليل كثيراً ، ولم يعص مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً .
لولا حرية الاختيار لا معنى للجنة والنار
أيها الأخوة ؛ أخطر شيء بالعقيدة أن تتوهم أن الله قدر عليك ذلك ، وهناك كلام عند العامة فيه خطر كبير ، أنت حينما تتوهم أن الله أجبر عباده على المعصية بطل العقاب ، وإذا توهمت أن الله أجبر عباده على الطاعة بطل الثواب ، وإذا توهمت أن الله تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة ، إن الله أمر عباده تخييراً ، ونهاهم تحذيراً ، وكلف يسيراً ، ولم يكلف عسيراً ، وأعطى على القليل كثيراً ، ولم يعص مغلوباً ، ولم يطع مكرهاً .
أيها الأخوة الكرام ؛ أشياء دقيقة جداً يجب أن نعرفها في المصائب ، ما من مصيبة على وجه الأرض إلا بسبب منا .
عن أبي إدريس الخولاني رحمه الله ، عن أبي ذَرّ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :

((فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[مسلم عن أبي ذر الغفاري]

وما دام القلب ينبض هناك فسحة في التوبة ، لذلك الله عز وجل حينما يسوق لعباده الشدائد من أجل أن يرجعوا إليه ، ويصطلحوا معه .

(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

[ ورد في الأثر]

من عرف الله ثم عرف أمره تفانى في طاعته :


>أخواننا الكرام ؛ لي ملاحظة أخيرة ، أنت إذا عرفت الله ثم عرفت أمره تفانيت في طاعة الله ، من هو الله ؟ بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية ، ماذا تعني أربع سنوات ضوئية ؟ يقطع الضوء في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلو متر ، في الدقيقة ضرب ستين ، في الساعة ضرب ستين ، في اليوم ضرب أربع وعشرين ، في السنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين ، أربع سنوات ضرب أربع ، ابنك الصغير بدقيقتين يحسب لك على الآلة الحاسبة المسافة بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب ، لو أن هناك مركبة لهذا النجم متى نصل؟ قال : بعد خمسين مليون عام ، متى نصل إلى نجم القطب ؟ أربعة آلاف سنة ، متى نصل إلى مجرة المرأة المسلسلة ؟ مليونا سنة ضوئية ، متى نصل إلى مجرة اكتشفت حديثاً ؟ أربعة وعشرون ألف مليون سنة ضوئية ، اسمع القرآن :

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

[سورة الواقعة : 75-76]

إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، وإذا ظن أنه علم فقد جهل .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018