بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس (07-70):تفسير الآيتان 3-4 ، رؤية الطرف الآخر للمسلم والإسلام.

2010-04-23

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

الدعوة إلى الله تتذبذب بين أن تكون أقدس عمل وأتفه عمل :

 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس السابع من دروس سورة التوبة، ومع الآية الثالثة وهي قوله تعالى:

﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾

 هذه الآية شُرحت في الدرس السابق، لكن ذكرتها لأن هناك استثناء، قال تعالى:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾

[ سورة التوبة]

 الحقيقة أن هناك آيات كريمة تنظم العلاقة بين المؤمنين وبين غير المؤمنين، هذه الآيات ملخصة في قوله تعالى:

﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية:7]

 الحقيقة أن الدعوة إلى الله تتذبذب بين أن تكون أقدس عمل على الإطلاق يرقى إلى صنعة الأنبياء، وبين أن تكون أتفه عمل على الإطلاق لا يستأهل إلا ابتسامة ساخرة.

الدعوة الخالصة إلى الله أساسها الاتباع :

 متى تكون الدعوة إلى الله أقدس عمل وترقى إلى صنعة الأنبياء؟ حينما نتبع لا نبتدع.

﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 50]

 فحينما أتبع منهج الله في قرآنه، ومنهج رسوله في سنته، فأنا متبع، فالدعوة الخالصة إلى الله التي تعد أقدس عمل على الإطلاق، والتي ترقى إلى صنعة الأنبياء، أساسها الاتباع، بينما حينما نبتدع هذه الدعوة تصبح عملاً لا جدوى منها، اتبع لا تبتدع، قال: حكمة تكتب على ظفر: اتبع لا تبتدع، اتضع لا ترتفع، الورع لا يتسع، فحينما تكون الدعوة أساسها الاتباع ترقى إلى صنعة الأنبياء، وهناك توجيهات:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

 ماذا يقابل هذه الآية؟ يقابل هذه الآية:

﴿ رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ﴾

[ سورة الممتحنة الآية:5]

 فهذا الكافر إذا رأى المسلم، رآه غير صادق، رآه ليس منصفاً، لم يكن هذا المسلم في المستوى الذي أراده الله، ما الذي يحصل؟ تعينه أنت على كفره، يعتقد أنه على صواب، ولأنك أخطأت معه هذا الخطأ يسحبه على دينك.

بطولة المؤمن أن يشد الطرف الآخر إلى الإسلام بأخلاقه وحسن معاملته :

 لذلك: وطن نفسك أنك إذا أسأت إلى مسلم، هذا المسلم يقول: فلان أساء إليّ، أما إذا أسأت إلى غير المسلم يقول هذا الإنسان غير المسلم: الإسلام دين باطل، فبين أن يبقى الخطأ بك وبين أن ينسحب الخطأ على الدين كله؟!
لذلك أنت على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا يؤتين من قبلك، أنت سفير، هؤلاء المشركون الذين كانوا أمناء على العهد، وكانوا أوفياء، ولم ينقصوا منه شيئاً، لم يصدوا لكم تجارة، ولم يستولوا على أغنام، ولم يسرقوا أسلحتكم، ولم يغروا بكم أحداً، ولم يظاهروا عليكم أحداً، هؤلاء هم كما تروي الروايات التاريخية بنو ضمرة، وبنو كنانة، هؤلاء لم يؤذوا المسلمين إطلاقاً، وكانوا أوفياء لعهودهم ومواثيقهم، هؤلاء جاء الأمر الإلهي بأن يستمر العهد معهم إلى مدتهم،

﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾

 أخواننا الكرام، للتقريب: النبي عليه الصلاة والسلام حينما دخل المدينة المنورة، قال كلاماً يجب أن نقف على أبعاده، قال: "أهل يثرب أمة واحدة"، يوجد في يثرب نصارى، ومشركون، ووثنيون، وموال، وأعراب، ويهود، هذا المفهوم الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام يقال عنه اليوم: مفهوم المواطنة، أو مفهوم التعايش،

﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾

 أي إلغاء الآخر غير مقبول، فبطولتك بذكاء، وبمنطق، وبلطف، وبإحسان، أن تقنع الطرف الآخر بالدين من خلال الأخلاق، من خلال حسن المعاملة، من خلال الإنصاف.

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا ﴾

[ سورة المائدة الآية: 8]

 إن عدلت معه تقربه إلى الله، وتقربه إليك، لذلك الآية رائعة:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾

 بطولتك أن تقنعه بدينك لا من خلال إيذائه، بل من خلال الإحسان إليه، بل من خلال الإنصاف.
 طبعاً هؤلاء كما ذكرت بنو ضمرة، وبنو كنانة كانوا مشركين، فاستثنوا من قوله تعالى:

﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

الإنقاص نوعان :

 أيها الأخوة، ما معنى

﴿ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ ﴾

 ؟ العلماء قالوا: الإنقاص معناه التقليل، والإنقاص على نوعين؛ إنقاص في الذوات، وإنقاص في متعلقات الذوات، كيف؟
 الإنسان حينما يقتل أنقص هذا المجتمع واحداً، هذا إنقاص ذوات، أما حينما يأخذ مال إنسان أخذ متعلقه، أخذ حقه، فالإنقاص يحمل معنيين، إما إذا اعتدوا عليكم بالقتل، أو إذا اعتدوا على أموالكم،

﴿ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً ﴾

 الآن يمكن ألا يعتدوا عليكم، ولا على أموالكم، ولكن يغرون الآخرين بكم، يغرون أعداءكم أن ينقضوا عليكم.
 لذلك:

﴿ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾

أخلاق القتال شيء وأخلاق الحياة المدنية شيء آخر :

 نعود إلى الدعوة، الدعوة ترقى إلى صنعة الأنبياء، وتكون أعظم عمل على الإطلاق حينما نحسن إلى هذا الآخر، حينما نستقيم معه، موضوع القتال موضوع آخر، ليس له علاقة بهذا الدرس، أخلاق القتال شيء، وأخلاق الحياة المدنية شيء آخر، أخلاق القتال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

[ سورة التوبة الآية:73]

 هذا أين؟ في ساحة المعركة، أما في الحياة المدنية:

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[سورة فصلت]

 يمكن أن تقول: هناك أخلاق الجهاد في ساحة المعركة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾

 وأما الأخلاق:

﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة فصلت]

 لذلك أول صفة الاتباع لا الابتداع، أنت مؤمن، معك منهج، معك وحي السماء، معك افعل ولا تفعل.

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 36]

ارتباط المؤمن مع الله عز وجل بعقد إيماني :

 حينما يكون الأمر واضحاً، وحينما يكون النهي واضحاً، لا خيار لك أيها المؤمن، لأنك مرتبط مع الله بعقد إيماني، يا أيها الذين آمنوا ، يا من آمنتم بالله، يا من آمنتم به موجوداً، وواحداً، وكاملاً، يا من آمنتم به خالقاً، ورباً، وإلهاً، يا من آمنتم بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، يا من آمنتم بمنهجه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، يا أيها المؤمن أنت في عقد إيماني مع الله،

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

 فهؤلاء :

﴿ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً ﴾

 هؤلاء ينبغي أن يتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم .

الظهر رمز القوة و الظهير هو المعين :

 أيها الأخوة،

﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُوا ﴾

 ما معنى

﴿ وَلَمْ يُظَاهِرُوا ﴾

 قال: مأخوذة هذه الكلمة من مادة الظهر، وهذا الظهر يتحمل أقوى شيء، وأثقل شيء، والدليل: إنك لا تستطيع رفع كيس يزن مئة كيلو بيدك، هل تستطيع؟ لكنك تحمله على ظهرك، فأقوى مكان في الإنسان هو الظهر.
 لذلك الظهر أن تعينه، أن تدعمه.

﴿ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ ﴾

[سورة الصف]

 كلمة ظاهرين، أي أعناهم، أصبحوا أقوياء.
 إذاً الظهر رمز القوة، أقوى مكان يتحمل به الإنسان هو الظهر، والمثل مرة ثانية واضح جداً: ليس بإمكانك أن تحمل كيس قمح بيدك، لكن هذا الكيس الذي يزن مئة كيلو تضعه على ظهرك، وهناك صناديق حديدية الآن تزن مئة كيلو، هؤلاء الذين أمدهم الله بقوة منه يحملون هذا الصندوق على ظهرهم، ويصعدون به الدرج.
 فالظهر مكان القوة، أو أقوى مكان في الإنسان.
 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما قصّ الله علينا نبأ في حياته الداخلية، قال تعالى:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

[ سورة التحريم]

 هناك ملمح لطيف، زوجتان من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام ظاهرتا عليه فالرد الإلهي:

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

علاقة الإنسان مع المحيط الخارجي إدراك فانفعال فسلوك :

 ألا يتساءل أحدنا؟ للتقريب: مواطن انتقد بلداً هل يعقل من أجل مواطن، أو مواطنين، أن تستنفر القوى البرية والبحرية والجوية؟ غير معقول.
 ماذا تعني الآية؟

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾

 في الآية ملمح دقيق و هو أن: علامة إيمانك اتباعك، فإن لم تتبع فأنت لم تفهم، أوضح مثل: لو قلنا لإنسان ـ لا سمح الله ـ على كتفك عقرب، بقي هادئاً، مرتاحاً، وابتسم، وقال لك: شكراً لك على هذه الملاحظة، وأرجو الله أن يمكنني أن أكافئك عليها، بربكم هل فهم هذا الإنسان ماذا تعني كلمة عقرب؟ مستحيل! لو فهم ماذا تعني كلمة عقرب، لقفز، وخلع معطفه، وصاح أحياناً، لأن العقرب لدغته قاتلة.
 فلذلك عندنا قاعدة دقيقة جداً؛ علاقتك مع المحيط الخارجي، إدراك، فانفعال، فسلوك، فأنت إن لم تنفعل لم تدرك، وإن لم تتحرك لم تنفعل، إدراك، فانفعال، فسلوك، تمشي في بستان، ـ لا سمح الله ـ رأيت ثعباناً، حينما تنفعل معنى ذلك أدركت ما معنى ثعبان، وإذا انفعلت لا بد من حركة، إما أن تبادر إلى قتله، أو إلى الهروب منه.
 قاعدة دقيقة جداً، يصح الإدراك إذا تبعه انفعال، ويصح الانفعال إذا تبعه حركة، فإذا الإنسان لم ينفعل، ولم يتحرك، معنى ذلك لم يصغِ إلى كتاب الله، ملمح دقيق،

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾

 ماذا تعني هذه الآية؟ أي لا سمح الله ولا قدر إذا كان الإنسان في خندق معاد للحق ينبغي أن يعلم من هو الله، حياتك بيده، الشريان التاجي بيده، شرايين الدماغ بيده، الخثرة بيده، الورم الخبيث بيده، تشمع الكبد بيده، الفشل الكلوي بيده، العاهة الدائمة بيده، الفقر المدقع بيده، أن تفقد حريتك بيده، فأنت في قبضته.
 فلذلك كلما ازداد إيمانك يزداد اعتصامك بالله عز وجل.
 أيها الأخوة، الظهير هو المعين، فلان شددت به ظهري، أي أعانني، ظهر فلان على فلان؛ أي تفوق عليه، علا ظهره؛ أي استولى على أقوى شيء عنده.

القوي يجب أن يعين الضعفاء ويجبرهم على أن يعملوا معه ليتعلموا :

 الآن في سورة الكهف آية دقيقة، قال تعالى:

﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْماً لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾

[ سورة الكهف]

 الشاهد:

﴿ فَأَعِينُونِي ﴾

 الحقيقة أن السد ينبغي أن يتخلله مكان ترابي، بمعنى أن هذا المكان الترابي يتلقى الصدمات، أنت حينما تضع شيئاً قابل للكسر، حوله إسفنج، ما مهمة هذا الإسفنج؟ تلقي الصدمات، فالمنطقة المرنة لها دور كبير.
لذلك:

﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾

 وهناك استنباط آخر أن القوة تعني أن هذا القوي يجب أن يعين الضعفاء، وأن يجبرهم على أن يعملوا معه ليتعلموا، هذا الكلام يعني عندما تعطي إنساناً مساعدة من دون عمل يألف البطالة، يألف النوم إلى الظهر، يرتاح، أما حينما تكلفه بعمل، فرص العمل أفضل ألف مرة من إعطاء الصدقة، أخطر شيء بالمجتمع أن يتعود الإنسان أن يأخذ ولا يعطي، لكن تأمين فرص عمل، هناك دوام، هناك جهد، هناك إبداع، هذا يرقى بالأمة، أنا مع الصدقات لكن لمن؟ للعاجز.

(( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة قوي ))

[أخرجه ابن حبان عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 أما إذا كان الشاب قوياً ويطلب مساعدة بلا عمل، هيئ له فرصة عمل، هذه الفرصة تجعله نشيطاً، تجعله منتجاً، يأخذ أجرته رافع الرأس، لذلك:

((اليدُ العليا خير ))

[أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر]

 والأولى ألا تكون اليد سفلى، أما إذا قبضت أجرتك بيدك فيدك ليست سفلى، لكن الصدقات لمن يعاني ما يعاني، هناك حالات مرضية، هناك حالات عجز، هناك عاهة، أما إنسان شاب قوي تعطيه دون أن يفعل شيئاً فهذه مشكلة كبيرة، لذلك الآية:

﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾

 لذلك الحديث الرائع الصحيح:

((فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 هذا الضعيف ينبغي أن تطعمه إن كان جائعاً، وأن تكسوه إن كان عارياً، وأن تُعلّمه إن كان جاهلاً، وأن تنصره إن كان مظلوماً، وأن تؤويه إن كان مشرداً، وأن تعالجه إن كان مريضاً، أنت حينما تعين الضعيف يكافئك الله بمكافأة من جنس عملك، ما المكافأة؟ ينصرك على من هو أقوى منك.

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

 أخوتنا الكرام، الأمة الإسلامية تعاني ما تعاني، أنا أتحدث عنها بشكل عام، فحينما الأمة تنصر ضعفاءها، عندئذٍ يكافئها الله بأن ينصرها على من هو أقوى منها.
 فلذلك يجب أن يكون لك دور في الحياة، اسأل نفسك هذا السؤال: أنا ماذا قدمت لمن حولي؟ ولا يوجد إنسان إلا ويملك خصائص يمكن أن ينفقها، قال تعالى:

﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة]

 وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح، والعمل الصالح لا يقبل إلا بشرطين، أن يكون صواباً، وأن يكون خالصاً، صواباً وفق السنة، وخالصاً ما ابتغي به وجه الله، وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح.

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 132]

اعتماد القرآن قيمتان مرجحتان بين خلقه ؛ العلم والعمل :

 القرآن اعتمد قيمتين مرجحتين بين خلقه، اعتمد قيمة العلم وقيمة العمل، فقال تعالى:

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الزمر الآية: 9]

 هذه قيمة العلم.

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

[ سورة المجادلة الآية: 11]

 هذه قيمة العلم، وأما العمل:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأحقاف الآية: 19]

 أية أمة تعتمد مقاييس موضوعية ترقى، وأية أمة تعتمد مقاييس غير موضوعية تهوي، كلمة واحدة: إن اعتمدنا مقاييس موضوعية نرقى، ونقوى، وننتصر، أما إذا اعتمدنا مقاييس انتمائية نهوي ونسقط.
لذلك ذو القرنين قال:

﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾

 البطالة مرفوضة، الراحة مرفوضة.

أنواع الفقر :

 لذلك قالوا: هناك فقر الكسل، وهناك فقر القدر، وهناك فقر الإنفاق، سيدنا الصديق سأله النبي عليه الصلاة والسلام: ماذا أبقيت لنفسك؟ ـ أنفق كل ماله ـ قال: الله ورسوله.
 هذا فقر الإنفاق، وهناك فقر الكسل، الكسول دخله قليل جداً، لا يتقن عمله، لا يؤدي ما عليه، لا يعمل لترويج عمله، يكتفي بالقليل، يمضي وقته نائماً، يؤجل، لا يتقن، إذا كان فقيراً فهذا هو فقر الكسل، وهناك فقر القدر، إنسان أحياناً امتحنه الله بعاهة، هذا فقير، لكن هذا فقر القدر، فرق كبير بين فقر القدر، وبين فقر الكسل، وبين فقر الإنفاق.
 قال أحد الأصحاب للنبي الكريم إني لأحبك، قال النبي الكريم: انظر ماذا ترى؟ قال: والله إني لأحبك، قال: انظر ماذا ترى؟ قال: والله إني لأحبك، قال: إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك نعليك، أي فقر هذا؟! فقر الإنفاق، إذا أحب الله عز وجل أعان عباده، أعانهم، معقول أن تكون في بحبوحة ومن حولك من المؤمنين في أمس الحاجة إلى مساعدتك ولا تساعدهم؟ مستحيل.
 إني لأحبك، والله إني أحبك، والله إني أحبك، فقال: إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر ـ قصد فقر الإنفاق ـ أقرب إليك من شرك نعليك، لكن لا تنسوا هذا الحديث:

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 والله الذي لا إله إلا هو لو أن المجتمع الإسلامي انتبه إلى ضعفائه، أطعمهم، وسقاهم،وأكرمهم، وعلمهم، وآواهم، فالله سبحانه وتعالى يتفضل علينا جميعاً أن ينصرنا على من هو أقوى منا.

إن لم يكافأ المحسن و يعاقب المسيء فنحن في طريق الهاوية :

 ذو القرنين قال:

﴿ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً ﴾

[ سورة الكهف]

 أخواننا الكرام هناك حقيقة خطيرة، إن لم يكافأ المحسن، وإن لم يعاقب المسيء، فنحن في طريق الهاوية، مثل بسيط: أنت معلم، عندك خمسون طالباً، أعطيتهم وظيفة، بعض الطلاب كتبوا الوظيفة واستغرقت معهم ساعتين أو ثلاثة،  وتعبوا بها كثيراً، وفي اليوم التالي لم تشاهد الوظائف، فاستوى عندك من جهد طوال الليل في كتابة الوظيفة، ومن أهمل هذا الأمر، في اليوم الثالث أعطِ وظيفة لا أحد يكتبها.
 كلام دقيق، إن لم يكافأ المحسن، إن لم يعاقب المسيء، فهناك مشكلة، فإذا كنت معلماً، أو كنت أباً، أو كنت قيماً على عشرة، يجب أن يكافأ المحسن، ويعاقب المسيء.
 لذلك:

﴿ قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُكْراً ﴾

﴿ وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾

[سورة الكهف]

 هذا مبدأ يحتاجه الأب، تحتاجه الأم، يحتاجه المعلم، يحتاجه أي صاحب منصب قيادي.
 أيها الأخوة، هذه أمانة القوي.

الطرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

 أخواننا الكرام، قال عليه الصلاة والسلام:

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 لماذا؟ قال: لأن القوة تعني قوة المال، وقوة العلم، وقوة المنصب، قوة المال، بإمكانك أن تفعل في المال أعمالاً لا تعد ولا تحصى، مشاريع، معاهد، مستشفيات، مستوصفات، تزويج الشباب، والله هناك طرق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، وأنا أتصور أن الله جلّ جلاله ما جعل الغني غنياً إلا ليصل بغناه إلى أعلى درجات الجنة، حينما ينفق ماله في سبل الخير.
 والقوة الثانية قوة العلم:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 39]

 هذه قوة ثانية.
 والقوة الثالثة: قوة المنصب، بجرة قلم تحق حقاً، وتبطل باطلاً، تقر معروفاً، وتزيل منكراً، بتوقيع، فقوة العلم، وقوة المال، وقوة المنصب.
 لذلك إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون قوياً، أما إذا كان طريق القوة على حساب مبادئك وقيمك فالضعف وسام شرف لك.

المؤمن سفير لهذا الدين :

 أيها الأخوة، الآية الكريمة التي بدأناها في أول هذا الدرس:

﴿ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ *إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾

 أيها الأخوة الكرام، هذا الدرس يضغط بآية واحدة:

﴿ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ﴾

 فأنت على ثغرة من ثغر هذا الدين، فلا يؤتين من قبلك.
 وآخر فكرة أنك إذا أسأت إلى غير المسلم هو لا يتهمك عندئذٍ يتهم إسلامك، لا يتهمك يتهم دينك، وأنت سفير لهذا الدين.
 أيها الأخوة الكرام، في الآيات القادمة إن شاء الله تتبدى بعض الحقائق في هذه السورة الكريمة.