بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس (1-6): تفسيرالآيات 1-5، الأدب مع الله و رسوله

1995-04-14

الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الأول من سورة الحجرات.

الآداب التي ينبغي أن يتحلَّى بها المؤمن:

هناك آداب يجب أن يتحلى بها المؤمن

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

كلكم يعلم أيها الأخوة أن في الإسلام عقائدَ، وأن فيه عباداتٍ، وأن فيه معاملاتٍ، وأن فيه آداباً، فهذه السورة الكريمة فيها جانبٌ من الآداب التي ينبغي أن يتحلَّى بها المؤمن تجاه خالقه، وتجاه رسوله، وإخوانه المؤمنين، لكن الآية الأولى لها أهميِّةٌ كُبرى لأنها متعلِقةٌ بالعقيدة، أنت حينما تتعرَّف إلى الله عزَّ وجل من خلال الكون، تطلع على جانبٍ من عظمة الله عزَّ وجل، وتعرف علمه وحكمته، ورحمته وعدله، وتعرف الله عزَّ وجل وتعرف أن هذا كلامه لا يمكن أن يخطر في بالك أن تتناول هذا الكلام بالمناقشة، أو بالموازنة، فهذا كلام الله عزَّ وجل، يمكن أن تعمل عقلك فيه لتكشف جوانب عظمته، أما أن تمتحنه، وتقدِّم البديل، وتناقشه، وتوازن بين ميزاته وبين مضاعفات تطبيقه فهذا دليل عدم الإيمان.

لا يعرف الله من اعتقد أن هناك حلاً لمشكلة ما خلاف حلّ القرآن الكريم:

حل المشكلات بما هو خلاف القرآن اعتقاد خاطئ
لذلك بدأت هذه السورة بالأدب مع الله عزَّ وجل، حينما تفكِّر أن لديك حلاًّ لمشكلةٍ خلاف حلِّ القرآن الكريم فأنت لا تعرف الله، وحينما تفكِّر أن تقول: هذه القضية التي طرحها الدين هل تصلح لنا أو لا تصلح ؟ فأنت لا تعرف الله عزَّ وجل، وحينما ترى أن حلاً أرضياً نجح في حلِّ مشكلةٍ لم ينجح الإسلام في حلّها إذاً أنت لا تعرف الله عزّ وجل، فعليك ألاّ تقدِّم اقتراحاً، ولا بديلاً، ولا شيئاً، ولا نظاماً، ولا منهجاً يخالف منهج الله عزَّ وجل، فتصوَّر إنسانًا أُمِّياً عنده مرض قلب ثم جاء طبيب القلب، فقال له: إيَّاك أن تتحرَّك، بل إياك أن تتكلَّم، فقال له هذا الضيف: لا، امش فالمشي مفيد، فهذا الذي قدَّم اقتراحاً وهو جاهلٌ في حضرة طبيب قلبٍ وهو لامعٌ هو إنسان فضلاً عن أنه ارتكب خطأً فقد ارتكب وقاحةً حينما أدلى برأيٍ مخالف لرأي الطبيب المختص، المشي مفيد ولكن لغير هذا المريض، فهذا المريض لو تكلَّم كلماتٍ فيهن جهدٌ لتوقَّف قلبه، ولذلك لابدَّ له من عنايةٍ مشدَّدة.

من خالف منهج القرآن الكريم فقد قدّم بين يدي الله و رسوله:

اللجوء لحلول مخالفة للقرآن كلجوء المريض لغير الطبيب
تصور إنسانًا يدخل على طبيب مثلاً فيقول له: سآخذ الدواء الفلاني والفلاني، وسأعمل، يقول له الطبيب: لماذا أنت عندي ؟ ما دمت تقدِّم اقتراحاتٍ وأدويةً لمرضك فلماذا أنت عندي ؟ أي لمجرَّد أن تعتقد أن هناك حلاَ أرضياً وضعياً لمشكلةٍ خلاف حلِّ الإسلام لها فقد قدَّمت بين يدي الله ورسوله، وإذا فكَّرت في طريقةٍ مخالفةٍ لمنهج القرآن الكريم فقد قدَّمت بين يدي الله ورسوله وإذا رأيت أن نظاماً يجب أن نستورده ليحلَّ مشكلاتنا وعندنا كتاب الله يُتلى بيننا وهو منهج الله لنا، وحينما تستقدم هذا النظام كي يَحُلَّ مشكلاتنا، فأنت ماذا فعلت ؟ إنك قدَّمت بين يدي الله ورسوله، أي أنك قدَّمت البديل، فمن أنت إذا قيست خبراتك وعلمك بعلم الله عزَّ وجل ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام يتلقَّى عن ربّه، فإذا قدَّمت أمام النبي اقتراحاً فأنت حكماً تقدِّمه أمام الله عزَّ وجل، وإذا أمسكت بحكمٍ شرعي وقلَّبته فهل يصلح أو لا يصلح؟ وهل هو معقول أم غير معقول ؟ أنت حينما تفعل هذا قدَّمت بين يدي الله ورسوله.

كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:

الربا ممحوق من الله مهما زينه الناس
الآية الأولى في هذه السورة وإن كانت منتميةً إلى الآداب التي يجب أن تتأدَّب بها تجاه الله أولا ً، وتجاه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ثانياً إلا أن هذه الآية متعلِّقةٌ بالعقيدة، وفرقٌ كبير لو أنك وقفت أمام مئة ألف كتابٍ كلها في كفَّة وكلام الله في كفَّة، فكلام الله وحيٌ من عند الله، وكلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو حقٌّ صرف ليس فيه باطل، ولا فيه اختلاف، ولا ضعف، فالمشكلة أن الإنسان يلاحظ نفسه، أنا يمكن أن آتي بآية قرآنية ؟ بحكم شرعي ؟ وأرى أنه لا يصلح للتطبيق الآن.

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

( سورة البقرة: آية " 276 " )

قد تفكر في استثمار المال بربحٍ ثابتٍ على شكل الربا ؟ يا أخي هذا الشيء عملي وأريح، أنا أشعر أنَّ أناساً كثيرون يرون في المناهج الوضعية البعيدة عن الدين مناهج صالحة للحياة، فمن هنا كانت هذه الآية الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

هذه الآية تدعمها آيةٌ أخرى وهي:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

(سورة الأحزاب: آية " 36 " )

العاقل من لا يكون له رأي مع القرآن الكريم:

أحكام القرآن ثابتة لاتتغير مع مرور الزمن والتطور
مرَّة سألوا طبيبة: ما رأيكِ في تعدُّدِ الزوجات ؟ أجابت إجابةٌ قالت: هل يُعقَلُ أن يكون لي رأيٌّ في هذا الموضوع وقد أباحه الله عزَّ وجل ؟ والله إجابة رائعة، وهل يعقل أن يكون لي رأي مع القرآن الكريم ؟ هذا هو الإيمان، الله عزَّ وجل حكم في هذا الموضوع، قال:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾

( سورة البقرة: آية " 276 " )

فإذا أردت أن تقول: هذا الشيء غير واقعي، فالحياة تطوَّرت، ولابدَّ من استثمار الأموال بفائدةٍ ثابتة، ولابدَّ من تحريك الأعمال يا أخي، فإذا انطلقت هذا المنطلق فقد قدَّمت بين يدي الله ورسوله وأنت لا تشعر، فإذا منع الإسلام الاختلاط وأنت رأيت في الاختلاط حلاً لمشكلاتٍ كثيرة، فيمكن أن نوفِّر في شراء المساكن، إذا كانت كل خمس أو ست أسر في بيت واحد، كل شاب وزوجته في غرفة، مع أن الله سبحانه وتعالى جعل زوجة الأخ أجنبية لا يجوز النظر إليها، فإذا أنت اقترحت اقتراحاً يخالف منهج الله عزَّ وجل إذاً أنت نظرت من زاويةٍ واحدة.

الإنسان عندما يشرِّع فإنه يشرِّع من زاوية واحدة:

نحضر لكم أمثلة كثيرة: في بعض البلاد طبَّقوا مبدأ أن الزوج إذا طلَّق زوجته تأخذ نصف أملاكه قطعاً، قال لي أحدهم: بارت سوق الزواج في هذا البلد، فصار الأب الحريص على تزويج ابنته يعرض سند أمانةٍ بمبلغٍ فلكي يقدِّمه للخاطب، فيما لو طالبناك بنصف أموالك عند الطلاق طالبنا بهذا الثمن.
في بلاد الصين صدر قانون قبل سنواتٍ عدَّة يلزم الأبوين بإنجاب ولدٍ واحد، فكان بعض أهل الصين إن جاءتهم بنتٌ يخنقونها، وإن جاءهم غلامٌ سجَّلوه في السجلاَّت الرسمية، وكان بعضهم أكثر رأفةً فكان يفحص امرأته بالأجهزة الحديثة عن طريق السائل الأمينوسي فإذا كان الحمل أنثى أجهضها وإذا كان ذكراً أبقاه (أنا أتابع هذا الموضوع على صفحات الجرائد)، وآخر خبر في عام ألفين هناك خمسون مليون عازب لا يقابل هؤلاء الفتيات، وقبل هذا الخبر خبر نشرته صحيفة دمشقية يومية يقول: إن هناك عصاباتٍ في الصين تخطف الفتيات في سنِّ الزواج، لأنه حينما أصرَّت الأسرة على أن يكون الولد الوحيد ذكراً، فكل واحد حلَّ مشكلته الخاصَّة أما في المجموع ظهرت مجتمعاتٌ ليس فيها نساء.

التشريع الأرضي يخدم مصالح المشرِّع لكن التشريع السماوي يضمن سعادة الدنيا والآخرة:

حينما قلنا: الإنسان حر ينبغي له أن يفعل ما يشاء ! فإلى أين وصلنا ؟ إلى الإباحية، وإلى تبادل الزوجات، وإلى زنا المحارم، وإلى الشذوذ، وإلى مرض الإيدز، فالإنسان عندما يشرِّع فإنه يشرِّع من زاوية واحدة، ولكن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليسعده في الآخرة، وهو بنظره القاصر ينظر إلى الدنيا فقط، ولكن الشرع يضمن له سعادة الدنيا والآخرة، والإنسان إذا شرَّع فعلمه محدود، قد يلبي حاجةً على حساب حاجاتٍ، فلذلك ما من تشريعٍ أرضي إلا ويظهر بعد حين خلله الخطير، يُعدَّل، ثم يعدَّل، ثم يعدَّل، ثم يُلْغَى، وهكذا نحن في دوَّامة، تعديلٌ، وتعديلٌ، وتعديلٌ ثم تجميدٌ ثم إلغاء، لأنه لا يمكن للإنسان أن يكون مشرِّعاً، فإن ملك العلم فلا يملك تحيَّيد الهوى، وفي الأعمِّ الأغلب أن الإنسان إذا شرَّع وجَّه النصوص لصالحه، فدائماً التشريع الأرضي يخدم مصالح المشرِّع، فإذا ملك العلم ملكته نفسه، وملكته غرائزه، وإذا كان موضوعياً كان علمه قاصراً، وإذا كان علمه واسعاً نظر إلى الدنيا ولم ينظر إلى الآخرة، وهذا الخلل يعانيه العالم اليوم.

أي تشريع لا ينطلق من منهج الله عزَّ وجل هو تشريع باطل:

التشريع البشري ناقص والتشريع الإلهي هو الكامل
مثلاً: نحن نراعي قوانين العرض والطلب في الاقتصاد، وهذا شيء جميل، ولذلك تمَّ إعدام عشرين مليون رأس غنم في استراليا، بإطلاق الرصاص عليها ودُفِنت حفاظاً على سعرها المرتفع، هذا هو التشريع الأرضي، ومن أجل أن نحافظ على أسعار الحمضيات يُتلَف محصول عامٍ بأكمله في أمريكا، فإذا تسلَّل الزنوج الفقراء لأكل بعض حبَّات البرتقال، سمَّموه في العام القادم، والحديث عن إتلاف المواد الغذائية يطول، إنهم وحوش، فالإنسان إذا شرَّع فعلمه قاصر، ونظرته وزاويته محدودتان، وفوق هذا كله شهوته تتحكَّم فيه، فالإنسان لا ينبغي له أن يفكر في حلٍّ لقضية خلافَ حلّ القرآن الكريم.
و أحياناً يذهب إنسان إلى بلد ليعمل، إن لم يكن دخله برقم عالٍ جداً لا يسمح له بإحضار زوجته، فإنسان يعيش سنتين أو ثلاثة أو خمسة بلا زوجة، وزوجة بلا زوج ؟ وهذا خِلاف النظام الإلهي، قد يحصل فساد من قِبَلِها ومن قِبَلِه، فأي تشريع لا ينطلق من منهج الله عزَّ وجل هو تقديمٌ بين يدي الله ورسوله، فلا تقدِّم بديلاً، ولا اقتراحاً، ولا منهجاً، ولا تتناول منهج الله عزَّ وجل بالمناقشة، أي بالتقليب، بالمدارسة على أنه يصلح أو لا يصلح ؟ واقعي أو غير واقعي ؟ فمعنى ذلك أنك لا تعرف الله عزَّ وجل.

أفضل نظامٍ للبشرية النظام الذي يعتمد على كتاب الله:

الصحابة الكرام كانوا في أعلى درجات الأدب، فالحُباب بن المنذر رضي الله عنه لمَّا رأى موقع المسلمين في بدر ليس موقعاً جيداً توجَّه إلى النبي عليه الصلاة والسلام (دقِّقوا فيما سيقول) قال: " يا رسول الله أهذا الموقع وحيٌّ أوحاه الله إليك ؟ أي لو أنه وحيٌّ أوحاه الله إليه لا يمكن أن ينطق بكلمة، ولا يمكن أن ينبس ببنت شفة.. أم هو الرأي والمكيدة ؟ " فلَّما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( بل هو الرأي والمكيدة"))

قال: يا نبي الله ليس بموقع. " متى قدَّم اقتراحاً ؟ حينما تأكَّد أن هذا الموقع ليس وحياً من الله عزَّ وجل.
فالمؤمن حينما يشعر أن هذا الكلام وحي الله عزَّ وجل، فهذا هو الحل ولا حلَّ سواه، وهذا هو المنقذ للبشرية مما هي فيه من آلام.. فإنسان يؤلِّف كتاباً اسمه" الإنسان ذلك المجهول "، إنسان غير مسلم عاش في بلاد الغرب، ويكتشف بالملاحظة الدقيقة، وبالتأمّل والدرس والبحث أن أفضل نظامٍ للبشرية أن يقصر الرجل طرفه على زوجةٍ واحدة، هذا هو الإسلام، غض البصر، ما دام هناك إطلاق بصر تولَّدت الشهوات، وما دام الاختلاط موجودا فهناك من يشتهي امرأة غيره، وأكثر الاختلاط والحفلات المختلطة من أجل أن يمتِّع الإنسان نظره بغير زوجته، فماذا يحدث بعد انتهاء الاحتفال ؟ تتفاقم الهوَّة بين الزوجين، فتنشأ البغضاء بينهما، وإنْ بقي هذا الزواج قائماً فإنه فقد السعادة الزوجية، فنحن نؤمن أن هذا القرآن كلام الله، وإعجازه دليل أنه كلام الله، فإذا ثبت لديك أن هذا التوجيه من عند الله، وأن هذا الحكم حكم الله، انتهى الأمر.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

ليس للإنسان أن يبحث إلا عن وجوه إعجاز و حكمة القرآن الكريم:

قد يقول أحدهم: نحن نعطِّل عقولنا ؟ لا، تناول الآية الكريمة بالبحث والدرس لمعرفة وجه إعجازها، ولمعرفة الفوائد التي لا تُحصى من تطبيقها، فيمكنك أن تتناول القرآن والسنة لا بنية أن تكشف الخطأ والصواب، وأنها واقعية أو غير واقعية، لا، بل بنية أن تعرف ما تنطوي عليه هذه الآية من إعجازٍ في نظمها وفي تشريعها وفي الأمر والنهي، فأنت ليس لك في كتاب الله إلا أن تبحث وجوه إعجازه، وأن تبحث عن حكمته، موقنًا أنها حكمةٌ ما بعدها حكمة، وفيه علمٌ ما بعده علم، وكذلك ما فيه من رحمةٍ، ومصلحةٌ لهذا الإنسان، هذا هو إيمانك، فإذا أردت أن تقرأ القرآن وأن تُعمِلَ عقلك فيه، وأن تتدبِّره، وأن تفهمه فمن أجل مزيدٍ من كشف الحكمة والعلم والإعجاز في القرآن الكريم.
فحينما تقدِّم بديلاً، أو اقتراحاً، أو شيئاً مخالفاً للكتاب والسنة، أو حلاً لمشكلةٍ لم يحلَّها القرآن بهذه الطريقة، حينما تفكِّر أن تفعل هذا فقد وقعت في خطأين كبيرين: الخطأ العقدي الموضوعي، والاجتراء على الله عزَّ وجل.

الأحمق من يجرؤ على تقديم اقتراح أو بديل أمام الله أو رسوله:

الإنسان أحياناً يخجل أمام دكتور في الآداب أن يتكلَّم باللغة، فهذا شيء مقبول، وواقع، أحياناً تكون جلسة فيها إنسان في أعلى مستوى في الأدب، أو في اللغة، وأعلى مستوى في أصول الفقه، وفي علم العقيدة، وفي الحديث، وعالم أحاديث، فالحاضرون يتهيَّبون لعلمهم الغزير من الحديث في موضوع اختصاصهم، لو فرضنا إنسانًا على أعلى مستوى من العلم باختصاص معين، وإنساناً يحمل ابتدائية وبدأ يتكلَّم في الاختصاص نفسه، طبعاً سيتكلَّم غلطًا ولكن فضلاً عن أنه سيتكلَّم خطأً فهو بهذا الكلام اجترأ على مقام هذا العالم، فهذا مع إنسان لا تجرؤ أن تقول كلمةً في موضوعٍ في حضرة من كان متفوقاً فيه، أليس كذلك ؟ في حياتنا الاجتماعية العلمية، في الجامعة، وفي أعمالنا إذا وجد إنسان يحمل أعلى شهادة في اختصاصه وأنت تحمل شهادة ابتدائية أو كفاءة هل لك أن تدلي برأيك في موضوع اختصاصه، وأنت تتحدَّث بطلاقة ؟ هذا مستحيل، أنت مع إنسان لا تجرؤ أن تقول كلاماً في اختصاصه وهو في أعلى درجة من العلم، فكيف تجرؤ على أن تدلي ببديلٍ أو اقتراحٍ أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وحينما تقدِّم اقتراحاً أمام النبي عليه الصلاة والسلام فأنت في الحقيقة تقدِّم اقتراحاً أمام الله عزَّ وجل، فمن أنت؟

القرآن الكريم معجزة مستمرة إلى يوم القيامة:

كلما تقدم العلم كشف جانبا من معجزة القرآن
ويا إخوتنا الكرام: ما من تقدّمٍ علمي على مستوى البشر في بقاع الأرض كلها إلا ويكشف جانباً من عظمة هذا الكتاب، إنه معجزةٌ مستمرَّةٌ إلى يوم القيامة، وكلَّما تقدَّم العلم كشف جانباً من هذه المعجزة، ولعلَّ في أسباب نزول هذه الآية تحديداً لها وتضييقاً لمفهومها، فالعبرة لا في خصوص السبب بل في عموم المعنى.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

فمنهج الله هو الأكمل، والأصوب، والأصح، والمنقِذ لما نحن فيه من مشكلات، فلذلك في كل قضية اسأل: ما حكم الشرع فيها ؟ وإيَّاك أن تحيد عن حكم الشرع لأنك لابدَّ من أن تدفع الثمن باهظاً، ولابدَّ من أن تحيد عن حكم الشرع. ففي أول عامٍ خطبت في هذا المسجد وهو عام ألفٍ وتسعمئة وأربعة وسبعين قبل التوسعة، انتحى بي رجلٌ بعد الخطبة ناحيةً وأسرَّ لي: أن امرأته تخونه وبدأ يبكي، فسألته: مع من ؟ قال: مع الجار، قلت له: وكيف تعرَّف هذا الجار على امرأتك ؟ قال: والله مرَّةً زارنا في بيتنا، وأنا قلت لزوجتي: يا أم فلان تعالي إلينا هو كأخيكِ، من هنا بدأت المشكلة.. فالله عزَّ وجل أمرنا بغضّ البصر، ونهانا عن الاختلاط، فجهله قاده إلى ما آل إليه، وعنده خمسة أولادٍ منها.

ما من مشكلةٍ على وجه الأرض إلا وراءها مخالفة لمنهج الله:

ما من مشكلةٍ على وجه الأرض إلا وراءها مخالفة لمنهج الله، هذا كلام قطعي، وكلام أكيد وصحيح، ما من مشكلةٍ إلا وراءها مخالفة لمنهج الله، حتى لو انتقلت إلى المجتمعات الغربية تجد أن كل المشكلات الطاحنة التي تسحق المجتمع وراءها مخالفة لمنهج الله عزَّ وجل، وما من مخالفةٍ لمنهج الله عزَّ وجل إلا بسبب الجهل، فالعلم هو الأول، فإذا أردت النجاة فعليك بالعلم، وإذا أردت سعادة الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت سعادة الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردت الدنيا والآخرة فعليك بالعلم، لأن الله عزَّ وجل له قوانين وله سنن إذا عرفتها سلكت السبيل الصحيح.

على الإنسان أن يتحرك في حياته وفق منهج الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

البديل.

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾

أنت ما عليك إذا عرفت أن هذا حكم الله إلا أن تبادر إلى تطبيقه فقط، وما عليك إذا ثبت لديك أن هذا هو حكم الله، هذه القضية حرام دعها فوراً، وهذه حلال افعلها إذا شئت، واجب بادر إلى فعلها، أمر، فرض عليك أن تفعلها، القضية عند المؤمن، في كل قضيةٍ في حياته ؛ وزواجه، وطعامه وشرابه وعمله، وأفراحه وأتراحه، وفي نزهاته يتحرَّك وفق منهج الله عزَّ وجل، ووفق الأمر والنهي، فهذا الذي أراده الله من هذه الآية، وهذا بعض ما يُفْهَم منها:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾

عليك بطاعة الله.

إن تكلم الإنسان أو سكت فالله يعلم ما هو عليه:

﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

الحلول الدنيوية لمشكلات البشر كارثية
ما الفرق بين سميعٍ وبين عليم، قال: إن تكلَّمت، وقدَّمت اقتراحاً، وطرحت بديلاً، فكَّرت في طريق آخر، فإن تكلَّمت فالله سميع، وإن سكت وقلت: هذا الأمر لا يصلح لهذا الزمان، فالله يعلم ما أنت عليه، إذن يعلم الله ما تقوله وما أنت عليه، إذن لا تقدِّم، وبادر إلى الطاعة، واعلم أنك مراقب في تكلُّمك وفي صمتك، فلا تقدِّم مقترحات بدائل، ولا تفكِّر في اتجاه خلاف اتجاه القرآن الكريم، بل أحصِ الذين إذا أرادوا أن ينظِّموا، أو يشرِّعوا، أو يضعوا حلولاً لمشكلات البشر، فكِّر مثلاً: هناك انفجار سكَّاني في العالم كما يقولون، شيء جميل، فما الحل ؟ الحل في نظر أهل الدنيا. عُقِد مؤتمر للسكان في القاهرة. فالحل: أن نؤخِّر سنَّ الزواج إلى الخامسة والثلاثين، ماذا يفعل الشاب حتى هذا السن ؟ يجب أن يمارس هذه الحاجة التي أودعها الله فيه خارج الزواج، بالزنا، أو الشذوذ بين ذكرين أو أنثيين، هذا الحل عندهم، وإذا حملت المرأة خطأً فمصيره الإجهاض، الحل أن نقيم كيانًا ليس بين زوج وزوجة بل بين شابّين، أو فتاتين، أو بين رجل وامرأة، دول تجتمع من أجل أن تقرِّر أن الحل هو الزنا، واللواط، والسِحاق، وتأخير الزواج، والحل هو الإجهاض، فأين منهج الله عزَّ وجل ؟ والمؤتمر عُقِد في بلد إسلامي، هذا هو التقديم.

من وضع حلاً يخالف قواعد الشرع قضى على المجتمع بأكمله:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

فهل نضع حلاًّ يخالف قواعد الشرع ؟ هذا حل وليس حلاً لهذه المشكلة، بل هو حل للمجتمع، المجتمع يُحلُّ بهذا الحل وينتهي الأمر، فيروون قصَّة رمزية تعبِّر عن المجتمع الغربي: إن شاباً أراد الزواج من فتاة فسأل أباه ؟ فقال له: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري، الفتاة الثانية أيضاً قال له مثل قوله الأول، والثالثة قال له كذلك، فلمَّا ضجر من أبيه ذهب إلى أمِّه وقال لها: ما القصَّة ؟ قالت: خذ أيًّاً شئت فأنت لست ابنه وهو لا يدري.
إذا أردنا أن نبتعد عن منهج الله فهذه هي النتائج، ومهما تكلَّمت عن فساد العالم الغربي، وعن الانحلال.. مرَّة أُجريت ندوة في التلفزيون الأمريكي حول الزنا، أو العلاقة غير المشروعة، فجاءت هواتف من عدد كبير يُثْبِت أن ثلث حالات الزنا في أمريكا زنا محارم، بين الأخ وأخته، والأب وابنته، والأم وابنها، الثلث، هذا المجتمع الغربي، هذا مجتمع من غير منهج. فالخطر أن نتحرَّك بهذا الاتجاه.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

من أحلَّ الحرام أو حرَّم الحلال وقع في الشِركِ وهو لا يدري:

نحن استقدمنا أمراض الغرب مع تبني أسلوب حياتهم
كلَّما قلَّدنا الغربيين في علاقاتهم، ونظمهم، وقيمهم، واستوردنا منهم الحلول، وكلَّما قلَّدناهم في علاقاتهم، وفي أفراحهم وفي أتراحهم انتقلت أمراضهم إلينا، توجد عندنا سلسلة رياضية حسابية، وسلسلة هندسية وهل توجد سلسة ثالثة ؟ نعم هناك ثالثة وهي سلسلة انفجارية، فأحياناً تنتقل الأمراض بشكلٍ مخيف ؛ فأمراضنا الاجتماعية، وتفكُّك الأسرة، وحلول السِفاح محل النِكاح، والخيانة الزوجية تنتشر، إله يُشَرِّع أيُعقَلُ لهذا الإنسان أن يشرِّع مع الله ؟
وبالمناسبة: من أحلَّ الحرام أو حرَّم الحلال وقع في الشِركِ وهو لا يدري، أيُّ شركٍ هذا ؟ أشرك نفسه مع الله في التشريع، فيكفي أن تقول: هذا الشيء أنا لا أعتقد أنه محرَّم، افعله ولا شيء عليك، هذا الكلام شرك، إنه يكفي أن تحلِّل ما حرَّمه الله، أو أن تحرِّم ما أحلَّه الله كي تقع في الشرك وأنت لا تدري.
فنحن أيها الأخوة: يجب أن نحصِّن أنفسنا، ونضع التقاليد الغربية تحت أقدامنا، فالعادات، وروح العصر والحداثة هذا كلَّه ينتهي بنا إلى أن ينحلَّ مجتمعنا كما حُلَّت المجتمعات الغربية.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾

الإسلام أدب و احترام كله:

الإسلام كله أدب
أنت لك أصدقاء، لك إخوان مؤمنون طيّبون، فالعلاقات كلها مع المؤمنين من طبيعة، والعلاقة مع رسول الله من طبيعةٍ أخرى، هذا ليس ندًّاً لك، وليس زميلاً لك، وليس أخاً لك إنه رسول الله.

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾

(سورة الأحزاب: آية " 40 " )

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾

أحد الصحابة الكرام وهو زيد الخير أسلم ودعاه النبي إلى بيته، فلمَّا دفع إليه وسادةً ليتَّكئَ عليها (ما مضى على إسلامه إلا وقت قليل) قال: والله يا رسول الله لا أتَّكِئ في حضرتك.
إخواننا الكرام: الإسلام كلُّه أدب، والذي يعلِّم مأمورٌ أن يتواضع لمن يُعلِّم، والمتعلِّم مأمور أن يكون أديباً مع من يتعلَّم منه.

أمر الله عز وجل إلى الصحابة بألا يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبي الكريم:

﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾

ما معنى هذه الكلمة ؟ لا تقل له: يا محمد، قل له: يا رسول الله، قل له: يا نبيّ الله، أما باسمه هكذا: يا محمد.

﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾

التواضع و الأدب من صفات المؤمن:

النبي الكريم يقول:

(( تواضع لمن تعلِّم وتواضع لمن تتعلَّم منه ))

والنبي عليه الصلاة والسلام أمره الله فقال له:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) ﴾

(سورة الشعراء )

فالنبي الكريم أُمِرَ أن يخفض جناحه للمؤمنين، والمؤمنون أُمِروا:

﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﴾

هو أُمِرَ أن يتواضع لهم، وهم أُمِروا أن يتأدَّبوا معه، وهكذا الحياة الكاملة، الطرف الأول متواضع إلى أقصى درجة، فماذا قال النبي لسيدنا عمر ؟ قال له:

((لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ من دُعائك ))

[ إسناد ضعيف عن عمر بن الخطاب]

في العُمْرَة. فالنبي الكريم يطلب الدعاء من سيدنا عمر.

(( لا تَنْسَنا يا أُخَيَّ من دُعائك))

أمرَ الله النبي أن يتواضع مع أصحابه و أمر أصحابه بالأدب معه:

كان عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في سفر، فأرادوا أن يعالجوا شاةً فقال أحدهم: عليَّ ذبحها، وقال الثاني: عليَّ سلخها، وقال الثالث: عليَّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام:

((وعليَّ جمع الحطب ))

إنه رسول الله، قمَّة المجتمع، فقالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال:

(( أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

هو أُمِرَ أن يتواضع لأصحابه.
في ( معركة بدر ) كانت الرواحل قليلة، والصحابة ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً.. والنبي وهو قائد الجيش ونبيُّ هذه الأمَّة ورئيس الدولة، أعطى أمراً أن كل ثلاثةٍ على راحلة، وأتبع الأمر وقال:

(( وأنا وعليٌّ وأبو لبابة على راحلة ))

أمعقول هذا !! فلمَّا ركب النبي عليه الصلاة والسلام وانتهت نوبته في الرُكوب توسَّل صاحباه (علي وأبو لبابة ) أن يبقى راكباً، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( ما أنتم بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر ))

أُمِرَ النبي أن يتواضع وأن يخفض جناحه، والله عزَّ وجل أمر أصحابه فقال:

﴿ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾

لا تقل له: يا محمد، قل له: يا رسول الله، يا نبي الله.

من عرف قدر النبي الكريم و أخذ كلامه عليه أن يتأدب معه:

﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾

السبب، أنك إذا عرفت قدر النبي تأخذ عنه، فكلامه ليس ككلام البشر، بل كلامه وحي.

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾

( سورة النجم)

أما إن رأيت نفسك ندًّاً له، تأخذ منه وتردُّ عليه، فأنت لم تعد طالب علم، فعندئذٍ تأخذ بعض كلامه وتفعل في حياتك اليومية شيئاً آخر ليس منه، وعندئذٍ حَبِطَ العمل، إن فعلتم ذلك فربَّما حبِطت أعمالكم.

﴿ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾

من حُجب عن الله تصبح صلاته لا معنى لها:

تلقي شرع الله يجب أن يكون كاملا وليس انتقائيا
أحياناً يحضر الإنسان مجلس علم لكنه لا يأخذ كل شيء، بل يأخذ ما يعجبه، وما يرتاح له، وما يمكن تطبيقه، فتجد أن هناك كثيراً من المخالفات في البيت، يقول لك: هذه زوَّدها الأستاذ، إذاً لست بطالب علم، بل تنتقي انتقاء، فتختار ما يعجبك وتدع ما لا يعجبك، القصَّة أن تأخذ عن الله عزَّ وجل، فهذا شرع الله عزَّ وجل، وهذا كتاب الله، فإذا رأى الإنسان نفسه يأخذ ويعطي، ولا يوجد تلقٍ كامل بل بعض التلقي عندئذٍ يحبِط العمل، فلو فرضنا شخصاً مقيماً على معصية، فإن هذه المعصية حجاب بينه وبين الله، فما دام محجوب فالصلاة ليس لها معنى.

﴿ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾

(سورة النساء: آية " 142 " )

و صار الإنفاق ليس له معنى:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

(سورة التوبة: آية " 53 " )

على الإنسان أن يطبق المنهج الإسلامي بشكل كامل لا جزئي:

فالمنهج لا يؤخذ بعضه، إما أن تأخذه كلَّه وإما أن تدَعه كلَّه، ولا يصح غير هذا، ولا توجد حالة ثانية، فيجب أن تأخذه كلَّه، إذاً:

﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾

و أنت لا تشعر انتقلت درجة درجة إلى أن تقول: هذا الدين لا يصلح لهذه الأيام، فتكون تحرَّكت وفق هوى نفسك، فما التزمت، وما كنت حريصاً على طاعة الله عزَّ وجل، ولا على معرفة حُكْمِ الله عزَّ وجل.

الأدب دليل العلم:

لذلك الإنسان ينحرف شيئاً فشيئاً إلى أن يبتعد عن أصول الدين، ولكن هؤلاء الذين غَضَّوا أصواتهم عند رسول الله.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾

إخواننا الكرام: هذا الأدب دليل العلم، فلو فرضنا أن زائراً حضر إلى القطر وهو أكبر جرَّاح للقلب في العالم، فقد نرى في بهو المطار ألف شخص تقريباً، فمن يقدِّم له أعلى درجات الاحترام ؟ طبيب قلب جاء ليستقبله، إنه يعرف قدره، وقيمته، أما بقية الموجودين في هذه الصالة فلا يعبؤون به إطلاقاً، مرَّة دخلت إلى مسجد رأيت رجلاً متقدِّماً في السن، منحني الظهر، قصير القامة، يصلي بثوب عربي، والمرء يظنَّه إنسانًا من عامَّة الناس، كنت مع صديقٍ لي وأنا في المسجد، فبادرت إلى السلام عليه بأعلى درجات الأدب، فصديقي قال لي: من هذا ؟ قلت: هذا كان عميدنا في الكليّة، فأنا أعرف قدره، ومؤلَّفاته، ودروسه، والآن تقاعد، فمن يعرف قدر العالِم ؟ العالِم، فإذا كان طبيب القلب الجرَّاح فهل يحترمه إنسان تاجر ؟ لا، إنه لا يعرفه، يقول: من هذا ؟ لا ينظر إليه، أما لو جاء تاجر كبير جداً واستقبله تاجر ثانٍ في المطار إنه كذلك يحترمه احتراماً كبيراً، فالقضية قضية معرفة.

لا تصاحب إلا مؤمناً لأن المؤمن يعرف قيمتك و استقامتك:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾

صاحب المؤمن لأنه يعرف قيمتك
ولذلك فالإنسان ليس له حق أن يخالط أناساً ليسوا على شاكلته، لأنه يقع في حالة إحباط، فأنت مؤمن وعندك قيم ومبادئ، وتقرأ القرآن، وتفهمه، وتدعو إلى الله وتجلس مع غني ليس عنده دين، يقول لك: ما معاشك ؟ لا يعرف ميّزة فيك إلا دخلك، هذا لا يكفيك فكيف تقبله ؟ قد أخذك إلى موضوع ثانٍ، أنت غني بالله، وغني بمعرفة الله، فأخذك من زاوية دخلك فقط، فإذا دخل إلى بيتك يقول لك: هذا البيت كيف يسعك إنه صغير، فكيف تعيش فيه ؟ الأمر يختلف، ولذلك قال: " من دخل على الأغنياء (طبعاً غير المؤمنين) خرج من عندهم وهو على الله ساخط " لأنهم يصغَّرونه.

((يا عائشة إذا أردت اللحوق بي فليكفكِ من الدنيا كزاد الراكب، ولا تستخلقي ثوباً حتى تسترقعيه، وإياكِ والدخول على الأغنياء))

لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثلما ترى له، فصاحب مؤمنًا:

(( لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي ))

[ أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، عن أبي سعيد ]

تصاحب مؤمناً لأن المؤمن يعرف قيمتك، و يعرف استقامتك، وعلمك، وأخلاقك، وباعك الطويل في طلب العلم وفي تعليم العلم، أما لو صاحبت شخصاً من أهل الدنيا فإن حجمك عنده صغير.

كبار الصحابة لشدَّة هيبة النبي الكريم كانوا لا يستطيعون أن ينظروا إليه:

فهنا:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾

هؤلاء المتأدِّبون مع رسول الله، وهؤلاء الذين كأن على رؤوسهم الطير أمام رسول الله، ولا يستطيعون أن يملِّكوا نظرهم به، ما وصفه كبار الصحابة، بل الذين وصفوه ليسوا من كبار الصحابة، لأن كبار الصحابة لشدَّة هيبته كانوا لا يستطيعون أن ينظروا إليه.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾

أربعة أخماس الدين أدب ؛ أدب مع الله و رسوله و المؤمنين:

إخواننا الكرام:أربعة أخماس الدين أدب ؛ أدب مع الله، وأدبٌ مع رسوله، ومع إخوانك المؤمنين، ومع من تُعَلِّم، ومن تتعلَّم منهم، فالإسلام كلَّه آداب، أدبٌ وأنت تأكل، وأدبٌ وأنت تمشي في الطريق، وفي لهوك، وفرحك، ومع أهلك، الدين كلُّه آداب، أدبٌ في مجالس العلم، وفي طلبه، وتعليمه.

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾

أما هؤلاء الذين جاءوا من وراء الحجرات وقالوا: يا محمد اخرج إلينا كي تعلِّمنا، ومرَّة أحد الخلفاء طلب من الحاشية أن ائتونا بعالمٍ نستفد منه وهو في مكّة المكرَّمة، فذهبوا إلى الإمام مالك وقالوا له: تعالَ معنا إلى الخليفة، فقال هذا الإمام العظيم: قولوا له: العلم يؤتى ولا يأتي.

من عرف الله تأدب معه و مع من يحبهم:

كلما عرفت الله أكثر تأدبت معه أكثر

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾

فهل من الممكن أن تلخِّص معرفتك بالله ورسوله من خلال أدبك ؟ نعم، يمكن أن يكون الأدب معياراً لإيمانك بالله، وكلَّما عرفت الله أكثر تأدَّبت معه أكثر، وتأدَّبت مع من يحبُّهم، ومع إخوانك المؤمنين، فالإنسان بجهله قد يقيَّم الناس تقييماً مادياً، أما المؤمن والله الذي لا إله إلا هو لو رأى حاجباً، أو إنسانًا من الطبقة الدنيا في المجتمع وهو مؤمن فإنه يحترمه ويبجِّله ويراه أخاً له، ولا يميِّزُ نفسه عنه بشيء، هذا هو المؤمن، فهذا أخ في الله، أما بعيداً عن الدين وعن الإيمان فيصير التقييم مادياً إذا، تقيِّم الإنسان بماله ومرتبته الاجتماعية فقط.

من فكّر بأن الشرع لا يتناسب مع هذا العصر يكون قد ارتكب سوء أدب مع الله و رسوله:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ﴾

يا محمَّد.

﴿مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾

يا محمد، يا محمد اخرج إلينا.

﴿ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(5)﴾

هذه الآيات آيات الأدب مع الله ورسوله، ولكن أدقُّ ما فيها أنه لمجرَّد أن تقترح على الله، أو أن تقدِّم البديل لشرع الله، أو أن تفكِّر أن هذا الشرع لا يتناسب مع هذا العصر، أو أن هذا التكليف فوق طاقة البشر، فأنت بهذا فضلاً عن بُعدِك عن الحقيقة ارتكبت سوء أدبٍ مع الله ورسوله.

كلما ازداد إيمان الإنسان ازداد تعظيمه لشرع الخالق سبحانه:

لذلك:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

كلَّما ازداد إيمانك يزداد تعظيمك لشرع الله.

﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾

(سورة الحج )

صحابي رأى النبيُّ في يده خاتماً من الذهب، فأمسكه ورماه النبي، فقيل له: خذه وبعه، قال: والله لا آخذ شيئاً رماه النبي، هذا الأدب العالي، لا آخذ شيئاً رماه النبي بيده، فإذا أردت أن تعرف ما لك عند الله فانظر ما لله عندك.

من هان أمر الله عليه هان على الله:

الحقيقة عندما يرى الإنسان الناس وقد هان عليهم أمر الله فإذا رآهم هانوا على الله فعليه ألاَّ يعتب على الله، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، صلى أو لم يصل سواء، يقول: نصليها كلها في الليل، لكي لا يغير إتقان الحسن لا يصلي العصر، لقد هان أمر الله عليه فهان هو على الله، لكي لا يعمل وجبتين في الطعام يقول لك: يا أخي نحن أهلية محليّة، فهل هذه آية أم حديث ؟ ليست بآية ولا حديث، إنّ أمر الله هان عليه، فحصل الاختلاط بالأجنبيات، نضعها مائدة واحدة لأنه أريح، وكلَّما هان أمر الله على الناس هانوا هم على الله، وكلَّما عظَّموا أمر الله عزَّ وجل تولاهم الله عزَّ وجل، وأكرمهم، ورزقهم.

﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي﴾

(سورة النور: آية " 55 " )

على الإنسان ألا يتناول أية آية بالبحث إلا ليكشف حكمتها لا البديل عنها:

إخواننا الكرام: في نهاية المطاف يمكن أن تتناول آيةً بالبحث والدرس لعلَّةٍ واحدة، ولهدفٍ واحد، أن تكشف حكمتها، وأن تكشف الخيرات التي نجنيها من تطبيقها، لا أن تقلِّبها على وجوهها، أتصلح أم لا تصلح ؟ فما البديل ؟ وأيهما أفضل ؟ هذا هو الذي يمكن أن يُستفاد من هذه الآيات التي تتعلَّق بالآداب مع الله ورسوله.
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله ننتقل إلى أدب المؤمنين مع بعضهم بعضاً.