بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 024 أ - اسم الله الإله 1

2007-08-13

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى: ( الإله ):

  أيها الإخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم، هو: ( الإله ).

1 ـ ورود اسم ( الإله ) في القرآن الكريم والسنة النبوية:

  فقد ورد في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، قال تعالى:

﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) ﴾

( سورة البقرة )

  وقال تعالى:

 

﴿ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ (73) ﴾

 

( سورة المائدة )

معنى السنة:

  أما في السنة فلا بد من تمهيد:
تعريف سنة النبي عليه الصلاة والسلام: هي أقواله وأفعاله وإقراره، أيّ شيء قاله هو من السنة، وأيّ شيء فعله هو من السنة، فإذا سمع كلاماً وسكت عنه فهو من السنة، لأنه لا يمكن أن يسكت على خطأ، فإذا سكت معنى ذلك أنه أقره، والنبي عليه الصلاة والسلام نقل لأصحابه قول خبيب حينما قتل.
  بالمناسبة، سئل خبيب قبل أن يقتل: أتحب أن يكون محمد مكانك، وأنت في أهلك وعافيتك ؟ فقال كلمة لا تنسى، قال: << والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، يعني الورود والأزهار، والبيت الواسع بالمقاييس المعاصرة، التكييف والطعام، ومركبة فارهة، والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي، وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة >>.
  لذلك قال أبو سفيان: << ما رأيت أحد يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً >>.
  أيها الإخوة الكرام، الإسلام هو الحب، فإذا ألغي الحب من الإسلام كان جثة هامدة، ألا لا إيمان لمن لا محبة له، لأن الله سبحانه وتعالى بيّن في كتابه الكريم أن أساس العلاقة بين العباد وربهم علاقة حب:

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ (54) ﴾

( سورة المائدة )

  فلذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام وحي يوحى:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

( سورة النجم )

  فلما قتل خبيب، قبل أن يقتل صلي ركعتين، وقال:

 

وَلَسْتُ أُبَالِى حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمـــاً  عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ في اللهِ مَصْرَعِي
وَذَلِكَ في ذاتِ الإِلَهِ وَإِن يَشـــأ   يُبارِك عَلى أَوصالِ شِلوٍ مُــمَزَّعِ

  وذلك في ذات الإله،من أجل الله عز وجل، لذلك:

 

 

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) ﴾

( سورة الأنعام )

  فالنبي عليه الصلاة والسلام نقل قول خبيب: << وذلك في ذات الإله >>، ولم يعترض عليه، إذن الإله بدليل السنة النبوية من أسماء الله الحسنى.
  أيها الإخوة، في صحيح البخاري ورد الدعاء التالي:

 

((... اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ ))

 

[ البخاري عن ابن عباس ]

  فـ ( الإله ) من أسماء الله الحسنى بنص القرآن الكريم، وبإقرار النبي عليه أتم الصلاة والتسليم.

2 ـ معنى ( الإله ):

  لكن أيها الإخوة، ما معنى ( الإله ) ؟
  قال علماء اللغة: ( الإله ) اسم مفعول، ونحن لغتنا والحمد لله لغة راقية جداً، لغة تصريف، عندنا فعل، وعندنا مصدر، وعندنا فعل ماض، وفعل مضارع، وفعل أمر، واسم فاعل، واسم مفعول، واسم مكان، واسم زمان، واسم آلة، وصفة مشبهة باسم الفاعل، لغتنا مبنية على نظام الأُسَر.
  مثلا: عرف، المعرفة مصدر،عرف، يعرف، عارف، معروف، اعرف عراف، فهناك جد وهناك أحفاد كثيرون.
  للتقريب، أنت في اللغة الإنجليزية تقول: table طاولة، book كتاب، write يكتب، أما في اللغة العربية فتقول: مكتب وكتاب وكتابة، من أسرة واحدة، فـ ( الإله ) اسم مفعول بمعنى المألوه، والمألوه أي: المعبود محبةً وتعظيما.
  أيها الإخوة، أصل الفعل ألِه يأله إلهةً، و( الإله ) هو الله، الآن كل ما اتخذ من دون الله معبودا هو إله عند من اتخذه، حينما تخضع لشيء، حينما تطيع شيئاً أو جهةً، حينما تستسلم لها، لو لم تسمِّها إلها فقد جعلتها إلهاً:

﴿ أفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 23 )

  أيّ جهة تخضع لها، تستسلم لها، تحبها، تتفانى في طاعتها هي إلهك.

 

3 ـ أن يكون اللهُ إلهَك ومعبودَك:

  ما البطولة ؟ أن يكون الله إلهك، لا أن تكون الشهوة إلهك، لا أن يكون قوي من أقوياء أهل الأرض إلهَك، لا أن يكون الشيطان إلهَك، لابد من جهة تخضع لها، إن لم تكن عبداً لله فأنت عبد لعبد لئيم، لذلك البطولة أن تعبد الله، البطولة أن يكون الله جل جلاله إلهك، بمعنى تخضع له، تحبه، تتفانى في طاعته، هو مرجعك، هو الحكم.

4 ـ لا معبودَ بحقٍّ إلا الله:

  أيها الإخوة الكرام، لا معبود بحق إلا الله، هذا معنى: ( لا إله إلا الله )، أي: ليس هناك في الكون جهة تستحق أن تعبدها إلا الله:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )

  من يستحق العبادة ؟ هو الخالق:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 21 )

  من يستحق العبادة ؟ هو الرب، من هو الرب ؟ هو الممد، هو من يمدك بالهواء ؟ لو أن اجتماعاً على أعلى مستوى في الأرض ضمّ كل الدول، واتخذ قرار بإنزال الأمطار هل تنزل الأمطار ؟ الذي يمدك بالماء، بالهواء يمدك بالنبات، بالطعام والشراب:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: 21 )

  الخالق يُعبد، الرب يُعبد:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ (123) ﴾

( سورة هود )

  اعبد مَن إليه يرجع الأمر كله، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

 

[ أحمد ]

5 ـ عبادةُ الله علّةُ وجود الإنسان:

  ذلك أيها الإخوة، أكاد أقول: إن العبادة علة وجودك في الدنيا، وهي علة واحدة.
  للتوضيح: أرسلك والدك إلى بلد غربي لتنال رسالة دكتوراه، إلى باريس مثلاً، المدينة الكبيرة العملاقة الصاخبة، فيها مسارح، فيها ملاهي، فيها حدائق، فيها مكتبات، فيها أسواق، مدينة مترامية الأطراف، وأنت إنسان في هذه المدينة، لو سألناك: ما علة وجودك في هذه المدينة ؟ لك في هذه المدينة علة واحدة، سبب واحد لبقائك فيها، هدف واحد في هذه المدينة ؛ أن تنال الدكتوراه، ولذلك أخطر سؤال تسأله لنفسك: ما علة وجودي في الأرض ؟

إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى

  الناس يتحركون:

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) ﴾

( سورة الليل )

  هذا يسعى لكسب المال، ثم يفاجأ أن المال ليس بشيء عند الموت.
  جمع رجلٌ ثمانمئة مليون من القمار، وهو على فراش الموت شعر بالخطر، فطلب أحدا ممّن يعمل في الحقل الديني، هكذا قال بالضبط، قال: ماذا أفعل ؟ قال: والله لو أنفقتها كلها ما تنجو من عذاب الله:

 

﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) ﴾

 

( سورة الليل )

  لكن يا ترى هل الحركة متوافقة مع الهدف ؟ لماذا أنا في الدنيا ؟
  هناك سؤال أيها الإخوة،هذا سؤال يتضح بالمثل التالي:
  ذهب رجلٌ إلى باريس، ونام في الفندق، واستيقظ في صبيحة اليوم الأول، وسأل: إلى أين أذهب ؟ ما هذا السؤال ؟ نسأله نحن: لماذا أتيت إلى هنا ؟ إن أتيت طالباً فاذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن أتيت تاجراً فاذهب إلى المعامل والمؤسسات، وإن أتيت سائحاً فاذهب إلى المقاصف والمتنزهات، متى يصح عملك في مكان ما ؟ إذا عرفت سر وجودك، وغاية وجودك، لذلك لا شيء يعلو في حياة الإنسان على معرفة سر وجوده، وغاية وجوده، وقد تجد إنسانا في أعلى درجات العقل يطلب العلم، يبحث عن عمل صالح يرقى به عند الله، يربي أولاده تربية صحيحة، يتعامل مع الناس وفق منهج الله، هذا عرف سر وجوده، وغاية وجوده، لذلك أنت كائن متحرك، ما الذي دفعك إلى الحركة ؟
  هذه الطاولة لا تتحرك، ليس فيها شهوات، ولا تحِبّ طاولة ثانية أمامها، لا تأكل، ولا تشرب، ليس عندها طموحات، لو تركتها مئات السنين تبقى على ما هي عليه، أما أنت ـ أيها الإنسان ـ فكائن متحرك، لماذا ؟ لأن الله أودع فيك حب الطعام والشراب، أودع فيك حاجة إلى الجنس، فتتزوج، أودع فيك حاجة إلى تأكيد الذات، فالحاجات الأساسية، الحاجة إلى الطعام للحفاظ على فردك، والحاجة إلى الجنس للحفاظ على النوع، والحاجة إلى تأكيد الذات للحفاظ على الذِّكر، هذه الحاجات الثلاث تدفعك إلى الحركة، فأنت كائن متحرك، البطولة أن تكتشف ما إذا صحت حركتك أو لم تصح.
  إن طالبًا عنده امتحان في آخر سنة، مادة أساسية، الامتحان مصيره يبني على نجاحه، وتعيينه في منصب، وتأمين الدخل، وشراء بيت، والزواج، التعيين وتأمين بيت والزواج مبني على نجاحه، عنده مادة أساسية أخيرة، وأصعب مادة، والامتحان بعد أيام، ما الحركة المناسبة له ؟ أن يقبع في البيت، وأن يقرأ الكتاب المقرر، لو أن أصدقائه الخلَّص أخذوه إلى مكان جميل مطلٍّ على البحر، والجبل فيه نبات أخضر، والطعام نفيس جداً، وهو يحبهم، جالس مع أصدقاء يحبهم، والمكان جميل، والطعام طيب، لماذا يشعر بانقباض شديد ؟ لأن هذه الحركة لا تتناسب مع الهدف القريب.

السعادة في توافق الحركة مع الهدف:

  إذاً: السؤل الثاني: أنت متى تسعد ؟ تسعد إذا جاءت حركتك متوافقة مع هدفك.
  اسأل تاجرا لا بيع ولا شراء عنده، وهو جالس طول النهار في المحل، هاتوا شاي، هاتوا قهوة، هاتوا مجلة، هاتوا جريدة، تجده مسموم البدن، مع أنه مرتاح، الراحة لا تتناسب مع هدف المحل التجاري، أما لما ينسى أن يتغدى من كثرة البيع فهو أسعد إنسان، ما يجلس دقيقة، من محل لمحل، فلما يكون البيع شديدا يكون معه تعب شديد، ويكون التاجر في أسعد لحظاته، ولما يكون في راحة تامة واسترخاء، وضيافة مستمرة، وأصدقاء وصحف ومجلات، تجده في أتعس حالاته.
  متى تسعد ؟ إذا جاءت حركتك موافقة لهدفك، ومتى تشقى ؟ إذا جاءت الحركة ليست موافقة لهدفك.
  الآن السؤال: علة وجودنا على وجه الأرض الوحيدة أن نعبده، الدليل:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )

  ما العبادة ؟ بتعريف مختصر، غاية الخضوع لله، وغاية الحب، بالتعريف المفصل: هي طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
  لا بد من أن تعرفه حتى تعبده، لذلك أكبر جزء من دينك طلب العلم، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معا فعليك بالعلم.
  العلة الوحيدة من وجودك على وجه الأرض بنص كتاب خالق السماوات والأرض أن تعبده، من هو الخاسر ؟

 

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾

 

( سورة الكهف )

 

أنت إنسان ضعيف:

  الإنسان يقول لك: أنا، أنت حياتك متوقفة على قدر شريانك التاجي، ميليمتر وربع، فإذا ضاق هذا الشريان دخلت في متاعب لا يعلمها إلا الله، أول شيء تحتاج إلى قسطرة، ثم يخيرونك بين زرع شريان أم ( استاند ) ؟ يحتار، يسأل أول طبيب، والثاني، أيهما أفضل ؟ أيهما أدوم ؟ أيهما أصح ؟ أيهما أسلم ؟ وكل مكانتك، وكل حيويتك، وكل نشاطك وهيمنتك، و شخصيتك وحجمك المالي متوقف على سيولة الدم، فإذا تجمد الدم في أي مكان في الدماغ حدث شلل، ومع الشلل ثبات، وهذا الذي لا زال حياً من ثلاث سنوات، وأمد الله في عمره، والذي هدم سبعين ألف بيت في غزة لا يزال حياً حتى الآن، عنده ثبات، الله كبير، فأنت وهيمنتك وعظمتك، وحجمك المالي ومكانتك تتوقف هذه المكانة على شيء ثالث، على انضباط نمو الخلايا، فإذا نمت نمواً عشوائياً فهذا المرض الذي حير أهل الأرض يصيب الكبار والصغار، والشباب والأطفال، والنساء والشيوخ، والأقوياء والضعفاء، يصيب كل المخلوقات، حتى الآن ليس له دواء، ورم خبيث وانتهى بالموت.
  مرة كنت عند طبيب قلب فجاءه اتصال هاتفي، يقول صاحبه: أيّ مكان في العالم، أيّ مبلغ مؤمَّن، قال: لا أمل، بلغ المرض الدرجة الخامسة.
  فلذلك علة وجودك الوحيدة أن تعبد الله، إذاً: ليس هناك من جهة في الكون تستحق أن تعبدها إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، معنى لا إله إلا الله، الإله المعبود، أله يأله إلاهةً، ( الإله ) هو الله الذي يستحق أن تعبده:

﴿ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56) ﴾

( سورة المدثر)

العبادة الشعائرية تصح بصحة العبادة التعاملية:

  لكن بعد أن شرحت معنى العبادة عندنا أنواع للعبادة:
  عندنا عبادة شعائرية، كالصلاة والصوم والحج، وعندنا عبادة تعاملية، الفكرة الخطيرة أن العبادة الشعائرية لا تصح، ولا تُقبَل إلا إذا صحت العبادة التعاملية، وتركُ دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام.

1 ـ الصلاة:
  النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه:

(( أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ، قَالَ: الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ ابن ماجه عن ثوبان ]

  هذه الصلاة.

 

2 ـ الصيام:
  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ ))

[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ]

  عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الْجُوعُ وَالعَطَشُ ))

 

3 ـ الحج:

(( من حج بمال حرام، ووضع رجله في الركاب، وقال: لبيك اللهم لبيك ينادى أن: لا لبيك، ولا سعديك، وحجك مردود عليك ))

[ ورد في الأثر ]

4 ـ الزكاة:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)﴾

5 ـ النطق بالشهادة:

(( من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها ؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله ))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم، وفي سند الحديث مقال كبير ]

 

خاتمة:

  علة وجودنا في الأرض أن نعبده، وإذا ربحنا الأبد نكون قد ربحنا الربح الحقيقي:

﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 185 )

  قائد القوات الإسلامية في دمشق أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، فإذا بيته هو غرفة، وعلى الأرض جلد غزال، وقِدر مغطاة برغيف خبز، وسيفه معلق، قالوا: ما هذا ؟ قال: هو للدنيا، وعلى الدنيا كثير، ألا يبلغنا المقيل ؟
  ما مِن إنسان له قريب ساكن بأرقى أحياء دمشق، وتوفى، وذهب إلى التعزية، إلا ويقول في نفسه: مَن صمم هذه التزينات ؟ من اشتري هذه الثريات ؟ من اشتري هذا السجاد ؟ أين هو الآن ؟ إنها موعظة كبيرة جداً، والموعظة الأشد أنه ما من نعي إلا كتب عليه: وسيشيع إلى مثواه الأخير، فالمثوى الذي نعيشه الآن مثوىً مؤقت، اعتن به ما شئت، لابد من تركه، وأيّ إنسان ساكن في بيت في يوم من الأيام يخرج منه أفقيا مرة واحدة ؟ ولن يَعُود، ووالله ما رأيت على وجه الأرض أعقل ولا أذكى ولا أكثر نجاحاً وتفوقاً وفلاحاً ممن أعدّ لهذه اللحظة التي لابد منها.
  كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال فلابد من ونزول القبر.

 

و كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمـــــول
فإذا حملت إلى القبـــور جنازة  فاعلم بأنك بعدهــا محمـــــول
***

  ما من يوم ينشق فجره إلا وينادى: " يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.

 

 

ما مضى فات والمؤمل غيب   ولك الساعة التي أنت فيها
***

  عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

 

(( مَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ ))

 

[ الترمذي ]

" وما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدمه، وقطعت أسباب السماء بين يديه "

  أيها الإخوة، تفكُّرُ لحظة واحدة ينقلك من الضياع إلى الوجدان.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018