بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحكام التجويد - الحلقة ( 044 - 113 ) - علم الوقف والابتداء - المحاضرة(09-12) : السكتات.

2008-10-31

  الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه أجمعين، في صفحة ( زاي )، يا اخوة آخر المصحف لو فتحتم، نجد اللجنة التي قامت على تصحيح مصحف مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة، قد كتبت اللجنة، وَوَضْعُ حرف السين فوق الحرف الأخير في بعض الكلمات يدل على السكت على ذلك الحرف في حال وصله بما بعده سكتة يسيرة من غير تنفس، وورد عن حفص عن عاصم السكت بلا خلاف من طريق الشاطبية على ألف عوجا في سورة الكهف، وألف مرقدنا بسورة يس، ونون من راق في سورة القيامة، ولام بل ران بسورة المطففين.
هذه المواضع الأربعة التي ذكرتها أمامكم ورد عن حفص رحمه الله، أنه كان يسكت عليها واللجنة وضعت علامة لهذا السكت حرف السين كاملاً مصغراً يوضع فوق الحروف الأخيرة من الكلمة، نلاحظها في الأمثلة المدونة أمامنا.
السكت يا أخوتي، هو: قطع الصوت على حرف قرآني بزمن لا يتنفس فيه عادة بنية استئناف القراءة، وزمن السكت تضبطه المشافهة، مثلاً:

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا*قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا ﴾

[ سورة الكهف: 1-2 ]

﴿ مِنْ مَرْقَدِنَا*هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَانُ ﴾

[ سورة يس: 52 ]

﴿ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ﴾

[ سورة القيامة: 27 ]

 هكذا نسكت على النون:

﴿ كَلَّا بَلْ *رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾

[ سورة المطففين: 14]

على اللام من بل ران من سورة المطففين، هذا السكت هكذا رواه لنا حفص عن عاصم في هذه المواضع الأربعة، وكما قلت لكم هذا مقداره.
 الأمر الذي أريد أن أنبه عليه أن الكلمة المسكوت عليها تعامل معاملة الكلمة الموقوف عليها، فلما سكتنا على عوجا لم نقل عوجاً بالتنوين وإنما قلنا عوجا، فوقفنا بمد العوض تماماً كأننا وقفنا على هذه الكلمة، إذا سكتنا على كلمة عوجا بألف العوض التي هي تعويضا عن تنوين النصب، كأننا وقفنا على هذه الكلمة، ما الحكمة من هذا السكت؟ ذكر العلماء لذلك عدة تعليلات وهي فصل المعاني بعضها عن بعض:

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا*قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا ﴾

[ سورة الكهف: 1-2 ]

 بعدها مباشرة كلمة قيماً وهي كلمة ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا )، فلو قلنا ( عوجاً قيماً)، لعل سامعا يتوهم بأن قيما صفة لعوجا وهل يكون العوج قيم؟ لا يكون ذلك، فلذلك هذه حكمة هذا السكت.

﴿ مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا* هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَانُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ ﴾

[ سورة يس: 52]

 هذا إشارة إلى ما يجري في الكون من تغيرات وليس إشارة إلى المرقد، لو قلنا من بعثنا من مرقدنا هذا كأن السامع قد يتوهم بأن هذا إشارة إلى المرقد وليست كذلك.

﴿ وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ ﴾

[ سورة القيامة: 27 ]

 يعني من يرقِ هذا الإنسان المحتضر الذي هو في أنفاسه الأخيرة، من يقرأ له من يدعو له بالشفاء فلو قلنا ( مرَّاق )، فلعل سامعاً يتوهم بأن ( مرَّاق )، من المروق أن هذا المريض أو المحتضر هو ( مرَّاق )، مثل المارقين من الدين، أو أنه ( مرَّاق )، بائع المرق، الذي يبيع المرق، يعني معاني عديدة ذكرها العلماء وإنما القصد ( منْ راقٍ )، يعني الذي يرقاه ويدعو له، كذلك:

﴿ كَلَّا بَلْ *رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾

[ سورة المطففين: 14]

 بل هنا كما نعلم أداة اضراب (ران )، فعل ماضٍ بمعنى غطى ( ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون )، نسأل الله العافية فلو وصلنا لقلنا ( برَّان )، لعل سامعاً يظن بأن ( برَّان ) مثنى بر و بر، ماذا يصيران؟ بران، برَّان على قلوبهم، بل ران على قلوبهم، بل غطى على قلوبهم ما كانوا يكسبون من المعاصي، هذه السكتات وهذه الحكمة منها، وصلى اللهم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018