بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس (3-5): تفسير الآيات17-32

1995-11-17

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام: مع الدرس الثالث من سورة القمر، ومع الآية الثامنة عشرة وهي قوله تعالى:

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾

إلزام الله نفسه بهداية العباد:

 الله عزَّ وجل قال:

﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾

(سورة الليل )

 هداية الإنسان، بيان الحقيقة، بيان سرّ الوجود، بيان غاية الوجود، بيان المنهج التفصيلي، بيان افعل ولا تفعل، بيان ملامح الطريق إلى الله عزَّ وجل هذا على الله.

﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾

 و حيثما وردت كلمة على مع لفظ الجلالة فتفيد أن الله سبحانه وتعالى منَّةً منه وكرماً ألزم نفسه بهداية العباد، ولذلك قال تعالى:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

(سورة الأنعام: آية " 1 " )

نعمة الإيجاد و الهداية:

 الكون، كلمة السماوات والأرض مُصْطَلَحٌ قرآني يعني الكون، والكون يعني ما سوى الله.

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

 الآية الثانية:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾

( سورة الكهف: آية " 1 " )

 فكما أنَّ الله خلق، فقد نَوَّر، خلق وهدى، قال:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) ﴾

(سورة طه )

 فنعمة الهداية لا تقلَّ عن نعمة الإيجاد، ونعمة الإيجاد لا تقلّ عن نعمة الهداية.

القرآن الكريم كتاب عربي معجز:

 لذلك ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ﴾

 كتابٌ، معجزٌ، عربيٌّ.

﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾

(سورة الشعراء )

 فيه الأمر، وفيه النهي، والوعد، والوعيد، وفيه بيانٌ للباطل وبيانٌ للحق، وفيه تاريخ الأمم، والمستقبل البعيد، والمَثَل، والقصَّة، و الحقائق المُجَرَّدة.

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ﴾

 قد تأتي بعض آيات كتاب الله بشكلٍ مباشر، قال تعالى:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

(سورة محمد: آية " 19 " )

 وقد تأتي ممدَّدةً بقصَّةٍ مطولةٍ مغزاها لا إله إلا الله، ما مغزى قصة سيدنا يوسف عليه السلام ؟

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

( سورة يوسف )

توافق كتاب الله مع النفس البشرية:

 ولذلك فربنا عزَّ وجل جعل هذا الكتاب كتاب هداية، ولأنه كتاب هداية فإنه يتوافق مع طبيعة النفس، فمن أمرٍ، إلى نهيٍ، إلى قصِّةٍ، إلى بيان مستقبلٍ، إلى وعدٍ، إلى وعيدٍ، إلى بيان موعظةٍ، إلى مَثَلٍ، إلى قصَّةٍ، فالله عزَّ وجل نوَّع الأساليب في كتاب الله، أحياناً يستخدم ربنا عزَّ وجل قصص الأقوام السابقة من أجل أن نستنبط العِبَر، ودائماً وأبداً أُؤكِّد لكم أنَّ أية قصةٍ في كتاب الله لا يمكن أن تكون قصَّة بالمعنى الذي يفهمه عامّة الناس، لأن كلام الله عزَّ وجل أجلَّ وأعظم من أن يكون قصصاً تطلع عليها، أو تقرأها، أو تأخذ علماً بها.
 فكتاب الله عزَّ وجل أجلَّ وأعظم من ذلك، وما من قصةٍ إلا وهي تعبيرٌ غير مباشرٍ عن حقيقة، فالسعيد من قرأ القرآن الكريم واستنبط منه المواعظ والعبر، والسعيد من تجاوز أبطال القصة، ووقائعها، وحوار أشخاصها، ووصل إلى مغزاها، أي إلى الهدف الكبير الذي من أجله ذكر الله هذه القصَّة، فلذلك ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾

الله عز وجل يتولى حفظ كتابه و سنة نبيه بنفسه:

 هذا كتاب الله تولَّى الله بذاته حفظه، أليس الحديث الشريف (الصحيح طبعاً) تفسيراً لكلام الله ؟ السنة مُبَيّنة، كما أن الله جل جلاله تولَّى بذاته حفظ كلامه، وتولَّى أيضاً حفظ سنَّة نبيِّه، لأن من لوازم فهمِ كلامه فهمُ أقوال نبيِّه عليه الصلاة والسلام، إذاً فالله عزَّ وجل تولَّى بذاته حفظ كتابه وحفظ سنَّة نبيه، وهذا من قبيل:

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ﴾

 هذا الكتاب الذي بين أيدينا هو نفسه الذي نزل به جبريل الأمين على قلب سيدنا محمد، فهذا الشيء معجز، كتابٌ مضى على نزوله من السماء خمسة عشر قرناً لا يوجد فيه حرف، ولا توجد حركة زيادة، هذا من حفظ الله له، تولَّى الله حفظه، قال تعالى:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾

(سورة الحجر)

 فأنت أمام كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فأمامك كتاب كما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بين يديك ؛ آياته الكونية، وآياته التكوينية، ومواعظه، وعبره، وقصصه، وأمثاله، وأوامره، ونواهيه، وكل هذا بين يديك.
فإنسان بين يديه كلام خالقه أفلا يسعد به ؟‍‍!! النبي عليه الصلاة والسلام ورد عنه:

(( ومن جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))

( الجامع الصغير عن أنس)

طاعة الله عز وجل سبيلك للتمتع بعقلك و قدراتك:

 لا يوجد شيء أصعب في الحياة من أرذل العمر، فأرذل العمر أن لا يعلم بعد علمٍ شيئًا، أي إنه خرف، ثم يردُّ إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علمٍ شيئاً، ومن جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، وهل هناك بِشارةٌ أعظم من هذه البشارة ؟ أن تتنعَّم بعقلك إلى آخر لحظةٍ في حياتك، ألم يدع النبي عليه الصلاة والسلام ويقول:

((ومتِّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا وعقولنا ما أحييتنا واجعله الوارث منَّا ))

( أخرجه الترمذي عن ابن عمر )

 سبيلك للتمتّع بعقلك، وقدراتك، وحوّاسِّك الخمس طاعة الله عزَّ وجل..

(( يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله))

( أخرجه أحمد و الترمذي عن ابن عباس )

 القرآن ميسَّر ولا سيما في هذا الزمان، طبعات القرآن شيء يسعد العقول، من جميع القياسات، بأفخر ورق، وأجمل خط، وأوضح عبارة، وتفسير مفرداته، تفسير معانيه، إنها تفاسير تملأ كل مكان، القرآن متلو، مجوَّد بصوت قرَّاءٍ كبار، يمكن أن تسمعه مسجَّلاً، وأن تقرأه مطبوعاً، وأن تقرأ تفسيره، وأن تحضر مجلس علم يُفسَّر فيه القرآن.

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾

ندم الإنسان يكون بمعرفة كلام الله و عدم تطبيقه:

 قالوا: " ما أكثر المواعظ وما أقلَّ المتعظين، وما أكثر العبر وأقلَّ المعتبرين ". والإنسان يندم أشدّ الندم حينما يكتشف بعد فوات الأوان أن كل سعادته بمعرفة كلام الله، وكان كلام الله عنده مهجوراً.

﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُوراً﴾

(سورة الفرقان)

 أي بإمكانك أن تستمع إلى تفسير كلام الله في المساجد، وبإمكانك أن تقرأ التفاسير، وأن تقرأ القرآن، وأن تستمع إليه، وتسأل عن معانيه.
 أيها الإخوة: حُرْقَةٌ في القلب إلى أبد الآبدين بسبب أن الإنسان يكتشف بعد فوات الأوان أن كل سعادته بمعرفة منهج ربّه، والقرآن منهج ربنا عزَّ وجل، فهذا بين أيدينا ونحن أحياء.

(( اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك ))

( أخرجه الحاكم، والبيهقي، عن ابن عباس أحمد، عن عمرو بن ميمون )

الإنسان العاقل من يتعظ بغيره:

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

 عاد قومٌ جاءهم نبيٌّ كريم فكذَّبوه، ولم يعبئوا بدعوته، ولا برسالته، وعصوا أمره، وكذَبوه تكذيباً قولياً وعملياً، يقول الله عزَّ وجل:

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

 كيف كان ؟ فالإنسان العاقل من اتعظ بغيره، والشقي من يتعظ بنفسه، نحن على مستوى الصحَّة إذا رأيت إنساناً أسرف على نفسه في عادة غذائية سيئة، ثم أُصيب بمرض عُضال، ألا ينبغي لك أن تتخذ درساُ بليغاً من هذا الإنسان ؟ وسرُّ هذه الآيات وتلك القصص أن الله سبحانه وتعالى يبيّن أن هؤلاء فعلوا ما فعلوا فأصابهم سيئات ما عملوا.

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

على الإنسان فهم آيات الله فهماً توحيدياً:

 دعك من الأٌقوام السابقة، نحن ألا نسمع بما حلَّ في بعض الأقوام ؟ في عصورنا هناك الزلازل، والفيضانات، والحروب الأهلية.

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾

(سورة النحل )

 هذه الآية ألم تتحقَّق في هذا العصر ؟ كم من قريةٍ كانت:

﴿كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾

 فالآيات بيننا، وبين أيدينا وتحت سمعنا وبصرنا، ويمكن أن نطلع عليها، لكن العبر أن تفهم هذه الآيات فهماً توحيدياً لا فهماً أساسه الشِرْك.

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

 فالزلزال حينما يقال لك: إن مدينةً بأكملها أصبحت أثراً بعد عين بعد ثلاث دقائق، فأين الأبنية ؟ وأين الطوابق ؟ وأين السُكَّان ؟ هذا كله بين أظهُرنا وتحت سمعنا وبصرنا.

إنذار الله للعبد قبل عذابه:

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

 والعذاب دائماً تسبقه النُذُر، فالله عزَّ وجل رحمةً بالعباد لا يوقع العذاب إلا بعد الإنذار، ولعلَّ القرآن الكريم هو النذير، لأن الإمام القرطبي عندما فسَّر قوله تعالى:

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

( سورة فاطر: آية " 37 " )

 قال: " النذير هو القرآن الكريم "، بيَّن لنا مصير الأقوام التي عَصَت الله، وبيّن لنا كيف أهلك الأقوام السابقين، وبيّن لنا مشاهد من الجنة ومشاهد من النار، هذا نذير، فأنت معك كتاب فيه وصفٌ لكل شيء ؛ وصفٌ لما كان، ولما هو قائم، ولما سيكون.

عاقبة المؤمن و الكافر:

 ألا يكفي أن الله عزَّ وجل يقول لك في كتابه:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

(سورة النحل: آية " 97 " )

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

(سورة طه )

 هذه آية.

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

( سورة الجاثية: آية " 21 " )

 أليست هذه آية ؟

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

 عذابي شديد، وإنذاري واضحٌ بَيِّن، ألا نرى ونسمع أن إنسانًا منع زكاة ماله فأتلف الله ماله ؟ وإنسان اعتدى على أعراض الآخرين فاعتُدي على عرضه، وإنسان أكل أموال الناس بالباطل فدمَّره الله عزَّ وجل، وإنسان بغى وطغى ونسي المبتدى والمنتهى فوقع في شرّ عمله، فأهلكه الله عزَّ وجل ؟

أثمن شيء يملكه الإنسان هو الوقت:

 هناك آلاف القصص تجري تحت سمعنا وبصرنا، فالعبرة أن تتعظ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((أمرني ربي بتسع: خشية الله في السرِّ والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً ونظري عبرةً))


 دقق.. صمتي فكراً، نطقي ذكراً، نظري عبرةً.. فالمؤمن إن نظر يعتبر، وإن صمت يفكِّر، وإن نطق يَذْكُر، ويجب أن نعلم علم اليقين أن أثمن شيءٍ نملكه على الإطلاق هو الوقت، أنت وقت، وأنت بضعة أيام وكلَّما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، وقد كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول:

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانِي فِي جَسَدِي، وَرَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وَأَذِنَ لِي بِذِكْرِهِ ))

(الترمذي عن أبي هريرة)

 فيجب أن تعلم علم اليقين أنه إذا استيقظت فقد سمح الله لك أن تعيش يوماً جديداً.

عذاب قوم عاد:

﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً ﴾

 صرصراً أي هي ريح لها صوتٌ مخيف، أي ريحٌ باردةٌ لها صوتٌ مخيف.

﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾

 أي مستمرٌ هذا اليوم إلى أن يهلكهم، أحياناً تأتي ضربة غير قاضية، أما إذا أردت أن تجهز على هذه الحشرة فإنك تضربها حتى تموت.

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾

 ريحاً باردةٌ لها صوتٌ مخيف إنها مستمرَّةٌ حتى تستأصلهم من شأفتهم أو من جذورهم.

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ(20)﴾

مشهد من مشاهد آيات الله الدالة على عظمته:

 حينما تأتي رياحٌ عاتية فإنها تقلع أشجار النخل من جذورها، ومن قعرها أي من أصولها، فالله عزَّ وجل صوَّر لنا مشهداً من مشاهد آياته الدالة على عظمته.

﴿ تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) ﴾

﴿ كيف كان عذابي ونذر ﴾

 هذه الآية تتكرَّر، أي انتبهوا يا عبادي، وأنا أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفِّقني لتوضيح هذه الحقيقة، أي ما من مصيبةٍ تقع على وجه الأرض إلا وينبغي لنا أن نفهمها فهماً توحيدياً لا فهماً أساسه الشِرْك، لا تقل: زيد وعبيد والجهة الفلانية والعلاَّنية، قل: قدَّر الله وما شاء فعل لأن.

﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

(سورة الفتح: آية " 10 " )

 ولأن الله.

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

(سورة الزخرف: آية " 84 " )

الله تعالى بيده الخلق و الأمر:

 لأن الله يقول عن ذاته:

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾

(سورة الكهف )

﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾

(سورة الحديد: آية " 3 ")

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

(سورة الزمر)

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

(سورة الأعراف: آية " 54 " )

﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾

(سورة الرعد: آية " 41 " )

 فأنت إذا فسَّرت الأحداث كلِّها تفسيراً أساسه التوحيد تسعد بهذا التفسير، أما إذا فسَّرت الأحداث تفسيراً أساسه الشرك فإنك تشقى بهذا التفسير، لأنه كما ورد عن النبي أنه قال:

(( ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر ))

( أخرجه ابن عساكر عن البراء )

عقاب الإنسان الكافر في الدنيا و الآخرة:

 فالإنسان العاقل يجعل من هذا الحديث القدسي نبراساً له.

(( يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني وأعطيت كل إنسان منهم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص البحر إن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله تعالى ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))

 هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة قال فيه الذهبي: هو في مسلم

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

(سورة الشورى )

﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾

(سورة الكهف )

﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾

(سورة سبأ )

 أي يا عبادي أنا لا أجازي غير الكفور ؟ هذا كلام الله، فيجب أن تفسِّر ما يقع تفسيراً توحيدياً لتكون هذه الأحداث متصلة بهذه القصص.

﴿ كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) ﴾

طاعة الله تبعد الإنسان عن الخوف:

 أحياناً يأتي العقاب جماعياً، وفي أحيان كثيرة يأتي العقاب فردياً، فعلى الإنسان ألاّ يغتر إذا كان الناس في بحبوحة، فقد يأتي العقاب فردياً له بالذَّات، فالعاقل لا يطمئن إلا إلى طاعة الله، ولا ينجيك من الله إلا أن تطيعه.

(( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ، وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))

( ابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبان)

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

 فالإنسان يجب أن يخاف، والخوف من خصائص الإنسان.

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾

(سورة المعارج )

 ينبغي لك أن تخاف، فإنك إن خفت من الله عزَّ وجل اتقيت الخوف منه بطاعتك، إذ لا ملجأ منه إلا إليه.

﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ(23)﴾

عدم الإيمان بالآخرة يدل على تعطيل فكر الإنسان:

 كما تحدَّثت في دروسٍ سابقة: التكذيب الخطير هو التكذيب العملي، أن لا تجد في سلوك الإنسان ما يدل على أنه مؤمن بالآخرة، فالإنسان عندما يكون راكباً سيارة وسيجتاز حدود بلد آخر، فما دام مؤمناً أن هناك حواجز، وتفتيشاً دقيقًا، ويوجد تكليف برسوم جمركية، فتجده يهيئ أغراضه ويرتبها ترتيباً معيناً، حركته في ترتيب الأغراض يعني أن هناك حاجزاً سوف يسأله: فهذه من أين جئت بها ؟ وهذه ممنوع أن تدخل فعليها رسم، فكل إنسان ما دام مؤمناً أن هناك عند الحاجز سؤالاً فإنه يرتب الأغراض ترتيباً معيناً، أما إذا كان إنسان لم يبال إطلاقاً، ومعه أشياء كلها ممنوعة فمعنى هذا أن تفكيره معطَّل.
إذاً:

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾

 التكذيب العملي، والنظري، والقولي، نحن بالمناسبة هناك كفرٌ اعتقادي، وهذا الكفر الاعتقادي يُخرِج الإنسان من ملّة الإسلام، وهناك كفرٌ عملي، وكفرٌ قولي، وهذا الكفر هو دون الكفر الاعتقادي.

مضمون الدعوة لا الداعي يحدد مصير الإنسان:

﴿فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾

 هذه نقطة دقيقة جداُ، وهي ثابتة على مدى الأزمان، فأحياناً الإنسان لا ينظر إلى فحوى الدعوة بل ينظر إلى الداعي، يقول: فلان صديقي أعرفه حينما كان صغيراً، وفلان أصبح كذا وكذا، إنه يتعامى عن مضمون الدعوة، ويتعامى أن مضمون الدعوة خطير جداً، وهو مضمون مصيري يحدد مصيره في الدنيا والآخرة، فلا يلتفت إلى مضمون الدعوة، ولا إلى الأمر والنهي، ولا إلى الموعظة، ولا إلى القصَّة، ولا إلى العبرة، ولا إلى الآية الكونية، فقط يلتفت إلى هذا الذي يقول، من فلان ؟ ومتى صار داعيةً ؟ ومتى صار كذا وكذا ؟ فالذي يحجبه عن الحقيقة هو أنه ترك الفحوى ونظر إلى المتكلِّم، فهذه النظرة الشخصية المبنية على حسد أحياناً أو على شعور بالدّنية هذه النظرة تحجبه عن الحقيقة، خذ الحكمة ولا يهمُّك من أي مكانٍ خَرَجَت، العبرة أن تستفيد، فلذلك:

﴿ فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ﴾

النبي الكريم صفوة الله من خلقه:


 أيُعقَل أنّ أمَّة بأكملها تتبع إنساناً واحداً، فهذا الإنسان نبيٌّ كريم، اصطفاه الله عليكم جميعاً.

﴿اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾

( سورة البقرة: آية " 247 " )

 والنبي يعدُّ قمَّة المجتمع:

(( الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ))

( أخرجه البخاري عن انس بن مالك )

 والنبيّ الكريم يقظٌ دائماً، متصلٌ بالله دائماً، صفوة الخلق، وحبيب الحق، وتوجد مستويات، فإذا كان هناك حجرة ماس تقليد بألفين، فالماس الحقيقي بخمسمئة ألف، إذ يوجد فرق كبير جداً، فهؤلاء الأنبياء إن الله جلَّ جلاله اصطفاهم على الخلق.

﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾

( سورة آل عمران: آية " 33 " )

 و صفوة الله من خلقه، هؤلاء الأنبياء قمم في العلم، وفي الكمال، والخُلُق، والفصاحة، والبيان، والفطانة، والنقاء، والِعصمة، هم قمم، فإذا توهَّم الإنسان أن هذا النبي إنسان وهذا إنسان.. ردَّ الشاعر فقال:

محمَّدٌ بشرٌ وليس كالبشَرِ  لأنه جوهرةٌ والناسُ كالحجرٍ
* * *

 فالجوهرة حجر ولكنه حجر كريم، والجوهر فحم ولكن جاءه ضغطٌ شديد وحرارةٌ كبيرة فصار ماساً، وكل إنسان إذا ضُغِطَ عليه، وساقه الله إلى أبواب عبوديّته وأبواب رحمته فيصبح كالماس.

طلب الجنة من غير عمل ذنب عظيم:

 الإنسان الذي يصل إلى مرتبة عالية فهذا تحمَّل ضغوطًا لا يتحمَّلها عامَّة الناس، ودفع ثمن هذا المقام عند الله باهظاً، وترك الدنيا وزهد فيها وقال: إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، ووضع المال تحت قدمه ولم يعبأ به، فلم تغره الدنيا ولا ما كان منها، فسلعة الله غالية، وطلب الجنَّة من غير عملٍ ذنبٌ من الذنوب.

فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي  رأوه لمــا وليت عنا لغيـرنا
و لو سمعت أذناك حسن خطـابنا  خلعت عنا ثياب العجب و جئتنا
و لو ذقت من طـعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنا
و لو نسمـت من قربنا لك نسمة  تــركت جميع الكائنات لأجلنا
فما حبّنا سهلٌ وكل من ادَّعــى  سهولته.. قلنا له: قد جهلتنـا
* * *

 فهناك إنسان خطب فتاة والدها عالِم فقال: كم تريد من المهر يا سيدي ؟ قال: أن تحضر مجالس العلم هذا هو المهر، فحضر المجلس، وثابر على ذلك، فانجذب إلى الحق، واستغرق في محبَّة الله عزَّ وجل، ونسي وصالاً، فلمَّا عاتبته وقالت: "أين الوعد ". قال: " يا وصال كنتِ سبب الاتصال ".

الاتصال بالله سبب سعادة الإنسان و طمأنينته:

 أحياناً الإنسان يكون سارحاً في الدنيا، ضائعاً، هائماً على وجهه، مبعثراً، مشتَّتاً، كئيباً أحياناً، فإذا وصل إلى الله وجد السعادة، والطمأنينة، والرضا، والفوز والتفوّق، فالله عزَّ وجل سلعته غالية وهو عزيز، فهل بأعمال بسيطة لا تكلِّفك شيئًا، بركعتين، أو بليرتين تدفعهما !! لا.. فالله أعظم من ذلك.

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

( سورة آل عمران: آية " 92 " )

﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾

(سورة العنكبوت: آية " 69 " )

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

(سورة العنكبوت)

 فإذا طلب الإنسان مرتبة عالية في الدنيا، بهذه السنين المحدودة لكي يجلس ويعاين مريضًا ربع ساعة ويأخذ ألف ليرة، يكون قد درس ثلاثة وثلاثين سنة قبلها، لا يقدر إنسان لم يدرس إطلاقاً أن يفتح عيادة ويستقبل مرضى وسيأخذ على كل مريض ألف ليرة، لا يقدر، أما ثلاثة وثلاثون سنة دراسة فممكن أن تستقبل مريضاً وتأخذ منه ألفاً خلال خمسة دقائق، ومعنى هذا أنه عنده علم، أنا أضرب مثلاً، فإنسان يصل إلى مراتب عُليا في الدين بلا تعب ؟ لا يوجد عنده وقت يحضر مجلس علم لأنه مشغول، ولا يوجد عنده وقت ليقرأ القرآن، ليس متفرغًا لأن يطبِّق أحكام الله عزَّ وجل، يقول لك: لا تدقق، نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان، هذا المستوى المتفلِّت المقصِّر، فبالطبع هان الله عليهم فهانوا على الله، أو هان أمر الله عليهم فهانوا على الله.

الغرور يصيب الجاهل و يبعده عن سعادة الآخرة:

﴿ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) ﴾

 دقِّقوا في هذه الفكرة: تركوا فحوى الدعوة، والمضمون ونظروا إلى المتكلِّم، فأصابتهم الغيرة، وأكل قلوبهم الحسد، ورأوه واحداً منهم، وفكّروا لعلَّهم أغنى منه، وأقوى، فمَنْ فلان ؟ فالإنسان أحياناً يُحجب عن سعادة الآخرة ببشرية المتكلِّم، لا تنظر إلى المتكلِّم بل انظر إلى فحوى دعوته، فإن كانت الفحوى خطيرة فتمسَّك بالحق.

﴿فَقَالُوا أَبَشَراً مِنَّا وَاحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾

 أي نحن جاهلون، وفي ضلال، وفي جحيم إذا اتبعنا إنساناً، فلو أن هذا الإنسان هداكم إلى الله، وإلى سعادتكم، وحملكم على طاعة الله، ودلَّكم على سرِّ وجودكم، وعلى طريق طمأنينتكم، وعلى طريق التوفيق، والتأييد، والنصر، والحفظ، ودلَّكم على حقيقة ذاتكم، وعرَّفكم بربّكم فيجب أن تقبلوا منه ذلك.

الإنسان السيئ من يسيء الظن بالآخرين:

﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾

 قال العلماء: " أشِر أي أراد الدنيا بالدين " أراد بهذه الدعوة أن يجمع الناس حوله وأن يأخذ من أموالهم.

﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾

 يكذب على الله ليسود على قومه، ويكذب على الله ليجمع الأموال من قومه، فدائماً الإنسان السيئ يسيء الظنَّ بالآخرين، فإذا كان الإنسان مستواه منخفض جداً، فلا توجد عنده بخبرته السابقة حالة معرفة الله والمؤاثرة، فالبخيل يتهم الكريم بالجنون، بنيته وحرصه على المال ويجعله ينظر إلى الكريم من هذه الزاوية، ولذلك يتهم الكريم بالجنون، والجبان يتهم الشجاع بالتهوّر، والأحمق يتهم الحكيم بالحُمق أحياناً، فالإنسان من خطورة نظرته أنه ينظر إلى الكمال من زاوية نقصه، وهذا خطرٌ كبير، وإذا لم يتمكَّن الإنسان أن ينظر إلى الأمور نظرة موضوعية، ولم يتمكَّن أن ينحي ذاته جانباً لينظر إلى الحقيقة المجرَّدة فهذا الإنسان ليس موفَّقاً بحياته.

العبرة بخواتم الأمور و عاقبتها:

﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾

 أي متى كان فلان ؟ فإذا قضَى الإنسان عمره في النوم، والسهر مع أصدقاء السوء، في الملاهي، وله صديقٌ درس دراسةً جديَّةً حتى صار شخصيةً متألِّقةً في الحياة، فهذا الذي يقول: متى صار فلان ؟ أين كنت أنت حينما كان يدرس ؟ وأين كنت حينما كان يسهر الليل ؟ وأينما كنت حينما كان يؤدِّي الامتحانات ؟

﴿أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾

 أي أنه يكذب ليغتني، أو يكذب ليقوى، أو يكذب ليجمع الناس حوله، يقول الله عزَّ وجل:

﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾

 العبرة بخواتم الأمور، وبالنتائج، والعبرة بعاقبة الأمور، وبالنهايات، وبعد الممات.

﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾

(سورة يس )

خسارة الإنسان الحقيقية أن يخسر نفسه و الآخرة:

 العبرة أن الإنسان إذا جاءه ملَك الموت ورأى مكانه في النار يقول: لم أر خيراً قط، وكل ألوان النعيم التي تنعَّم بها في الدنيا لا يراها إطلاقاً، ولا يرى إلا العذاب، أما حينما يأتي مَلَك الموت إلى الإنسان ويُطْلِعُه على مقامه في الجنَّة يقول كذلك: لم أر شرَّاً قط، ومرَّة امرأة أحد أصحاب رسول الله كلَّفته بشيءٍ لا يطيقه، أو طلبت منه شيئاً لا يطيق شراءه فقال " اعلمي يا فلانة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداها على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أُضحّي بكِ من أجلهن أهون من أضحي بهنَّ من أجلكِ "، فالمؤمن موعود.

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

( سورة السجدة )

(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ))

(أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة )

 أي أن الإنسان إذا عاش مئة سنة يقول لك: ما شاء الله إنه معمِّر، الجنَّة لا يوجد فيها عمر، فمليون مليون، ومليار مليار، ومليار مليار بليار إلى أبد الآبدين، الأبد شيء صعب على العقل أنْ يتصوَّره، ولا يوجد رقم بالأبد، وأكبر رقم مقداره صفر إذا قسته للأبد، فالحقيقة أن الخسارة الحقيقية هي أن يخسر الإنسان هذه السعادة الأبدية، وأن يخسر الإنسان نفسه التي بين جنبيه.

﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

( سورة الزمر: آية " 15 " )

أخطر حدث في حياة الإنسان مغادرة الدنيا:

﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾

 هذه السين فيها تهديد، غداً تعلم من هو الخاسر، الآن المشكلة أن هناك أشخاصاً كثيرين يتوهَّمون أنهم ناجحون في الحياة، فيكون قد حصَّل أموالاً طائلة، فاشترى أراضٍ بأسعار بخسة فارتفعت أسعارها مئة ضعف تقريباً، واشترى بيوتاً بالأسعار القليلة وارتفع سعرها، وأسس تجارة، ومعملاً، فشعر بقوَّته المالية، والاقتصادية، وبالفوز، فهذا وهم، فالغنى والفقر بعد العرض على الله، وأخطر حدث في حياته ما أدخله في الحساب أبداً، حدث مغادرة الدنيا، وهناك إنسان ورث من قريب له سمعت سبعين أو ثمانين مليوناً، من وقت موت قريبه وهو يعمل ليلاً ونهاراً في متابعة المعاملات المتعلِّقة بالإرث، وحَصْر الإرث، وقد دخل إلى الحمام ليتوضَّأ (ولا أدري لماذا دخل) فوقع ميّتاً، ولم يقبض درهماً واحداً من الإرث، الموت يأتي بغتةً، والقبر صندوق العمل، كم من زوجٍ جاءه الموت قبل يوم العُرس، وكم من طالب علمٍ لم يستمتع باختصاصه ولا ساعة، بعد أن نال الدكتوراه وافته المنيّة، وكم من إنسانٍ شيَّد بيتاً بشكلٍ رائع ولم يسكنه، فالذي يضع كل البيض في سلَّةٍ واحدة يخسر، اجعل للدنيا نصيباً وفق منهج الله، وللآخرة نصيباً وفق منهج الله عزَّ وجل.

﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾

 من هو الذي يكذب على الناس ليأخذ أموالهم ؟ هؤلاء الأنبياء منزَّهون، وهؤلاء صادقون، وأنقياء، ونظيفون، أما الكذَّاب الأشر فليس ممن يتعلَّق بهم الدين، فالدين أنقى وأجل وأعظم من أن يكون أتباعه كذَّابين أشرين.

إقامة الحجة على قوم عاد:

﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾

 طلبوا ناقة تخرج من الجبل، فالله سبحانه وتعالى أعطاهم سؤلهم وخرجت الناقة من الجبل، طبعاً شيء غير معقول، جبل صخري، فأرسل الله لهم الناقة كي يقيم عليهم الحجَّة.

﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ﴾

 لكنَّ هذه الناقة التي خرجت من الجبل بناءً على طلبهم.

﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾

 فالماء بينهم وبينها يحضرون يوماً فيشربون من ينابيع الماء، وتحضر الناقة يوماً فتشرب اليوم كله.

﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾

أنواع الهلاك:

1 ـ هلاك ضعف:

 لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام بشَّره الله بأن أمَّته لن تهلك هلاك استئصال كقوم عادٍ وثمود، بل هلاك ضعف.

2 ـ هلاك استئصال:

 أما هلاك استئصال إذا جاءت المعجزة وكفر الناس بها استحَّقوا الهلاك، لأن كل شيءٍ انتهى.

مراحل الدعوة إلى الله:

1 ـ الدعوة البيانية:

 كلكم يعلم أن الله سبحانه وتعالى يبدأ مع الإنسان بالدعوة البيانية، كلام، خطبة جمعة، ودرس تفسير، ونصيحة صادقة، والأولى أن يستجيب الإنسان لهذه الدعوة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

(سورة الأنفال: آية " 24 " )

2 ـ التأديب التربوي:

 فإن لم تجد معه هذه الدعوة البيانية يأتي التأديب التربوي، فتأتيه المصائب..

3 ـ الإكرام الاستدراجي:

 الأولى بالإنسان أن يتضرَّع إلى الله عزَّ وجل فإن لم يتضرَّع جاءت مرحلة ثالثة وهي الإكرام الاستدراجي..

﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا﴾

(سورة الأعراف: آية " 95 " )

4 ـ القصم:

 الأولى أن يشكر، فإن لم يستجب، وإن لم يتضرَّع، وإن لم يشكر ما بقي إلا القصمُ.

المشاركة و الدعم و الإقرار مشاركة في الإثم:

 طلبوا معجزة، فخرجت الناقة من الجبل، فعقروها، فاستحقَّوا الهلاك، وانتهى الأمر، لذلك:

﴿ وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ ﴾

 الذي عقرها.

﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾

 قال: ثَمِلَ حتى آخر قطرة وعقر الناقة.

﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

 والعلماء استنبطوا من ذلك أن الذي يرضى بفعلٍ ما هو شريكٌ مع الفاعل.

﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ﴾

 أي القوم يشربون يوماً من الماء، والناقة تشرب يوماً.

﴿مُحْتَضَرٌ﴾

 يحضرون فيشربون.

﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾

 عقرها، الذي عقرها واحد لكن الله عاقب الجميع على هذه الجريمة، قالوا: لأنهم راضون بهذا العمل، ومتعاطفون معه فهم شركاء في الجريمة، ولذلك يقول سيدنا عمر: " لو أنَّ أهل بلدةٍ بأكملهم ائتمروا على قتل رجلٍ (طبعاً المنفِّذ واحد) لقتلتهم جميعاً به ". لأن المشاركة، والدعم، والإقرار مشاركة في الإثم.

عقاب الله للكافر بكلمة واحدة كن فيكون:

﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً ﴾

 كلمة واحدة لها معنى كبير، أي هؤلاء مهما كانوا أقوياء تكفيهم صيحةٌ واحدة، كأن تقول: هذه الحشرة الصغيرة لا تحتاج أكثر من ضربة واحدة فتموت، أما الوحش الكاسر فيحتاج إلى جهد كبير، ولذلك فكلمة واحدة أي لا شأن لهم عند الله، كن فيكون زُلْ فيزول.

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾

 المحتظر أي صاحب الحظيرة يأتي إلى أرضها بالأغصان اليابسة والأوراق كي تكون مهاداً لبعض الدوابّ، فهذه الأوراق المقطوعة اليابسة، وهذه الأغصان القصيرة، وهذا القش هذا هشيمٍ المحتظر، فكانوا من التفاهة والضعف وقلَّة الأهميّة كهشيمٍ المحتظر.

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32)﴾

الهلاك و الدمار عاقبة المذنب و العاصي:

 أيها الإخوة: ذكرت لكم في الدرس السابق: أن كل هذه القصص لها مفتاح، ومفتاحها في آخر السورة وهو:

﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) ﴾

(سورة القمر)

 فما ذكر الله لنا هذه القصص إلا لينبئنا أننا إذا فعلنا مثل أفعالهم استحقِّ علينا الهلاك مثلهم، فإذا فعلنا مثل أفعالهم فنحن هالكون مثلهم، فانتبهوا، هؤلاء الأقوام فعلوا ذنباً واحداً فدمَّرهم الله عزَّ وجل، فكيف بمجتمعٍ فيه كل المعاصي والآثام ؟ فالهلاك، لذلك قال تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾

(سورة الإسراء )