بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس ( 67): فهم الأحداث من خلال القرآن الكريم

2003-03-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

تحليل الأحداث من خلال القرآن الكريم :

 أيها الأخوة: ما أكثر التحليلات، وما أكثر التعليقات، وما أكثر أنواع الفهم لما يجري، ولكن الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هو القرآن، والكلام الذي لا ينطق عن الهوى إنما هو الحديث الصحيح الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، فنحن كمؤمنين معنا كتاب الله، ومعنا سنة رسول الله، نرجع إليهما بفهم ما حدث، ونرجع إليهما بتلمس طريق الخلاص، ونرجع إليهما بالتنبؤ بما سيكون.
 لفهم ما حدث، ولتلمس طريق الخلاص، وللتنبؤ بما سيكون، وقد لا يعجب الناس هذا التحليل، يعجبهم أن يخترعوا مشاجب يعلقوا عليها مشكلاتهم، ويرتاحون ببساطة ما بعدها بساطة، يمكن أن تعزو كل مشكلاتنا إلى الاستعمار، أو إلى العدوان، أو إلى اليهود، أو إلى الماسونية، هذا هروب، العدو عدو وشأن العدو أنه عدو، وشأن العدو أنه يستبح حرماتنا وأموالنا وثرواتنا، أما القضية معنا فجمعت أربعة تحليلات أرجو أن تكون واضحة لكم.
 التحليل الأول أيها الأخوة الكرام: أن سنن الله في خلقه ثابتة لا تتبدل، ولا تتغير، ولا تلغى، ولا تعدل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً، هذا أول بند.
 البند الثاني: الله لا يحابي أحداً، ترفع شعاراً إسلامياً، توصف نفسك أنك من كبار المؤمنين، كل الذي تقوله لا يعبأ الله به، إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، الشكل ليس له قيمة، الإعلان ليس له قيمة، الانتماء ليس له قيمة، الدعوة ليس لها قيمة، الافتخار ليس له قيمة، الله عز وجل ينظر إلى أعمالنا، أما طروحاتنا، وتعليقاتنا، واعتزازنا، وأنا مسلم، ونحن أهل القبلة، ونحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ونحن الأمة المصطفاة، ونحن خير أمة أخرجت للناس، فهذا كلام بكلام، الله عز وجل يعبأ بأعمالنا لا ينظر إلى صورنا، ولا يلقي بالاً لأقوالنا، ولكنه يرى أعمالنا، فإن لم تكن صالحة خسرنا كل وعود الله عز وجل هذه الحقيقة الثانية.
 أول حقيقة سنة الله في خلقه لا تتبدل، ولا تتغير، ولا تتطور، ولا تعدل، ولا تلغى.
 الشيء الثاني الله لا يحابي أحداً. سيدنا عمر أوصى سيدنا خالداً قال: إنما ننصر بطاعتنا لله ومعصية عدونا لله، فإذا استوينا بالمعصية الأقوى هو الذي ينتصر.
 هناك شيء ثان من أمراض الأمة الإسلامية أن كل حركاتها ردود أفعال، مع أن الإعداد يجب أن يكون مستمراً طوال حياتنا، نحن لا نفكر أن نعد للطرف الآخر إلا عند الشدة، هم يعدون لنا بشكل مستمر، من مئتي عام يعدون لهذه الساعة، نحن من مئتي عام غافلون نفتخر، و واقعنا لا يتناسب مع ماضينا أبداً، بكلمة مؤلمة جداً نحن متخلفون جداً في ثلاثة خطوط متخلفون عن ديننا، ومتخلفون عن جاهليتنا قبل الإسلام، ومتخلفون عن روح العصر. فلذلك أيها الأخوة الكرام: نحن بحاجة إلى إعداد مستمر، إلى إيمان يحملنا على طاعة الله عز وجل، وإلى إعداد مستمر، ولعل هذا الدرس كان قاسياً جداً، ولعله يدعونا إلى الصحوة وإلى اليقظة.

إعداد القوة المتاحة لهزيمة أعدائنا :

 كما قلت سابقاً إذا كانت هذه الأمة بحاجة إلى واحد يموت من أجلها، هي بحاجة إلى ألف واحد يعيش من أجلها، كل واحد منا له موقع يجب أن يتقنه، وأن يهبه في سبيل الله لخدمة المسلمين، وللتخفيف عن المسلمين، ولتقوية المسلمين، ولنصح المسلمين، هذا الجهاد المستمر، هذا الإعداد المستمر، أما الإعداد الآني النوبي فلا يجدي، الإعداد الآني النوبي لا يجدي، لابد من إعداد مستمر، الشيء الذي ألح عليه كثيراً أنه من تلبيس إبليس للمسلم أن الشيء المتاح له القادر عليه الذي إذا فعله لا يساءل ولا يحاسب ولا يؤاخذ وهو قادر عليه مئة بالمئة يزهده فيه، أي أن يكون صادقاً، أميناً، ناصحاً للمسلمين، مؤدياً للصلوات بإتقان، يدعو أهل بيته لطاعة لله عز وجل، يضبط بناته، أولاده، جيرانه، أقرباءه، يأمر بالمعروف، ينهى عن المنكر، هذا الشيء الذي بين أيدينا والمتاح لنا ونحن عليه قادرون لا نفعله، والشيء الذي لا نستطيعه نبحث عنه.
 الله عز وجل ما كلفنا ما لا نطيق، هذه الهجمة الشرسة لا يستطيع العالم كله مجتمعاً أن يقف أمامها كما تلاحظون، أن نوقفها هذا فوق طاقتنا، لكن الذي بطاقتنا الذي بإمكاننا أن نسوي أمورنا مع الله، أن نصلح شأننا مع الله، أن نصطلح مع الله، أن نتوب إلى الله، أن نلتزم بأمر الله، أن نحب بعضنا، أن نعاون بعضنا، أن نأمر بالمعروف، أن ننهى عن المنكر، هذا كله بأيدينا، وكله بمقدورنا، وكله تحت سيطرتنا، وإبليس يزهدنا به، أما الشيء الذي لا نستطيعه ولسنا قادرين عليه ويبدو مستحيلاً ففي هذه الظروف يطمعنا به، وفي النهاية ما ربحنا لا هذا الحقل ولا ذلك الحقل، خسرنا من الجهتين.

إن الله لا يغير حتى نغير ما بأنفسنا :

 شيء رابع بكلام جامع مانع قاطع واضح ساطع إن لم نغير الله لا يغير، والله لو دعونا، أنا أعتقد أنه لا يوجد جامع بالعالم الإسلامي في كل الصلوات الخمس إلا وكان يدعو الله عز وجل، الله ما استجاب، إن لم نغير الله لا يغير، الدعاء لا يكلف شيئاً، يكلف فصاحة فقط، وتكون ذاكرتك قوية، وتحضر دعاء مسجوعاً، وترفع صوتك وتبكي، لكن ما كلفك شيئاً، هذا الدعاء ما كلفك غض البصر، ما كلفك ألا تأخذ ما ليس لك، ما كلفك أن تقول: هذه الدكان ليست لي خذها، لا، الشيء الذي لا يكلفنا شيئاً نحرص عليه، أما حينما يأمرك الله أن تؤدي الأمانات إلى أهلها فهذا لا نفعله، لذلك بكلام مختصر: إن لم نغير الله لا يغير، انطلاقاً من قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الرعد: 11]

 أنا أرجو الله عز وجل أن يكون هذا الدرس بليغاً لجميع المسلمين في العالم، أن يدفعهم هذا الدرس المؤلم أن يرجعوا إلى الله، أن يحاسبوا أنفسهم، أن يرتبوا أوراقهم الداخلية، أن يتعاونوا لا أن يتنافسوا، أن يتناصحوا لا أن يغش بعضهم بعضاً، أرجو الله أن يصحو المسلمون من غفلتهم، وأن يحسنوا فهم دينهم، وأن يحسنوا تطبيقه، وأن يحسنوا عرضه، ولم يبقَ بأيدينا إلا شيئان التوبة النصوح والدعاء اللحوح فقط، أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا.

الإخلاص في العمل و الابتعاد عن الكلام الذي لا يجدي :

 لي ملاحظة أخيرة: عندنا قانون في الفيزياء اسمه قانون السقوط، لو ألقينا متراً مكعباً من الإسمنت من طائرة يا ترى كم سرعته ؟ ما علاقة السرعة بالوزن ؟ ما علاقة الوزن بمقاومة الهواء ؟ عندنا قانون اسمه قانون السقوط، إذا إنسان سخر من هذا القانون ولم يعبأ به وكذبه أيستطيع أن يوقف أثره ؟ لا، لا يستطيع، كان يركب في طائرة قال: هذا قانون خرافي سألقي بنفسي بلا مظلة، ما المظلة ؟ هي تأدب مع هذا القانون، لها مساحة كبيرة جداً تقاوم الهواء، مقاومتها للهواء تساوي وزن المظلي فينزل سالماً، إذا سخر شخص من هذا القانون، وكذب هذا القانون، ولم يعبأ بهذا القانون، ولم يتأدب مع هذا القانون، وألقى بنفسه من الطائرة هل يوقف فعل القانون ؟ ينزل ميتاً.
 أنت إذا أعجبك المنهج الإلهي أم لم يعجبك، صدقته أو ما صدقته، عظمته أو ما عظمته، هذا شيء قديم لا يتناسب مع العصر، قل ما شئت، أما سنة الله فنافذة فينا شئنا أم أبينا، أعجبنا أم لم يعجبنا، رضينا أم كرهنا، سنة الله نافذة فينا، فما يهم أن تكون قانعاً أم لا، الذي يقع وفق سنة الله عز وجل، ولن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً. إذاً ما أحوجنا إلى فترة صمت ليحل محلها فترة عمل، الكلام لم يعد يجدي، يمكن لا أبالغ - سمعت أخاف أن أقول مليون مرة بهذه الستة أشهر - أن العدوان على العراق مخالف للشرعية الدولية، هل هذا الكلام أفادنا؟ لو قلناها مليار مرة سنة الله نافذة فينا، تقول لي: مخالف للشرعية الدولية، تقول لي: هذا عمل متوحش عدواني، لكن وقع، والعالم ما سبق بتاريخ العالم أن أجمع على استنكار هذا العدوان كما استنكر بكل قارات الأرض، جميع الأديان والملل والنحل خرجوا بالملايين، واستنكروا، هل نفع أن تحرق العلم الأمريكي؟ احرقه.
 شخص بريطاني - قصة قديمة منذ أربعين سنة - استأجر حمارة من إنسان عربي، هذا العربي لا يعرف أن البريطاني يفهم اللغة العربية فكان يسبه أثناء الطريق مسبات كثيرة فمر شخص يعرف الاثنين قال له: يسبك؟ قال: نعم ولكن الحمارة ماشية. هذا الذي دمه بارد لا يهمه، تكلم بما شئت ولكن هدفه وصل إليه، دخل رجلان على جسر بعرض سيارة واحدة أحدهما فرنسي و الآخر بريطاني، تصادموا لن يرجع الفرنسي ولن يرجع البريطاني، فأحب الفرنسي أن يغيظ البريطاني ففتح قاموس لاروس وقرأ فيه، فقال له البريطاني: عندما تنتهي أعرني إياه.
 على قدر ما تستطيع ندد، وقل ما تقول، واشجب، واستنكر، وقل: هذا مخالف للقانون الدولي، هذا عدوان سافر، لكن اعتدوا ووصلوا إلى هدفهم، نحن لا ينفعنا الكلام، الأولى ألا تقول كلمة، اعمل بيدك تتقن عملك، فإذا أخلص كل شخص بعمله، وكل واحد - كما قالت امرأة عمران: ربي إني وهبت لك ما في بطني محرراً- منا يهب اختصاصه، وعلمه، وحرفته للمسلمين، بإتقانها، والتخفيف عن المسلمين، وتقوية المسلمين، لعل الله عز وجل يرحمنا في المستقبل.