بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس ( 65): المداهنة و المداراة

2003-03-02

المداهنة و المداراة :

 أيها الأخوة الكرام: يتساءل معظم الناس عن كتب كثيرة نزلت في الأسواق تعطي فتاوى لم يقبلها الناس، وفيها تجاوزات كثيرة، فأنا لي تعليق باللغة العامية، هل تقبلونه باللغة العامية ؟ الناس من دون دف يرقصون، من دون فتاوى تغطي لهم انحرافهم يفعلون ما يريدون، هذا مستحيل.
 هناك شيء آخر: الدعاة هنا والناس هنا، فالدعاة بين خيارين إذا أرادوا شعبية كبيرة ينزلون لعندهم يعطونهم كل رغباتهم، وكل شهواتهم، وكل إباحيتهم، وكل اختلاطاتهم، يصير شيخ العصر، يصبح وحيد عصره، فريد زمانه، يصبح شيخاً مرناً، يصبح شيخاً يفهم الإسلام فهماً عميقاً، يظهر له أوصافاً ومديحاً لا يقبله عقل، لأنه ماذا فعل؟ نزل لعندهم، الأولى أن يرفعهم إلى الشرع وليس إلى عنده، فبين أن يهبط إليهم وبين أن ينهض بهم إلى الشرع فرق كبير جداً، عندما يحاول أن يرفع الناس إلى الشرع قلة أتباعه، وهناك أنبياء أتوا يوم القيامة ومعهم الرجل والرجلان فقط. فالإنسان الصادق لا يهمه الكم يهمه النوع، وبالدين لا يوجد مساومة، والله عز وجل قال:

﴿ وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾

[ سورة القلم: 9]

 أنت قرب قليلاً يمنحونك أعلى الصفات، والعلماء فرقوا بين المداهنة وبين المداراة، المداهنة بذل الدين من أجل الدنيا، والمداراة بذل الدنيا من أجل الدين.
 والآن المسلمون لديهم أسئلة كبيرة جداً تقلقهم، لماذا نحن كذلك ؟ لماذا نحن أمرنا ليس بيدنا؟ لماذا للكفار علينا ألف سبيل وسبيل ؟ لماذا تؤخذ أراضينا ؟ لماذا تهدم بيوتنا ؟ لماذا يسجن أولادنا ؟ لماذا تقلع أشجارنا ؟ لماذا تردم آبارنا ؟ لماذا نذل هذا الإذلال ؟ هذه إسرائيل تملك مئتي رأس نووي، وعندها كل أسلحة الدمار الشامل، وعطلت واحد وثلاثين قراراً لمجلس الأمن ولا أحد يسألها، وواحد يبذل لك كل شيء، اليوم دمرنا، الصواريخ شيء غير معقول، هذا ذلّ ما بعده ذلّ، لماذا نحن هنا ؟ نحن هنا في هذا الموقع المزري الذي لا يحسد عليه أحد لأننا فهمنا العبادات شعائرية، وأخذنا حريتنا بكل حياتنا اليومية، فنحن المشكلة مع الله لا يوجد مجاملة، ومع الله لا يوجد كذب، ومع الله لا يوجد دجل، نحن لسنا مسلمين أبداً، دعك من أي جهة أخرى، تعال إلى الطبقة التحتية، تعال إلى مسلمين يأكل بعضهم بعضاً، يعتدي بعضهم على بعض، ينتهك بعضهم حرمات بعض، لا يوجد إنصاف، لا يوجد إنصاف بين الزوج وزوجته، يقول: مقطوعة ليس لها أحد، تعطيه بيتها ويطلقها بعد ذلك. لا يوجد رحمة تستهويه فتاة بسن بناته، يترك أم أولاده الذي له منها ستة أولاد وخادمته طوال عمره يطردها لا أريدك، هناك ظلم، ظلم في البيوت، ظلم في المعامل، ظلم في العلاقات، شيء لا يصدق.

المعصية و التقوى :

 فلذلك أيها الأخوة: القضية قضية عودة إلى الله، الله موجود، إله الصحابة الذي نصرهم إلهنا، والقرآن الذي بين أيديهم بين أيدينا، والمنهج الذي عندهم عندنا، الفرق هؤلاء صدقوا الله عز وجل ونحن أردنا أن نظهر بمظهر إسلامي ونحن لسنا كذلك.
 فهذا الجواب فكلما رأيت قضية لها فتوى، أنا صار معي تعليق غريب كلما سألني أحدهم سؤالاً أقول له: تريد فتوى هناك فتوى، هناك لكل معصية فتوى، تريد التقوى شيء ثان، إن أردت التقوى فهذا الشيء حرام، أكبر معصية على الإطلاق، أكبر معصية بالقرآن، ما من معصية توعد الله مرتكبها بالحرب إلا الربا، فتوى من أعلى منصب ديني بمصر بإباحة الربا، فأنا كان ردي ما هو الربا إذاً ؟ إذا كان هذا الربا الذي يجري بين الناس قرضاً ربوياً من بنك بفائدة هذا ليس ربا، ما هو الربا إذاً ؟ هذا الربا الذي توعد الله مرتكبه بالحرب أين هو ؟ معنى ذلك ليس له وجود، نحن لسنا بحاجة إلى فتاوى، وأنا أؤكد لكم حقيقة أي من هو أعظم مفتي بالكون؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا معك فتوى من سيد الخلق ومن حبيب الحق ومن المخلوق الأول في الكون فأنا أول العابدين، أما إن لم تكن محقاً فلن تنجو من عذاب الله.
 مرة قال لي شخص: هناك شيخ أفتى بهذا، قلت له: لا يوجد مانع لكن يوم القيامة على ما تراه إذا قال لك الله: أحضره لا تجده.
 إذا إنسان حمل مسدساً ومشى أمام مخفر وألقوا القبض عليه يقول: فلان، قال لي: يقولون له أحضره، فالمشكلة ليس مع عبد الله مع الله، المشكلة مع الله، فلذلك أي كتاب يصدر فيه تنازلات، الكتب التي صدرت عليها ردود كبيرة جداً مفحمة كل رأي يقابله آية تحرم، وحديثاً يحرم، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
 العوام لأن يرتكبوا الكبائر- كلام الإمام الغزالي- أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون. تحليل الحرام من الكبائر، وتحريم الحلال من الكبائر، وكل إنسان يستطيع أن يحرم أو أن يحلل أما العالم الحقيقي فيحرم بالدليل ويحلل بالدليل، أما أنه حرام فيقولها أي إنسان، حلال يقولها أي إنسان.

الفتوى على قدر الوصف :

 أيها الأخوة: نحضر بعض الأمثلة، أحياناً تكون فتوى بكتاب والذي أصدرها معه وجهة نظر، لكن تغير وتحول وتبدل بعض الفتاوى مثل:" يجوز أكل مال المستأمن برضاه"، كنت في بلاد الغرب، العلماء قسموا البلاد إلى ثلاثة أقسام، بلاد المسلمين وبلاد الأعداء المقاتلين يسمونها دار الحرب، وبلاد المستأمنين الذي فيه تمثيل دبلوماسي مثل فرنسا، هناك سفير لنا عندهم، و علاقات و استيراد وتصدير.
 دار الحرب، ودار الإسلام، ودار الأمان، بعض الأحناف في بعض كتبهم يقول: يجوز أن تأكل من مال المستأمن برضاه بقصد إضعافه، هكذا الفتوى، الفتوى عليها اعتراض لكن لو قبلنا بها كما جاءت، إنسان فرضاً كان في بلد غربي واشترى مجلة طبية، ما انتبه أن بغلافها رقماً، هذا الرقم أجري عليه سحب، أنا اتصل بي أحدهم من ألمانيا وقال لي: أنا طالب طب وهناك مجلة طبية مهمة جداً اشتريتها ثم أفاجأ أنه أجري عليها سحب، وكانت مجلتي قد نالت أربعين ألف مارك، قلت له: خذهم فوراً. واضحة، أضعفهم، أعطهم للمسلمين، هذه الفتوى شوهت، يأتي إنسان ينقل من بلده خمسة ملايين يضعهم في الخارج أنت قويتهم وما أضعفتهم، فتوى بقصد إضعافه لا بقصد تقويته، تشوه الفتاوى أحياناً، الحساب مع الله لا أحد يخلصك، وأنت كما قيل الفتوى على قدر الوصف.
 يسألني إنسان سؤالاً والله أعجبني أحد الأخوة العلماء لا يجيب عن فتوى شفهية يقول له: اكتب ليعطيه الجواب على هذا الكلام، أما تطابق الواقع مع الكلام فهذه برقبتك، لاحظت أن كل إنسان يعطيك معطيات تقول له حلال كما يقول، يقول مثلاً: أنا لي بنت ما تزوجت وكل أخواتها متزوجات، وهذه ليس لها دخل، وآخرتها صانعة عند أخوتها، سآخذ لها بيتاً صغيراً، لا يوجد مانع حلال ولك أن تستثنيها من الإرث، يكون ليس كذلك هذه البنت من المرأة الجديدة، والمرأة ضاغطة عليه أن يطوب لها بيتاً، موضوع ثان. يقول لك: ما تزوجت، فعلاً ما تزوجت عمرها ثماني عشرة سنة من زوجة جديدة وتريد أن تستثني هذه البنت بعطاء زائد ويقول لك: ما تزوجت وأخوتها كلهم مزوجون، أنا لست آثماً حسب وصفه قلت له اكتب لها بيتاً، أما هو ماذا ينوي ؟ فينوي أن يرضي زوجته الجديدة.
 الفتوى على قدر الوصف، لذلك هذا الأخ الكريم أعجبني موقفه يقول له هذا الجواب على هذا الكلام، أما تطابق الكلام مع الواقع فبرقبتك قد يكون غير متطابق، لا أحد يفرح أن مفتياً أفتى له، لو أفتى لكم سيد الخلق - لو التقيتم به ونرجو أن نلقاه في الآخرة- لو التقيتم به و أعطيتموه معطيات تستوجب أن يفتي لكم، وأفتى لكم سيد الخلق، ولم تكونوا محقين لن تفلتوا جميعاً من عذاب الله، فالقضية مع الله عز وجل.

واقعنا الأليم سببه تضييع كتاب الله :

 أي كتاب فيه فتاوى، فيه تسهيلات، والله أكاد أقول إنه لا يوجد معصية إلا ولها فتوى، التمثيل والغناء والرقص، تسأل مغنية عالماً: أنا كنت في أمريكا هل يمنع أن أغني؟ قال: لا البسي ثياباً محتشمة وغني.
 هل من المعقول أنه لا يوجد شيء محرم، ما تركوا شيئاً محرماً كله صار حلالاً، بقي ديننا دين استعراضي، عندنا أقواس إسلامية، زخرفة إسلامية، تراث إسلامي، عادات إسلامية، تقاليد إسلامية، والله الذي لا إله إلا هو قرئ القرآن الكريم في باريس لا على أنه كتاب الله على أنه فلكلور إسلامي، القرآن الكريم قرئ في حفلة في باريس تحت عنوان: فلكلور إسلامي، كتاب الله وحي السماء منهج الإنسان في الأرض في تضييع كثير، هذا التضييع سبب هذا الواقع الأليم، العوام يقولون: يا ربي كم عصيتك ولم تعاقبني؟ قال: كم عاقبتك ولم تدرِ.
 لا أحد مرتاح، الناس كلهم مربطة أيديهم متى يضربون العراق ؟ تهديدات يومية ومهما فعلت، لما جاءت نسوة من الشيشان وفجرن المسرح بموسكو، كان هناك خمس نساء محجبات، جاءت الشرطة وكشفت حجابهن، وجدوا رسالة جاءتني هذه في الإيميل، كتبت إحداهن - هذه الأخت التي استشهدت-: نموت نحن بلا سبب وبلا ذنب ولا أحد يعلم بنا.
 الكفار يعتمون تعتيماً مخيفاً على جرائمهم، عندكم علم؟ المقاومة أسقطت طائرة ف 16 منذ أسبوع، طائرة ف 16 سقطت، تعتيم كامل، يعتمون على هزائمهم ويبرزون مشكلاتنا. أردت أن أموت ومعي جمع من أعداء المسلمين، هي ميتة ميتة لأنها محجبة أرادت أن تموت مع جمع من أعداء المسلمين، يقول كاتب الرسالة: الحمد لله الذي كتب على هويتي ذكر ولم يكتب رجل، لأنني أنا لست رجلاً، امرأة جاءت من شمال روسيا كي تهز أركان دولة كافرة وهي محجبة، لا أستحق أن يكتب رجل، لأن كلمة رجل تعني بطلاً قال تعالى:

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾

[ سورة النور: 37]

الرجوع إلى الله و تطبيق منهجه :

 يا أخوان الأمر خطير، ولا نكلفك أن تغير السياسة العامة، لا تستطيع ولا تقدر، لكن نكلفك أن تطبق منهج الله عز وجل، سوف نكلفك أن ترجع إلى الله رجعة صحيحة، تصطلح معه، تخلص له في العبادة، تربي أولادك، تعاون المسلمين، تحمل همهم، تخفف عنهم، ما قدرت أن تفعل لهم شيئاً ادع لهم، الدعاء مقبول، دعوة الأخ للأخ بظهر الغيب لا ترد، أقل شيء ادع لهم، إنسان يرى بيتاً سيهدم مساكين، ساكن عنده غرفة نوم بقي أنقاضاً، بقي في الطريق، البارحة هدموا أربعةً وعشرين منزلاً، كل يوم هناك هدم من عشرة إلى خمسة وعشرين منزلاً، الله عز وجل كبير.

الدعوة إلى الله بإخلاص :

 أيها الأخوة: ملخص هذا اللقاء الطيب إن شاء الله هذا الداعي أنا أنصحه أن يرفع الناس إلى عنده، ولو كانوا قلائل، ولا أتمنى أن ينزل إلى عندهم ولو كانوا كثر، فالعبرة أن ندعو إلى الله بإخلاص، وآخر كلمة: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
 مرة أنا ذكرت أخطاء فاحشة لفتاوى في الفضائيات بخطبة، أخطاء غير معقولة إطلاقاً، مثلاً في محاضرة الأخ المفتي لا يريد أن يجلس النساء بجانب والرجال بجانب، قال: لا عليهم أن يجلسوا مع بعضهم حتى يفتح الله عليه، والله أنا سمعتها بأذني شفهياً بمؤتمر لدرجة إذا جلس النساء بجانب والرجال بجانب لا يعجبه هذا، لماذا هذا التزمت؟ مع بعضكم حتى الله يفتح، هذا أنا سمعته شفهياً بديترويت من فمه.
 في مؤسسة - والله مفخرة - المؤسسة جمعت خمسة ملايين دولار، يأتي إنسان مسلم ليسكن، أجرة البيت غالية جداً، قريب الألف دولار في الشهر، ثمن البيت مئة ألف دولار، و بالقرض الربوي ثلاثمئة ألف، ثلاثة أضعاف، فهذا الأخ عمل جمعية خيرية - قصة قديمة- ودعانا لمؤتمر من أجل هذا الموضوع، أن يقرض هذا الإنسان المسلم ليشتري بيتاً بمئة ألف، يدفع له أقساطاً كما لو كان مؤجراً يتملكه، ملكه بيتاً بمئة ألف ودفع ثمنه أقساطاً، دار المؤتمر حول شراء بيت بالتقسيط الربوي، خرجت فتوى أن هذا جائزاً، فصاحب الجمعية قتل نفسه، لأننا كنا لن نؤسس الجمعية إذا كان جائزاً أن نشتري بيتاً بالتقسيط الربوي، ما من داع لنفعل هذا، كنا ثمانية وخمسين ضيفاً، سبعة وعشرون وافقوا، والبقية لم يوافقوا، وتحفظوا بالإجابة، معقول!! ربا واضح من مئة ألف إلى ثلاثمئة ألف، هذا عمل مؤسسة خيرية، إقراض حسن، يشتري بيتاً بمئة ألف، يدفع أجرته بالشهر ألفاً، لم يقبل.
 موضوع الفتاوى "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم". قول آخر:" ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك، خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا."