بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس ( 64): الذكر

2002-08-12

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

ترديد الأذكار بقلب حاضر لنقطف ثمارها :

 أيها الأخوة الكرام: لا بد من التذكير أن هذه الأذكار التي رواها النبي عليه الصلاة والسلام، والتي تحدث عن فضائلها، لو توهّم المسلم أنه إذا رددها قطف ثمارها فهو واهم جداً، هذه الأذكار لا بد من أن تعيشها، وتذكرها بقلب حاضر، لأن الله سبحانه وتعالى لا يقبل على قلب فيه شريك وساه ولاه، المسلمون مع مضي الأيام ألفوا أن يرددوا هذه الأذكار ولكن كما ترون لا تقدم ولا تؤخر، ولا تدفع عنهم ضراً، ولا تجلب لهم نفعاً، لأنها فرغت من مضمونها، ولأنها تردد على ألسنتهم تردداً شكلياً وليس فيه مضمون، فإن أردت أن تقطف ثمار هذه الأذكار لا بد من أن تعي معانيها، وترددها بقلب حاضر.
 أكثر من سؤال يأتي: لنا قريب مسه الجن، لا يوجد في الإسلام حلّ إلا الاستعاذة بالله، يقول: استعذنا فلم يحصل شيء، الله عز وجل قال:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الأعراف: 200-201]

 والآيتان السابقتان الوحيدتان في هذا الموضوع، مئات ولا أبالغ يقولون لي في هذا العمر المتواضع في الدعوة استعذنا بالله فلم نتأثر، ردي عليهم: ينبغي أن تستعذ بالله بقلب حاضر، وأنت ملتفت لله، ومقبل عليه، وواثق من أنه سينجيك من هذا الشيطان، فحتى لا أدخل بمتاهة من قال كذا ، كان كذا، لا ! هذه أذكار ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام وعلمنا أن نذكرها في أوقاتها، الشرط الوحيد أن تعي ما تقول، والشرط الثاني أن تراها في سلوكك، والشرط الثالث أن تذكرها بقلب حاضر.

من لم يصدق كلام الله يقع في شرّ عمله :

 سأدخل في بعض التفاصيل الله أكبر ! هذه أكبر من كل شيء، فإذا شغلك شيء عنه أنت لم تقل الله أكبر ولا مرة ولو رددتها بلسانك ألف مرة، كلمة لا حول ولا قوة إلا بالله يرددها المسلمون صباحاً مساء، أنت حينما ترى أن الحول بيد فلان، والقوة بيد فلان، وأن زيداً من الناس بإمكانه أن ينفعك، وأن عمراً من الناس بإمكانه أن يضرك، أنت ما قلتها ولا مرة ولو رددتها بلسانك ألف مرة، حينما تقول: لا إله إلا الله كلمة التوحيد الأولى، وأنت ترى جهة غير الله بيدها الأمر والنهي، والخير والشر، وبيدها أن تعطي وتمنع، فأنت ما قلتها ولا مرة،
 أعيد وأكرر يجب أن تعي معناها، وترددها بقلب حاضر، وأن تظهر في سلوكك.
 مرة كنت في طريقي في شارع في دمشق خرج رجل من محل تجاري ضخم ودعاني للدخول، جلست عنده، سألني سؤالاً قال: شاب خطب ابنتي رائع وسيم الصورة، يملك معملاً وبيتاً بأرقى أحياء دمشق، وسيارة، والبنت تعلقت به تعلقاً شديداً، لكن مشكلته لا يصلي ولا يوجد به دين، فما قولك يا أستاذ ؟ قلت له: سأقول لك ما قول القرآن الكريم:

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 221]

 تزوجوا وبعد ثمانية عشر يوماً انفصلوا، كان تعليقي حينما لم تعبأ بكلام الله عز وجل ولم يظهر هذا في سلوكك أنت لم تقل صدق الله العظيم، أنت ما صدقت الله، رأيت الخير كله في هذا الخاطب، ورأيته ضمن الطموح ويسعد ابنتك ولم تعبأ بدينه.
 أخواننا الكرام: توجد قصة لا تصدق ‍! إنسان خطب ابنة إنسان من الأشخاص الجيدين بالدنيا، قال: يا بني لا أعرف إلا الحقائق، أنت عندك بيت ؟ قال: عندي، قال: أحضر ورقة الطابو، أحضرها، قال: المعمل هذا هل لك فيه اسم بالسجل الصناعي ؟ قال: نعم، قال: أرني السجل الصناعي، أحضره، السيارة باسم من ؟ قال: باسمي، قال: أرني أوراقها، كله واضح فتأكد أن البيت والسيارة والمعمل ملكه فوافق عليه و قرؤوا الفاتحة، وبدأ يخرج ويدخل، مرة جاء صهره للمحل يوجد ستة تجار أو سبعة قال لهم: هذا صهري، استغرب أحدهم من هذا الكلام، قال: كيف هو صهرك ؟ هذا غير مسلم، فسأله: ألست مسلماً ؟ قال: أنت لم تسألني عن ديني، سألتني عن البيت والسيارة والمعمل، هذا واقع المسلمين اليوم :

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

[ سورة البقرة : 221]

عدم الربط بين السلوك و الدين :

 ملخص كلامي حينما لا تصدق كلام الله، قال تعالى:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة البقرة: 276 ]

 أودعت المال ببنك بالفائدة، ولم تعبأ بهذه الآية، فأنت لم تقل صدق الله العظيم ولا مرة ولو رددتها بلسانك ألف مرة، فحينما تقول: لا إله إلا الله وأنت تعلم أن فلاناً بيده نفعك وضرك، أنت ما قلتها ولا مرة، فحينما تغش المسلمين لا سمح الله ولا قدر ماذا رأيت؟ أن هذا المال الذي تحصله من غش المسلمين أثمن من طاعة الله، فأنت لم تقل الله أكبر، المبلغ الذي يأتيك فرق سعر من الغش هو أكبر عندك من الله عز وجل، حينما ترضي زوجتك تطلب تصوير فيديو بالعرس وتخضع لها، وتأتي المصورة وتصور نساء المسلمين بأبهى زينة، وينسخ على الشريط خمس نسخ أو ست والرجال يجلسون في بيوتهم هذه من ؟ هذه زوجة فلان، والله يعرف كيف يختار، هذا الذي يطيع زوجته ويعصي الله عز وجل ما قال الله أكبر ولا مرة.
 مهمة هذا الدرس أن هذه الأذكار نرددها كعامة المسلمين لا نعي مضمونها، ولا نراها في سلوكنا، ونرددها بقلب غافل، عندئذ هذه الأذكار لا تقدم ولا تؤخر.
 يا إخوان: أكثر ما يلفت النظر كيف ينام الإنسان ولم يربط بين سلوكه ودينه؟ كيف يبيع سيدي إباحي ويرتاد مسجداً؟ كيف يكون متوازناً ويستطيع النوم ؟ هذا يفسد أسرة وجيلاً، ويدعو للزنى والعادة السرية ولمليون أمر، كيف تبيع السيدي وتأتي للمسجد؟ اختر واحدة إما أن تبيع السيدي، أو تأتي للمسجد، لا تصح مع بعضها، هذه مشكلة المسلمين، الدين مسخ إلى خمس عبادات تؤدى أداء أجوف، أما الصدق، والأمانة، والاستقامة، والعفة، والدقة، والضبط، ولا تعين إنساناً فاسقاً، ولا تعين على معصية، ولا تعين على الإثم والعدوان، فهذا الذي أقوله ونحن في باب أذكار رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قلت: لا إله إلا الله يجب أن أراها في سلوكك، إذا قلت: لا حول ولا قوة إلا بالله يجب أن أراها في سلوكك، إذا قلت: الله أكبر ينبغي أن أراها في سلوكك.
 يقول: إن لم نكتب على البضاعة – صناعة ألمانيا مثلاً- لا تباع، لا تبعها، لأن في الآخرة جهنم، أنت تبيعها وييسر الله لك من يشتريها وتقول: هذه صينية ! أما تقول: لا أبيع إلا إذا كتبت على البضاعة الصينية صناعة ألمانية فهذا كلام مرفوض.

الدين عبادات تعاملية و شعائرية :

 فيا أيها الأخوة : هذه مشكلتنا أن الدين يؤدى أداء شكلياً، وبقي طقوساً وعبادات شعائرية، أما العبادات التعاملية فتتلاشى من حياة المسلمين، المسلمون عندهم اختلاط، ونساء يتشبهن بالرجال، ورجال يتشبهن بالنساء، وأموال تستثمر في البنوك الربوية، وأشياء تخرج الإنسان من ورعه وعفته، ومع ذلك تجدنا مؤمنين والحمد لله، أنت لست مستعداً لأن تغير شيئاً من سلوكك، كيف تنتظر من الله أن يغير معاملته للمسلمين.؟
 أيها الأخوة: إن شاء الله هذه الكلمة أبتغي بها وجه الله، لأن الأحاديث طويلة وكثيرة جداً.

((من قال لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل وما حقها؟ قال: أن تحجبه عن محارم الله))

[ الترغيب والترهيب عن زيد بن أرقم بسند فيه مقال كبير ]

 ملخص الدرس ثلاث كلمات: أن تعيا مضمونها، ونراها في سلوكك، وتذكرها بقلب حاضر، وقلب مقبل على الله عز وجل، عندئذ تكون قد ذكرت وتكون هذه الأذكار واضحة، ثمارها بينة، نتائجها تنعكس عليك اطمئناناً وسعادة وما إلى ذلك.