بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس ( 63): حفظ النعمة

2002-06-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد....

خدمات جمعية حفظ النعمة :

 أيها الأخوة الكرام: قبل مجيئي لهذا المسجد جاءتني هذه الرسالة سعدت بها كثيراً، أسست جمعية خيرية اسمها جمعية حفظ النعمة، خدمات هذه الجمعية أولاً: أي إنسان عنده وليمة أو مأدبة أو عرس أو حفلة في أي مكان يتصل بهذه الجمعية بهواتف ثابتة وخلوية، هناك فريق يستلم الأطعمة المجمعة، ويعيد استصلاحها، وترتيبها، وتسخينها، وإضافة ما يلزم لها من لحم أو دجاج وما إلى ذلك، ثم يأتي دور فريق التعبئة ليقوم بتعبئة الطعام المسخن ضمن وجبات بأحجام مختلفة، وذلك بحسب الحاجة التي تمليها لجنة التوزيع، وأخيراً تقوم اللجنة بتوزيع الطعام إلى مندوبي الجمعيات الخيرية بإيصالها بالسرعة الكلية إلى مستحقيها من أسر فقيرة، ودور أيتام، ودور تقوم على رعاية طلاب العلم الفقراء، والله من أروع ما قرأت هذه الجمعية، فأنا أرى بعيني في بعض الحفلات والأعراس طعام يطعم مئتي إنسان يلقى في المهملات، ونحن في أمس الحاجة للقمة نأكلها، فالآن لا يوجد عذر، عندك حفلة لو فرضنا زاد الأرز ولم يبق اللحم يضيفون اللحم، يأخذون الأرز الجيد ويضعونه في علب وعليه لحم، فهذه الجمعية مهمتها الوحيدة حفظ النعمة، وكنت أتمنى أن تقوم هذه الجمعية من عشرات السنين، صندوق الزواج أيضاً صندوق رائع لكن تمويله لا يزال ضعيفاً، كنت في الخليج بمؤتمر الأسرة صندوق الزواج ستة عشر مليون درهم، أي ستة عشر مليار ليرة سوري، شيء لا يصدق الأرقام كبيرة جداً، الزواج الجماعي كل خمسمئة زواج بحفلة واحدة، فإذا ما فكرنا برعاية فقرائنا وشبابنا مصيرنا إلى ضياع وهلاك، الأمة بشبابها وبمجموعها الفقراء يشكلون حجماً كبيراً جداً، والله أتألم أشد الألم حينما تلقى الأطعمة النفيسة في المهملات، الآن لا يوجد حجة، يكلفك فقط اتصالاً هاتفياً يأتون لخدمتك يجمعون الطعام، ويصنفونه، ويصلحونه، ويضيفون إليه، يصبح وجبات بعلبة لشخصين أو ثلاثة أو خمسة...... تستلمه جمعيات خيرية عندها طلاب علم وفقراء.
 مرة حضرت حفلة في يعفور، عقد قران أحد من يلوذ بي، أنبأني أن صاحب الحفل دفع مليون ليرة ثمن طعام، دعا ألف شخص وعلى كل رأس ألف ليرة، بتقديري أنه ما أكل خمس الطعام، أنا لزمت الصمت، لا يوجد معي معلومات سلبية، لكن بعض الخطباء - سامحهم الله -على المنبر هاجموا هذه الحفلة، ثم أنبئت بعد ذلك أن لجنة جاءت بعد انتهاء الحفل أخذت كل الطعام، وميتم قريش أكل من هذا الطعام خمسة عشر يوماً ! لم تتلف رزة واحدة، وأنبئت أن صاحب الحفل دفع مليون ليرة لتزويج الشباب، فلي صديق طبيب عمل وليمة من أرقى مستوى سألته قال: بعد نصف ساعة يأتي أناس يجمعون الطعام ويوزعونه، أما هذه جمعية فمرخصة، لها قوانينها وتجهيزاتها، والطعام يسخن ويضاف له اللحم، ويوضع في أوراق قصديرية ساخنة، يعطى لجمعيات منظمة، فكلما وجدت تقدم أسر صندوق العافية، وصندوق الزواج، وصندوق حفظ النعمة، أشعر براحة كبيرة، بدأنا نمشي على الطريق الصحيح، فأرجو أن يعمم هذا...

من نقض عهد الله و رسوله سُلط عليه من يأخذ ما في يده :

 قد تكون بعقد قران يضعون لك أوقية وربع، بالأعم الأغلب ثلثا الحاضرين يأكلون ربعها، وهذه بوظة ذائبة يتلفونها، ضع نصف الكمية، تسافر لخارج البلاد تجد كل الوجبات خفيفة، الأكل خفيف يريحك وتأكله كله، الأجانب عندهم ميزة إذا دعوته وأحضرت طعاماً زائداً عن حاجتك وحاجته ينزعج، أقسم لي شخص يميناً وهو عندي صادق حضر حفلة في الخليج جمل صغير مكتف محشي بالأرز والصنوبر والفستق واللوز والسمن بلدي متوج بخروف مكتف، المدعوون عشرة فقط هذا يطعم خمسمئة، بعدما انتهوا غسلوا أيديهم فوق الطعام، لأن هذا تقليداً أن من بعدي لا يأكل أحداً، عندما تدعو أميراً وبعدما يأكل يأتي أحد و يأكل بعده أنت تهينه، هذا خلاف السنة، فأحد الحاضرين من دمشق قال: معقول من بعدنا لا أحد يأكل؟ لذلك حينما نقضوا عهد الله وعهد رسوله سلط الله عليهم من يأخذ ما في أيديهم.
 جاء مرة وزير الدفاع الأميركي للبحرين وطلب من الأمير هناك أن يشتري صفقة أسلحة قال له: ادفع من جيبك فأصابته خثرة دماغية ومات فوراً، أثناء اللقاء مات، عندما تضن بنعم الله الثمينة على الفقراء يأتي من يأخذ مالك منك عنوة، إذا نقضوا عهد الله وعهد رسوله سلط الله عليهم عدواً يأخذ ما في أيديهم، والآن هناك بلاد بترولية مدينة لخمسين سنة قادمة، الآن تبحث عن معتمر، عن سائح، عن إنسان يشتري، فقضية النعمة قضية كبيرة جداً، والله عز وجل أكرمنا بأمطار.
 حدثني أخ من يومين في مكان هطلت الأمطار مئة ميليمتر، أطول فصل شتاء في تاريخ سوريا ! أكثر المناطق فوق المعدل بكثير، الله أكرمنا وجبر بخاطر هذه الأمة، صار هناك ماء ومواسم جيدة جداً.

حفظ النعمة جزء كبير من الدين :

 أيها الأخوة: حفظ النعمة جزء كبير من الدين، والله لا أرمي ورقة خلفها لا يوجد كتابة، أطبع على الوجه الثاني، ألقي الخطبة منها ثم أتلفها، لأن هذا من حفظ النعمة.
 فيما ورد في الأثر عن النبي الكريم أراد أن يتوضأ من قعب، فضلت فضلة فردها في النهر وقال: ينفع الله بها قوماً آخرين، ترشيد استهلاك الماء والكهرباء من الدين، أحياناً صنبور يصرف ماء خمسة براميل دون أن تشعر خلال شهر، فتذهب للسياقات، والمياه المالحة لم ينتفع بها أحد، مرة حكى لي إنسان قصة: أم تمشي مع ابنها أكل سكرة بعد ثلاثمئة متر سألته أين الورقة؟ قال: رميتها، أعادته وجعلته يضعها في المهملات، عندما أعود أولادي ألا يرموا شيئاً فهدا جيد.
 نأخذ طلاباً في رحلة، أحياناً نأخذ لهم سندويش ماذا نفعل؟ نقسمها نصفين، شبع كان بها إن لم يشبع نعطه الثانية، أما يأكل لقمتين ويرميها لا أسمح له، يجب أن يأكلها كلها، فرحت بهذه الجمعية فرحاً لا حدود له، شعرت أننا بدأنا نحفظ نعمة الله عز وجل، أرى بعيني في حفلات فخمة جداً يوجد أناس أغنياء يعملون حفلة عرس بمطاعم من خمس نجوم، تجد ثلاثة أرباع الطعام لا يؤكل، وأنا أرى بعيني كيف يرمى في المهملات فوراً، الأرز واللحم والكبب وكل أنواع الطعام النفيس على المهملات، حتى في فندق خمس نجوم يمنعون العامل من أخذ بعض الأطعمة المتبقية، يكون دخله قليلاً ، أولاده جائعون، لا يمكن أن يأخذ شيئاً، يتلفون كل شيء.

تأمين فرص عمل من أعظم الأعمال عند الله :

 أنا أردت أن أضع هذه الجمعية بين أيديكم فأنتم بدوركم عمموا هذا الخير، إنسان ذهب لبلد أجنبي وجد أدمغة تباع على الرصيف لم يصدق، فسأل فقالوا له: هذه أدمغة تباع، هذا الدماغ ثمنه دولاراً من دولة كبيرة، هذا بدولارين أقل أما دماغنا فثمنه ألف دولار، فشعر باعتزاز فسأل لماذا؟ قالوا: لأنه لم يعمل !!!!! يجب أن نتعاون ونعمل ونتكاتف ونحمل هموم بعضنا، يجب ألا نهدر شيئاً لا ماء ولا كهرباء ولا طعام ولا شراب، يجب أن نضمن بعضنا، نضمن شبابنا وشاباتنا، يجب أن نؤمن بيوتاً وفرص عمل.
 قال صاحب معمل: عندي ثمانون عاملاً ولا يوجد بيع أبداً وهناك كساد كبير، قال بأدب: من فضل الله أنه أكرمني بثروة جيدة تكفيني للموت أنا وأولادي وأولادهم، أراد أن يغلق المعمل، قلت له: لا تغلقه و إن لم تربح، يكفك أنك تعين ثمانين عاملاً هذا أكبر ربح، لو لم يدخل لجيبك قرشاً إعالة ثمانين أسرة عمل عظيم، لذلك تأمين فرص عمل من أعظم الأعمال عند الله.
 قال: ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، قال: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، فكل من عنده عمل يدع فرصة لشاب له أجر كبير، مفتوح بيت وأسرة ولو خمسة آلاف يعيش بهم، أما كلما ألغيت وظيفة من عملك ساهمت برفع البطالة، الآن بأوروبا وأميركا نسب البطالة تجاوزت نسبة لم نعرفها من خمسين سنة، 6.4 بالعشرة، بالبلاد المتخلفة البطالة تقدر بستين بالمئة، الستة بالمئة رفضوا ! إنسان بلا عمل يمكن أن يفسق ويسرق.

الأعمال الصالحة قرض لله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام: هذا ليس ديناً لكن فرحت بهذه اللجنة وأردت أن أنقل لكم فرحي وسروري بإنشاء هذه الجمعية التي تحفظ النعمة، وعلامة إيماننا التعاون، وعلامة فرديتنا ومعصيتنا لله التفرق، كل منا ينتمي لمصلحته الشخصية، " من لا يرحم لا يُرحم " ،" ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء "
 من يصدق أن امرأة بغياً رأت في الصحراء كلباً يأكل الثرى من العطش فسقته فغفر الله لها، علماء حديث قالوا: معقول لمجرد أنها سقت كلباً يغفر لها! لأنها فعلت هذا العمل لا تبتغي إلا مرضاة الله، لا أحد يراها، هذا العمل بأعلى درجة من الإخلاص، فعندما تخدم إنساناً، ترحم فقيراً، أنت موظف تخدم مواطناً، تلبي حاجته، بائع تراعي إنساناً فقيراً، معك مبلغ من المال أقرضت إنساناً، عندما تعمل عملاً يجب أن تعلم علم اليقين أن كل عمل رحيم هو عمل لله عز وجل، موجه للذات الإلهية.
 يا داود مرضت فمن تعودني؟ قال: كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: مرض عبدي فلان فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده، يا داود استطعمتك فلم تطعمني؟ قال: كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، استسقاك عبدي فلان، أي:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾

[ سورة البقرة: 245 ]

 لا يوجد عمل صالح تقدمه لإنسان إلا هو قرض لله عز وجل، يعطيك سداده يوم القيامة أضعافاً مضاعفة.