بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس ( 59): من مؤتمر ماليزيا

2002-04-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

ماليزيا خير مثال للإسلام :

 أيها الأخوة الكرام: كنت قد وعدت يوم الأحد السابق أن أحدثكم البارحة عن هذا المؤتمر الذي حضرته والبارحة نسيت وحدثتكم عن موضوع آخر، واليوم أفي بوعدي وأتحدث عن هذه البلاد التي زرتها.
 أخواننا الكرام: المهم الأفكار، ألف المسلمون وهذا ليس صحيحاً أن الكفر مرتبط بالقوة والجمال والنظام والأناقة، وأن الإيمان مرتبط بالفقر والواقع والفوضى وبالمناظر غير المريحة.
 قد تجول في بلدة غير مسلمة تجدها غير مريحة لا في بيوتها، ولا في أزقتها، ولا في أحيائها، ولا في مرافقها، ولا في التعامل معها، وقد تتعامل مع أناس متحللين من الدين فتجد الصدق والأمانة والنظافة والنظام، فنحن مع أننا أصحاب وحي نملك وحي السماء، نحن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، أمة سيد الخلق وحبيب الحق، لكن من خلال المشاهدات المستمرة والتجارب المرة ترسب في أعماقنا أن الكفر يعني القوة والنظام والنظافة والجمال، وكأنه ارتبط بشكل أو بآخر الإسلام بالفقر والفوضى والتواكل والانفعالية- نفور ثم نخمد- وبالارتجالية وبردود الأفعال لا بالأفعال هكذا، فأنا سافرت لبلاد كثيرة شاردة عن الله عز وجل لكنها قوية جداً، وفيها نظام دقيق وجمال، وعناية بالغة، وصدق وأمانة، وفي بلاد أخرى فيها تخلف أخلاقي وفكري وحضاري وهي بلاد إسلامية، أما هذا البلد الذي زرته فأعطاني صدمة، بلد صغير لا تزيد مساحته عن نصف مساحة سوريا فيما أعتقد، ولا يزيد عدد سكانه عن ثلاثة وعشرين مليون كانوا قبل خمسة وعشرين عاماً في الغابات ! إلا أن المفاجأة التي قالها السفير السوري هناك أن مجموع صادرات هذا البلد يفوق صادرات العالم العربي مجتمعاً بما فيه النفط، خمس صادراتها لأميركا، يصنعون مواد غالية جداً لا رأس مال لها، رقائق كمبيوترية تحتاج لدماغ فقط ! لا إلى مواد أولية، سبعون بالمئة من صادراتها مواد كمبيوترية، رقائق وشرائح، وزيت النخيل، والقصدير، والمطاط، هذه الناحية الاقتصادية المترجم الذي رافقني راتبه ألف دولار- خمسون ألف ليرة - يحمل شهادة من الأزهر، الذي يلفت النظر أن الإسلام عند الشعوب الغير العربية عظيم جداً، فهذه الصحون الفضائية ممنوعة هناك، ومن يركب صحناً يدفع ستمئة وخمسين ألف ليرة غرامة حفاظاً على أخلاق الصغار، وتربية النشء، وسلامة البيوت، وتماسك الأسر، أطلعوني على بناء للحج بناء عملاق، برج تزيد طوابقه عن أربعين طابقاً، كل مواطن في ماليزيا يجب أن يساهم في هذا المشروع يدفع أقساطاً شهرية إلى أن تصبح سنه سناً تناسب الحج، ومبالغه التي دفعها مع أرباحها تساوي حجاً كريماً محترماً، يدعى لدورة تدريبية تزيد عن ستة أشهر، يتلقى فرائض الحج وأركانه، والسنن، والمستحبات، والآداب نظرياً ويطبقها عملياً عشرات المرات، هذه الدورة معها أماكن تشبه مكة والمدينة وعرفات ومنى والجمرات الثلاث، تجدون الحجاج الماليزيون بأعلى مستوى من الأدب، والانضباط، والثياب الموحدة، والباصات المكيفة، والأماكن الفاخرة، والطعام الجيد، فالحج شيء عظيم جداً عندهم.
 إفطار يوم في رمضان يعني ستة أشهر في السجن، الحجاب إلزامي في التعليم كله، مادة التربية الدينية تدرس في كل فروع الجامعة تقريباً، البنوك كلها إسلامية، بل إن بنوكاً كثيرة جداً يملكها صينيون وبوذيون وهي إسلامية، لأن أنظمة البلد أنظمة إسلامية، عندهم تأمين تعاوني إسلامي، هذا كله حدثنا عنه السفير والمرافق الذي كان معي، بلاد غنية جداً- هذه ليست للنشر- جاءهم نائب الرئيس الأميركي ألغوب، ليتدخل في شؤونهم الشخصية فقالت له الوزيرة هناك : ضع حذاءك في فمك ولا تنطق إلا بما يعنيك وهذا شأن داخلي، شيء يعطي فكرة رائعة أن الإسلام قابل للتطبيق في أي مكان وزمان، لكن نحن توهمنا لا يوجد مصارف إلا ربوية، ولا يوجد إلا تأمين تجاري محرم، ولا يوجد بطاقة ائتمان إلا فيها ربا، أما الحقيقة فليست كذلك ممكن أن يغطي الإسلام كل حاجات المجتمع المعقد.

أفعال الغرب سبب إيقاظ المسلمين و عودتهم إلى دينهم :

 والله وجدنا إكراماً و تنظيماً يفوق حدّ الخيال، التقينا مع تسعة وسبعين وزير أوقاف مسلم من كل أنحاء العالم الإسلامي، ومع أعضاء الوفود، وبحثت الشؤون الإسلامية، لكن ألقوا علينا محاضرات مؤلمة جداً، قالوا: إنكم في بلادكم تعزون أخطاءكم إلى الله مع أن الله ليس بيده إلا الخير، أنتم لا تعزون أخطاءكم لأنفسكم لأنكم لا تبتكرون ولا تتقنون، أنتم عند الغربيين فقراء وإرهابيون، كلام صحيح درس بليغ تلقيناه منهم، ونحن في الأصل العرب حملة رسالة الإسلام، أما هؤلاء الذين نقلت إليهم الرسالة فأشد حماساً لها وتعظيماً لها منا، هذا شيء مؤلم جداً، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لكن يوجد تفاؤل شديد، الأمور بدت الآن تتوضح والحمد لله، أعداؤنا اليهود دون أن يشعروا ويريدوا ويتمنوا بدؤوا يوحدوننا ويلقون إلينا دروساً، نحن لنا دين.
 قصة يجب ألا أرويها لكن سأقولها لأنها مفيدة : إنسان من بلاد النفط الغنية جداً كان بأوروبا، وغارق في الملذات والمعاصي والآثام، فشاهد راقصة تلف جسمها بعلم كتب عليه: لا إله إلا الله، فثارت في نفسه كل معاني الإيمان، وخرج إلى المسرح وضربها وتاب من يومه، فلعل استفزازات العالم الغربي لنا توقظنا كما أيقظت هذا الإنسان، لعلها توقظنا وتعيدنا لديننا وقرآننا وسنة نبينا، لعلها تعيدنا إلى تربية أولادنا التربية الصحيحة.

تطبيق الإسلام في أعقد المجتمعات :

 أيها الأخوة: والله هذه السفرة متميزة لأنني لمست بيدي كيف أن الإسلام يمكن تطبيقه في أعقد المجتمعات، الجيل أمانة بعنق المسؤولين، نحن حريصون على أمانة وأخلاق الجيل، وعلى الحجاب والتعليم الديني، والصيام، وعلى الحج، وألا يتقاضوا فوائد ربوية في علاقاتهم بالبنوك، هذا كله يمكن أن يكون وفق منهج الله عز وجل.
 ليس بمستبعد أن نرى في بلادنا إن شاء الله نهضة إسلامية قوية، وعودة إلى الدين فهذا من لوازم الإسلام، هذه بعض الانطباعات، طبعاً أنا لست مكلفاً أن أحقق، بقيت هناك سبعة أيام بفندق لكن سمعت من السفير السوري كلاماً طيباً جداً عندما دعانا للسفارة، وسمعت من مرافقي المترجم الذي يحمل شهادة من الأزهر هكذا حدثني، أما أنا فلم أتحقق هذا الكلام، لكن أنقل لكم الانطباعات، إنه بلد قوي وغني جداً، ما من مركبة ركبناها إلا صنع ماليزيا، شركات عملاقة بالعالم لها فروع هناك، ماذا يفعلون؟ يهيؤون جواً مناسباً لرؤوس الأموال، تأتيهم العمالة رخيصة، هناك يتعلمون منهم دقائق الصناعة، يبنون فرعاً آخر ماليزياً، فعندهم الآن صناعات مخيفة جداً، ودخل الفرد كبير، وهذا يسبب نفسية قوية، وكل أجسامهم ثلاثون أو أربعون كيلو، صغار الجسم كلهم ! لا يوجد أجسام كبيرة لكن دماغهم كبيرة.
 مرة إنسان ذهب لبلد وجد أدمغة بشرية تباع على الرصيف، وجد دماغاً من دولة غنية ثمنه دولاراً، و دولة ثانية ثمن الدماغ عندها بدولارين، و الثالثة بثلاثة دولارات، وجد دماغنا ثمنه ألف دولار، فسر وشعر باعتزاز لماذا سعره باهظ الثمن؟ قالوا له: لأنه لم يعمل بعد !

الجهاد الأكبر الآن العودة بالإسلام إلى منابعه الأولى :

 هذا الجامع البسيط المتواضع يجب أن نعمل فيه، أعطيكم الدواء، ربِّ أولادك واضبط بيتك وعملك، بعد حين نقوى جميعنا، كن صادقاً وانصح المسلمين، يوجد شركة في الشام زراعية يقول أحد كبار مهندسيها صاحب الشركة يجمع المهندسين ويقول: أنا لا أفرح بمبيعاتكم العالية أفرح بأنكم تنفعون الفلاح، فإذا كان هذا الدواء لا ينفع الفلاح لا تبعه إياه، لو لم تبع شيئاً أنا أرضى بهذا، وأريد أن ينتفع الفلاح، هذه الشركة أقوى شركة في الشام، وأرباحها عالية جداً، هذا المال إذا وضعته أمامك تخسره فإذا وضعته تحت قدمك تربحه.
 لا تبيعون الفلاح دواء إلا إن كان مفيداً لأمراض نباتاته، أما تقنعه وتكذب عليه وتوهمه أن هذا الدواء مفيد وتبعه إياه وتضره فأنا لا أسر منك.
 شركة سكاكر تضع صباغ البلاط بالسكاكر، والنشارة بالزعتر، وزيت السيارات المستعمل مع دبس الرمان، والله أخبرني موظف تموين وشعرت أن التموين رحمة من الله، لأن هناك شيئاً لا يطاق، غنمة ماتت تصبح صفيحة، يأكلها الجنود في الطريق، يوجد خطأ عندنا في البنية التحتية، فإذا أنت استقمت، وصدقت، ونفعت المسلمين، ولم تؤذهم، ولم تغشهم وتكذب عليهم، ولا دلست عليهم، وربيت أولادك، وأقمت الإسلام في بيتك، هذا الجهاد الأكبر، وبه نصبح بعد حين أمة قوية، نقول: ضع حذاءك في فمك ولا تنطق إلا يما يعنيك، من أين أتت ؟ من القوة، يوجد قوة وتماسك وأخلاق.
 طبعاً لاحظت هناك مشاهد متفلتة، فنسبة المسلمين هناك خمسة وخمسون بالمئة فقط، والباقي بوذيون وصينيون، لكن عندهم سياسة معتدلة، كل على دينه، المسلم له ترتيب آخر، على كلّ دولة قوية وغنية ومتحكمة باقتصاد العالم الآن سموها نمور شرق آسيا، وكلهم ثلاثة وعشرون مليوناً، كانوا في الغابات قبل خمس وعشرين سنة.