بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس ( 58): وسطية الإسلام

2002-03-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الإسلام وسطي متوازن :

 أيها الأخوة الأحباب: الإسلام وسطي، الإسلام متوازن، ولأضرب لكم مثلاً الدعاء: هناك من يسخر من الدعاء، ولا يعبأ به، ولا يراه حلاً لمشكلاته، وهناك من يعظم الدعاء لدرجة أنه لا يعمل شيئاً يدعو فقط، وكلاهما متطرف.
 الدعاء ينفع بعد أن تأخذ بالأسباب، بعد أن تأخذ بكل الأسباب ينفع الدعاء، أما قبل أن تأخذ بالأسباب فلا ينفع الدعاء، الابن مرض، والمرض يعالج، ويوجد طبيب، وأنت معك مال، الله الشافي هذا كذب، وهذا انحراف بالدين، تأخذه إلى الطبيب، وتختار أفضل طبيب، وتعطيه الدواء بدقة بالغة، ثم تتصدق لعل الله يشفيه بهذه الصدقة، ثم تدعو الله عز وجل، الدعاء لا يقبل إلا بعد العمل. المركبة وقفت، يا رب أنقذنا، لن تمشي، افتح غطاء المحرك، ابحث عن العلة وقل: يا رب اكشف لي العلة، وأعنِّ على حلها، الآن أنت مؤمن.
 أي بشكل أو بآخر العالم انقسم إلى قسمين، الغرب أخذ بالأسباب واعتمد عليها وألهها، واستغنى بها عن الله، كما ترون من تصريحاتهم:

﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾

[ سورة الحشر: 2 ]

 كل شيء داخل في حساباتهم، إلا أن يأتي شاب ضعيف يضحي بحياته يهز كيانهم، هذا ما دخل في حساباتهم:

﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾

[ سورة الحشر: 2 ]

 إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها وقعت في الشرك، وقعت في عين الشرك هذا الغرب.
 الشرق لم يأخذ بالأسباب وتوكل على الله وقع في المعصية، لا الشرق مصيب ولا الغرب مصيب، والوضع المثالي كما قلته في ندوة عن الهجرة: أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
 أخ من إخواننا الكرام المتعمقين بالعلم، من ألمع الشخصيات، راكب مركبته سافر بها إلى حلب، هناك مكان قبل حمص، هو لم يراجع مركبته من سبع سنوات، ما راجع أجهزتها، فوقع بحادث أودى بحياته، الموقف الكامل قبل أن أسافر أراجع كل شيء ثم أتوكل على الله، أما توكل بلا مراجعة فهذه معصية، واعتماد على المراجعة بلا توكل شرك.

الأخذ بالأسباب و التوكل على الله :

 أرأيتم إلى العالم كيف انقسم؟ قسم يأخذ بالأسباب ويعتمد عليها ويستغني بها عن الله فيفاجأ من حيث لم يحتسب، مع الله لا يوجد ذكي. ولا ينفع ذا الجد منك الجد. الذكي يؤتى من مأمنه، الآن أكثر شيء تلاحظونه طبيب هضمية درجة أولى هل تصدقون معه قرحة؟ يا عيني أين علمه؟ أصابته هذه الحالة دون أن يشعر، هو هذا اختصاصه، هو يأخذ بالأسباب ويعتمد عليها فيؤدبه الله عز وجل.
 طبيب بأمريكا مؤمن بالجري، ويجري كل يوم ساعتين، أجروا معه ندوات تلفزيونية، له مقالات، وألّف كتباً، الجري هو الحل الوحيد لمواجهة أمراض القلب، مات في الثانية والأربعين وهو يجري، لا لأن الجري صحيح لا، الجري صحيح مفيد، لكنه اعتمد عليه ونسي الله، فَأتاه الله من حيث لا يحتسب.
 دعاني طبيب قلب بأمريكا في مقتبل الحياة، والله عنده بيت كالقصر، لكنه مستكين، أنا لم أفهم، الأمور ناجحة كلها في حياته، سألت قبل أسبوعين عنه فقالوا لي: أصابه احتشاء في قلبه، طبيب قلب.
 إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها أوكلك الله إليها، وإن لم تأخذ بها وقعت بالمعصية، ينبغي أن تأخذ بها وكأنها كل شيء، وينبغي أن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، لذلك قال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

الحديث التالي من دلائل نبوة النبي الكريم :

 و:

(( عن عُقْبَة عَامِرٍ الْجُهَنِيّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: وَأعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ ألاّ إنّ القْوّةَ الرّمْيُ ألاَ إنّ القُوّةَ الرّمْيُ ألاَ إنّ القُوّةَ الرّمْيُ ))

[مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]

 هذا الحديث من دلائل نبوة النبي، كيف؟ الآن أرقى سلاح في دقة الرمي يرسلون أشعة إلى الهدف وتأتي قنبلة ذكية تركب الأشعة.
 والله سمعتأن قصر حاكم يوغسلافيا لم أحفظ اسمه- يحاكمونه الآن- القنبلة دخلت إلى غرفة نومه والإحداثيات من البنتاغون من أمريكا:

((......ألاّ إنّ القْوّةَ الرّمْيُ ألاَ إنّ القُوّةَ الرّمْيُ ألاَ إنّ القُوّةَ الرّمْيُ ))

 الآن قوة السلاح الإصابة بإحكام، الآن والعياذ بالله يعطون عميلاً خائناً بفلسطين مادة صغيرة، مادة شفافة لا ترى بالعين، يدهن بها غطاء السيارة، في اليوم الثاني يركب هذا الشخص سيارته يأتي الصاروخ له، هذه المادة تعمل إشعاعاً يهتدون به، الآن الحرب لا تحتاج إلى شجاعة أبداً، أي أحقر إنسان، أجبن إنسان، أقذر إنسان، ألأم إنسان أمامه شاشة وأمامه هدف، ومعه محرك عليه إشارة ضرب، يضع الإشارة فوق الهدف ويكبس الزر فتأتي القنبلة بالمدخنة، الحرب الحديثة ألغت الشجاعة، ألغت البطولة.
 لذلك الله عز وجل فاجأ هؤلاء بهؤلاء، الشهداء الذين أقلقوا مضاجع الأعداء يقول عليه الصلاة والسلام :

((وَأعِدّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ ألاّ إنّ القْوّةَ الرّمْيُ ألاَ إنّ القُوّةَ الرّمْيُ ألاَ إنّ القُوّةَ الرّمْيُ ))

[مسلم عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]

 أي قوة السلاح في إحكام إصابته للهدف، قد يكون ثمن الصاروخ ملايين، إن لم يكن مصيباً للهدف لا قيمة له إطلاقاً، والسهم يؤجر صانعه ومنبله وراميه، الذي صنعه في سبيل الله يؤجر، والذي أعطاه للرامي لقمه يؤجر، والذي رمى به يؤجر، وهذا من فضل الله عز وجل. لو أحدكم أقام مأدبة طعام لإنسان يبتغي بها وجه الله قال النبي الكريم: " صاحب البيت يؤجر، والزوجة تؤجر لأنها صنعت الطعام، والأولاد يؤجرون لأنهم خدموا الضيف" أرأيت إلى فضل الله عز وجل.

تربية أطفالنا على الشكر :

 أحياناً إنسان يدعى إلى طعام، أهل البيت يعملون ثلاثة أيام، يجب أن تتوجه كلمة شكر عن طريق الزوج أن الله يجزيهم الخير، أهل بيتك تعبوا من أجلنا، هذا الإنسان اللطيف، نحن يوم الجمعة نوزع على الصغار طعاماً طيباً، فكل طفل يأتي مع أبيه على الخطبة نعطيه أكلة طيبة، أحياناً بالمئات، ويكلف هذا مبلغاً كبيراً، لكن الأطفال سبحان الله! حسب تربيتهم، طفل صغير عمره أربع سنوات، يقول لي: سلمت يداك، شكراً أستاذ، طفل ينظر إلى الأكلة يأخذها ويمشي، والله مسافة كبيرة جداً، طفل أربع سنوات يجب أن يعبر عن شكره، شكراً أستاذ، سلمت يداك، و طفل آخر لا يرى إلا الأكلة الطيبة، يضع عينه عليها يأخذها ويمشي، هناك فرق بينهما. إذا ربينا أنفسنا على الشكر، أنا أعود نفسي، لا يمكن أن يقدم لي إنسان خدمة إلا وأشكره عليها، حتى لا أنسى يصير هذا طبع عندي، أكتب شكراً لفلان، ولو باتصال هاتفي لأنه:

﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾

[ سورة البقرة: 237 ]

 هؤلاء أهل الدنيا يمنعون الماعون، إن خدمته لا يبين معه، إنسان أزاح عن النبي ريشة فرفع النبي يديه إلى السماء وقال: جزاك الله خيراً، كان إذا صافح لا يسحب يده قبل من صافحه، كان يجلس مع الفقير والمسكين، جاءه عدي بن حاتم وكان ملكاً، قال له: من الرجل؟ قال له: عدي بن حاتم، فعدي بن حاتم لم يتأكد أنه نبي، أخته قالت له: ملك أو نبي، إن كان نبياً تنتفع بدعوته، وإن كان ملكاً تنتفع ببره، على الحالتين أنت رابح لو التقيت به، فهو جاء قال من الرجل؟ قال: عدي بن حاتم، فرحب به النبي قال:

(( أنزلوا الناس منازلهم ))

[مسلم عن عائشة ]

 أرسل كتاباً إلى قيصر الروم كتب: من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم، هل هو عنده عظيم؟ لا والله، لكن هذا لقب، لكنه فعل هذا أدباً، هذا وزير باسمه؟ لا هذا خلاف الأدب، هذا لواء أعطه مرتبته، لا تستهين بها، هذا لواء، هذا وزير، كل إنسان تعطيه لقبه العلمي، هذا دكتور دكتور، لواء سيادة اللواء، سفير سعادة السفير، لا تنقص من قيمته، تكون أنت أديباً معهم، فالنبي قال: إلى عظيم الروم، الأمر بالمعروف ضروري، من قال لك: إن الأمر بالمعروف يكون بغلظة ؟ والله هناك آية تذيب الإنسان:

﴿ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾

[ سورة طه: 43 ]

 أكبر طاغية، قتل أبناء بني إسرائيل، واستحيا نساءهم.

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾

[ سورة طه : 43-44]

الإسلام أدب و أخلاق :

 الذي أراه أنت تحتاج إلى أخلاق، وابن القيم يقول: " الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك بالخلق زاد عليك في الإيمان".
 كنت البارحة بحلّ مشكلة، قال لي موظف: أنا أؤدي واجبي تماماً لكن لا علاقة لفلان بي، هذا نظام تسلسل، فلان مشرف على المؤسسة غير معقول أن تكون خارجاً عن أمره، قلت له: من أنت أمام سيدنا عمر وسيدنا الصديق؟ سيدنا رسول الله عين أسامة بن زيد قائداً لجيش، وتوفي عليه الصلاة والسلام ولم ينفذ بعث أسامة، بعد وفاة النبي سيدنا الصديق أمر هذا الجيش بالتحرك، مشى الصديق بركاب أسامة، أسامة راكب و هو ابن سبعة عشر عاماً، والصديق بعمر جده وخليفة المسلمين ماشي، أسامة أديب، قال له: يا خليفة رسول الله لتركبن أو لأنزلن، مستحيل، قال له: والله لا ركبت ولا نزلت، وما عليّ أن تغبر قدماي ساعة في سبيل الله. سيدنا الصديق أراد أن يبقى عمر إلى جانبه، عمر جندي، جندي تحت إمرة أسامة، ألا يمكن أن يقول له: يا عمر ابقَ معي؟ إذا قال له: ابقَ معي تجاهل أسامة هذا القائد، قال له: يا أسامة أتأذن لي بعمر؟ ما هذا؟ ما هذا النظام! نظام التسلسل، خليفة المسلمين يستأذن من شاب - من أسامة بن زيد - ليبقى معه عمر.
 الإسلام نظام، الإسلام فيه تسلسل، الإسلام فيه أدب، اللهم صلِّ عليه ما رئي ماداً رجليه قط بين أصحابه، وهو سيد الخلق وحبيب الحق، كان أديباً، كان متواضعاً، هذا عدي بن حاتم لما عرفه ملكاً رحب به، وأنزله منزله، ودعاه إلى بيته، مشى معه، قال: فاستوقفته امرأة، فوقف طويلاً تكلمه في حاجتها، امرأة في الطريق، قال: فعلمت أنه نبي مرسل وليس ملكاً.
 سيدنا عمر عندما رآى النبي وقد اضطجع على الحصير وأثر هذا الحصير في خده الشريف بكى، قال: ما يبكيك يا عمر ؟ قال: رسول الله ينام على الحصير، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟ مثل هذا رئيس البيت الأبيض مثلاً ، قال: يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً، أنا لست ملكاً، يا عمر أفي شك أنت من هذا الأمر ؟ أما ترضى يا عمر أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا؟
 لذلك كفاك على عدوك نصراً أنه في معصية الله، يكفينا نصراً أننا على حق إن شاء الله، ومعنا وحي السماء، لكن نحن الآن مستضعفون، النبي قال لنا حكمة الله شاءت ذلك؟ لا، لأننا مقصرون، لأن الله ماذا قال؟

﴿ وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ﴾

[ سورة الأنفال: 60]

 هذه الأس 52، والبي 52، تطير خمساً و ثلاثين ساعة بلا توقف، تنطلق من أمريكا وتقصف أفغانستان وتعود، لا يوجد مطار بالأرض يحملها، وأعدوا لهم أم أعدوا لنا؟ أعدوا لنا، لما أعدوا هذه القوة الجبارة حكموا العالم كله، لذلك الإسلام إذا حذفت منه بنداً تدفع الثمن باهظاً، المسلمون حذفوا بنداً من أربعمئة سنة والآن يدفعون ثمناً باهظاً، يتحكمون حتى بعلاقاتنا الشخصية، هناك توجيهات للدول الإسلامية بتغيير قوانين الأحوال الشخصية، هناك توجيهات بأمركة الإسلام، و إذا كان هناك اتفاقية مع إسرائيل لا يمكن أن تتلى في الإذاعة آية عن بني إسرائيل، ولا في الكتب المدرسية، هذه اسمها أمركة الإسلام، لأنهم كانوا أقوى منا ففرضوا علينا ثقافتهم، نحن الآن بخير والحمد لله، أنا أتكلم عن العالم الإسلامي، عن أمر بإغلاق خمسة آلاف معهد شرعي، عن أمر آخر بتغيير الخطاب الإسلامي، عن أمر ثالث بإصدار هذه الفتوى، مرة كنت في لبنان على الإذاعة برمضان هناك ندوة استمرت ساعتين فجاءني سؤال على الهاتف: أنه ما قولك بهذه الفتوى الذي أصدرها مفتي مصر سابقاً حول هذه الأعمال هي انتحار؟ قلت لهم على الإذاعة: هذه الفتوى ليست مصرية ولا إسلامية إنما هي فتوى أمريكية أصدرها الملا بوش، هذا الواقع، الحمد لله من يومين رجع عن فتواه، شيخ الأزهر قال: شهيد شهيد شهيد.