بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس ( 57): العمل الصالح

2002-03-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الحركة نوعان؛ محرمة و مباحة :

 أيها الأخوة الكرام: ما منا واحد إلا ويتحرك، يخرج من بيته إلى عمله لكسب رزقه، لحل مشكلة، لعقد صفقة، لبيع بضاعة، لحاجة يريدها، لمصلحة يقصدها، هذه الحركة يفعلها البشر جميعاً في كل بقاع الأرض.

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

[ سورة الليل :1-4]

 هذا يذهب لأداء طاعة، وهذا لمعصية، وهذا لحل مشكلة، وهذا لخلق فتنة، وهذا لرواية، إلخ... أنت انظر عند الازدحام في المواصلات، كل إنسان يركب مركبة يوجد بذهنه شيء، إنسان يسعى للخير، وإنسان يسعى للشر، إنسان يبحث عن فتاة يزني بها، وإنسان يبحث عن فتاة ليتزوجها، إنسان يبحث عن مبلغ حرام ليقتنصه، وإنسان يبحث عن رزق حلال يأكله، فهناك حركة، والحركة نوعان: محرمة و ومباحة ـ

حركة الإنسان في سبيل الله :

 لكن هناك حركة ثالثة غير هاتين الحركتين، الحركة الثالثة لا تنفعك في الدنيا إطلاقاً، لا تعود عليك بالخير إطلاقاً، وليست متعلقة بمصالحك إطلاقاً، ولا بمستقبل أولادك إطلاقاً، ولا ببيتك، ولا بعملك، إنها حركة في سبيل الله خالصة، هنا يتفوق المؤمن، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لغدوة في سبيل اللَّه أو روحة خير من الدنيا وما فيها ))

[مُتَّفّقٌ عَلَيهِ عن سهل بن سعد]

 قد تأتي إلى مجلس علم هذا الإتيان يحتاج إلى وقت، عندك محل تجاري والوقت لكسب المال، قد تذهب لعيادة مريض وليس هناك مكسب مادي إطلاقاً من عيادته.
 طبعاً بالمناسبة عيادة المرضى الأغنياء، وعيادة المرضى الأقوياء، وتلبية دعوة الأغنياء والأقوياء، هذه من الدنيا، هذه ليست عملاً صالحاً، دعوة بفندق خمس نجوم، هناك ضيافة نفيسة جداً، وهدية نفيسة جداً، وتتصور، وتصبح من أعلام المجتمع، تلبية دعوة الأغنياء والأقوياء من الدنيا، أما تأتيك دعوة من إنسان مؤمن من أطراف دمشق وعلى الطريق، والله حضرت عقود قران بالطريق، الكراسي بالطريق، وكأس من الشاي لا تشرب، يمر بائع المازوت أمامك، هذه دعوة في سبيل الله، هذه جبر خاطر، هذه تنفيذ توصية النبي:" من دعي فلم يلبِّ فقد عصى أبا القاسم ".
 والله أيها الأخوة لا أقول هذا مدحاً لا والله، كنت في دعوة نفيسة جداً، جاءني أخ طالب علم من تركيا، قال لي: إذا دعوتك على طعام الإفطار هل تلبي الدعوة؟ قلت: والله ألبيها، ذهبت إليه مع أحد إخواني وابني، صعدنا إلى المركبة، بيته في أول جادة من فوق، أي من الجبل، في مكان لم يعد بإمكان المركبة أن تصعد، فمشينا، فوقعت مرتين في الطريق، الطريق صعب جداً، دخلت لبيته والله ما عنده إلا فراش من الإسفنج، والطعام على الجريدة، قدم لنا الطعام فأكلت بندورة لذيذة والله، لكنها متواضعة جداً، وشربنا الماء بأكواب الشاي، يشهد الله أنه صار تجلّ ما رأيته في حياتي.
 فأنت لك حركات، تحضر عقود قران، تحضر حفلة، تزور أقرباءك الأغنياء، تُدعى على ولائم نفيسة جداً، هذه حركة الدنيا، ليست محرمة، هي حركة مباحة، هناك حركة محرمة والعياذ بالله لارتكاب معصية، لإيقاع أذى بإنسان، وحركة مباحة يتحركها الخلق بالقارات الخمس، الناس يأكلون، ويشربون، ويذهبون إلى أعمالهم، ويحلون مشكلاتهم، ويرممون بيوتهم، ويزوجون بناتهم، هذه حركة عادية، أما إنسان يتحرك دون أن تعود عليه الحركة بمنفعة في الدنيا إطلاقاً ابتغاء وجه الله، فقد تنتقل من مكان إلى مكان لتدل إنساناً على الله، لتعين إنساناً، لترعى يتيماً، لترعى امرأة أرملة، لتعلم أخاً، لتنفق مالاً، لتلقي درساً، الحركة التي لا تبتغي بها إلا وجه الله هذه التي ترفعك.

محاسبة النفس لأن التدليس أخو الكذب :

 كل إنسان يحاسب نفسه كل يوم، ما العمل الذي عملته ولا تبتغي به إلا وجه الله؟ إنسان قد ينفق في يمينه وتعلم شماله، إنسان يمشي في الليل لحل مشكلة، لخدمة أسرة، لإنفاق مال، لإطعام جائع، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لغدوة في سبيل اللَّه أو روحة خير من الدنيا وما فيها ))

[مُتَّفّقٌ عَلَيهِ عن سهل بن سعد]

 بالمناسبة الغدوة؛ أن تذهب إلى عملك باكراً، والروحة؛ أن تعود إلى بيتك، هذا المعنى اللغوي الدقيق، فلو أنت أتيت إلى البيت بعد الغروب، وطرق أحد من أصدقائك الباب، فتح له ابنك، قال له: الوالد موجود؟ فأجابه: ابنك والله الآن راح يا عماه، قال له: سلم عليه، الولد كذب أم صدق؟ صدق، الآن راح بمعنى الآن جاء، معنى غدوة وروحة الغدوة أن تخرج من بيتك باكراً، والروحة أن تعود إلى البيت، هو في الحقيقة ما كذب، ما كذب لغة لكنه كذب شرعاً، ماذا فهم السائل؟ أنه خرج من البيت، أنت في اللغة لم تكذب لكنك في الشريعة تكذب، إذاً النص لا يوجد فيه خطأ لكنك أوهمت السامع معنى آخر.
 إنسان خطب قال كلمة واحدة: عندي بيت بالمالكي، ما سألوا أي إنسان، موافقة فورية، بعد التدقيق ظهر البيت بشارع المالكي بببيلا، ما كذب، لكنه دلس، وقد قيل: التدليس أخو الكذب، هناك كثير من الكلام كله تدليس، تتوهم شيئاً وهو شيء.

عادات المؤمن عبادات وعبادات المنافق سيئات :

 لذلك مرة ثانية: عندنا حركة محرمة، الذي يذهب ليزني لا سمح الله، ليعاقر الخمرة، ليرتكب إثماً، ليوقع أذى، ومعظم الناس يتحرك إلى عمله ليكسب رزقه، ليأكل، ليشرب، ليصلح بيته، ليشتري بيتاً، ليبدل مركبته، حركة عادية يفعلها البشر في كل الأوقات، لكن المؤمن وحده هذه الحركة المباحة، لأن إيمانه قوي ويبتغي بها وجه الله تنقلب إلى عمل صالح، هذه خاصة بالمؤمن، أي ذهب ليشتري ثياباً، هو عمله عمل إسلامي، فإذا كان مظهره مقبولاً يكون قد دعم مهمته في الحياة، فحتى لو اشترى ثياباً، ولو اشترى لأولاده الطعام، حتى لو أخذهم نزهة، هذه للمؤمن عبادة، لذلك قالوا: عادات المؤمن عبادات، وعبادات المنافق سيئات، المنافق عباداته الخالصة سيئات، لأنه منافق.
 إنسان يريد الذهاب إلى الحج، دخل إلى الجامع وجد شخصاً صالحاً وضع عنده أمانة، أي بحث عن شخص ليضع ماله عنده، فوجد شخصاً صلاته بخشوع شديد، يغمض عينيه، فأعجبه فلما انتهى قال له: والله أنا توسمت بالوجوه فرأيتك صالحاً، أنا عندي أمانة أريد أن أضعها عندك إلى أن أعود من الحج، فقال له: أنا أيضاً صائم يا سيدي، قال له: والله صيامك لم يعجبني.
 فالمنافق حتى عباداته سيئات، تذكرون - وإن كان الموضوع سياسياً- عند إعلان واشنطن عن ضرورة إقامة دولة فلسطينية قبل حرب الأفغان، تذكرون ؟ من أجل تخدير العرب المسلمين، الآن ظهر قرار من يومين أيضاً هذا لضرب العراق ظهر كتخدير، حتى الشيء الطيب فيما يفعله الكافر سيئات، كذب بكذب، تخدير مؤقت، المنافق حتى لو صلى، حتى لو صام عباداته سيئات، المؤمن حتى لو نام عبادة، حتى لو اشترى بيتاً، لأن هذا البيت أجر، لا تعقد فيه إلا مجالس العلم، لا يأتيه إلا المؤمن.

الإخلاص في العمل و الابتعاد عن الرياء :

 فنحن في موضوع:

(( لغدوة في سبيل اللَّه أو روحة خير من الدنيا وما فيها ))

[مُتَّفّقٌ عَلَيهِ عن سهل بن سعد]

 تنطلق من بيتك إلى عمل صالح.
 والله مرة يمكن قصة قلتها لكم، لي قريبة مقعدة، ولها أسهم من أسهم الإسمنت، و قيمة الأسهم تساوي الوكالة، ذهبت إلى المحاسب، وقلت له: لي قريبة مقعدة بالفراش، ولها مبلغ متواضع، ألا يوجد طريقة لتأتي إلينا؟ نظر هكذا، قال لي: أين العنوان؟ قلت له: بالعفيف هذا العنوان، أنا معي مركبة آتي لأخذك؟ قال لي: لا أنا آتي بنفسي، عندما قال: آتي بنفسي، قلت في نفسي: لن يأتي، والله عند العصر طرق الباب، أهلاً وسهلاً أين الحاجة؟ هذه الحاجة، بصمت وأعطاها المبلغ، قال لي: ممكن أن أصلي عندك العصر؟ فقلت له: تفضل سيدي، انتهى، قلت له: هل من الممكن أن أوصلك؟ قال: لا، هذا العمل اتركه لله، لم يرضَ أن أوصله، لا بالمجيء ولا بالذهاب، قال لي: هذه فعلتها لله.
 يا ترى كل واحد منا عملَ عملاً لله خالصاً ؟ لا يريد ثناء أو مديحاً، والله كنت في تركيا بدعوة، حدثوني: أن أحد كبار الأغنياء متبرع بثلاثمئة مليون دولار للمسلمين، وللمستشفيات، والمعاهد، والجامعات، كان أحد علماء دمشق هناك، فبلغه الخبر، فدهش، مبلغ ضخم غير معقول، قال: والله أتمنى أن أراه، واحد من أخواننا الأتراك قال له: غداً طعام الإفطار عندي في البيت، وسيأتي هذا المحسن، والله جاء الدكتور على الوقت، انتظر عشر دقائق، ثلث ساعة، نصف ساعة، ما جاء هذا المحسن، قال له: أين هو؟ قال له: جاء قبلك انظر إليه جالس هناك، جالس بتواضع، ما خطر في بال هذا العالم الدمشقي أن هذا هو المحسن.
 نحن عندما يدفع الإنسان خمسة آلاف يريد رخامة يكتب اسمه عليها، إذا لم نكتب على المئذنة أنشأ هذه المئذنة المحسن الكبير فلان لا يدفع شيئاً، نحن نريد عملاً لوجه الله، لا نريد مديحاً، وثناء، ولا تنويهاً، ولا إشارة، ولا عبارة، أبداً، هذا العمل تبتغي به وجه الله، لذلك:
 درهم تنفقه في إخلاص خير من ألف درهم تنفقه في رياء. وإذا إنسان تعذبه نفسه، وتتهمه بالنفاق لينفق ماله دون أن يذكر ذلك لأحد، والله أخوان كثر يقدمون خدمات لطلاب العلم، يرفضون أن تذكر أسماؤهم بهذا العمل، فنحن نريد هذا الحديث:

(( لغدوة في سبيل اللَّه أو روحة خير من الدنيا وما فيها ))

[مُتَّفّقٌ عَلَيهِ عن سهل بن سعد]

و:

(( ولقاب قوس أحدكم من الجنة، أو موضع قيد - أي سوطه - خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل النار لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحا، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها ))

[ البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنهما ]

 أي إذا إنسان عنده زوجة مؤمنة لكن ليست طموحه بالجمال، هو عفيف، يغض البصر، هذا عند الله ليس له شيء؟‍ له من الحور العين، فكل إنسان يستعجل الشيء قبل أوانه يعاقب بحرمانه.

البحث عن عمل يرضي الله :

 أيها الأخوة: ملخص هذا الدرس لنبحث عن عمل يرضي الله ولا ننتفع منه، أما يقول لك مسلم: أنا والله أعمل كل سنة عمرة الحمد لله، ركب الطيارة، جلس ببرج مكة أطيب الطعام، دعي، و سرّ، ثم رجع، شاط سبعة أشواط وحلق شعره، أنا لا أقلل من قيمتها، لكن هناك أعمالاً تتوافق مع رغبة الإنسان، أخي الزواج سنة طبعاً، أنت لا يوجد عندك زوجة، و هو له زوجة في البيت جالسة ويقول: الزواج سنة، قصر الصلاة، صحيح، هناك أشياء تتوافق مع رغبة المؤمن، يفعلها حباً وكرامة، لكن هناك أشياء صعبة تحتاج إلى وقت، إلى جهد، إلى بذل، إلى تضحية.
 فلذلك هذا الدرس ملخصه:

(( لغدوة في سبيل اللَّه أو روحة خير من الدنيا وما فيها ))

[مُتَّفّقٌ عَلَيهِ عن سهل بن سعد]