خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة 1084 : خ1 - خلق النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه ، خ 2 - تطبيق سنة النبي عليه الصلاة والسلام تجعلنا في مأمن من عذاب الله تعالى

2008-08-22

الخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الله عز وجل أعطى النبي كل وسائل الدعوة و لكنه أثنى بشكل أساسي على خلقه :

     أيها الأخوة الكرام، الله عز وجل أرسل هذا النبي العظيم هادياً، ومبشراً، ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، وقد أعطاه كل وسائل الدعوة، أعطاه فصاحة ما بعدها فصاحة، أعطاه ذاكرة:

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى ﴾

( سورة الأعلى )

     أعطاه حكمة، أعطاه رحمة، أعطاه ما أعطاه، و لكن لما أراد الله أن يثني عليه بماذا أثنى عليه ؟ بخلقه، لأن خلقه من كسبه، تماماً كما لو أنك منحت ابنك مركبة لا يعقل أن تقيم له حفل تكريم لاقتنائه هذه المركبة، هي منك، أما إذا نال الدرجة الأولى في الامتحان تقيم له حفل تكريم، فالمركبة ليست من كسبه بل هبة منك، بينما تفوقه في الدراسة من كسبه، لذلك حينما أثنى الله عليه، أثنى على خلقه فقال:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم )

القيم الأخلاقية التي جاء بها السلف الصالح متألقة تفوق أي إنجاز علمي :

     أيها الأخوة الكرام: مع التقدم المذهل في العلوم، و التقنيات، و الأجهزة، و الاتصالات، شيء لا يصدق، و مع ذلك تبقى القيم الأخلاقية التي جاء بها السلف الصالح متألقة تفوق أي إنجاز علمي، نحن مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في هذه الخطبة عن طريق قصص ثلاث.
     الحقيقة كما قيل القصة حقيقة مع البرهان عليها، حقيقة ليست مجردة، ليست طائرة في الهواء، مجسدة بإنسان، لذلك قالوا: الكون قرآن صامت و القرآن كون ناطق و النبي عليه الصلاة و السلام قرآن يمشي.
     حينما سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله قالت: كان خلقه القرآن.
     الآن وازن بين نبي هذه الأمة ورسول هذه الأمة سيد الأنبياء والمرسلين الإنسان الأول الذي أقسم الله بعمره الثمين وما خاطبه باسمه على خلاف بقية الأنبياء يا يحيى، يا عيسى، يا موسى، يا أيها النبي، يا أيها الرسول، هذا البون الشاسع بين سيد الأنبياء والمرسلين الذي بلغ سدرة المنتهى وبين شاب فقير اسمه جابر.

قصة النبي عليه الصلاة والسلام  مع جابر بن عبد الله :

     القصة الأولى قصة هذا الصحابي الجليل الشاب الذي استشهد أبوه في أحد، وخرج مع النبي في غزوة اسمها غزوة ذات الرقاع، عن جابر بن عبد الله قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ذات الرقاع، مرتحلاً على جمل لي ضعيف، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم، الآن في طريق العودة، جعلت الرفاق تمضي ( أي تسبقني ) وجعلت أتخلف عنهم ( لأن جمله ضعيف ) حتى أدركني رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه أب، كان يتخلف عن الجيش ليرى المقصرين الذين يحتاجون إلى مساعدة، هو سيد الخلق هو قائدهم، ألا تذكرون في بدر يوم كان الصحابة ألفاً والرواحل ثلاثمئة فقال: كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة، ركب الناقة فلما جاء دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكباً قال ما أنتما بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر.
     هل رأيتم في العالم قائد جيش، زعيم أمة، يساوي نفسه مع أقل جندي ؟
     أيها الأخوة، حتى أدركني النبي عليه الصلاة والسلام فلما رآني متخلفاً قال ما لك يا جابر ؟ يا جابر باسمه، حينما تهتم بالآخرين تحفظ أسماءهم.
     قال ما لك يا جابر ؟ قلت يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا، قال: فأنِخْهُ، وأناخ رسول الله صلى الله عليه وسلم جمله.
     الآن القادة العظام لا يتنازل لأن يتكلم مع إنسان، لا يتنازل أن يقدم خدمة لإنسان.
     ثم قال أعطني هذه العصا من يدك، ففعلت، فأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخس بها الجمل نخسات ( أي وخزه بها )، ثم قال: اركب، فركبت، فانطلق جملي، والذي بعثه بالحق صار جملي يجاري ناقة رسول الله، وتحدث معي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: أتبيعني جملك هذا يا جابر ؟ قلت يا رسول الله، بل أهبه لك، قال لا ولكن بِعنيهُ، قلت فسُمْني به، قال أخذته بدرهم، قلت: لا، إذاً يغبنني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
     تصور سيد الأمة، زعيم، قائد جيش، نبي، سيد الأنبياء، سيد المرسلين يؤانس جابر، هذه مداعبة، قال: أخذته بدرهم، قلت: لا إذاً يغبنني رسول الله صلى الله عليه وسلم، درهم قليل، قال: فبدرهمين، قلت: لا، فلم يزل يرفع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم الثمن حتى بلغ الأوقية، فقلت: قد رضيت، قال: قد رضيت، قلت: نعم هو لك، ثم قال لي: يا جابر هل تزوجت ؟
     انظر إلى الرحمة.

على الإنسان أن يكون أباً رحيماً لمن حوله تأسياً برسول الله صلى الله عليه و سلم :

     ليس القصد أنت تلقي خطبة رائعة، هذا الأخ الذي أمامك ما وضعه عنده عمل ؟ ما عنده عمل ؟ متزوج ؟ ليس متزوجاً ؟ صحته جيدة ؟ علاقته مع أهله ؟ يجب أن تكون أباً لمن حولك.
     قال لي: يا جابر هل تزوجت ؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال أثيباً أم بكراً ؟ قلت: بل ثيباً، قال أفلا تزوجت بكراً ؟ قلت: يا رسول الله إن أبي أصيب يوم أحد، وترك بنات له سبعاً، فتزوجت امرأة جامعةً تجمع رؤوسهن، تزوجت امرأة عندها خبرة بإدارة البيت كي ترعى هؤلاء الفتيات السبع، وتقوم عليهن، فقال: قد أصبت إن شاء الله، و القصة طويلة أنا آخذ مقتطفات منها.
     قال أخبرت امرأتي الحديث، وما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت سمعاً وطاعة ( يعني بع جملك لرسول الله )، أي إنسان يبيع شيء وزوجته ما عندها علم تقيم عليه النكير، فأخبرتها ما قال لي وكيف بعت الجمل لرسول الله، قالت هذه الصحابية الجليلة سمعاً وطاعة، يعني ما عنده غير الجمل باعه.
     قال فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنَخْته على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلست في المسجد قريباً منه، قال وخرج النبي عليه الصلاة والسلام، فرأى الجمل، قال ما هذا ؟ قالوا هذا جمل جاء به جابر، قال: فأين جابر ؟ فدعيت له، فقال: تعال يا ابن أخي خذ برأس جملك فهو لك، ودعا بلالاً فقال: اذهب بجابر، وأعطه أوقية من الذهب، الأوقية لجابر والجمل لجابر، فذهبت معه، وأعطاني أوقية وزادني شيئاً يسيراً، قال: فوالله ما زال ينمو هذا المال عندنا ونرى مكانه في بيتنا.
     هذه أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام وما لم تتأسَ به، وما لم تهتم بمن حولك، وما لم تحمل هم المسلمين، وما لم تتواضع ولو كنت كبيراً، وما لم ترَ أن أقل المؤمنين هو أخوك في الله له عليك حقوق، ما لم يكن التواصل بيننا والتعاون و التباذل، ورد في بعض الآثار القدسية:

(( وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي إدريس الخولاني]

(( والمُتَحَابّونَ فيّ جَلاَلِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النّبِيّونَ وَالشّهَدَاءُ ))

[ رواه أحمد عن عبادة بن الصامت ]

     هذه القصة الأولى.

وقوع ابنة حاتم الطائي أسيرة و عفو النبي الكريم عنها :

     أما الثانية أيها الأخوة، عقب بعد الغزوات عرض الأسرى على النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا بينهم أسيرة يبدو أنها مؤدبة لما مرّ النبي وقفت وقالت: يا رسول الله: هلك الوالد وغاب الوافد فامنن عليّ مَنَّ الله عليك، وخلِّ، ولا تشمت بي أحياء العرب، فإن أبي كان سيد قومه، يفكُّ العاني، ويعفو عن الجاني، ويحفظ الجار، ويحمي الذِّمار، ويفرِّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ويحمل الكلَّ أي الضعيف، ويعين على نوائب الدهر، وما أتاه أحد في حاجةٍ فردَّه خائباً، أنا بنت حاتم طيّئ، اسمها سفانة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: يا جارية هذه صفات المؤمنين حقاً، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: خلوا عنها فإن أباها كان يحبُّ مكارم الأخلاق، ثم قال النبي عليه الصلاة والسلام: ارحموا عزيز قوم ذلّ، وغنيًّاً افتقر، وعالماً ضاع بين الجهال.

دعاء سفانة بنت حاتم الطائي للنبي الكريم :

     استأذنته في الدعاء فقال لأصحابه اسمعوا وعوا، قالت: أصاب الله ببرك مواقعه، عملك الطيب، دعت ربها أن يأتي في مكانه الصحيح، أحياناً تبذل بذلاً كبيراً لإنسان يكون لئيماً.

أعلمه الرماية كل يـوم فلما اشتد ساعده رماني
وكم علمته نظم القوافي فلما قال قافية هجانـي
***

     أصاب الله ببرك مواقعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ما الذل ؟ أن يقف الكريم باب اللئيم ثم يرده، يقول الإمام علي رضي الله عنه: والله، والله، مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين أهون عليّ من طلب حاجة من لئيم لوفاء دين.
     ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، أصعب شيء أن يحتاج الكريم اللئيم، أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده، وما أكثر اللؤم في هذه الأيام، وحوش العالم متوحشة الآن، العالم متطور علمياً وتقنياً ولكنه متوحش أخلاقياً، والمسلمون على تخلفهم وعلى فقرهم عندهم بقية دين متحضرون بدينهم لكنهم ليسوا كما ينبغي متطورون.
ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلب نعمةً عن كريم قوم إلا جعلك سبباً في ردها.

رجوع سفانة إلى أخيها و إخباره بأمر النبي الكريم :

     رجعتْ إلى أهلها، وقالت لأخيها عدي الذي فرّ من رسول الله ونسيها فوقعت أسيرة يا أخي ائتِ هذا الرجل أي رسول الله، فإني قد رأيت هدياً ورأياً يغلب أهل الغلبة، ورأيت خصالاً تعجبني، رأيته يحب الفقير، ويفك الأسير، ويرحم الصغير، ويعرف قدر الكبير، وما رأيت أجود ولا أكرم منه، فإنْ يكن نبياً فالسابق فضله، اذهب إليه تغدو أحد أصحابه، وإن يكن ملكاً فلم تزل في عزّ ملكه.
     يعني على الحالتين إن كان نبياً أنت أحد أصحابه، وإن كان قوياً ملكاً أنت أحد أتباعه.

دخول عدي بن حاتم الطائي على الرسول الكريم و الحديث الذي دار بينهما :

     قيل وأسلمت واستجاب لها أخوها، وقَدِمَ إلى المدينة المنورة وهو يظن أنه سيلقى ملكاً فقال: دخلت على محمد وهو في المسجد، فسلمت عليه فقال: من الرجل ؟ فقلت عدي بن حاتم، فقام (يعرف قدر الكريم كان ملكاً)، وانطلق بي إلى بيته، عدي بن حاتم لا يزال يتصور أنه ملك، فوالله إنه لعامد بي إليه إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة في الطريق فاستوقفته، فوقف طويلاً تكلمه في حاجتها، فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك، ثم مضى بي حتى دخل بيته، فتناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقذفها إليَّ فقال: اجلس على هذه، لا يوجد طقم كنبات ولا ثريات ولا سجاد عنده هذه الطراحة، سيد الخلق وحبيب الحق، إذا إنسان مؤمن إيماناً قوياً ومستقيم وكان وضعه المادي قليل من هو أمام رسول الله ؟ ما عنده إلا هذه الوسادة.
     فتناول وسادة من أدم محشوة ليفاً فقذفها إليَّ فقال: اجلس على هذه، قلت: بل أنت فاجلس عليها، فقال: بل أنت فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض، ما هذا التواضع، ثم قال لي: (الآن كأن النبي عليه الصلاة والسلام معنا في هذه الأيام) لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من فقرهم، المسلمون أفقر شعوب العالم الآن، مع أن عندهم ثروات لا يعلمها إلا الله فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، الآن فقراء لكن الله سوف يغنيهم، ولعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، العالم كله الآن يحارب المسلمين في كل بقاع الأرض، وكأن حرباً عالمية ثالثة أعلنت بعد الحادي عشر من أيلول على المسلمين في شتى بقاع الأرض وكأن قراراً اتخذ بإبادتهم.
     ولعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم، وقلِّة عددهم، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها فتزور هذا البيت لا تخاف، أمن مستتب في شتى بقاع ديار المسلمين.
     العامل الثالث ولعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى المُلك والسلطان في غيرهم، يعني حاملات الطائرات ليست ملكنا، والصواريخ العابرة للقارات، والأقمار الصناعية، وسوق البورصة، والأموال الطائلة، والمليارات الممليرة، والإعلام، والجيوش، والقنابل النووية، ما عندنا منها شيء.
     ولعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين أنك ترى المُلك والسلطان في غيرهم
     وايمُ الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فُتحت عليهم.
     بشارات ثلاث، وأن كنوز كسرى قد صارت لهم قال: فأسلمت، ولقد عُمِّر عدي حتى رأى بنفسه هذه البشارات الثلاث، هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.

قصة الحجاج بن علاط السلمي مع النبي الكريم :

     القصة الثالثة والأخيرة طبعاً:
     قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد فتح خيبر الحجاج بن علاط السلمي، فأسلم، وكان غنياً كثير المال فقال: يا رسول الله إن مالي عند امرأتي أم شيبة بمكة، كان غنياً كثير المال، ومتفرق في تجار مكة، فائذن لي يا رسول الله أن آتي مكة لآخذ مالي، قبل أن يعلموا بإسلامي، إذا علموا بإسلامه لا يعطونه شيئاً، التاجر هو التاجر، إذا كان هناك شركة و هناك خلاف بين الشريكين تتوقف أداء الديون.
     عندئذ لا أقدر على أخذ شيء منه، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، أذن له أن يذهب إلى مكة ليأخذ أمواله من التجار وزوجته في مكة، أما الأذن الثاني صعب كثير.
     ثم قال الحجاج يا رسول الله، لابدّ من أن أقول ( أي أتقول، أذكر ما هو خلاف الواقع عنك) حتى أحتال به لأخذ ماله، فقال عليه الصلاة والسلام لرحمته وكماله: قل ما شئت.

قدوم الحجاج على أهل مكة لأخذ ماله و نجاحه في هذا الأمر و الفرار من قريش :

     استأذنه بالسفر واستأذنه أن يقول عليه كلاماً غير صحيح، قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء رجالاً من قريش يستمعون الأخبار، ويسألون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بلغهم أنه سار إلى خيبر، وهي من أقوى قرى الحجاز، وهم يتجسسون الأخبار من الركبان، وكان بينهم تراهن عظيم على مئة بعير حول من سيغلب، أهل خيبر أم رسول الله ؟ فلما رأوا الحجاج ولم يكونوا علموا بإسلامه، قالوا: الحجاج والله عنده الخبر اليقين ؛ يا حجاج، إنه قد بلغنا أن القاطع ( يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قد سار إلى خيبر، فقال الحجاج: عندي من الخبر ما يسركم، قالوا وما الخبر ؟ فاجتمعوا عليه يقولون إيه يا حجاج، قال الحجاج: فقلت لهم: لم يلقَ محمداً وأصحابه قوماً يحسنون القتل مثل أهل خيبر، فهزم هزيمةً لم يُسمع بمثلها، وأسر محمد وقالوا لا نقتله حتى نبعث فيه إلى مكة، فنقتله بين أظهرهم، بمن كان أصاب من رجالهم، فانطلق هؤلاء الرجال فرحين أشد الفرح إلى أهل مكة، فقيل لهم قد جاءكم الخبر، هذا محمد، إنما تنتظرون أن يُقدم به عليكم ليُقتل بين أظهركم، ثم قال لهم الحجاج، أعينوني على غرمائي، الأموال التي عند تجاركم، أريد أن أقدم فأصيب من غنائم محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك، فجمعوا إلي مالي على أحسن ما يكون، ففشا ذلك بمكة وأظهر المشركون الفرح والسرور، وانكسر من كان بمكة من المسلمين، هناك أناس بمكة إسلامهم غير معلن هؤلاء كسروا لما علموا أن النبي قد وقع بالأسر وسوف يؤتى به ليقتل هناك.

إخبار العباس بن عبد المطلب قريشاً بالحقيقة بعد ثلاثة أيام لوعده الحجاج بذلك :

     سمع بذلك العباس بن عبد المطلب وكان قد أسلم وبقي عين النبي في مكة، فجعل لا يستطيع أن يقوم، من شدة حزنه لهذا الخبر، ثم بعث العباس إلى الحجاج غلاماً ليقول له يا حجاج، انظر إلى حسن الظن بالله، قال له: الله أعلى وأجل من أن يكون الذي جئت به حقاً، فقال الحجاج للغلام: اقرأ على أبي الفضل السلام، وقل له: ليُخلِ لي بعض بيوته لآتيه بالخبر على ما يسره، واكتم عني، فأقبل الغلام فقال: أبشر أبا الفضل فوثب العباس فرحاً كأنه لم يمسه شيء، وأخبره بذلك، فأعتقه العباس رضي الله عنه لوجه الله: وقال لله عليّ عتق عشر رقاب على هذا الخبر السار، فلما كان الظهر، جاءه الحجاج، فناشد العباس أن يكتم عنه ثلاثة أيام، وقال إني أخشى الطلب، فإذا مَضَتْ ثلاثٌ فأظهر أمرك، وطالت على العباس تلك الأيام الثلاث، عمد العباس رضي الله عنه إلى حُلة فلبسها، وتخلق بخلوقٍ ( أي تطيب بنوع من الطيب ) وأخذ بيده قضيباً، ثم أقبل يخطر حتى أتى مجالس قريش، وهم يقولون إذا مرّ بهم لا يصيبك إلا الخير يا أبا الفضل يتألمون إلى ألمه، هذا والله من التجلد بعد المصيبة، قال: كلا والله الذي حلفتم به، لم يصبني إلا خير بحمد الله، أخبرني الحجاج، بعد ثلاثة أيام، أن خيبر فتحها الله على يد رسوله صلى الله عليه وسلم، وجرت فيها سهام الله وسهام رسوله، وتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت ملكهم، وإنما قال لهم ذلك ليخلص ماله منكم، وإلا فهو ممن أسلم فرد الله فرحهم إلى كآبة، فقال المشركون: ألا يا عباد الله، انفلت عدو الله منا ( يعنون حجاجاً ) أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، ولم يلبثوا أن جاءهم الخبر الصحيح.

على الإنسان أن يؤدب ابنه على أخلاق النبي الكريم :

     أرأيتم إلى أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، أي إنسان الآن يسمح لك أن تحكي كلاماً غير صحيح من أجل مصلحتك ؟ وهذه الطريقة جمع ماله كله وعاد إلى مكة وقد أسلم قبل.
     أيها الأخوة الكرام، هذه النبوة والحديث عن أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام حديث يطول وأنا أتمنى حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال على حب نبيكم))

[ أخرجه الطبراني عن علي]

     أن تقتنوا كتباً في السيرة، وأن تجلسوا إلى أولادكم، وتعلموهم من هو رسول الله، من هو هذا النبي الذي بلغ سدرة المنتهى، من هو هذا النبي الذي أقسم الله بعمره الثمين، من هذا الذي أثنى الله عليه فقال:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

( سورة القلم )

     هذه أخلاق النبوة ولم نفلح ولم ننجح إلا إذا قلدنا النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الأخلاق.
     أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخــطــبـة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى صحابته الغر الميامين، و على آل بيته الطيبين الطاهرين.

من طبق سنة النبي العدنان فهو في مأمن من عذاب الله تعالى :

     أيها الأخوة الكرام، لا مجال لنصطلح مع الله إلا إذا اتبعنا منهج رسول الله، والآية الدقيقة:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 33 )

     معنى ﴿ وأنت فيهم ﴾ إذا كانت سنتك مطبقة فيهم فهم في مأمن من عذاب الله، وكما ترون واقع العالم الإسلامي الناس جميعاً بكل فئاتهم وشرائحهم يكيدون للمسلمين ولا ينجينا إلا أن نصطلح مع الله، وإلا أن نعود لمنهج رسول الله، وإلا أن نطبق سنته القولية والعملية، ولابدّ من أن يحب بعضنا بعضاً لابدّ من التعاون، لابدّ من التناصر، لابدّ من التناصح، لابدّ من أن نفكر تفكيراً جدياً كيف نخرج من عنق الزجاجة هكذا كان عليه الصلاة والسلام، هذه أخلاقه، وهذه أخلاق أصحابه، وهذا الذي جاء به وهو الحق وهو بين أيدينا والكرة في ملعبنا:

﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ (19) ﴾

( سورة الأنفال )

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد الآية: 11 )

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.