بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث رمضان : قوانين القرآن الكريم ـ الالتفاف والانفضاض


2007- -12

 

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

مقدمة:
 أيها الإخوة ، مع درس جديد من دروس سنن الله في خلقه ، وقانون اليوم قانون الالتفاف والانفضاض ، وما أهمية هذا القانون ؟.

1 – الإنسان مخلوق للجنة:

 الإنسان أيها الإخوة حينما يؤمن إيماناً يقينياً بحسب القرآن الكريم أنه مخلوق للجنة ، وأن في الجنة:

(( مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]


 وأن هذه الحياة الدنيا حياة دنيا ، زائلة ، لا قيمة لها ، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[ رواه الترمذي ]

وأن هذه الدنيا ممر ، وليست مقرا ، وأنها دار تكليف لا دار تشريف ، وأنها دار عمل لا دار أمل ، وأن هذه الدنيا مزرعة الآخرة ، وأن هذه الدنيا فيها جنة هي جنة القرب
حينما يؤمن الإنسان أنه مخلوق للجنة ، وأن أكبر فوز يفوزه هو إذا:

﴿ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 185 )

 وأن أكبر خسارة يتحملها إذا خسر الدار الآخرة

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 15 )

2 – لابد للإنسان من الإحسان إلى الخَلق:

 إذا آمن أنه مخلوق للجنة ، وهو الآن في الدنيا ، ما هو أفضل عمل على الإطلاق ؟ أن يعمل عملاً يؤهله لدخول الجنة ، هذا العمل متعلق مع البشر ، إذا كان صادقاً أميناً ، مخلصاً ، عدلاً ، رحيماً ، وقافاً عند حدود الله ، هؤلاء البشر مهمتك الأولى أن تدلهم على الله ، فلابد من أن يلتفتوا حولك.

قانون الالتفاف والانفضاض:

1 – أهمية قانون الالتفاف والانفضاض:

 هنا جاءت أهمية هذا القانون ، الدعاة ، المربون ، أولياء الأمور ، أيّ إنسان له منصب قيادي ، أو عمل دعوي ، بدءاً من الأب ، وانتهاءً بأمير المؤمنين.
لذلك ما هو قانون أن يلتف الناس حولك ؟ وأن يحبوك ، وأن يصغوا إليك ، وأن يهتموا بكلامك ؟ وأن يطيعوا أمرك ، يجب أن يلتفوا حولك ، كيف يلتفون حولك ؟ الجواب في هذه الآية ، أما إذا انفضوا من حولك فهل تستطيع أن تقدم لهم خدمة ، أو أن تهديهم إلى سواء السبيل ، أو أن تأخذ بيدهم إلى الله ، أو أن يصدقوك.
لذلك الأب ، الأم ، المعلم ، المؤمن ، إي إنسان يحتاج لهذا القانون كي يتخذه سبباً للالتفاف الناس حولك.

2 – أعظمُ عملٍ هدايةُ الناس إلى الله :

 مثلاً النبي عليه الصلاة والسلام يقول: يا علي:

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))

[ متفق عليه عن سهل بن سعد]

أعظم عمل على الإطلاق أن تأخذ بيد إنسان إلى الله ، والله شكور.

(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))


[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]

(( خير لك من الدنيا وما فيها ))

[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]


 إذاً: أنا أخاطب من آمن بالله الإيمان الذي حمله على طاعته ، ومن آمن باليوم الآخر الإيمان الذي متعه أن يؤذي مخلوقاً ، أنه مخلوق للجنة ، وأن ثمن الجنة يدفع في الدنيا ، وأن أعظم ثمن ، وأربح عمل أن تكون سبباً في هداية الخلق ، وأن الخلق لا يهتدوا بك إلا إذا التفوا حولك ، كيف يلتفون حولك ؟ هذا قانون الالتفاف ، ولماذا ينفضون عنك ، هذا قانون الانفضاض.

3 – البطولة أن تدخل الكلمة قلب السامع :

 فلذلك أيها الإخوة ، البطولة لا أن تقول كلمة الحق ، أن تدخل هذه الكلمة إلى قلب من يسمعك ، البطولة لا أن تلقي كلاماً ، أن تحدث تأثيراً ، البطولة لا أن تعرض عضلاتك علينا ، ولكن البطولة أن تأخذ بأيدينا إلى الله.
فلذلك أي إنسان بلغ درجة اليقين أنه مخلوق للجنة ، وأن ثمن الجنة يدفع في الدنيا ، وأن أعظم عمل في الدنيا أن تكون سبباً في هداية الآخرين ، إنه قانون الالتفاف ، وقانون الانفضاض.
أحياناً يشكي الزوج أن زوجته ليست معه ، وأن أولاده ليسوا معه ، أحياناً يشكو المعلم أن طلابه لا يلتفتون إليه ، أحياناً يشكو المربي أن من حوله ليسوا كما ينبغي أن يكونوا ، كل هذه المشكلات ، وتلك الإيجابيات مذكورة في قانون الالتفاف والانفضاض.

أصلُ قانون الالتفاف والانفضاض في القرآن الكريم:

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك

 هذا القانون أيها الإخوة ، يقول الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام:

﴿ فَبِمَا رَحْمَة ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )


 الباء هنا باء السببية:

﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾

( سورة النساء الآية: 160 )


 هذه باء السبب.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 159 )

 أي بسبب رحمة استقرت بقلبك يا محمد

﴿ لِنتَ لَهُمْ ﴾

 ، من أين جاءته هذه الرحمة ؟ من اتصاله بالله.

حقائق قانون الالتفاف والانفضاض:

1 – مكارم الأخلاق مخزونة عند الله:

 الآن الحقيقة الأولى أن مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى ، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً ، الأخلاق الأصيلة التي لا تتأثر لا بإقبال الدنيا ، ولا بإدبارها ، ولا بثناء الناس ولا بذمهم.
الأخلاق الأصيلة التي تقبل بها على الله ، التي تعد قربة إلى الله.
الأخلاق الأصيلة تتأتى إليك من اتصالك بالله ، ومستحيل أن تتصل بالرحيم وتكون قاسي القلب ، مستحيل أن تتصل بالعدل وتكون ظالماً ، مستحيل أن تتصل باللطيف ، وتكون فظاً غليظاً ، مستحيل.
لذلك علامة إيمان المؤمن ، وعلامة إحكام صلته بالله أن يشتق الكمال من الله ، قال تعالى:

﴿ وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 180 )

 يعني اتصلوا به ، واشتقوا من كمال كمالاً ليكون هذا الكمال اتصالاً به ودعوتكم له.

﴿ فَبِمَا ﴾

 الباء باء السبب ، أي: بسبب رحمة استقرت في قلبك يا محمد ، بسبب اتصالك بنا ، اتصلت ، في القلب في رحمة ، ترحم أهلك ، ترحم أباك ، ترحم أمك ، ترحم زوجتك ، ترحم أولادك ، ترحم المريض إن كنت طبيباً ، ترحم هذا الموكل إن كنت محامياً ، ترحم صاحب هذه الأرض إن كنت مهندساً.

(( إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ رواه الديلمي عن أبي بكر ]

 أيها الإخوة الكرام ،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

2 – الرحمة تنعكس لينًا:

 القلب الرحيم ينعكس ليناً في المعاملة ، والمؤمن الرحيم لطيف مؤنس ، يألف ويؤلف ، تحب من حولك ، ترعى مصالحهم ، تهتم بمشاعرهم ، تحترمهم ، توقرهم ، لا تستعلي عليهم ، لا تتطاول عليهم.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

 هذا اللين انعكاس الرحمة ، بالقلب في رحمة ، بالسلوك في لين.
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ ، وَإِذَا اشْتَرَى ، وَإِذَا اقْتَضَى ))

[ البخاري ]

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

3 – القلب القاسي ينعكس معاملة قاسية:

 بالمقابل ما سبب انفضاض الناس عنك ؟ تحمل شهادة عليا ، طليق اللسان ، المتكلم ، معك الحجة والتحليل ، ما معك أحد.

﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾


( سورة آل عمران الآية: 159 )

 أي: لو كنت منقطعاً عنا ، فإذا انقطع الإنسان عن الله عز وجل امتلأ قلبه قسوة ، وهذه القسوة تترجم غلظة وفظاظة.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾


( سورة آل عمران الآية: 159 )

 هل تحب أن يلتف ابنك حولك ؟ كن ليناً معه ، كن رحيماً به ، كن منصفاً في عملك.
هل تحب أن تميل زوجتك إليك ، وتطيعك ، وتنفذ أمرك ، وما تخونك ، وما تفرط في مالك ، وتكون طوع إرادتك ؟ كن لطيفاً معها.

4 – الرحمة ضرورية في قلب الإنسان:

 بسبب رحمة استقرت بقلبك يا محمد ،

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

 أما إذا رأيت الناس قد نفروا عنك في قسوة ، في غلظة ، في فظاظة ، فإن القسوة في القلب تترجم إلى غلظة وإلى فظاظة.
عن أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(( خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ ، وَلَا لِمَ صَنَعْتَ ؟ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ ؟ ))


[ متفق عليه ]

 كان النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليناً ، وكان يقول:

(( أكرموا النساء ، فوالله ما أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ))


[ ابن عساكر عن علي بسند فيه مقال كبير ]

 كان يسمي النساء المؤنسات الغاليات.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

(( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ ، فَمَا نُقَبِّلُهُمْ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ ؟ ))


[ متفق عليه ]

 يا إخواننا الكرام ، مقياس دقيق دقيق ، هل ترحم من حولك ؟ هل تشعر بدافع قوي إلى أن ترحم من حولك ؟ علامة إيمانك ورب الكعبة ، أما القلب القاسي:

﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

( سورة الزمر الآية: 22 )

 كل يدعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
هل في قلبك رحمة ؟ هل في قلبك رحمة لهرة ؟ هل في قلبك رحمة لنملة تصعد على المغسلة ، وفتحت الماء وأغرقتها ؟ ما شاء الله ، هناك إنسان يسمح لها أن تنقذ نفسها ، والله رحمتك لنملة لا يضيع عند الله أجرها ، ووالله إن المؤمن لا يستطيع أن يدوس نملة عن قصد.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

 المؤمن رحيم ، المؤمن قلبه رحيم ، المؤمن لطيف ، المؤمن لين ، المؤمن يحب من حوله.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾


 لو كنت منقطعاً عنا لامتلأ قلبك قسوة ، ولانعكست القسوة غلظة وفظاظة ، عندئذٍ ينفض الناس عنك ، هذا الكلام يحتاجه الأب ، يحتاجه المعلم ، يحتاجه المربي ، يحتاجه الشيخ ، يحتاجه الداعية ، يحتاجه مدير المؤسسة ، حتى تتحرك الفعاليات في المؤسسة براحة ، وبنفس رضية ، وبرغبة بالخدمة.
كنت في بلد بعيد جداً ، وهو متفوق في صناعة السيارات ، زرت أحد المعامل ، وأنبأني كبير المهندسين أن هذا البلد هو الأول في العالم في صناعة السيارات ، ثم فوجئ أن على الطرقات كل عشر سيارات ثماني سيارات صنعت في اليابان ، فقد غزيت هذه البلاد المتفوقة في صناعة السيارات في عقر دارها ، كل عشر سيارات في أمريكا ثمانية من صنع اليابان ، يقول لي هذا المهندس: أرسلوا خبراء إلى تلك البلاد ، ليدرسوا أين التفوق ، فوجئوا أنهم ليسوا متفوقين كالبلد الذي جاؤوا منها إطلاقاً ، أين التفوق ؟ هكذا قال لي بالتعبير الأجنبي: سيسولوجي ، أي اجتماعي ، مدير المعمل يأكل مع العمال ، يطمئنهم ، يرعى مصالحهم ، يهتم بهم ، المعمل لا يمكن أن يسرح عماله ، هذا عامل ثابت ، لا يسرح ، هذا الود الشديد بين مدير المعمل والعمال جعل هؤلاء العمال يتقنون عملهم إتقاناً بالغاً ، وإتقان العمل انعكس رواجا لهذه السيارة ، وانعكس مبيعات عالية جداً ، بالحرف الواحد قال لي: سبب التفوق ليس تقنياً ، ولكنه اجتماعي.
 أحيانا يستشير أب ابنه ، فيرفع معنوياته ، في الأعم الأغلب يصعب من تثق به أن يخونك ، فهناك أب يمنح الثقة لابنه ، وهناك أخ يمنح الثقة لأخيه ، وهناك معلم يمنح الثقة لطلابه ، ما دام هناك ثقة متبادلة ، ما دام هناك رحمة ، ما دام هناك لطف ، ما دام هناك لين ، ما الذي يمنع إذا كنت مدير مؤسسة كبيرا ، وعندك مستخدم حاجب ، أن تسأله: كيف الصحة يا بني ؟ هل أنت مرتاح ؟ هل أهلك بخير ؟ والله لا ينسى هذا شهرا ، من كلمة واحدة.
 أنا أذكر مرة أخا من إخواننا اشترى بيتا ببعض المدن خارج دمشق ، قال لي: كلما آتي بحاجة للبيت يفتح جارنا من تحت فيعنني فيها ، شيء جميل ، يأتي لي بإبريق شاي ، قال له: أنت من عرفك بي ؟ قال له: في الجامع ، قال له: هل تحب أن أقول لك قصتي مع هذا الجامع ؟ قال له: تفضل ، قال له: أنا لي ابن خال ، ألح علي في حضور الدروس بشكل غير معقول ، إلى أن أضجرني ، فمرة أردت أن أستجيب له لأرتاح منه ، جاء إلى الدرس ، هو فقير جداً ، ودخْله محدود جداً ، جاء مرة واحدة ليتخلص من ابن خالته ، وأحيانا كلمة تقرب إنسانا منك ، وتجد هناك إنسانا أخذ لنفسه الكهنوت ، والهيمنة ، والسيطرة
 النبي كان يجلس مع الخادم ، يمشي في الطريق استوقفته امرأة ضعيفة ، فقيرة فوقف معها طويلاً يكلمها في حاجتها ، معه عدي بن حاتم ، ملِك ، قال: والله ما هذا بأمر ملِك ، هذا نبي ، وليس ملِكا.
لما دخل عليه سيدنا عمر رآه ينام على حصير ، وقد أثر في خده الشريف ، فبكى عمر ، فقال له: يا عمر ماذا يبكيك ؟ قال له: رسول الله ينام على الحصير ، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟! قال يا عمر ـ دققوا ـ إنما هي نبوة ، وليست ملكاً.
تتواضع ، تلين مع الناس فيحبونك ، ويلتفون حولك ، ساعتئذٍ يصغون إليك ، ساعتئذٍ ينتبهون إلى كلامك ، ساعتئذٍ يستجيبون لك.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾

 والله حدثني أخ ، كان في بلد نفطي ، والمدير قاسٍ جداً ، إذا كان قرع الجرس لا يستطيع المدرس أن يشرب كأس ماء ، فوراً إلى الدرس ، قال لي: صببت كأس شاي ، وهممت أن أشربه فقُرع الجرس ، أمامه خادم يسمونه فراشا هناك ، قال لي: أعطيته إياه ، هذا الفرّاش ثاني يوم قال له: أنا هنا لي سنتين ، ما أحد سلم علي ، لماذا قدمت لي هذا الكأس من الشاي ؟ ماذا يقول له ؟ أنا لا أستطيع أن أشربه ، لا ، قال له: أنت واحد منا ، فأحببت أن أضيفك ، قال له: شكراً ، أنا معي ماجستير ، الفرّاش ، قال لي: معقول ؟ ما صدّقه ، ما عنده عمل في بلده ، وما أتيح له إلا عمل فرّاش في بلدنا ، قال لي: والله ما صدقته ، دعيته إلى بيتي ، أتيت له بموسوعة باللغة الإنكليزية ، قال لي: قرأها كالبلبل ، هو غير مسلم ، قال لي: خلال سبع جلسات أسلم ، وأسلم معه اثنا عشر رجلا ، وصاروا يقيمون درسا أسبوعيا في البيت ، هذا كان ثمنه كأس شاي.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾


ألا تحب أن تهدي من حولك ، ألا تحب أن يكون الناس محبين لك ؟ لذلك:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ﴾


 اتصل بالله يمتلئ القلب رحمة ، الرحمة تنعكس لينا ، عندئذٍ يلتف الناس حولك ، ولو لم تكن متصلاً بالله لامتلأ القلب قسوة ، ومع هذه القسوة غلظة وفظاظة ، فينفض الناس من حولك.
أنت كأب يا ترى يكون العيد إذا دخلت إلى البيت ، أم أما إذا خرجت منه ؟ هناك أب يكون العيد بخروجه من البيت ، لأنه قاسٍ في البيت ، كلامه قاس ، فيه سبٌّ ، يقول لابنه: أنت غبي ، وأنت حمار ، وأنت لا تفهم ، وهناك أب يدخل إلى البيت فيكون العيد ، يسأل عن أحوال أبنائه ، كيف دروسك ؟ كيف مدرستك ؟ طمئني عنك ، ما سمعت اليوم في دروسك ؟ هذا درس لنا كلنا ، للأب ، وللأم ، وللمعلم ، وللداعية.
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾

قانون الالتفاف الانفضاض يحتاجه كل إنسان:

 أيها الإخوة الكرام ، هذا الموضوع يحتاجه كل إنسان:
ألا تحب أن تعمل عملاً صالحاً ؟
ألا تحب أن يهتدي الناس بك ؟
ألا تحب أن تكون هادياً مهدياً ؟
ألا تحب أن تكون داعية إلى الله ؟
أنت بحاجة إلى اتصال بالله ، هذا الاتصال يجعل قلبك رحيماً ، هذه الرحمة تنعكس ليناً ، هذا اللين يجذب الناس إليك ، ويلتفون حولك.

تعليق مهم:

هذا الخطاب للنبي ، فما بالكُ بمَن هو دونه:

 تعليق الأخير: النبي ـ دققوا ، نبي ، ورسول ، وسيد الأنبياء والمرسلين ، وسيد الخلق ، وحبيب الحق ، وسيد ولد آدم ، ويوحى إليه ، ومعه القرآن ، ومعه المعجزات ، وكان جميل الصورة ، وكان فصيح اللسان ، وكان رحيماً ، قال له: أنت يا محمد مع كل هذه الخصائص:

﴿ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك ﴾

 يأتي الآن داعية ليس بنبي ، ولا رسول ، ولا يوحى إليه ، ولا معه قرآن ، ولا معه معجزة ، ولا فصيح اللسان ، وليس جميل الصورة ، ومع ذلك هو غليظ.
هذا الكلام دقيق:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِك فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ﴾


بالبر يستعبد الحر.

(( بعثت بمداراة الناس ))

[ أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن جابر ]


 المداراة ، والحلم ، واللطف ، والذوق.
هناك رجلان سوريان في لندن ، لهم صديق بريطاني ، كلما اقترب منهم يتكلمون بالإنكليزي ، فلفت نظره ذلك ، ما حصل ؟ قالا له ، نبينا عليه الصلاة والسلام نهانا أن يتناجى اثنان دون ثالث ، فإن هذا يحزنه ، النبي حضاري ، وأسلم ، تأثرَ تأثرا بالغا ، كلما اقترب منهم يتكلمون بالإنكليزي ، إن كانوا وحدهم يتكلمون بالعربية ، ما فهم ما السر حتى فهم توجيه النبي.

(( إذَا كُنْتُمْ ثَلاثَة فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حتَّى تَخْتَلِطُوا بالنَّاسِ مِنْ أجْلِ أنَّ ذلكَ يُحْزنُهُ ))

[ رواه البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي اللّه عنه ]


خاتمة:
 أيها الإخوة ، كأب ، كأم ، والله هناك آباء الله هم من الذكاء والحكمة واللطف ، إذ هو في الأسرة كقطعة من الجنة ، البيت جنة ، بطولتك إذا دخلت إلى البيت صار في البيت عيد ، والعياذ بالله الرجل الثاني إذا خرج من البيت صار العيد ، وإذا مرض هذا الأب ، وكان قاسيا ، وجاء الطبيب ، وقال لهم: حالة عَرضية ، كيف عرضية ؟! لا يريدونها عرضية ، يريدونها القاضية ، فبطولتك هذه الآية كأب ، كأم ، كمعلم ، كمربٍّ ، كمدير معمل ، كمدير مؤسسة ، كمدير مدرسة ، أي منصب قيادي ، بدءاً من الأب.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018