٠08رمضان 1422 هـ - موضوعات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات قرآنية - الدرس : 53 - الحقيقة .


2001-12-12

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

لن تصل إلى الحقيقة إلا إذا أردتها:

 أيها الأخوة الكرام, يقول الله عز وجل:

﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾

[سورة القمر الآية: 4 - 5]

 معنى الآيتين أنك إذا أردت الحقيقة دلك عليها كل شيء، بل أصغر شيء، بل أقل شيء.
 بعرة تدل على البعير، أقدام تدل على المسير, ماء يدل على الغدير .
 وإن لم ترد الإيمان لو كنت في وكالة فضاء عالمية ورأيت كل يوم المجرات بعينك، لو كنت في مستشفى ترى تشريح الأمراض كل يوم، لو رأيت من الآيات ما يعجب له المرء لا تستفيد هذه حقيقة خطيرة، إن أردت الإيمان دلك عليه كل شيء، وإن لم ترد الإيمان لو التقيت مع النبي الكريم، ولقد التقوا معه وكفروا به، لو كنت في محطة فضاء، ورأيت المجرات، لو كنت في مكان ترى بأكبر الأجهزة دقائق التشريح لا تستفيد، قضية قرار داخلي، إن اتخذته دلك على الله كل شيء وإن لم تتخذه لو رأيت أكبر الآيات لا تنتفع بها:

﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾

[سورة القمر الآية: 4 - 5]

 الآن ذكر الله لنا أقوام قال:

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾

[سورة القمر الآية: 9]

﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

[سورة القمر الآية: 18]

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾

[سورة القمر الآية: 23]

﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾

[سورة القمر الآية: 33]

﴿وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ * كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا

 -أقوام عديدون جاءوا وكذبوا وأهلكهم الله.

إذا استحق القوم الهلاك وكنت مصلحاً فآو إلى كهفك:

 النقطة الدقيقة: أن كل قوم اقترفوا فاحشة، قوم لوط، قوم صالح، قوم عاد، قوم ثمود، لكن الله عز وجل يقول-:

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ * أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ * سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾

[سورة القمر الآية: 41-46]

 في بالمجتمع الحديث شذوذ رجل مع رجل، وامرأة مع امرأة, كما أهلك الله قوم لوط، في ربى، في خمور، في طغيان، في كذب، في ترويج باطل، كل الذنوب التي اقترفها الأقوام السابقة واستحقوا الهلاك مجتمعةً عندنا، في المجتمع الحديث، فقال:

﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾

[سورة القمر الآية: 43]

﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾

[سورة القمر الآية: 46]

 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((بعثت أنا والساعة كهاتين))

[أخرجه مسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]

((إن بين يدي الساعة أموراً شداداً، وزماناً صعباً، تتحكم فيه الظلمة -ترون الظلمة في بلاد الغرب كيف يتحكمون في العلم كله- وتتصدر فيه الفسقة, ويضام الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر, فاعدوا لذلك الإيمان وعضوا عليه بالنواجذ))

 نحن في وضع في ظلم بعضه فوق بعض، في ظلمات بعضها فوق بعض، في انحراف أخلاقي لا يوصف، في طغيان لا يوصف، في عدوان لا يوصف:

﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾

[سورة القمر الآية: 46]

 أخوانا الكرام, يعني كما قلت البارحة إذا في عودة جماعية إلى الله في فرج جماعي، إذا في عودة فردية هل هناك في دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحميك وحدك؟ قال:

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾

[سورة القمر الآية: 34-35]

 إذاً لا يمكن أن يؤخذ الطائع بالعاصي، والبلاء لا يعمم، البلاء خاص والرحمة خاصة، كل بحسب عمله، والله عز وجل مع كل إنسان في شأن، قال تعالى:

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾

[سورة الرحمن الآية: 29]

 فإن لم تستطع أن تهدي الناس جميعاً عليك بنفسك

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾

[سورة القمر الآية: 34-35]

 أيها الأخوة, سمعت أن الذين وصلوا إلى القمر رأوا هذا الانشقاق في القمر وهي من إعجاز القرآن العلمي:

﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾

[سورة القمر الآية: 1]

 بعضهم يقول: إن هذا الانشقاق موجود وقد رئي رأي العين على سطح القمر، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن تكون هذه الآية من دلائل الإعجاز الكوني، ثم يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾

[سورة القمر الآية: 54-55]

 معنى ذلك أنت حينما تجهد في الدنيا كي تستقيم على أمر الله, وتجهد في الدنيا كي تعمل عملاً صالحاً يرضي الله, لك عند الله مكانة كبيرة, والبطولة في هذه الساعة التي:
 لا ينفع فيها مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
 في ملمح آخر: أن الله عز وجل هو القوي إن رأيت قوياً في الأرض ينبغي ألا تعبأ بقوته لأن قوته منوطة بإمداد الله له، فإذا قطع الله عنه الإمداد لحظة واحدة انتهى:

﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾

[سورة القمر الآية: 50]

 يعني كن فيكون، زل فيزول، هذه السورة -أيها الأخوة- تعلمنا أن لله في خلقه سنناً ثابتة، يعني كل قوم وقعوا في كبيرة استحقوا الهلاك فكيف إذا كانت جميع الكبائر في مجتمعاتنا الحديثة، لذلك هذا الذي يرونه كل يوم أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام قال: موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لمَ يقتل ولا المقتول فيما قتل.
 يقول لك: 1800 إنسان ماتوا خلال يومين ثلاثة بالقصف، ما ذنبهم؟ ماذا فعلوا؟ قتلوا؟ لا والله سرقوا؟ لا والله، نهبوا؟ لا والله، سفكوا الدماء؟ لا، انتهكوا الأعراض؟ لا، هكذا.
 موت كعقاص الغنم لا يدري القاتل لمَ يقتل ولا المقتول فيما قتل .
 ويوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى, ولا يستطيع أن يغير, إن سكت استباحوه وإن تكلم قتلوه .
 هذه من علامات آخر الزمان, لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((عبادة في الهرج كهجرة إلي))

 نحن في الهرج, زمن الضلالات، زمن الفتن، زمن الشهوات، زمن الانحرافات، زمن الخزعبلات، هذا زمن صعب، لذلك المؤمن الصادق يلجأ إلى كهفه:

﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾

[سورة الكهف الآية: 16]

 كهفنا بيتنا وجامعنا، الإنسان في بيته يقيم أمر الله فيه، يصلي, يقرأ القرآن، يذكر الله، يجلس مع أولاده، أما في أي مكان عام لا يتاح له ذلك، وفي جامعه يستمع إلى كلمة حق, يلتقي بأخوانه المؤمنين, تصفو نفسه، يتفاءل بمستقبله، يرجو رحمة الله عز وجل .

التوبة فرصة بين يديك كلما سنحت عنها سارع إليها:

 آخر فكرة: يعني إذا الإنسان ما كان راضي عن نفسه برمضان ما الذي يمنع أن يقيم برنامج بعد رمضان؟ ما في مشكلة أبداً، الله دائماً موجود، وبكل شهر موجود، فإن لم تكن راضياً عن نفسك في رمضان فاجهد أن تقيم برنامج بعد رمضان، تحكم اتصالك بالله وإنفاق المال وقراءة القرآن وما شاكل ذلك والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾

[سورة الكهف الآية: 30]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018