٠08رمضان 1422 هـ - موضوعات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات قرآنية - الدرس : 47 - إحياء ليلة القدر1.


2001-12-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

من أحدث في أمرنا هذا شيئاً فليس منا:

 أيها الأخوة الكرام, الأشياء والأعمال الأصل فيها الإباحة، ولا يحرم شيء كما لا يحرم عمل إلا بدليل قطعي الثبوت والدلالة، هذه حقيقة مركزة .
 أما العبادات فعلى العكس من ذلك الأصل فيها الحظر، ولا تشرع عبادة إلا بدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة، لو سمحنا لكل مسلم أن يخترع عبادة لانتهى دين الله! دين الله ينبغي أن يستمر كما بدأ دون أن نزيد عليه أو نحذف منه، هذه أخطر حقيقة إن زدنا عليه نتهمه بالنقص ، وإن حذفنا منه نتهمه بالزيادة، والذي يعانيه المسلمون اليوم في شتى أقطارهم من محن ونكبات وغزو عسكري وثقافي سببه أنهم حذفوا من الدين شيئاً من أربعمائة عام، واليوم ندفع ثمن الذي حذفناه من الدين .
 فلذلك ونحن في ليلة القدر لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أحياها حتى الفجر! إن أردتم السنة النبي أحيا ليلة القدر ولكن إلى حين، لكن إلى الفجر لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فانطلاقاً من سنة النبي عليه الصلاة والسلام برنامج الليلة كما يلي: بعد هذا الدرس القصير إن شاء الله نصلي ثماني ركعات قيام الليل، وبعد قيام الليل درس صغير آخر، وبعدها نصلي صلاة التسابيح، وبعد صلاة التسابيح درس صغير أيضاً، وبعدها نستمع إلى بعض الإنشاد في مدح النبي عليه الصلاة والسلام وفي مناجاة الله عز وجل، وبعدها ندعو بدعاء ليلة القدر، وبعدها نختم إحياء هذه الليلة وكل عام وأنتم بخير .
 لقد أكرمنا الله جل جلاله وقد أكرمنا وقوانا أن نصلي التراويح ونصوم رمضان ونستمع إلى القرآن كله في رمضان، وهذه من نعم الله العظمى، ونحن في الفاتحة نقول دائماً: إياك نعبد وإياك نستعين، أي يا ربي نستعين على عبادتك بك وقد ورد في بعض أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قول النبي عليه الصلاة والسلام:
 عَنْ عَلِيٍّ رَضِي اللَّهم عَنْهم, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ, ثُمَّ قَالَ:

((وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ..... أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ))

 أنا قائم بك، وكل عملي إليك .

مسالك الوصول لمعرفة الله عز وجل:

 أيها الأخوة, نحن في ليلة القدر، وكثير جداً مما قيل فيها لا أصل له، تنطلق هذه الليلة من قول الله عز وجل:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

[سورة الأنعام الآية: 91]

 ستة مليارات إنسان إلا قليلاً ممن احتقروا أنفسهم يقولون اللهم خالق السموات والأرض:

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾

[سورة العنكبوت الآية: 61]

 الإيمان بالله عز وجل لا مشكلة فيه، ولكن الإيمان الذي ينفعنا هو الإيمان الذي يحملنا على طاعته، والإيمان الذي يحملنا على طاعته أساسه معرفة الله، لذلك أقول لكم: معرفة الله جل جلاله أصل كبير من أصول الدين، ويمكن أن نقول بشكل دقيق جداً: أنا ما يعانيه العالم الإسلامي هو معرفة بأمر الله وضعف معرفة به، معرفة بأمره ونهيه، وضعف معرفة به، إنك إن عرفت الله تفانيت في طاعته، وإن لم تعرف الله تفننت في التفلت من أمره .
 نحن أمام مشكلة كيف نعرفه؟ وأصل الدين معرفته، أن تعرف أمره قضية سهلة جداً ، يمكن أن تنتسب إلى معهد شرعي وتدرس الأحكام الفقهية من الحلال والحرام والمكروه والواجب وما إلى ذلك، ولكنك ينبغي أن تعرفه ما هي مصادر معرفة الله عز وجل؟.
 أيها الأخوة, حيز كبير من المسلمين ينصرفون إلى معرفة الله من خلال أفعاله، وهذا أنا أسميه حقل ألغام أنك لن تستطيع أن تعرفه من خلال أفعاله، إلا بشرط واحد أن يكون لك علم كعلمه، وهذا مستحيل، فتجد المسلم لن يجهد نفسه ولا مرة أن يفكر في خلق السموات والأرض، ولم يجهد نفسه ولا مرة أن يعرف الله من خلال قرآنه، لكنه يكتفي أن يعرف الله من خلال أفعاله، قد يجد الإنسان شعوباً تموت من الجوع فقيرة جداً ومضطهدة وهم يرفعون شعار الدين، ونجد شعوباً غارقة في الآثام والمعاصي والانحلال الخلقي والإباحية وهم في أعلى درجة من الغنى والقوة! لن تستطيع أن تعرفه من أفعاله إلا إذا كان لك علم كعلمه، لكن أفعاله تعرفها في ضوء معرفتك بخلقه أولاً و بقرآنك ثانياً .
 أيها الأخوة الكرام, أحد أكبر مصادر معرفة الله خلقه، وفي القرآن كما أقول دائماً ألف وثلاثمائة آية تتحدث عن خلقه في السموات والأرض وعن خلق الإنسان وخلق الحيوان والنبات، ما معنى قول الله تعالى:

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾

[سورة عبس الآية: 24]

 أمر إلهي:

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾

[سورة الطارق الآية: 5]

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة يونس الآية: 101]

 معنى ذلك أن هذا الكون مترامي الأطراف، الكون الذي يجسد أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، الكون الذي تجد فيه كل أسماء الله عز وجل، فأينما التجأت وحيثما التفتت، وكيفما فكرت, تجد عظمة الله وعظمة كمالاته وعظمة أسمائه وصفاته، فإن أردتم أن تحيوا هذه الليلة وفي كل ليلة إلى أن تقوم الساعة عليكم بالتفكر في خلق السموات والأرض، هذا أولاً، وكنموذج الله عز وجل قال:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

[سورة البقرة الآية: 26]

 إله عظيم يضرب أحقر خلقه على عظمته، أحدنا لو قتل بعوضة بماذا يشعر؟ هل يشعر أنه مجرم؟ أبداً، لا يشعر أنه فعل شيئاً! بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))

 هذه البعوضة لها ثلاثة قلوب، قلب مركزي وقلب لكل جناح، جناحاها يرفان أربعة آلاف رفة في الثانية، عندها جهاز رادار تتجه إلى جبين الصبي في الليل، وعندها جهاز تحليل ما كل دم يعجبها، وعندها جهاز تخدير حتى لا تقتل وهي تمتص الدم، وعندها جهاز تمييع، لأن لزوجة الدم لا تمر في خرطومها لا بد من تمييع الدم، ولها مخالب إذا وقفت على سطح خشن ، ولها محاجم إذا وقفت على سطح أملس، وتشم رائحة عرق الإنسان من ستين كيلو متر!.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾

[سورة البقرة الآية: 26]

 عظمة البعوضة كعظمة الحوت الذي يزن مائة وخمسين طن، خمسين طن لحم وخمسين دهن وخمسين الحشايا والباقي .
 أيها الأخوة, ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، مهما فكرت في آيات الله تزداد تعظيماً لله .
 كنت البارحة في بيروت وألقيت محاضرة عن ليلة القدر، قال لي طبيب: عندي مشكلة في غدتي النخامية وصف لي إياها، والله بعد أن وصف ما يعانيه من تضخم غدته النخامية كان حديثي عن هذه الغدة التي لا يزيد وزنها عن نصف غرام، هي ملكة الغدد، وهذه الغدة تفرز تسع هرمونات، وبالإنسان نظام عصبي ملكه الدماغ، ونظام هرموني ملكه الغدة النخامية ، هذه تفرز تسع هرمونات، أحد هذه الهرمونات هرمون النمو، مؤلف من مائة وثمانية وثمانين حمض أميني، وعندي كتاب اسمه الله يتجلى في عصر العلم لمؤلف غربي يقول: إن ذرات الكون مجتمعة لا تكفي لصنع ذرة واحدة من حمض أميني!.
 أخواننا الذين درسوا بالتعليم الثانوي أو الجامعة من أعقد تراكيب الجسم ذرة الحمض الأميني، هذا الهرمون فيه مائة وثمانية وثمانين حمض أميني وكميته في الدم عشرة ميكرو غرام في كل ليتر، إن قلت هذه الكمية تقزم الإنسان، وإن ارتفعت تعملق الإنسان هذا هرمون واحد .
 يوجد هرمون الدرق، والدرق أخطر غدة تقوم بالاستقلاب، والاستقلاب تحويل الغذاء إلى طاقة، فإذا ضعفت هذه الغدة ترهل الإنسان، وإذا زاد نشاطها توتر الإنسان، وهذه الغدة محكومة من قبل الغدة النخامية هي الملكة، وهي التي تأمرها وتنهاها، وهناك هرمون ثالث وهو الكظر وهو غدتان فوق الكليتين، الإنسان إذا شاهد شيئاً مخيفاً أو خطراً, فصورته تنطبع على شبكية العين إحساساً, وتنطلق إلى الدماغ إدراكاً بحسب مفهومات التي تلقاها الإنسان في حياته ومن التعليم ومن خبراته الشخصية, الدماغ يدرك أن هناك خطر الموت من هذا الثعبان ، يبلغ زميلته الملكة عن طريق ضابط اتصال هو الجسم تحت السرير البصري، هذا ينقل لكل منهما التماس الآخر، الغدة النخامية تأخذ علماً عن طريق ضابط الاتصال أن هناك خطراً ينبغي أن تواجهه فترسل إلى الكظر أمر موحد أن يتصرف، الكظر يرسل أمر إلى القلب برفع وجيبه، فالخائف تزداد ضربات قلبه للمائة وأربعين، ويرسل أمر آخر إلى الرئتين ليزداد وجيبهما فالخائف يلهث، وترسل أمراً ثالثاً إلى الأوعية المحيطية كي تضيق لمعتها كي يتوافر الدم إلى العضلات لا إلى الجلد، فالخائف يصفر لونه، وترسل أمر خامس إلى الكبد ليطلق كمية سكر إضافية، وترسل أمراً آخر للكبد ليطلق هرمون التجلط لئلا يسيح دمه من ضربة واحدة! هذه غدة في جسمك لا تزيد عن نصف غرام فقط، مربوط بالجسم بمائة وخمسين ألف عصب، هذا خلق الله، لو أننا فكرنا تارة في أجسامنا وتارة في طعامنا وتارة في شرابنا وتارة في كأس الماء الذي نشربه وتارة في:

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

[سورة الشمس الآية: 1-8]

 وتارة في:

﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾

[سورة الفجر الآية:1-3]

 وتارة في:

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾

[سورة الليل الآية: 1-3]

 هذه آيات كلها تدل على عظمة الله، فأنت حينما تتفكر في خلق السموات والأرض تمتلئ نفسك تعظيماً لله، وعندئذ تعد للمليون قبل أن تعصيه، هنا المشكلة إذا قدرت الله حق قدره تعد للمائة مليون قبل أن تعصيه، أما إذا ما قدرته حق قدره تهون عليك معصيته لذلك المنافق ذنبه كالذبابة، أما المؤمن ذنبه كجبل جاثم على صدره، ولا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت .
في سورة الرحمن:

﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

[سورة الرحمن الآية: 37-38]

 التقطت صورة من موقع معلوماتي متعلق بأكبر محطة فضاء في العالم لنجم عملاق اسمه عين القط يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية، أقرب نجم ملتهب يبعد عنا أربع سنوات ضوئية، لو أردنا أن نصل إلى هذا النجم لاحتجنا إلى خمسين مليون عام! هذا يبعد ثلاثة آلاف سنة ضوئية، الصورة وردة جورية أوراقها حمراء داكنة وريقاتها خضراء زاهية كأس أزرق في وسطها، تقرأ الآية:

﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ * فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

[سورة الرحمن الآية: 37-38]

 هذا نموذج يمكن أن تفكر يوماً في الشمس تبعد عنا مائة وستة وخمسين مليون كيلو متر، ضوءها يصل في ثماني دقائق، حجمها يكبر حجم الأرض بمليون وثلاثمائة ألف مرة، يوجد نجم اسمه قلب العقرب يتسع للشمس والأرض ومع المسافة بينهما! في موضوعات الليل والنهار والشمس والقمر دورة النجوم والسماء ذات البروج، لمن هذه الآيات؛ هل للجن أم للإنس؟ فإذا أردتم أن تحيوا ليلة القدر وأن تقدروا الله حق قدره، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

[سورة الأنعام الآية: 91]

 فدونكم الكون معجزة، إنه أوسع باب ندخل منه على الله وإنه أقصر طريق نصل منه إليه، والحديث عن آيات القرآن التي فيها إعجاز علمي لا ينتهي، وقد سمعتم مني الشيء الكثير، أنا أقدم لكم نماذج كما يقولون البضاعة للعرض والأسعار في الداخل، هذا نموذج للتفكر في خلق الإنسان والحيوان والسموات والأرض، هذا باب كبير من أبواب معرفة الله نعرفه من خلقه .
 لكن عندنا مشكلة: أنت حينما تفكر في خلق السموات والأرض تعرف مجموعة حقائق ، لكن يوجد حقائق لا يمكن أن تعرفها إلا أن يوحي الله بها إليك، قد تصل إلى جامعة أمام بناء جامعي رائع، قد تستنبط أن المصمم إنسان متفوق ومتخصص ويعيش في الجامعات من خلال قاعات التدريس وقاعات المحاضرات والمكتبة والمخابر وغرف الطلاب والحدائق العامة والملاعب، لكن مهما كنت عبقرياً لا تستطيع أن تعرف من هو رئيس الجامعة، ولا كم كلية في هذه الجامعة، ولا أسماء عمداء الكليات ولا النظام الداخلي في الجامعة، هذا نوع من المعلومات لا يمكن أن تأخذه إلا مكتوباً بكتيب صغير، فنحن إذا فكرنا في خلق السموات والأرض نعرف أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، نقرأ القرآن فيقول: الله الذي خلق السموات والأرض فالخالق اسمه الله، يقول لك:

﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

[سورة الحديد الآية: 20]

﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة العنكبوت الآية: 64]

 فهناك مجموعة حقائق لا يمكن أن تعرفها بالتفكر الشخصي، إلا أن تقرأها من كتاب هو وحي السماء إلى الأرض، فالتفكر بالكون مع القرآن يتكاملان، والدليل:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 1]

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾

[سورة الكهف الآية: 1]

 فالكون كله في كفة، والكتاب في كفة ثانية، لذلك التسلسل الطبيعي للإيمان بالله الكون يدلك على الله، على إله لهذا الكون كامل وواحد وموجود، هذا الإله العظيم الكامل أيعقل أن يدع عباده من دون توجيه؟ مستحيل لأن كمال الخلق يدل على كمال التصرف هذه حقيقة مسلم بها، الإنسان كلما ارتقى علمه يرتقي سلوكه وكلامه، فكمال الخلق يدل على كمال التصرف، فحينما نجد كمالاً في الكون لابد أن هذا الكمال يعني أن الله أرسل لعباده رسل، قال:

﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾

[سورة الدخان الآية: 5]

 إرسال الرسل والكتب شيء من لوازم كمال الله عز وجل، أرسلنا كتاب قالوا هذا القرآن كلام الله، يوجد ألف دليل من كتاب الله من خلال إعجاز علمي يؤكد أن هذا القرآن كلام الله، فعقلك عرف الله من خلال الكون أن هناك إلهاً واحداً كاملاً موجوداً وعقلك عرف الله من خلال كتابه، هذا الذي جاء بكتاب معجز من هو؟ هو رسول الله عقلك بالدليل العقلي القطعي المقنع المفحم أنبأك أن لهذا الكون إلهاً وأن لهذا الإله كتاباً وأن لهذا الكتاب رسولاً، الآن دقق:
انتهى دور العقل وجاء دور النقل، النقل أخبرك أن الذي خلق هذا الكون هو الله، والذي أرسل هذا النبي هو الله، وأن هذا النبي معصوم وأن الكتاب فيه منهج لحياته افعل ولا تفعل، وأن هذه الحياة دنيا ومحدودة وأن ورائها حياة أبدية، وأن في الأبد جنة أو ناراً، وأن الجنة والنار جزاء من استقام وآمن ومن انحرف وكفر، الآن كل ما في القرآن لا يخضع للعقل، عقلك قادك إلى القرآن وقادك إلى الوحي، فأي شيء عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الوحي به .
 القرآن كلام الله منه نعرفه، من خلقه نعرفه ومن كونه نعرفه، وحينما ترى أفعال الله وهي النقطة التي بدأت بها: ترى زلزالاً أو بركاناً أو حرباً أهلية أو قصفاً مستمراً أو اجتياحاً أو جفافاً أو صاعقة أو أمراض وبيلة تنتشر هذه أفعال الله في ضوء معرفتك بالله من خلال كونه ومن خلال قرآنه تكشف حقيقة أفعاله، أنت كإنسان مراقب إذا رأيت رجل يضرب طفل عمره أربع سنوات أو خمس سنوات فأنت ما فهمت ما القصة اتهمت هذا الرجل بالقسوة، فإذا كنت أباً ولك ابن وجدت معه مبلغ من المال ليس له وهذه بداية خطيرة جداً فأنت كأب لأنك رحيم وعليم لا بد من أن تحدث عند ابنك ما يسميه علماء التربية خبرة مؤلمة تضربه، الذي لا يفهم ما هو الأب ولا يفهم ما هي تربية الأولاد يأخذ على الرجل ضربه للطفل، أما إذا عرفت أنه أب وأن هذا الابن على براءته سرق، وأن الأب لشدة حرصه على أخلاق ابنه أحدث ما يسمى بخبرة مؤلمة تفهم هذا الحدث .
 لذلك الحوادث لا قيمة لها من حيث الوقوع، القيمة من حيث التحليل، ذكرت من يومين إنسان يركب مركبته في ضوء أحمر تألق، التألق ثابت وقد رأى التألق، لكن يا ترى هذا الضوء تحذيري أم تزيني؟ إذا كان تزييني تبقى مستمراً، يحترق المحرك يكلفك ثلاثين أو أربعين ألف، أما إذا كان ضوء تحذيري تقف وتصب الزيت يكلفك مائة ليرة، فتألق الضوء ثابت لا خلاف عليه، أين الخلاف؟ في فهم التألق في التحليل، فالمؤمن يمتاز عن غير المؤمن بالتحليل، من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر .
 نفكر في خلق السموات والأرض, ثم نتدبر آيات القرآن الكريم, فنعرف الله, فإذا عرفنا الله في ضوء, فهمنا عن الله من خلال خلقه, وفهمنا عن الله من خلال كلامه, نسلط الضوء على أفعاله, فنراها في حكمة ما بعدها حكمة, ورحمة ما بعدها رحمة, وقدرة ما بعدها قدرة، عندئذ نستسلم، أما حينما نهمل معرفته من خلال كونه وقرآنه ونكتفي بمعرفته من خلال أفعاله نرى العجب العجاب أسميه حقل ألغام .
 لذلك الآن أناس كثر اختل يقينهم بالله عز وجل من خلال ما يسمعون من أخبار أين الله؟ لما لم ينصرهم؟ لم قوى أعدائهم الفسقة الكفرة المنحلين؟ لذلك نحن في محنة لا ينجو منها إلا من قوي إيمانه لذلك ليلة القدر خير من ألف شهر، إذا قدرت الله حق قدره وعبدته حق عبادته خير لك من أن تعبده عبادة جوفاء لا معرفة فيها ثمانين عاماً ليلة واحدة تفوق في بركاتها وفي خيرها أن تعبد الله ثمانين عاماً، الألف شهر يساووا ثمانين سنة تقريباً، هذا عمر مديد، يعني أن حياة عابد غير عالم الثمانين سنة من حياته قد لا تساوي يوماً واحداً من حياة مؤمن يعرف الله عز وجل!.
 من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقِيهٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ))

 وقد تجد من العباد أفكار مضحكة وسخافات وتناقضات ومقاومة هشة لا تصمد لا أمام ضغط ولا أمام إغراء، أما المؤمن لا تصرفه عن إيمانه ولا عن يقينه لا سبائك الذهب اللامعة ولا سياط الجلادين اللاذعة، أحد أحد فرض صمد، والإنسان حينما تضعف مقاومته يختل توازنه لأدنى ضغط أو إغراء، فالذي يضعف أمام إغراء بسيط أو أمام ضغط بسيط هذا عابد وليس بعالم، ونحن في هذا العصر -أيها الأخوة- لا ينجو فيه إلا العالم لأن الضغوط والإغراءات لا تحتمل، لذلك لا ينجو في هذا العصر من المعصية والشرك إلا من تسلح بالعلم.
 إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾

[سورة طه الآية: 114]

إن وصلت إلى معرفة الله وأطعته فقد قدرت الله حق قدره:

 وأختم هذه الكلمة بقول الله عز وجل:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

[سورة النساء الآية: 113]

 قال الله تعالى:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[سورة النساء الآية: 77]

 الذي عنده بيت ثمنه مائة مليون، يوجد بيت في دمشق اشتراه صاحبه بمائة وخمسين مليون فيلة، مائة وخمسة وستون دفع هذا المبلغ ثمن فيلة في أحد أحياء دمشق! والذي عنده مركبة بأربعة وعشرين مليون، والذي يملك فيلة بالمصيف بخمسين مليون، الله قال:

﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

[سورة النساء الآية: 77]

لم يقل هذه عظيمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

[سورة التوبة الآية: 38]

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

[سورة النساء الآية: 113]

 أعطى الله الملك لمن لا يحب، أعطاه لفرعون ولمن يحب لسليمان الحكيم أعطى المال لمن لا يحب لقارون ولمن يحب لعثمان بن عفان، لكن العلم والحكمة أعطاهما لمن؟ لمن يحب فقط:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

[سورة القصص الآية: 14]

 لذلك لا نعمة تعدل نعمة معرفة الله، ولا نعمة تعدل نعمة طاعته، وأقول لكم هذه الكلمة: يكفي أن تلتقي بإنسان في سنك لكن ليس كمثلك في الإيمان، اجلس معه ساعة واستمع إليه تعرف من أنت، اجلس مع إنسان في سنك لكن ليس على هداك، استمع إليه ساعة كلام مضطرب، قد يكون مزاح فاحش فكر ضيق، مصلحته تعلو على كل شيء، إدراكه محدود، نفسه دنيئة لأنه لم يعرف الله عز وجل، لا تعرف قيمتك كمؤمن موحد على منهج صحيح واستقامة لك هدف، الدنيا واضحة عندك، الآخرة واضحة إلا إذا عرفت الله عز وجل، نحن بالدين ليس عندنا المناسبات الصارخة بل يوجد استمرار، كل يوم ليلة قدر بهذا المعنى، أما ترى الشجر مال هذه لم أراها أبداً، البنية خضعت وركعت هذا كلام ما أنزل الله به من سلطان ، أما حينما تقدر الله حق قدره وتعرف عظمة الله وتخشاه وتصلي خاشعاً، أنت قد رأيت ليلة القدر، والدليل:

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

[سورة الأنعام الآية: 91]

 بالمعنى المخالف ينبغي أن نقدر الله حق قدره، كيف نعرفه؟ لا تدركه الأبصار، لا يوجد عندنا غير العقول من كونه بالتفكر، ومن قرآنه بالتدبر ومن أفعاله بالنظر، لكن أفعاله رقم ثلاثة بعد أن تعرفه من كونه وبعد أن تعرفه من قرآنه يمكن أن تفهم أفعاله وحكمته البالغة، عندئذ لا تتهم الله عز وجل، ولا تسيء الظن به:

﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾

[سورة الفتح الآية: 6]

 أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بهذه الليلة ويلهمنا الخشوع في الصلاة، فقد قال بعض العلماء: الخشوع في الصلاة من فرائضها لا من فضائلها لقوله تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾

[سورة المؤمنون الآية: 1-3]

 والحمد لله رب العالمين، وإلى صلاة قيام الليل .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018