٠08رمضان 1422 هـ - موضوعات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات قرآنية - الدرس : 34 - قارون .


2001-12-03

  الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة: في آية:

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾

(سورة القصص)

 سبعة رجال أشداء لا يستطيعون حمل مفاتيح كنوز قارون، ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى لا يحبه ! فالدنيا يؤتيها الله عز وجل للمؤمن والكافر، لكن الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل، إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ولمن لا يحب، إذاً ليست مقياساً مادامت تعطى لمن تحب، مادام الله سبحانه وتعالى أعطى فرعون الملك وهو لا يحبه، وأعطى قارون المال وهو لا يحبه، وأعطى الملك لسيدنا سليمان وهو يحبه، وأعطى المال لسيدنا عثمان وهو يحبه، إذاً يعطي الدنيا والملك لمن يحب ولمن لا يحب هذا يعني أنها ليست مقياساً، فهذا الذي له في الدنيا حظ كبير إذا توهم أن الله راض عنه لأنه أعطاه هذا الحظ الكبير فهو واهم.
 النقطة الدقيقة: أن هذا الحظ الذي آتاك الله إياه كلمة مطلقة آتاك مالاً، والمال حظ، آتاك وسامة والوسامة حظ، آتاك ذكاء والذكاء حظ، آتاك قوة قوي لك منصب رفيع تتحكم بمئات الأشخاص، الحظوظ الذي آتاك الله إياها يجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أنها ليست نعمة، كما أنها ليست نقمة، إنما هي شيء موقوف على نوع استخدامه، فإن استخدمت هذا الحظ في الحق انقلب إلى نعمة، إن استخدمته في الباطل انقلب إلى نقمة، فينقلب الحظ إلى نعمة أو إلى نقمة بحسب نوع استخدامه، وما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة، وقناة قذرة، فالشهوات حيادية، قوى محركة، قال:

 

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ﴾

 أنا أقول كلمة: قل لي من يفرحك أقل لك من أنت ! هناك من يفرح بالمال فقط، هناك من يفرح بامرأة جميلة تزوجها، هناك من يفرح بمنصب رفيع تسلمه، وهو لا يعلم أن هذا الفرح قد يكون سبب هلاكه، الله عز وجل قال:

 

 

﴿ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

 

(سورة يونس)

 افرح لفضل الله، افرح أن آتاك الله علماً.

 

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

 

(سورة النساء)

 الدنيا مهما عظمت سماها الله متاعاً قليلاً.

 

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾

 

(سورة النساء)

 يوجد عندنا بالشام هكذا سمعت من يملك قريب خمسة آلاف مليون، ويوجد بالغيت بأمريكا يملك تسعين مليار دولار ! الله ما سمى المال حظ عظيم قال:

 

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

 

﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)﴾

(سورة القصص)

 فإذا كنت صادق تبحث عن الشيء الذي له عند الله شأن كبير لا تفرح بالدنيا، إنها عرض زائل، يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل، ويكفي أن الموت ينهي كل شيء، ينهي غنى الغني وفقر الفقير، قوة القوي وضعف الضعيف، ذكاء الذكي، وغباء الغبي، نسب النسيب، وتواضع الذي ليس له نسب، كله ينتهي بالموت، لكن ماالذي يبقى ؟ العمل الصالح.
 يا قُيس إن لك قريناً يدفن معك وأنت ميت وتدفن معه وهو حي، إن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك ألا وهو عملك.
العمل الصالح وحده هو الذي ينفعك، بل إن مقياس الغنى هو غنى العمل الصالح، قال:

 

﴿ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)﴾

 بالدنيا، ولكن يحب الفرحين بفضل الله عز وجل، آتاك الله إيمان واستقامة وأعمال صالحة كبيرة جداً، آتاك أولاد أبرار سعيت في تربيتهم، آتاك زوجة صالحة، هذه كلها من جنس العمال الصالحة، أو لأنها تعينك على عمل صالح، ألم يقل الله عز وجل:

 

 

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74)﴾

 

(سورة الفرقان)

 أما الآية التي هي مركز هذا اللقاء وهذا الدرس ومن أخطر آيات هذه السورة قال تعالى:

 

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

 آتاك اختصاص لغة إنجليزية، قد تكون مترجم ناجح جداً، وقد تكون مراسل، وقد تكون..... أما حينما تستخدم هذا الاختصاص لترجمة التراث الإسلامي إلى اللغة الإنجليزية، أنت ابتغيت بهذا الاختصاص الدار الآخرة، آتاك مالاً، حينما توظف المال في خدمة المسلمين انقلب إلى نعمة، هذا أمر بالقرآن، وكل أمر في القرآن يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.

 

 

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

 لكن سبحان الله ألف الناس في مشارق الأرض ومغاربها أن الإنسان إذا توسع في دنياه وغرق في المباحات وألف الطعام الطيب والبيت الفخم واللباس الرائع والمركبة الفارهة، يقول سبحان الله هكذا قال الله:

 

 

﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

لكن سياق الآية لا يعني هذا، أنت بالدنيا بمهمة، لك في الدنيا نصيب، ونصيبك في الدنيا أن تعرف الله، ونصيبك من الدنيا أن تطيعه، ونصيبك من الدنيا أن تسخر كل ما تملك في خدمة الخلق، هذا نصيبك، فإياك أن تدخل إلى الدنيا وأن تخرج منها ونسيت نصيبك من الدنيا.
 تماماً لو أرسل والد ابنه على حساب أخوته وحصته من ميراث أبيه إلى بلد ليدرس، الطالب الموفق أينما وقعت عينه يذكر مهمته التي جاء من أجلها، نصيبه من هذا البلد الدكتوراه فقط، نصيبه أي مهمته، الشيء الذي ينتفع فيه من هذا البلد الشهادة، فكلما صرفه صارف عن الدراسة تذكر نصيبه من هذا البلد، فالآية يساء فهمها إلى درجة غير معقولة تبحبحنا وتوسعنا وغرقنا في المعاصي والآثام، الله عز وجل قال:

 

 

﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

 توجد عملية احتقار للآخرين غارق بالعمل لقمة رأسه لا صلاة ولا.... يقنع نفسه بأن هذا عمل أليس عبادة ؟ إذا تركت الصلاة من أجل العمل لا ليس عبادة.

 

 

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾

 الذي هو أن تعمل صالحاً.

 

 

﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾

 الله منحك نعمة الوجود ومنحك نعمة الإمداد ومنحك نعمة الهدى، أحسن الله إليك أن خلقك وأن أمدك وأن هداك قال:

 

 

﴿ وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾

 لا تفسد حياة الناس، والله هذه الكلمة تتسع لها المجلدات، لا تفسد إنسان ولا شاب ولا فتاة ولا موظف تدفعه إلى الرشوة، ضيقت عليه ضيقت عليه هو فقير وبحاجة فسولت له نفسه أن يأكل مالاً حراماً، أنت أفسدته، لو أنك أعطيته حقه لما فسد، هذا الذي يعمل المنكرات يفسد فتيات.
هي مصممة زوجة مخلصة أم رؤوم جدة واعية، فلما دلها على طريق الفساد، فالإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيان الله.

 

 

﴿ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)﴾

 مع الأسف الشديد يوجد أعمال كثيرة قائمة على إفساد الناس وعلى ترويج الرذيلة وعلى انحلال الخلق.

 

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

 وكلمة عندي هذه كلمة مهلكة.

 

 

﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)﴾

 خطر في بالي إنسان ساقوه إلى الإعدام عليه مخالفة سير يسامحوه بها لا مشكلة، انتهت حياته، فأكبر ذنب أنك ما عرفت الله، وأنك عصيته، فإذا كان هناك مخالفات كثيرة هذه تطوى لن الإنسان هلك بدخوله النار.
هو أراد العلو في الأرض.

 

 

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾

 سابقاً إذا سمح لأحد بأخذ الفيزا نقول: الله يطعمها لكل مشتهي، كأنها كعبة أو حج لبيت الله الحرام.

 

 

﴿ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)﴾

 فأنت بالتعبير العامي: تقول لواحد: هنأه الله على ماذا ؟ على المال ؟ أنت من أهل الدنيا، على المنصب الرفيع ؟ من أهل الدنيا، نهنئه على ماذا ؟ إذا قلت بالتعبير العامي هنأه الله على إيمانه صحيح، على أن الله سبحانه وتعالى أجره على يده الخير صحيح، أما لا تقل هنيئاً لفلان إن لم تعلم أنه مستقيم على أمر الله، أية هناءة ؟ هذه الدنيا تزول بلحظة، والشيء الذي يلفت النظر ما تجمعه في عمر مديد تخسره في ثانية واحدة.

 

 

 

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)﴾

 الله عز وجل قصمه !

 

 

 

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)﴾

 ختام هذه القصة قال:

 

 

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ﴾

 لا يوجد كبر ولا مستكبر.

 

 

﴿ وَلَا فَسَاداً﴾

 لا إفساد البيئة ولا إفساد الخلاق ولا العقول بنظريات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا إفساد الأجسام بغذاء مسرطن، تجد الغذاء مسرطن والجو ملوث الإعلام طافح بالمنكرات يوجد فساد عريض.

 

 

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

 

(سورة الروم)

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً﴾

 الزوجة إذا رأت أن زوجها مضطر أن يتزوج عليها تقول له: ازني ما شئت لك أن تزني ولا تتزوج علي، لا يهمها إلا سمعتها وأنه لم يتزوج عليها، لا يهمها مصير زوجها وهناك من يقول ذلك.

 

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾

 العبرة من يضحك آخراً، وحينما يأتي ملك الموت فإن كان من أهل الجنة يقول: لم أرى شراً قط، وإن كان من أهل النار ورأى مكانه في النار يصيح صيحة لو سمعها الناس لصعقوا يقول: لم أرى خيراً قط، فالعبرة للآخرة ولختام العمل ولخريف العمر، أكثر الناس يتشابهون في الشباب أما في الخريف يتفاوتون، طبعاً من عبد الله في شبابه جعل الله له شيخوخة راقية في وعي وإدراك وكفاية وحوله أولاد أبرار، فمن عبد الله في شبابه متعه الله في شيخوخته، ومن أسرف على نفسه في شبابه محقه الله في شيخوخته،

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018