٠07رمضان 1421 هـ - دراسات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 51 - من سور آل عمران والمطففين والصافات - تعليمات الصانع .


2000-12-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أيها الأخوة الكرام: حينما تسرب الأسئلة الطالب الذي سربت إليه يحضر تحضيراً جيداً، هذا هو السؤال، يبحث عن إجابته ويحفظها جيداً، فكيف سألنا الله سبحانه وتعالى قبل أن نموت ونحن أحياء، الإنسان حينما يموت ماذا يقول ؟ وهو في النار ماذا يفعل ؟ ماذا يتمنى ؟ ماذا يريد ؟ كل هذه المشاهد مع تفصيلاتها وكأنها تسريب للأسئلة، وبيان لما سيكون قبل أن يكون، سيدنا خالد لما أسلم وتأخر في إسلامه قال له النبي عليه الصلاة والسلام: عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً .
قالوا علامة عقل الإنسان أن يعمل للآخرة، ومما ورد في الأثر ألم يقل عليه الصلاة والسلام: إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً . وأحذركم أشدكم استعداداً له .
 ألا إن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود بسكنى القبور والتأهب ليوم النشور، من علامات العقل، وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ... ))

 

(سنن الترمذي)

 الأماني أيها الأخوة هي بضاعة الحمقى، ما من أحد إلا ويقول: اللهم أدخلنا الجنة، يارب ترحمنا . يتمنى رحمة الله، يتمنى المغفرة، يتمنى دخول الجنة، لكن لايعمل لها، من شدة أدب النبي عليه الصلاة والسلام أنه يقول:

 

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ... أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ ))

 

(سنن الترمذي)

 لم يسأل الله رحمته بل سأله موجباتها، وهذا من أدبه، فليس من المعقول أن يقول ابن لأبيه الملك اجعلني أستاذ للجامعة، قد يعطيه سيارة، أو قصر، ويعطيه أشياء كثيرة أما أستاذ جامعة فهذه بحاجة إلى شهادة، هذه ليست علي، بل عليك يا بني، لابد من أن تنال هذه الشهادة حتى أعينك في هذا المنصب، فالنبي من شدة أدبه يقول:

 

(( أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ ))

 يا أيها الأخوة: الدول المتقدمة جداً بالمقياس المادي تخطط دائماً لخمس وعشرون سنة قادمة للمستقبل، أما الدول النامية فكل حركاتها ردود أفعال، يأتي الفعل فترد عليه، أحياناً عشوائي، أحياناً انفعالي، أحياناً غير مدروس، أحياناً غير ناجح، يأتي الفعل ورد الفعل، والدول المتخلفة تعيش الماضي فقط، يتغنون في الماضي، كلما تخلف الإنسان يعيش الماضي فقط
وألهى بنو تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
أحد الشعراء الجاهليين قال قصيدة:
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين
 قصيدة رائعة جداً مدح فيها بني تغلب، فارتاح بنو تغلب، بعد المديح عاشوا على فتات هذه القصيدة، والأمة العربية لها ماضي مجيد، فأخطر شيء بحاضرها أن تختفي بالتغني بماضيها فقط، نحن فتحنا العالم، ذهبنا إلى المشرقين، كنا قادة الأمم، أنا أريد الآن، الماضي قد مضى والحديث عنه لا يجدي، يجب أن تفتخر بواقعك، بما أنت عليه، فلذلك كلما ارتقى ذكاء الإنسان كلما كان عاقلاً يعيش بالمستقبل، المستقبل البعيد، ما هو الآن قد انتهى، فلما تلاقي يوم القيامة ملايين مملينة، شعوب بأكملها تاهت وشردت، تعبد الشجر، تعبد الحجر، تعبد الشمس والقمر، تعبد شهواتها، تعبد مصالحها، تعبد الجنس أحياناً، تعبد المال، أحد كبار علماء المشرق كان بأمريكا، فجلس بحديقة، وجلس إلى جانبه شخص أمريكي، تعارفوا قال له: أنا مسلم . قال: ما الإسلام ؟ قال له: أتحب أن أبين لك ما الإسلام ؟ قال له: أحب . قال له: كم معك من الوقت؟ قال: ساعة
هذا العالم صاحب تفسير كبير وكتب وهو من كبار علماء المسلمين بين له بشكل مكثف واضح أنيق الإسلام بما يكفي خمسون دقيقة، وترك عشر دقائق للمناقشة، بعد أن انتهى أخرج من جيبه دولار وقال له: أنا أريد هذا من دون الله . هذا إلهي فقط !.
 أصبح حال الناس يعبدون المال، يبيعون دينهم بعرض من الدنيا قليل، يبيع وعده، يبيع عهده، فيا أيها الأخوة: الإنسان المتخلف يعيش ماضٍ فقط، نحن أمة عظيمة، نحن فتحنا العالم، قدنا الدول، أريد الآن، الآن أين أنت ؟ أنت لست كالماضي، وإذا تلقى الرجل ردود فعل ورد عليها باستمرار فهو ضعيف، أما العبرة أن تعيش المستقبل، أخطر حدث فيه ما هو ؟ الموت، ليس معنى هذا أن الموت نهاية، هنالك خطأ كبير يقولون الفقيد، لا يوجد فقيد، الإنسان يعيش حياة أخرى بعد الموت

 

 

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169)﴾

 

(سورة آل عمران )

 حياة كاملة ولكن بنظام آخر، هذه الساعة ساعة رقمية ويوجد ساعة بيانية عقارب، ساعة العقارب عبارة عن مسننات وعجلات وبعض المعادن الثمينة، أي فيها أشياء دقيقة، بينما الرقمية نظام آخر، قضية إلكترون وساحة وزئبق، هذه نظام وهذه نظام، الإنسان يعيش بعد الموت بنظام أخر، ليس فقيداً، يعيش الحياة بكل تفاصيلها، يعيش حياة متعلقة بحياته في الدنيا، فالنقطة الدقيقة لما الإنسان يعيش المستقبل، يوجد حديث والله يقسم الظهر: مما ورد في الأثر قال: بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ؟
 رجل لا يريد الآخرة بل يريد الدنيا حسناً، انكب عليها بكل إمكاناته، بكل طاقته، بكل ذرة من مشاعره، بكل قطرة من دمه، بكل خلية من جسمه، يريد الدنيا، يريد المال، يريد فخر، يريد زوجة جميلة، يريد سيارة فارهة، حسناً، ماذا بعد ذلك ؟ هؤلاء الناس أمامكم، النعوات تملأ الطرقات، تصل لأعلى مرتبة مالية، يموت، أعلى منصب إداري، يموت، أعلى مرتبة علمية، يموت، والله يا أخوان الآن خطر بالي مثل، لو كان طريق عريض جداً ويجري عليه سباق سيارات، والسيارات منوعة بشكل عجيب، من كبيرة إلى صغيرة، من قديمة إلى حديثة، من قوية إلى ضعيفة، من موديل حديث إلى موديل قديم، الكل يتسابق، والطريق ينتهي بقطع عنقه خمسين متراً، فأسرع واحدة سقطت هي وصاحبها، و الأبطأ سقطت وانتهت هي وصاحبها، وأحدث واحدة سقطت وانتهت هي وصاحبها، وأقدم واحدة سقطت وانتهت هي وصاحبها، وأكبر واحدة سقطت وانتهت، والأصغر !! هل هذا سباق ؟
 ما علاقته بدرسنا ؟ الناس يتسابقون في الدنيا، هذا أخذ جانب المال، مرة حضرت تعزية أحدهم وقد جمع أربعة آلاف مليون، لم يصلي لله ركعتين في حياته، وبينما كان في نزهة باستنبول مات باحتشاء، فالغني يموت، والفقير يموت، و القوي يموت، والضعيف يموت، والأعلى منصب يموت، والأقل منصب يموت، وعامل التنظيفات يموت، وملك يموت، والكل يموت هذا ليس بسباق، لا يوجد شيء بعد الوصول، لو وصلت أولاً تسقط، ولو وصلت متأخراً تسقط، ماذا قال ربنا عز وجل ؟ قال:

 

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾

 

(سورة المطففين )

 السباق الحقيقي في الآخرة

 

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

 

(سورة الصافات)

 بطولتك أن تتسابق في الآخرة، من أطاع الله أكثر ؟ من قدم للناس خير أكبر ؟ من أرشد الناس أكثر ؟ من أنفق ماله أكثر ؟ فماذا يوجد في المستقبل ؟ يوجد موت، بعد الغنى يوجد موت، بعد القوة يوجد موت، بعد أن تكون في رأس مجتمع يوجد موت، بعد أن يكون لك أتباع بالملايين يوجد موت

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

 

(سنن الترمذي )

 الغنى المطغي مصيبة من أكبر المصائب، غنى حملك على معصية الله، فأنت لا ترتاح، ولا تتوازن مع نفسك إلا في حالة واحدة، أن تعمل للآخرة، في الدنيا تتزوج، وتعمل، وتكسب المال، وتتاجر، وفق منهج الله فينشأ عندك طمأنينة، ينشأ عندك استقرار نفسي، توازن نفسي، لأنك في الحركة الصحيحة .
 مرة ذكرت طالباً على أبواب الامتحان للتخرج، ومادة أساسية جداً، وبقي أربعة أيام ليحضرها، وإذا نجح يحقق مرتبة رفيعة، وإذا تعين يتزوج، جاء إليه رفاقه وأخذوه بالمحاياة، إلى مكان جميلٌ جداً، مطل على البحر، وأطعموه أطيب الطعام، لماذا أنت منزعج ؟ هكذا . هذه الحركة لا تتناسب مع هدفه القريب أن عنده بعد أربعة أيام فحص، هذا الطالب ضعه في غرفة مظلمة، واتركه يقرأ الكتاب المقرر ويفهمه، يرتاح، غريب يرتاح وهو في غرفة قميئة وارتاح وهو في مكان جميل !!
 أنت لا ترتاح ولا تسعد إلا إن كانت حركتك اليومية متناسبة مع هدفك، انظر إلى التاجر، إن لم يوجد بيع وشراء، والبضاعة إلى السقف، وعليه دفعات، ولا أحد يشتري، يأتيه الصانع بكأس من الشاي، ثم فنجان من القهوة، ثم جريدة، ينسم بدنه من الجريدة والقهوة والشاي، يريد أن يقف ويبيع، ويتناقش مع الزبائن، ويخرج قطعة من المستودع ويسلمها، ويكتب فواتير، إن عمل عشر ساعات ولم يرتح لدقيقة فهو في أسعد لحظة، وإن أرحت له جسده من دون بيع ولا شراء ينزعج، معنى هذا أن السعادة تأتي من تطابق حركتك مع هدفك، فانظر إلى المؤمن عندما يعلم بوجود الآخرة، ويوجد إله أعطاه منهج، وأنا الآن مطيع له، ينشأ عنده راحة والله لو وزعت على أهل بلد لكفتهم، والله المؤمن يتمتع بنوع من الراحة النفسية، بنوع من الاستقرار، بنوع من التوازن، نوع من الرضى الشعور بالتفوق، الشعور بالسلامة، لا يعرفها إلا من ذاقها، لأنك تسير بشكل صحيح، أما لما يخطئ الإنسان ويأكل المال الحرام، ويزداد حجمه المالي، وتعلو مكانته أحياناً، والناس كلها تهابه، تجد عنده من الداخل غيار داخلي، يعرف أن لديه عدوان وظلم .
 رجل كان يركب سيارته قرب الحجاز، فجأة سقط على المقود، يبدو أن معه أزمة قلبية، زوجته إلى جانبه صرخت، ومن غرائب الصدف أن صديقه كان ورائه في السيارة الثانية، فتح الباب وحمله، ثم أخذه إلى الشارع، هذا رأى نفسه قد انتهى، فطلب مسجلة وشريط كاسيت وقال: المحل الفلاني ليس لي بل لأخوتي، أنا مغتصبها، الأرض الفلانية لأخي فلان، يبدو أنه كان أكبر أخوته، وقد أخذ كل المال له، وجعل أخوته فقراء وهو قوي، معه وكالة عامة من أبيه، ومجري ترتيبات معينة، لكن لديه انهيار داخلي، متى ظهر ؟ في الأزمة القلبية، فبين كل شيء بالكاسيت، أن هذا لأخي، وهذه لأختي، ثم بعد ذلك ذهبت الخثرة، وأعطي مميع للدم، سأل أين الكاسيت ؟ فكسره !! رجع إلى القديم، بعد ثمانية أشهر جاءت القاضية، وهذه كانت إنذار مبكر .
 بالمناسبة إخواننا أليس الله بقادر أن يبقى الإنسان كثيف الشعر ؟ ونظره حاد، وأسنانه كلها بفمه وسمعه مرهف وليس عنده ألم مفاصل ... ليس لديه مشكلة ؟ يبقى هكذا حتى يأتي أجله، لماذا لدينا شيب بالشعر ؟ ضعف بصر، تحشية أسنان، التهاب مفاصل، آلام الظهر، أسيد أوريك عالي كوليسترول عالي ضغط وسكر عالي لماذا ؟ هذه كلها بشارات من الله لطيفة أن يا عبدي اقترب اللقاء بيننا هل أنت مستعد له ؟ ليس من نور ساطع لظلام دامس، نخفف ضوء وراء ضوء ثم يأتي الظلام متناسب مع ما سبقه .
 فيا أيها الأخوة: هذا الشهر انتهى لكن رمضان في كل شهر رمضان أرجو الله سبحانه وتعالى كما حكيت لكم عند الفجر نخطط برنامج تعبدي برنامج سلوكي برنامج علمي، دروس العلم من جهة، دروس تحضرها ثابتة، تلخصها تعمل دعوة إلى الله مبسطة، الدعوة إلى الله فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف فرض عين لابد منه، نقرأ القرآن نتدبره نفهم آياته نطبقها نبحث عن أوامره وعن نواهيه وعن مشاهد القيامة عن الحلال والحرام والواجب والأمم السابقة، هذا القرآن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، تريد أن تجاهد جاهد به:

 

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52)﴾

 

(سورة الفرقان)

تريد أن تعلم علمه، فخيركم من تعلم القرآن وعلمه، تريد أن تتحرك طبق منهجه، هذا كتاب الله عز وجل منهجنا، هذه تعليمات الصانع وأنت أعقد آلة في الكون، والحمد لله رب العالمين .
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضا عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018