٠07رمضان 1421 هـ - دراسات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 47 - من سورة الجمعة - أصل الدين معرفة الله .


2000-12-22

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام: في هذه الدروس الأخيرة أحب أن أجمع لا أن أفصّل أية دعوة إلى الله لا تنجح إلا إذا اتبعت سيرة النبي عله الصلاة والسلام مع أصحابه، فكل داعية يحقق نجاحاً كبيراً إذا اتبع سنة النبي في الدعوة، ويخفق ويثير حوله جدلاً كبيراً إذا خالف سنة النبي في الدعوة.
أولاً: يقول الله عز وجل:

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾

(سورة الجمعة)

 المهمة الأولى:

 

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ﴾

 

(سورة الجمعة)

 الآيات الدالة على عظمته، أصل الدين معرفة الله، البارحة تحدثنا عن أن في الدين ركائز كبيرة أول ركيزة طلب العلم الاستقامة العمل الصالح الاتصال بالله أربع ركائز، اليوم بالدعوة إلى الله أربعة ركائز، ما من دعوة أخفقت إلا لأنها أغفلت إحدى هذه الركائز، أول ركيزة

 

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ﴾

 لابد من أن تعرفه، لو نظرت إلى أكثر الدعوات إلى الله عز وجل، التركيز فقط على التفاصيل، على أحكام الفقه، وهي أساسية جداً ولكن لا تكفي، شرط لازم غير كاذب، مثلاً المؤمن لمجرد أن يعرف الله يسأل ما حكم هذا الشيء ؟ ما رأي الشرع في هذا ؟ ما موقف الدين من هذا ؟ شعر بحاجة إلى التقرب من الله، وعندما شعر بحاجة إلى التقرب هو يسألك هو يمطرك أسئلة لا تنتهي، متى بدأ يسأل ؟ حينما قدر الله عز وجل حق قدره، حينما خاف أن ينقطع عنه، وحينما رجا رحمته بدأ يسأل وحينما عظمه وقدره وحين خاف من عقابه ورجا ثوابه بدأ يسأل، إذاً أصل الدين معرفته.

 

 

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ﴾

 في الأعم الأغلب آيات الكونية والتكوينية والقرآنية بهذا نعرف الله، الآن قال:

 

 

﴿ وَيُزَكِّيهِمْ﴾

 

(سورة الجمعة)

 مستحيل أن تنجح دعوة دون تذكير، إنسان لئيم لو صلى غشاش لسانه بذيء أناني غير منصف قلبه قاسي مهما عبدت الله بهذه الأخلاق لا تقبل عند الله، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))

 

(الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي)

إذاً:

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾

 التزكية إما أن تأتي الخلق الكريم بدافع الذكاء والمصلحة هذه أخلاق تجارية ولا قيمة لها عند الله إطلاقاً، وإما أن تكون الأخلاق نتيجة اتصال النفس بالله، حينما تكون الأخلاق نتيجة اتصال النفس بالله هذه أخلاق أصيلة وثابتة ولا تتبدل باختلاف الزمان والمكان والظروف والأحوال وهي التي تسعي بصاحبها إلى أبد الآبدين، أما كل إنسان أتيح له أن يكون ذكياً اجتماعياً تجده متواضعاً، لكن كبر مغلّف بتواضع، يدعي أنه منصف مادام القضية لا تمس لصالحه، أما إذا مسّت مصالحه لا يعرف ماذا يحصل مادامت سمعته تقتضي أن يكون لطيف ورحيم بالبيت تجده وحش، فالأخلاق الناتجة عن مصلحة وذكاء هذه تنفعك في الدنيا فقط، ولا قيمة لها عند الله إطلاقاً، ليست هذه هي التزكية، التزكية أن تكون رحيماً مع ابنك ومع ابن أخيك ومع أي ابن في الأرض، قال النبي الكريم: ولكنها رحمة عامة.
 مرة كنت بمحل تجاري في يوم عطلة يوجد الصانع بالمحل من سن ابن صانع المحل بالضبط، ابنه بالصف الثاني، هذا الابن يتيم أخرجوه أهله من المدرسة وضعوه في هذا المحل، فحمّل الصانع أول توب ثاني توب وثالث توب... قال: لم أعد أستطيع، قال: أنت شب، ابنه حمل توب واحد قال: انتبه لظهرك بابا ! خاف على ظهر ابنه لكن لم يخف على ابن الناس، إن لم ترحم جميع الناس فلست مؤمناً، هذه الرحمة ليس لها قيمة أساساً، القطة ترحم أولادها، الرحمة للأولاد هذه رحمة وضعها الله في قلب أي أب وأي أم، قد تكون أم فاسقة أو ملحدة أو زانية لكنها ترحم أولادها، من أجل أن تستقيم الحياة، فالرحمة الخاصة لا قيمة لها إطلاقاً، ما لم تكن رحمة عامة، النبي قال: ولكنها رحمة عامة، أن ترحم كل الخلق أن ترحم الذي لا تعرفه وأن ترحم الذي ليس بينك وبينه صلة هذه الرحمة، أن تكون منصفاً بين اثنين وإن كنت أنت الطرف يجب أن تكون منصفاً، أن تنصف الناس بنفسك، أن تأخذ الذي لك، وتدع ما ليس لك، هذه الرحمة وهذه التزكية التي بها ترقى إلى الله وهي المغطاة بقوله تعالى

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾

 

(سورة الشمس)

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾

(سورة الأعلى)

 هذه الفلاحة إنسان طاهر منصف متواضع رحيم يحب كل الخلق ينصف الناس من نفسه.

 

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ﴾

 

 هذه أحد ركائز الدعوة، لابد من التعريف بالله.

﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾

 يدعو إخوانه إلى أن يتصلوا بالله عن طريق الاستقامة اتصالاً حقيقياً حتى ينعكس هذا الاتصال تزكية في نفوسهم.
مؤمن عرف الله كيف يتقرب إليه ؟ قال:

 

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

 

(سورة الجمعة)

 جاء المنهج، الكتاب منهج كلي، والحكمة في الأعم الأغلب هي الحديث الشريف، منهج تفصيلي، تماماً كالقوانين التشريعية والتنظيمية، كل قانون تشريعي فيه ثلاثين أربعين مادة، يصدر مرسوم تنظيمي فيه مائتين وخمسين مادة، المرسوم التنظيمي شرح للقانون التشريعي، أصبح لدينا تعريف بالله وتزكية ومنهج كلي ومنهج تفصيلي، من هنا قال عليه الصلاة والسلام كما ورد في الأثر:

 

(( تركت فيكم شيئين ما إن تمثلتم بهما فلن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنة رسوله ))

 الآن أي دعوة أغفلت يتلوا عليهم آياته عرجاء، أي دعوة ويزكيهم عرجاء أي دعوة أغفلت ويعلمهم الكتاب والحكمة عرجاء، أربع ركائز التعريف بالله وتزكية النفس ومعرفة المنهج الكلي والقرآن والمنهج التقسيمي وهي السنة، هناك دعوة الآن خطيرة جداً إلى إلغاء السنة، هذا الذي يدعو إلى إلغاء السنة هو نفسه يخالف القرآن لأن الله يقول:

 

 

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 

(سورة الحشر)

 وهناك أشياء كثيرة جداً لا نعرفها إلا من خلال السنة، أنصبة الزكاة أين هي ؟ سنة فقط، تفاصيل الصلاة سنة، فهناك دعوة ناشطة في بقاع كثيرة في الأرض إلى إلغاء السنة لأن الهجوم على الدين لا يمكن أن يكون دفعة واحدة بالتدريج، نبدأ بإلغاء السنة.

 

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)﴾

الآن: النبي عليه الصلاة والسلام كيف عامل أصحابه ؟ عاملهم وكأنه واحد منهم، كان في سفر كما ورد في الأثر قال:

 

 

(( أحدهم علي ذبح هذه الشاة وقال ثاني: علي سلخها وقال آخر علي طبخها فقال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، نكفيك ذلك يا رسول الله قال: أعلم أنكم تكفونني ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقاربه))

 هذا منهج، عندما اقتسم الرواحل مع أصحابه قال: كل ثلاثة على راحلة، يوجد ثلاثمائة راحلة وأصحابه ألف، معركة مصيرية وكل ثلاثة يتناوبون على واحدة قال: وأنا وعلي وأبو لبابة على واحدة، هو قائد الجيش ونبي الأمة وسيد الرسل عامل نفسه كجندي، فركب عليه الصلاة والسلام وجاء دوره في السير توسلا إليه أن يبقى راكباً قال ما أنتم بأقوى مني على السير ولا أنا بأغنى منكم عن الأجر.
هذه الأخلاق، أنت دعيت الناس لإخلاص الله عز وجل جمعت شبين ثلاثة لابد من أن تتواضع لهم وأن تعامل نفسك كواحد منهم.
 رجل تفوق يجب ألا تعتّم عليه يجب أن تبرزه النبي قال: خالد سيف من سيوف الله، أبو عبيدة أمين هذه الأمة، الزبير حواري هذه الأمة، أبو بكر وعمر مني بمثابة السمع والبصر، لو كان نبي بعدي لكان عمر، ورد في الأثر: ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، فأولاً تواضع النبي الكريم، وعامل نفسه واحداً منهم وأبرز إخوانه من عنده إمكانيات أو تفوق أعطاهم حقهم، هذه دعوة أيضاً، ومهما علي مقامك في أعمال صالحة هناك من يترفع عنها كثيراً، أنا شغلتي أكبر بكثير لا ! سيدنا الصديق كان يحلب شياه جيرانه، له جارة عجوز لا تقوى على حلب شياهها، كان يحلبها هو ! فصار خليفة المسلمين، طبعاً توقعت جارته أنه لن يستمر بهذه الخدمة، لأن هذا كان من قبل أن يكون خليفة، أول يوم تسلم الخلافة طرق باب العجوز الأم قالت لابنتها: افتحي الباب يا بنيتي، فلما فتحت الباب قالت الأم: من الطارق ؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه لم يغير سيدنا الصديق، مهما علي مقامك اخدم الناس كن واحداً منهم، أي دعوة يجب أن ترتكز على.

 

 

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)﴾

 وأن ترتكز على أخلاق النبي في معاملة أصحابه.
ورد في الأثر:
 قال رجل: يا رسول الله الصلاة قصرت أم نسيت ؟ قال: كل هذا لم يكن، لا قصرت ولا نسيت قال: بعضه قد كان، مصر ركعتين صلى النبي، سأل أصحابه صلى ركعتين فقال عليه الصلاة والسلام: إنما نسيت كي أسن لكم سجود السهو، قبله.
هناك شخص لا يقبل النصيحة.
 مرة كنت بمؤتمر واحد المحاضرين يقول: لكرامة الإنسان على الله، لكرامته على الله كررها خمسين مرة تقريباً، وعلى انفراد وأثنيت على محاضرته ثناء كبير وعلى علمه قلت: لكن أتمنى عليك أن تقول لكرامة الإنسان عند الله، فقال: لا ما أقول أصح ! لم يقبل أبداً، قلت بعد الثناء والترحيب وقلت له: ما شاء الله على هذا العلم، لكن على الله، على هي استعلاء، الإنسان على الله لا تصح، لكرامة الإنسان عند الله، لم يقبل وتشبث بأن ما يقوله صح، من دون دليل طبعاً، فالنبي علمنا التراجع.
 جاء صحابي كريم وجد أن موقع بدر ليس جيد، كيف سيراجع نبي ! رسول ! قال: يا رسول الله هذا الموقع وحي أوحاه الله إليك ؟ أم هو الرأي والمشورة ؟ إذا قلت وحي لا أتفوه بحرف، أما إذا كان رأيه اجتهاد والله غير جيد، قال: بل هو الرأي والمشورة، قال: ليس بموقع، بكل بساطة ! قال: أين الموقع المناسب ؟ قال: هناك قال: هذا الصواب انتقلوا إلى هناك، هل رأيتم التواضع ؟ فضيلة نادرة وقلما تشرح، التراجع عن الخطأ، العلماء قالوا: الله عز وجل حجب عن الرسول الموقع المناسب وعياً واجتهاداً وإلهاماً حتى يبرز تواضعه، وقبوله للنصيحة، فالمؤمن يقبل نصيحة من طفل، والله إذا كنت مؤمناً صادقاً تقبلها من طفل ! قال أبو حنيفة النعمان لغلام: إياك أن تسقط يا غلام يوجد أمامه حفرة، قال: بل إياك يا إمام أن تسقط، أنا إن سقطت سقطت وحدي، وإنك إن سقطت سقط معك العالم ! أنا ليس مشكلة إذا سقطت، أما أنت المثل الأعلى للناس وأخطأت اهتزت هذه القيم عند الناس، والآن إذا الناس تعلقوا بأحد وأخطأ خطأً كبيراً يحطم الناس، توسموا فيه الصلاح والورع والتقى والاستقامة والصدق فوجدوه مخطئاً، وأكثر الناس حينما تهتز مثل عليا أمامهم لا تهتز هذه المثل وحدها يهتز الدين معها، هذه خطيئة كبيرة.
فيا أيها الأخوة: إذا أنتم أردتم أن تدعو إلى الله عز وجل طبقوا هذا المنهج وهذه الدعوة إلى الله كما قال سيدنا عمر لست خيراً من أحدكم ولكنني أثقلكم حملاً، عبء.
 مرة رئيس أميركي عمل خطاب يمكن من خمسين سنة تقريباً قال: أنا أفكر في شيء واحد ماذا يمكن أن أعطي لا أن آخذ، وكل إنسان دعا إلى الله يفكر بهذا الطريق، ماذا أستطيع أن أقدم للناس ؟ ماذا أستطيع أن أمنحهم ؟ أما شخص بمكانه يراها مكسب، إن رأيتها مكسب أزحت من الطريق، أما إن رأيتها مغرماً لا مغنى الله يوفقك، إنك إن لم تسألها أعنت عليها.
فيا أيها الأخوة: الأمور واضحة جداً، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الشهر باعثاً لنا أن نسلك طريق الإيمان ببطولة عالية جداً، والحمد لله رب العالمين.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضى عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018