٠07رمضان 1421 هـ - دراسات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 44 - من سور القلم والحاقة والمعارج - قصة أصحاب الجنة .


2000-12-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام: أول نقطة في سورة القلم قصة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليصرمونها مصبحين ولا يستثنون

﴿ إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)﴾

(سورة القلم )

 نيتهم بعدم إطعام المسكين أتلف محصولهم كله، القصة معروفة عندكم، لكن أدق ما في هذه القصة حينما قال الله عز وجل:

﴿ قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْراً مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

 أي عذاب أسوقه لكم يا عبادي من هذا النوع، من أجل أن يدفعكم إلى التوبة، من أجل أن يدفعكم إلى باب العبودية لله عز وجل، حسن الظن بالله ثمن الجنة

 

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

 وهذا العذاب في الدنيا أقل من عذاب الآخرة

 

 

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)﴾

 فالذي يسوق الله له عذاب في الدنيا ويتوب بعد هذا العذاب، حاله أفضل ألف ألف مرة مما لو ترك ودخل النار

 

 

﴿ كَذَلِكَ الْعَذَابُ﴾

 ولو لم يستجب لهذا العلاج

 

 

﴿ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)﴾

 إخواننا الكرام حينما قال الله سبحانه وتعالى في سورة تبارك:

 

 

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾

 

(سورة تبارك)

 قدم الموت لأن الموت بالنسبة للإنسان أخطر من بدء الحياة، في بدء الحياة هناك خيارات لا تعد ولا تحصى، ولكن عند الموت هناك خياران لا ثالث لهما

 

(( فما بعد الدنيا من دارٍ إلا الجنة أو النار ))

 

(مجمع الأمثال لأبي الفضل الميداني )

 في سورة الحاقة يتضح هذان النموذجان

 

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)﴾

 

(سورة الحاقة)

 هذه السنوات التي عاشها في طاعة الله، وفي خدمة الخلق، وفي إقامة الصلوات، وفي صيام رمضان، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي إنفاق ماله، وفي إنفاق وقته، وفي إنفاق علمه، وغض بصره، وتحرير دخله، وأعماله الصالحة

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20)﴾

 والله أيها الأخوة لا ترى في المائة ألف مسلم إلا بضعة مسلمين يدخلون الآخرة في حساباتهم اليومية، يأكل المال الحرام، ويغش المسلمين، ويحتال، ويغتصب شركات، ويأخذ حق أخيه وهو يصلي، إذا آمنت بالآخرة يقيناً وأدخلتها في حساباتك اليومية لا يمكن أن تأكل قرشاً حراماً ولا أن تنظر نظرة لا تحل لك

 

 

﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾

 هذا نموذج، أما النموذج الآخر:

 

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27)﴾

 لا يموتون فيها ولا يحيون

 

 

﴿ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32)﴾

 الآن دققوا

 

 

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾

 هو آمن بالله كما يؤمن كل الناس، حتى عباد الوثن لا يعبدونهم إلا ليقربونهم من الله زلفى، أما هذا

 

 

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾

 أي لم يعظم الله، لم يعرف قدرته، ما عرف رحمته، ما عرف عدله، ما عرف جنته، ما عرف عقابه

 

 

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)﴾

 لا يؤمن ويسيء، لا يعطي ويدعو إلى عدم العطاء

 

 

﴿ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)﴾

 أيها الأخوة في أصل خلق الإنسان ضعف، الضعف لصالحه

 

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19)﴾

 

(سورة المعارج)

 شديد الخوف، لولا أنه كان شديد الخوف لما رباه الله عز وجل، كيف يتربى مع الله ؟ لو أنه لا يخاف لا يتوب، لو أنه لا يخاف لا يصطلح مع الله، لو أنه لا يخاف لا يرجو رحمة الله، لأننا نخاف نتوب سريعاً إلى الله، ضعف لصالحنا

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)﴾

 حريص على ما في يده، شديد الخوف إذا أصابه شر

 

 

﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾

من هم المصلون ؟

 

 

﴿ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)﴾

 بالأدعية والأذكار، والمناجاة والاستغفار، وبأداء الصلوات، وبقراءة القرآن، هذه كلها مناسبات للاتصال بالله

 

 

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29﴾

 الملاحظة أن الاستقامة تكاد تأخذ خطين، خط الشهوات وخط الأموال

 

 

﴿ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)﴾

 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)﴾

 و مما ورد في الأثر النبي عليه الصلاة والسلام قال: حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه.
 أي إذا عاملك أمين، وإذا حدثك صادق، استثيرت شهوته عفيف، عفة وأمانة وصدق

﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7)﴾

 لو تصورت أن معظم الناس يستمتعون بالمرأة من غير الطريق الذي سمح الله به، إمرأة ولو صورة، ولو على الشاشة

 

﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34)﴾

 الأولى اتصال، وهذه صلاة

 

 

﴿ أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35)﴾

 يروى أن أحد التابعين جاءه رجل فقال له: إني أشكو الفقر. قال له: استغفر الله. جاءه إنسان آخر قال له: إني لا أنجب. قال: استغفر الله. جاءه إنسان ثالث قال: يا إمام أصابنا قحط شديد. قال: استغفروا الله. أحد الجالسين قال له: عجبت لك، أو كلما دخل عليك رجل تقول له استغفر الله ؟ قال له: أو ما قرأت قوله تعالى:

 

 

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12)﴾

 

(سورة نوح)

 معنى ذلك أننا في بحبوحتين، البحبوحة الأولى أن نطبق سنة رسول الله، أي لقول الله عز وجل

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

 

(سورة الأنفال )

 أي مستحيل أن يعذبهم إذا كانت سنة النبي صلى الله عليه وسلم مطبقة في حياتهم، في بيوتهم، في أعمالهم، في حياتهم، في بيعهم وشراءهم، في أفراحهم، في أتراحهم، أمر آخر

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

 

(سورة الأنفال )

 أنت حينما تستغفر، كابن أخذ درجة الصفر في الرياضيات، وأبوه معلق آمال كبيرة على نجاحه، فالأب أراد أن يؤدبه تأديباً شديداً، نظر إليه، وجهه أصفر، خائف من أبيه، معه مبلغ من المال دفعه للدروس الخاصة، وعكف على الكتاب ليلاً نهاراً، فمادام ندم وخاف واعتذر، الأب أوقف التأديب، فلما الإنسان يستغفر كأنه أخذ بحبوحة، يوجد بحبوحة الطاعة، فلما استغفر كان في بحبوحة ثانية، هذه الآية:

 

﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18)﴾

 

(سورة الجن)

 يروى أن هارون الرشيد حلف على زوجته زبيدة يمين طلاق، قال لها: إنك إن نمت في أي مكان من ملكي فأنتِ طالق. أي كأنها انتهت
سيدنا علي كان يخاطب الغيمة ويقول لها: اذهبي أينما شئت يأتيني خراجك.

﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18)﴾

 سألت الإمام أبي يوسف تلميذ الإمام أبي حنيفة الأول فقال: نامي في المسجد لأن المساجد لله وليست لهارون الرشيد.

 أي لا يمكن أن تقام دعوة في بيت الله لغير الله، فلا تدعو في المسجد مع الله أحداً

﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾

(سورة المزمل)

 الذي يحصل للمؤمن في قيام الليل لا يمكن أن يحصل في النهار،

 

﴿ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7)﴾

 إذا صلى الإنسان قيام الليل تراه في النهار طليق اللسان، حكيم في أفعاله، رؤيته صحيحة، معنوياته عالية، أخذ مدد من الله عز وجل

 

 

﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79﴾

 

(سورة الإسراء)

﴿ إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (9)﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018