٠07رمضان 1421 هـ - دراسات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 37 - من سورة الشورى - كمال الخلق يدل على كمال التصرف.


2000-12-17

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق
الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام: هناك قاعدة ذهبية وهيا أن كمال الخلق يدل على كمال التصرف، فنحن أمام كون معجز، علم الله وحكمته ولطفه وخبرته واضحات وضوح الشمس، هذا الخالق العظيم بهذا الخلق المعجز، أيعقل أن يدع خلقه من دون توجيه ؟ أب كبير عالم مؤمن لا يتكلم مع أولاده ؟ لذلك قال عز و جل :

﴿ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ﴾

(سورة الشورى)

 الله خلق الأكوان ونوّرها بالقرآن بشكل مبسّط، يشق الطريق ثم توضع عليه الإشارات، هنا منعطف خطر، هنا ممر ضيق، هنا جسر، هنا تقاطع خطر، هنا اتجاه واحد، هذه الإشارات رحمة وعلم، فكما أن الله خلق الأكوان نوّرها بالقرآن، كون معجز لا يقل عنه الوحي.

 

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾

 

(سورة الأنعام)

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾

(سورة الكهف)

 فيا أيها الأخوة: قضية الوحي قضية خطيرة، الوحي تعليماته صارمة، أنت أمام آلة مائة إنسان يفكّها ليفهم تركيبها، كل معلومات هؤلاء المجربين بكفّة وتوجيهات الذي صمم هذه الآلة بكفة ثانية، فكلمة وحي: رجل أراد أن يداعب شخص أن نبيكم أمي فلما الشهادات ؟ فكان الجواب: ولكنه يوحى إليك، الله عز وجل جعل وعاء النبي فارغاً من أية ثقافة أرضية ليكون ممتلئاً بالوحي فقط.

 

﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48)﴾

 

(سورة العنكبوت)

 الوحي له صفات كثيرة، لكن لا يملكه النبي، والدليل حينما اتهمت زوجته عائشة رضي الله عنها بشرفها وبعرضها، الوحي تأخر أربعين يوماً، والنبي لا يملك لا جلباً ولا دفعاً، فالوحي تعليمات الصانع، الوحي هو أن الله نوّر وأرشد وبيّن وضّح، فإن أردت الحق المطلق بالكون هو الوحي، الذي خلق الأكوان أنزل هذا القرآن، العليم الحكيم الرحيم هذا كلامه، فينبغي أن تؤمن أن فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، كم هي المسافة بين الخالق والمخلوق ؟ هي نفسها بين كلام الله وكلام خلقه

 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

 

(سورة الأحزاب)

 أنت راقب نفسك تريد طبيب تبحث عن إنسان شهادته عالية اختصاصه نادر أخلاقه عالية إيمانه قوي منصف معتدل غير طمّاع، بعد أن تصل إليه أي شيء يقوله لك تقبله، فالمؤمن أي أمر في الوحي علته أنه أمر، انتهى الأمر.

 

﴿ كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)﴾

 

(سورة الشورى)

 الآن موضوع الاختيار:

 

﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾

 

(سورة الشورى)

 الدخول في رحمة الله اختيار، باختيارك أنت.

 

﴿ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)﴾

 

(سورة الشورى)

﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ﴾

(سورة الشورى)

 اتجاهات وطوائف ومذاهب وأديان أرضية وسماوية وتعديلات وانشقاقات، هذا الخلاف أين الفصل ؟ أين الصواب ؟ هو الوحي.

 

﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾

 

(سورة الشورى)

 المشكلة أن الإنسان لعله في الدنيا لا يعرف قيمة الوحي، بشرية تعذب تدمر لأنها خالفت الوحي.

 

﴿ اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10)﴾

 

(سورة الشورى)

 لكن هناك أيها الأخوة ثلاثة أنواع للاختلاف اختلاف طبيعي سببه نقص المعلومات، نختلف نتكهن نتوقع، فالخلاف الأول طبيعي، لا صواب ولا عقاب، لا نعرف العيد غداً ؟ سمعنا مدفع، يا ترى مدفع العيد ؟ أم يقيمون تفجير بقاسيون ؟ اختلفنا نحن بريئين، فهذا خلاف طبيعي لا شائعة فيه، أما حينما يذاع غداً يوم العيد انحسم الأمر، الخلاف بعد هذا الحسم خلاف أهواء وحسد.

 

﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾

 

(سورة الشورى)

 نحن لدينا قاعدة هناك دعوة إلى الله خالصة، أساسها الاتباع والتعاون والاعتراف بالفضل، وهناك دعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله، هذه أساسها الابتداع، يأتي بشيء جميل حتى يلفت النظر، وأساسها التنافس وإنكار فضل الآخرين.

 

﴿ وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾

 

(سورة الشورى)

 خذ المسلمين كتابهم ونبيهم وإلههم ومنهجهم واحد، كتاب مجمع على صحته وثبوته، كل اختلاف بعد الحسم اختلاف هوى وحسد، واختلاف عند الله قذر، لذلك:

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾

 

(سورة الأنعام)

 ما لم يكن انتماءك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً، لا يوجد انتماء إلى فقاعات صغيرة، الانتماء إلى مجموع المؤمنين لقول الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

 

(سورة الحجرات)

 وعلامة إيمانك أن قلبك يرفو لأي مؤمن في أي مكان وأي زمان.

 

(( المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء وادون وإن افترقت منازلهم، والفجرة بعضهم لبعض غششة خونة وإن اجتمعت أبدانهم ))

 

(الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام جلال الدين السيوطي)

 وهذا الذي بين المؤمنين من خلق الله عز وجل.

 

﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾

 

(سورة الأنفال)

 وعلامة إيمانك محبة أخيك، بالمناسبة لو تخيلنا مؤمنين مستقيمين أيحب بعضهما بعضاً ؟ شيء حتمي مائة بالمائة، كيف يفرق بينهما ؟ بذنب أصابه أحدهما أو كلاهما، فعلامة استقامتك محبتك لأخيك، النفور والقطيعة والجفاء والمشاحنة والحسد والتمني بأن تزول هذه النعمة عن أخيك هذه علامات النفاق، نحن بأمس الحاجة لها، حب بعد أن نعرف الله لابد من أن نكون كتلة واحدة.

 

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾

 

(سورة الأنفال)

 أول خلاف طبيعي، علاجه الحسم المعلومات، الخلاف الثاني قذر، أساسه الحسد والبغضاء والأهواء والمصالح، هناك خلاف ثالث محمود أساسه التنافس، هذا ظن أن أعظم شيء في الدين العقيدة طرحها، الثانية التفسير، الثالث الحديث الرابع العمل الصالح، فكل واحد ظن أن هذا الشيء أول في الدين فأقبل عليه وجمع كل طاقاته من أجله، هذا اختلاف تنافس، والحقيقة الدين فيه كل هذه الجوانب، والله سخر كل أناس لشيء، الإمام البخاري اختص بالحديث وقدم خدمات لا تقدر بثمن، سيدنا خالد بالجهاد لم يروي ولا حديث أبداً، أبو هريرة أكبر راوي حديث عن رسول الله لم يكن متفوق بالجهاد، فكل واحد اختص بجهة يتفوق فيها، الكمال بمجموع، الدعاة إلى الله بمجموعهم متكاملين، فكل واحد تفوق في جانب وهذا عنده جانب فجاء أخوه فملأ النقص في الجانب الآخر و تفوق وفاته جانب ثالث فجاءه طرف ثالث ملأ النقص في هذا الجانب وتفوق وفاته جانب رابع، فيقول عليه الصلاة والسلام:

(( إن الله تعالى قد أجار أمتي أن تجتمع على ضلال ))

(الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي)

 إذاً الاختلاف التنافسي محمود.

 

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

 

(سورة الصافات)

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾

(سورة المطففين)

 علماء همهم الفرائض ملئوا ثغرة كبيرة جداً، والمجتمع بأمس الحاجة لهم، علماء برعوا في التجويد، علماء برعوا في الفقه علماء برعوا في الحديث علماء بالقرآن، طبعاً هناك حد أدنى عند الجميع، وكل واحد تفوق بجانب ،هؤلاء متكاملون فيما بينهم، أكبر خطأ أن يقول واحد أنا الدين، أنت سددت جانب من الدين ودع مجال لغيرك ليسدد الجانب الآخر.
إذاً لدينا اختلاف طبيعي علاجه الحسم، واختلاف المصالح والأهواء والحسد هذا اختلاف قذر يضعف الأمة، واختلاف التنافس.
 تجد أخ له خدمات للجامع لا تقدر بثمن يعمل، هذا لا يقل عن رجل متبحر هذا أخذ جانب التبحر بالعلم هذا الخدمة هذا إنفاق المال هذا عنده تنظيم هذا فكري إداري عنده أفكار جميلة جداً هذا الثالث لديه ترتيبات قدمها للمسلمين هذا تفوق باختصاصه وقدمها للمؤمنين، كل واحد قدم شيء.
أيها الأخوة: أدق ما في هذه الآية:

 

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20)﴾

 أنت تختار الدنيا تأخذها فقط، وتحرم الآخرة، لو أنك اخترت بالعكس اخترت الآخرة على الدنيا لجاءتك الدنيا راغمة دون أن تشعر، هذه قاعدة من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً.
آخر نقطة يجب أن تعلم علم اليقين أنه لا يعقل أن يقلل الله على عباده في الرزق، ويكون هذا التقليل من باب التأديب.

 

 

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21)﴾

 

(سورة الحجر)

 الله عز وجل كن فيكون، منذ أربعة أيام في منطقة الحسكة والقامشلي هطل المطر بنسبة سبع وتسعون ميليمتر بليلة واحدة، نصف أمطار دمشق ومرة بالخليج هطلت أمطار دمشق كلها بليلة واحدة طول السنة، إذا أعطى الله أدهش، لماذا التقديم إذاً ؟ مطر قليلة، مواد قليلة، شح في بعض المحاصيل، فالتقليل تأديب، والدليل القطعي:

 

﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾

 

(سورة الشورى)

 ليس كل إنسان يلقى الغنى، إنسان عندما يغنى يعصي، لذلك النبي الكريم عد هذا الغنى غنى المتقية قال:

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ.....))

 

(سنن الترمذي)

 آخر نقطة بهذا الدرس كما ورد في الحديث القدسي:

 

(( يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه))

 

(الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي)

﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾

(سورة الشورى)

 لا تحقد على أحد، لا تندب حظك، لا تقل الدهر قلب لي جهر الميجني، لا تقل القدر سخر مني، إذا كان هناك ما يزعجك فاتهم نفسك، ابحث عن الخطأ، أين الظلم والعدوان والتقصير، ما هو العمل الذي لا يرضي الله هذا السبب، هذه القضية تحقق محاسبة ذاتية وتخفف الحقد، قرأت في بعض الأدعية: اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تلبدها بالإقتار فيسأل شر خلقه ويبتلى بحمد من أعطى وبذم من منع وأنت من فوقهم ولي العطاء.
فلا تتهم أحد اتهم نفسك، والإنسان إذا فهم على الله عز وجل قطع أربعة أخماس الطريق إليه والحمد لله رب العالمين.
أخ يسأل كنت دائناً لمبلغ لشقيقي منذ أكثر من سنتين وأعاده إليه من زمن قريب فهل يتوجب عليه الزكاة ؟
 إخواننا الكرام: موضوع الدين موضوع خلافي أرجح الأقوال أنك حينما تسترد المبلغ تدفع زكاته، أما قبل أن تسترده هو في خدمة الخلق هو في نفع للناس، يوجد مذهب تدفع زكاة آخر عام والأعوام السابقة فهذا أشد شيء، الأقل تدفع زكاته عن آخر عام حينما تسترده، وهناك مذهب يحكم بأن الدين ليس عليه زكاة لأنك قدمته للناس وانتفعوا به، لكن الوسط أفضل حينما تسترده ادفع زكاته

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018