٠07رمضان 1421 هـ - دراسات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 35 - من سورة الزمر - الإخلاص.


2000-12-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الخلاص:

 أيها الأخوة الكرام؛ في مطلع هذه الصورة قوله تعالى:

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾

[ سورة الزمر الآية: 2]

 الجوارح تعبد الله، والقلب يخلص له، فالعبادة لها مظهر ولها مخبر، عبادة من الخارج بالجوارح، وعبادة من الداخل من القلب، العلماء قالوا:
 الإخلاص ليس نصف الدين بل هو الدين كله، لأنك إن لم تخلص لا قيمة للعبادة الظاهرة، إذاً:

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾

[ سورة الزمر الآية: 2]

(( عن معاذ بن جبل أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه إلى اليمن: أوصني. قال: أخلص دينك يكفك القليل من العمل))

[ الدر المأثور في التفسير بالمنثور للإمام جلال الدين السيوطي]

 المخلص ينفعه قليل العمل وكثيره، وغير المخلص لا ينفعه لا قليله ولا كثيره.

﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾

[ سورة الزمر الآية: 2]

 إذاً تعاهد نفسك، راقب نفسك هل لك عبادة تعبد الله فيها أمام الناس متقنة وعبادة تعبد الله فيها بينك وبينه غير متقنة؟ بما أن هناك مسافة بينما تفعله في خلوتك وبينما تفعله أمام الناس، فهذا مؤشر خطير، هل إذا عملت عملاً صالحاً ترجو ثناء الناس أم لا ترجو ذلك؟ إن لم تعبأ إطلاقاً بثناء الناس مدحوا أو لم يمدحوا، قدروا أو لم يقدروا، فأنت مخلص، أما إذا عل‍قت أهمية كبيرة على تقدير الناس لك وثنائهم عليك، فهذا مؤشر آخر خطير.
 إذا عملت عملاً تبتغي به وجه الله وشعرت أن قلبك امتلأ سعادة، جاءك الثواب ورفعت العمل إلى الله وجاءك الرد الإلهي سكينة في قلبك، فالسكينة في القلب عقب العمل الصالح، وعدم الاكتراث بثناء الناس ومدحهم، وعدم اختلاف العمل بين الجلوة والخلوة، هذه مؤشرات طيبة تفيد أنك مخلص.

 

كروية الأرض:

 الآية الثانية قال تعالى:

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾

[ سورة الزمر الآية: 5]

 يوجد إعجاز علمي في هذه الآية، العرب عاشوا في الصحراء، والأرض منبسطة ومداركهم لا تسمح لهم أنها كرة، فلو جاءت كلمة كرة بشكل صارخ لاختل توازنهم، ولو لم تأتِ إشارات أن الأرض كرة لاختلّ توازننا، الشيء الرائع أن في القرآن الكريم آيات تدل على أنها كرة دون أن يذكر هذا صراحة.
فما من شكل هندسي إذا تلقّى منبعاً ضوئياً وهو يدور النور والظلام يتداخلان إلا الكرة، لو كان مكعب يأتي النور فجأة، بما أنه مكعب يدور لأن له حرف، فيأتي النور فجأة والظلام فجأة أما يكوّر الليل على النهار، ويكوّر النهار على الليل، تداخل الليل مع النهار، وتداخل النهار مع الليل، هذا لا يكون إلا في الكرة، الله عز وجل أشار في هذه الآية إلى كروية الأرض.
 طبعاً الآن غزى الإنسان كما يدّعي الفضاء غزو، ماذا غزى من الفضاء؟ ثانية ضوئية واحدة! بين الأرض والقمر ثلاثمائة وستين ألف كيلو متر، تساوي في الضوء ثانية أما في بعض المجرات بعدها عنا عشرين مليار سنة ضوئية، فكلمة غزى الفضاء فيها تطاول وتبجّح وغرور، على كل الإنسان وصل للقمر ورأى الأرض كرة، وانتهى الأمر.
 أما أن يقول عالم من علماء المسلمين: الأرض منبسطة، ومن قال بغير هذا فقد كفر، وكتبت عباراته في أكبر خط في جريدة فرنسية، هذا شيء لا يجوز أن ينطق الإنسان بشيء مخالف لحقائق العلم، لأن العلم قوانين الله عز وجل، والقرآن وحي الله عز وجل وإذا اتحد الأصل ينبغي أن يتحد الفرعان، فلا يعقل أن يناقض العلم الدين، ولا الدين العلم إلا في حالتين أن يكون العلم نظرية وليس حقيقة، أو أن يكون النص ضعيفاً موضوعاً وليس صحيحاً، فيما سوى ذلك العقل الصريح لا يناقض الواقع الموضوعي، ولا الفطرة السليمة، ولا النقل الصحيح.

 

الله عز وجل لا يرضى لعباده الكفر:

 قال تعالى:

﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾

[ سورة الزمر الآية: 7]

 أبلغ شرح لهذه الآية قول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

(( يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))

[صحيح مسلم]

النموذج البشري:

 يوجد نموذج بشري ليس عند الله نموذج، بالقرآن نماذج بشرية، وحيثما وردت في الآية كلمة إنسان معرفة بالإنسان تعني الإنسان قبل أن يعرف خالق الأكوان قبل أن يعرف الله. قال تعالى:

﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾

[ سورة الزمر الآية: 8]

 أي إنسان، أنا سمعت أن طائرة دخلت في مطبّات جوية كادت أن تسقط وعليها خبراء يؤمنون بأنه لا إله، ليس لا إله إلا الله، فقط لا إله ملحدون فلما أوشكت على السقوط دعوا ربهم منيبين إليه، لا يوجد إنسان في الأرض حتى لو كان ملحداً عندما تأتيه الشدة إلا ويؤب إلى الله، فهذه الأوبة آبها مضطراً.

﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ﴾

[ سورة الزمر الآية: 8]

مثال:

 أوضح مثل في الطب يكون ابنه مصاب بالتهاب السحايا وعلى وشك الموت يصلي قيام الليل، يا رب ما في غيرك، أنت الشافي المعافي، فإذا شُفي هذا الابن ينسى أنه دعا الله، وأن الله قد استجاب له، يعزو الشفاء إلى إنسان يا أخي هذا الطبيب شاطر، لو لم نحضره لمات الولد! ينسى أن الله هو الذي سمح للطبيب أن يشفيه.

إن الطبيب لــه علم يدل بـه  إن كان للمرء في الأيام تأخير
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته  حار الطبيب وخانته العقاقير

 لنا صديق من إخواننا الكرام عافاه الله درس الطب في مصر يوم وقفة العيد كان يريد الذهاب، أستاذ مشرف قال له: هناك مريض الآن سيموت وفّيه واذهب، فهذا انتظر لأنه لا أمل ولا بالألف واحد، يوجد عنده ممرضة قال لها: قدمي لي كأساً من الشاي، هذه الممرضة لئيمة جداً قالت له: أنا لست خادمة عند أبوك لأصنع لك الشاي، قال لها: حسناً، الآن سيكلفها بأعمال ضمن عملها، أعطي للمريض قسطرة، وأجري له تحليل، قالت له: ألم يقل لك أنه سيموت الآن؟ قال لها: هذا ليس عملك لم يخطر بباله أبدأً موضوع المريض، المريض ميت، لكن يريد فقط أن يغيظها، وإذا بهذا المريض يتحسّن، تحسنت حالته شيئاً فشيئاً، فبعدما تركه وهو في حال جيدة تابع أخباره بعد عودته إلى الشام قال: مات بعد اثنا عشر سنة من وفاة أستاذي!
 أخ كريم آخر يسكن في منزل عربي، كل أخ وزوجته بغرفة، قال: زوجة عمي بالغرفة التي إلى جانبي، حالتها خطيرة جداً جاءوا بالأطباء وأخبروهم انتهى الموضوع اكتبوا النعوه واشتروا ثياب، قال: زارتني في بيتي الجديد في مكان بدمشق بعد خمس وأربعين سنة من هذا الخبر، فقضية الأجل بيد الله عز وجل.

إن الطبيب لــه علم يدل بـه  إن كان للمرء في الأيام تأخير
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته  حار الطبيب وخانته العقاقير


 قال تعالى: قل تمتع بكفرك.....

﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾

[ سورة الزمر الآية: 8]

 هذا الذي دعا ربه منيباً إليه، ماذا قال عنه الله؟

﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾

 فالكفر أعمق بكثير من أن تقول: الله الذي خلق الكون، قلت الله خلق الكون ودعوته منيباً وحينما خولك نعمة منه نسيت أن الله هو الفعال وعزوت هذا إلى غير الله، فوصف الإنسان في هذه الآية كافراً.

﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾

[ سورة الزمر الآية: 8]

جنة الدنيا وجنة الآخرة:

 حتى الإنسان لا يظن أن الدين قهر، والدين فقر وامتحان وبلاء، لا بد في حياة المؤمن من مرحلة تأديب، ومرحلة ابتلاء، ومرحلة إكرام، بل إن حياته تستقر على الإكرام، لذلك قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾

[ سورة الزمر الآية: 10]

 فقط في الدنيا.

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

[ سورة الرحمن الآية: 46]

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾

[ سورة الزمر الآية: 10]

 وشواهد كثيرة جداً، المؤمن يعيش حياة نادرة جداً، بتقدير الله الحياة سعيدة، دقق ليس القصد أنك غني، وليس لا مرض عنده، لكن راضٍ عن الله ومستسلم له وقلبه ممتلئ أمناً وثقة وتفاءلاً هذه السعادة.

 

الخسارة الحقيقة:

 إنسان قد يخسر بيت يشتريه ثم يُستملك يعطوه بالألف واحد من ثمنه، أو أرض تضاعف سعرها مائة ضعف ثم شُقّ طريقاً فيها فأُخذت منه بأبخس الأثمان، قد يخسر تجارة وقد يخسر وقد يخسر، لكن أخطر خسارة على الإطلاق:

﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

[ سورة الزمر الآية: 15]

 أن تخسر الأبد هذه أكبر خسارة، لذلك كلمة سيدنا علي: يا بني لا خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر، وكل نعيم دون الجنة محكور، وكل بلاء دون النار عافية، لا سمح الله ولا قدر، مريض فقد أحد أعضائه وبيته بالأجرة وأولاده مرضى، إذا انتهى به المطاف إلى الجنة فهو الرابح لذلك ورد في الأثر:

 

(( أنه وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده أو إقتاراً في رزقه أو مصيبة في ماله أو ولده حتى أبلغ منه مثل الدر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يأتيني كيوم ولدته أمه ))

بالتعبير العامي موفيه مع المؤمن لو أكل خبزاً يابساً، لو سكن في منزل مساحته عشرين متر، لو كان عنده مائة علة بجسمه، إذا انتهى به المطاف إلى الجنة موفيه معه، والكافر حينما يرى مكانه في النار يقول: لم أرى خيراً قط، يكون عاش حياة الترف والبذخ والطعام النفيس واللباس الفاخر والبيوت الجميلة والمكانة وما إلى ذلك، إذا انتهى به المطاف إلى النار فهو أكبر خاسر، أجمل كلمة قالها سيدنا علي: الغنى والفقر بعد العرض على الله، لا يعد الغني غنياً في الدنيا ما لم يعمل صالحاً، لذلك عندما سقى سيدنا موسى المرأتين قال:

 

﴿ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾

[ سورة القصص الآية: 24]

 فالمؤمن يفتقر لعمل صالح، قد تجد مؤمن بموازين الدنيا بالدرجة السفلى، بيت صغير ودخل قليل، عمله هو ضارب آلة كاتبة، لكن له دعوة إلى الله، له أعمال كالجبال هذا هو الغني، وقد تجد إنسان كافر، وهذا الكافر يهون على الله عز وجل.
 أشير إلي في بلد في أميركا إلى مطعم من أشهر مطاعم السمك في مكان معين قيل: أن صاحب هذا المطعم خرج بنزهة بحرية مع زوجته بيخت فخم وغابت أسراره! فقيل أنه أطعم الناس سمك أربعين عاماً، فأكله السمك، تجد إنسان يذهب لسبب تافه، لسبب غير كبير، أما المؤمن حياته غالية على الله، له مكانته ومستقبله ووفاته تكون راقية جداً فلها علاقة بالانتقام، قال: صنائع المعروف تقي مصارع السوء، بين أن يموت الرجل بين أهله وأولاده، ويوصي أموره كلها منتظمة مهيأ نفسه للوفاة، يغادر مغادرة واعية، بين أن يأتيه الموت فجأة، قال: موت الفجأة أخذ أسف للكافر، ورحمة بالمؤمن، المؤمن لا أحد يتعب من مرضه أبداً لطيف، أما الكافر لم يتاح له أن يتوب، أو يصحح.

 

القلب القاسي:

 إخواننا الكرام؛ حقيقة مرة إذا كان القلب قاسي كل عباداتك لا معنى لها، لأن الله يقول:

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

[ سورة الزمر الآية: 22]

 تجد شخص يصلي ويصوم ويؤدي العبادات لكن قلبه مثل الحجر لا يرحم أحد، إذا وقع إنسان تحت ديه يذبحه ذبحاً يتشفى، فمثل هذا الإنسان مخطئ وعباداته لا ترقى به أبداً.

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾

 إذاً الاتصال بالله يكوّن قلباً رقيقاً، والبعد عن الله ولو أدى العبادات يشكل قلباً قاسياً، فالمؤشر رقة قلبك.
 هل يرق قلبك لمسكين؟ لأرملة؟ ليتيم؟ لمريض؟ هل تبادر إلى خدمة الخلق؟
 علامة قربك من الله رحمة أودعت في قلبك، وعلامة البعد عن الله قسوة تملأ القلب.

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

حقيقة الموت:

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾

[ سورة الزمر الآية: 30]

 قال: باللغة كلمة مَيِّت أي سيموت، أما مَيْتْ.

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾

[ سورة الأنعام الآية: 122]

 الفرق بين مَيِّت ومَيْتْ المَيِّت مصير كل إنسان، كل واحد منا مَيِّت، أي سيموت.

﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾

 أما المَيْتْ هو الذي مات حقيقة، إذاً نحن جميعاً ميتون مع وقف التنفيذ! والإنسان إذا أدرك أنه ميت، وعدّ عمره عدّاً تنازلياً، أخي أنا وصلت للستين، هذا للخمسين، لا قل: كم بقي لي؟ هو سؤال مخيف كم بقي لي؟ هذه الخمسون مضت بلمح البصر، كم بقي لك؟ سؤال آخر: هل بقي لك بقدر ما مضى؟ الذي تجاوز الأربعين؟ لا بقي أقل ما مضى، الذي دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، فكل واحد دخل في الأربعين لو سأل نفسه: هل بقي لي بقدر ما مضى؟ الجواب: لا، كيف مضى الذي مضى؟ بلمح البصر، إذاً الذي بقي يمضي بأسرع من لمح البصر.
 حضرت مؤتمر فلفت نظري اهتمام الصلاة، كلما أراد أن يؤم الناس يقول استحضروا عظمة الله في قلوبكم وصلوا صلاة مودع، إذا رجل أصر أن يصلي صلاة مودع، هذه آخر صلاة، كيف يصليها؟ آخر صلاة، قضية المغادرة إذا دخلت بحساباتنا يصحّ عملنا، موضوع الموت مهم جداً، أكثروا ذكر هذه اللذات. والحمد لله رب العالمين.

 

سؤال:

 أخ قال: كيف أتخلص من قسوة القلب؟

الجواب:

 أنا ذكرت البارحة أن قسوة القلب سببها الحجاب عن الله، إذا الإنسان حجب عن الله يصبح قلبه قاسياً، لا يتحرك أبداً لا يبكي ولا يتأثر ولا يقشعر جلده إذا ذكر الله، عندما يراعي أحكام الشريعة كلها، ويطبق أحكام الشرع مائة بالمائة ينفتح خط مع الله، يصبح سريع البكاء، ويصبح قلبه حي ورحيم، يحب الله حب شديد، فقسوة القلب سببها الحجاب عن الله، والمشكلة يا إخواننا أن الإنسان يحجب عن الله لأسباب تافهة، يقول لك: أنا ليس لي معصية كبيرة، والله شيء جيد لا سرق ولا زنى ولا قتل ولم يشرب الخمر الكبائر تركها، هل معقول أن تنحجب عن الله بالصغائر؟ هل الصغائر أغلى عليك من الله عز وجل؟ بلاها، هنا المشكلة، أخوف ما يخاف النبي علينا من محقرات الأعمال، لم نفعل شيء، هل أكلناها للتي نتكلم معها؟ نتحدث فقط لعل الله يهديها، هو أشياء خفيفة بظنه، لكن هي قطعته عن الله عز وجل، فمثلاً بيت فيه عشرين جهاز كهربائي كله متوقف لعدم توافر الكهرباء، إذا قطعت الكهرباء ميلي أو متر واحد نفس الشيء، انقطعت مادام هناك مخالفة أصبح هناك حجاب خجلان من الله عز وجل سواء كانت المخالفة كبيرة أو صغيرة، إذا الإنسان حجب عن الله لأنه يشرب الخمر يتناسبوا، أما تحجب عن الله بإطلاق البصر؟ لأنك تصافح أو تجلس جلسة مختلطة انحجبت.
 أيها الأخوة: كلام دقيق لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، أية صغيرة إذا أصررت عليها أصبحت حجاب، وإذا ذقت طعم القرب من الله لا يهنأ له عيش إلا إذا كان مع الله، فعود نفسك أن تذوق طعم القرب مرة لا ترتاح إلا إذا كنت قريباً من الله، وهذا يلزمه الاستقامة

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018