٠06رمضان 1420 هـ - خواطر إيمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1420 - خواطر إيمانية - الدرس : 53 - من سورة ق - التكذيب.


2000-01-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين.
 يقول الله عز وجل في سورة " ق ":

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5)﴾

( سورة ق )

 أمر مضطرب، بماذا ردَّ الله عليهم ؟ هم حينما كذبوا بالحق، ربنا عز وجل بماذا أجابهم ؟ قال:

 

﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقاً لِلْعِبَادِ﴾

 

( سورة ق )

 بقضية الدين ما هو الثابت الأول ؟ أنت تناقش ملحد، بماذا تثبت له الدين ؟ تقول له: قال الله تعالى. يقول لك: أنا القرآن كله لا أصدقه أنه كلام الله، تقول له: قال عليه الصلاة والسلام، يقول لك: أنا لا أعتقد نبوّته، عندما تريد أن تقنع إنسان بأصل الدين، بماذا تبدأ ؟

 

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5)﴾

 

 

 كيف رد الله عليهم ؟ ما ذكر نصاً، ولا نبوةً، ولا كتاباً، ولكن بدأ بالكون قال:

﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾

 معناها الثابت الأول في قضية الدين هو الكون، التسلسل، لأن الإنسان أحياناً يتناقش مع شخص، لو كان بعيد عن منهج البحث، الشخص الملحد أو المنكر يعمل اضطراب، تقول له: الله قال، يقول لك: هذا القرآن من صنع محمد، هكذا يقول لك. أما لو أردت أن تجيبه إجابةً مقنعةً قاطعة الدلالة، تبدأ بالكون، الكون هو الثابت الأول.
 الله عز وجل أودع بالإنسان عقل، هذا العقل جهاز من أعلى مستوى، بل يعدُّ أعقد جهازٍ خُلِقَ في الكون، فما في بالكون جهاز أعقد من العقل، بل إن العقل عاجزٌ عن فهم نفسه، هذا الجهاز مصمم ألا يفهم المحيط الخارجي إلا بثلاثة مبادئ: السببية، والغائية، وعدم التناقض. الكون مصمم على أن لكل شيءٍ سبباً، وكل شيء له غاية، والتناقض مرفوض في الكون.
 لو أن الإنسان فكر بما يرى ؛ فكل العناصر بالأرض على التبريد تنكمش، وعلى التسخين تتمدد، بل إن قانون التمدد أساسه أن العنصر الصُلب عندما تسخنه يصير لزج، بعد ذلك مائع، بعد ذلك سائل، ممكن بحرارات عالية جداً الصخر البازلتي يصير سائل، والبراكين سائل، في بعض الأماكن في سورية مثل اللجاة، هي أساساً فوهة بركانية، اندلع منها سائل صار صخور، فالتسخين يباعد بين الذرّات، فكل شيء إذا سخنته يتمدد، إذا بردته ينكمش إلا الماء، إذا بردته عن درجة ( +4 ) يتمدد، لولا هذه الظاهرة لما كنا في هذا المسجد، لانعدمت الحياة من على سطح الأرض.
طبعاً ليس هناك مجال لتعداد الأدلة، أما الكون بنظامه، بإعجازه، بآياته ؛ في الفلك، في السماء، في الأرض، فهو شيء مقنع وقناعة قاطعة، فكل إنسان تريد أن تبدأ معه بإقناعه بالدين تبدأ بالكون.
فإذا استنبط بعقله أن لهذا الكون إلهاً عظيماً، هذا الإله العظيم كل خلقه كامل، من لوازم كماله أن يبيّن، من لوازم كمال الله أن الله عز وجل يبين لمخلوقاته لماذا خلقهم ؟
 يأتي القرآن من خلال إعجازه تؤمن أنه كلام الله، فمن جاء بهذا القرآن ؟ رجل: اسمه محمد، لأنه جاء بشيء معجز فهو رسول الله، هذا الدور العقلي، العقل آمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وآمن بكتابه من خلال إعجازه، وآمن برسوله من خلال كتابه، هذا التسلسل المنطقي.
 الآن انتهى دور العقل وجاء دور النقل، فكل شيءٍ عجز عقلك عن إدراكه أخبرك الله به، قال لك: في جن، الجن لا يوجد دليل عقلي على وجود الجن، لكن يوجد دليل إخباري، الله أخبرنا، لأنك آمنت أن لهذا الكون إله عظيم، وهذا الإله العظيم له كتاب، ودليل كتابه إعجازه، ولهذا الإله العظيم رسولٌ كريم، ودليل رسالته الكتاب، الآن أخبرك القرآن أن هناك جن، وهناك ملائكة، وهناك يوم آخر، وهناك صراط، وهناك حَوْض، وهناك حساب، وهناك جنَّة، وهناك نار، وأن البشرية بدأت بآدم، وهكذا. ففي بالقرآن أخبار، هذه لا معنى لها إن لم تؤمن بالله، وإن لم تؤمن بأنه أنزل هذا الكتاب، وإن لم تؤمن بأنه أرسل هذا الرسول، بهذا التسلسل صار الدين منظومة متماسكة.
 أما لو فرضنا أخ من إخواننا الكرام بدأ يقنع إنسان بالملائكة، في مَلَك، سيقول له: أين المَلَك ؟ لا يمكن أن تبدأ مع إنسان، أصل الإيمان مهتز عنده بأدلة إخبارية، الأدلة الإخبارية لا تنفع إلا من آمن بالقرآن، أما قبل أن يؤمن الإنسان بالقرآن لا ينفعه إلا الدليل العلمي فقط، الدليل من آيات الله الدالة على عظمته.
ملمح لطيف كثير:

 

﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5)﴾

 

 فماذا قال الله لهم ؟ ما ذكرهم برسوله ولا بكتابه ؟ قال:

﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)﴾

 فأنت حينما ترى الأزهار، بالتأكيد لا تؤكل، فلماذا خُلِقَت ؟ وما في حيوان يستمتع بها، واحد أعطى الدابة فلة فأكلها، ما في حيوان يستمتع بالأزهار إلا الإنسان، وهذه قضية ثانوية، ليست قضية أساسية، الأزهار ليست قوتاً، معناها الإنسان عند الله مكرم أعلى تكريم، أعطاه أشياء ليستمتع بها في الأرض، ففي مليون دليل ودليل على وجوده، ووحدانيته، وكماله دليل عقلي، فإذا أيقنت أن الله كامل من لوازم كماله أن يرسل لخلقه منهجاً يسير عليه، ومن لوازم كماله أن يأتي نبيٌ كريم يطبِّق هذا المنهج كقدوة، الآن انتهى دور العقل جاء دور النقل، النقل أخبرك الله عن الأمم السابقة، وعن الأنبياء السابقين، وعن أصل خلق الإنسان، وعن مصير عالم، وعن الدار الآخرة، هذا كله إخباري، لا تبدأ بالإخباريات، الإخباريات رقم أربعة.
 إذا آمن بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، وآمن به واحداً وكاملاً وموجداً، وآمن بكتابه المُعْجِز، وآمن برسوله المؤيّد بالمعجزات، الآن تنتقل إلى المرحلة الرابعة تبلغه عن الإخباريات، فهذا الملمح التكذيب بالحق، الرد عليه:

 

﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾

 فكل نجم تراه بعينك المجرَّدة، هذه نجوم درب التبابنة، في الإحصاء حوالي عشرة آلاف، درب التبابنة فيه قريب من مائة ألف مليون نجم، هذا رقم دقيق، في عندنا بالكون مائة ألف مليون مجرة، وفي كل مجرة من مائة ألف مليون إلى مليون مليون نجم، كل ما ترى عيننا درب التبابنة، وإذا في نجوم متعلقة بعيدة جداً هذه تمثل مجرات، فمجرة أضخم من مجرتنا بسبعة وعشرين مرة، ترى من عندنا كنجم صغير، كلها نجم.

 

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)﴾

( سورة الواقعة )

 نحن وصلنا ضوء من نجم بعده عنا عشرين مليار سنة ضوئية، أيْ قبل عشرين مليار سنة، كان النجم في هذا المكان، في هذا الموقع، وانطلق الضوء منه واستمر سيره إلينا عشرين مليار سنة، الآن وصل، أين النجم ؟ فالله قال: موقع. لم يقل نجم، ولا يعرف قيمة هذه الكلمة إلا عالم فلك، قال:

 

﴿ فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ(75)﴾

 

( سورة الواقعة )

 النجم ماشي بسرعة عالية، في أدلة في الكون، في خلق الإنسان، ممكن من أجل أن تشم، عملية بسيطة جداً، واحد يعطرك ياسمين، الله يجزيك الخير، هذه كلمة ياسمين الله يجزيك الخير، هل تعرف ما فيها ؟ في عندك عشرين مليون نهاية عصبية شمِّية، كل نهاية تنتهي بسبع أهداب، كل هُدب مغَمَّس بمادة مخاطيّة، هذه المادة المخاطية تتفاعل مع الرائحة تفاعل كيماوي، يتشكل من التفاعل شكل هندسي، الشكل الهندسي يُنقل إلى الدماغ على ذاكرة شمّية فيها عشرة آلاف بند، هذا الشكل الهندسي الذي هو الرائحة يمر على البنود كلها واحدةً واحدة، أينما تطابق، تقول له: هذا ياسمين، هكذا الإنسان.
 أنت ماشي بالطريق سمعت بوق سيارة، تأتي على اليمين، بهذه البساطة ؟! بل العملية بمنتهى التعقيد، في جهاز بالدماغ، يحسب تفاضل وصول الصوتين إلى الدماغ، أنت ماشي، في أذن وأذن أخرى، السيارة على اليمين، وصل الصوت إلى هنا قبل هنا بزمن قدره واحد على ألف وستمائة وعشرين جزء من الثانية، أيْ أن الثانية قسمناها ألف وستمائة وعشرين جزء، وصل الصوت إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن بهذا الزمن، الجهاز بالدماغ يحسب تفاضل الصوتين، أين وصل الصوت أولاً ؟ هنا، معناها السيارة على اليمين، يعطي أمر فيأتي على اليسار، هذا إذا واحد سمع بوق سيارة وأتى على اليسار.
 الغدة النخامية وزنها نصف غرام، تفرز اثني عشر هرمون، كل هرمون لو اختل إفرازه تصبح حياة الإنسان جحيم، واحد من الهرمونات هو هرمون النمو، لولاه الإنسان يبقى قزم، أحد هذه الهرمونات، هرمون توازن السوائل، أنت تشرب بالنهار خمسة لترات من الماء، لو اختل هذا التوازن، يمكن الإنسان يقضي عمره كله إلى جانب صنبور الماء والمرحاض، ممكن يشرب عشرين تنكة ماء كل يوم، أما هذا الهرمون يعمل توازن لاستهلاك السوائل، شيء لا يصدق.
 فبالدماغ، بالأعصاب، بالقلب، واحد مستلقي، أراد أن يقف، بحسب قانون الجاذبية، الدم كله مستقر بالشرايين، عندما وقف لازم الدم ينزل إلى تحت، والدم ينزل من الدماغ إلى الأسفل، فالإنسان يجب أن يدوخ ويقع فوراً، فالشيء الذي لا يصدق، الإنسان إذا أزمع أن يقوم، شيء عجيب، كل الشرايين العلوية تضيق لمعتها، تحبس الدم بالرأس، هذه من يفعلها ؟ الإنسان بالسبعين أو الثمانين هذه الشوارد تضعف، إذا وقف يقع على الفور، يجب أن يقوم على مهله بالتسلسل، ينصحون الآن كل واحد متقدّم بالسن أن لا يستيقظ من الفراش فجأة، تكون هذه الآلية ضعفت، شيء لا يصدق عندما نصل إلى الدقائق.
 غدة التيموس هذه صغيرة، غدة صغيرة إلى جوار القلب، لا أحد يعلم قيمتها، أنا التقيت من يومين بأخ طبيب، قال: نحن في الجامعة درسنا على أنه ليس لها وظيفة، غدة فلتانة بجانب القلب، هذه الغدة كلية حربية بكل ما في هذه الكلمة من معنى، الكريات البيضاء المقاتلة، هذه كريات يسمونها هَمَجِيَّة، معها سلاح فتاك وهي جاهلة، فتضرب من ؟ تقتل من ؟ تدخل هذه الكريات إلى داخل الغدة لتتعلم من هو الصديق ومن هو العدو ؟ تبقى سنتان، والغدة مع التكبير الشديد على شكل مدرج، وكأن في نوع من المحاضرات، والطفل بهذه السنتين كل شيء يضعه بفمه، ليتعرف على الأجسام المضادة، بعد سنتين في فحص، فاحصين، تمر كل كرية بين الفاحصين، تعطى عنصر صديق، إذا قتلته يقتلونها، تعطى عنصر عدو، إذا لم تقتله يقتلونها، فالرسوب هو القتل، فيتخرجوا هذه الكريات البيضاء مثقفات، كانت كريات همجية أصبحت مثقفة.
 ثم كل كرية تعلم حفيداتها من هو الصديق، ومن هو العدو ؟ هذه الغدة بعد سنتين تضمر، خرجنا مائة ألف ضابط، وهذه كفايتنا، أغلقنا الكلية، تضمر، الآن عرفوها، في بالجسم آيات دالة على عظمة الله لا تنتهي.
لذلك الثابت الأول في الدين هو الكون ؛ بآياته في الآفاق وفي النفس، من يقدر يطعم طفل صغير حليب يتبدل تركيبه بالرضعة الواحدة، من يقدر ؟ بالرضعة الواحدة يبدأ الماء ستين بالمائة ينتهي أربعين بالمائة، أول الرضعة وآخرها، بين أولها وآخرها في تبدل بتركيب الحليب، وكل يوم يتبدَّل تركيب الحليب مع تبدُّل نمو الجسم، من ؟ بالحليب ساخن في الشتاء، بارد في الصيف، فيه كل مقوّمات مناعة الأم، فيه مواد مذهلة ؟ ـ الثديين ـ
وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10) ـ الثديين ـ

 

﴿ فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ(12 )﴾

 

( سورة البلد )

 هذا أول ملمح.
 الملح الثاني: تأكدوا أيها الأخوة أنه لا يوجد إنسان يضل إنسان، هذه حقيقة، لو فرضنا صف فيه خمسين طالب، في طالب فاسد، جر صديقه إلى دور السينما، هذا الصديق الذي قَبِلَ أن ينجر معه فاسدٌ مثله، لكنه فاسد بالقوّة، عندما جاء وسحبه صار فاسد بالفِعل، عنده استعداد للفساد، الآية هنا:

 

﴿ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27)﴾

 

( سورة: ق )

 أيْ أنه لا يوجد إنسان يضل إنسان، لكن الذي بدا لنا أنه أضله، الذي أُضِلّ عنده استعداد للضلال، وعنده رغبة في الضلال..

 

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾

 

( سورة إبراهيم: من آية " 22" )

﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)﴾

( سورة: ق )

 سائقٌ يسوقها إلى الحساب، وشهيدٌ يشهد عليها ما فعلته في الدنيا ؟

 

﴿ وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21)﴾

 

( سورة ق )

﴿ هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾

( سورة ق )

 أيْ أنَّ الدنيا محسوسة والآخرة موعودة، الآخرة خبر، الآخرة كلام في القرآن، فقط نص في الحديث، بالتعبير: مادة ملوَّنة على ورق، هذه الآخرة، أما الدنيا أمامك ؛ طعامها وشرابها، ونساؤها، ومباهجها ومسرّاتها وشهواتها، فالذي يترك المحسوس تصديقاً بالخير، هذا يستحق الجنَّة..

 

﴿ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾

 

 

 ثمن الجنة، لو كانت الجنَّة محسوسة أقبل الناس جميعاً عليها من دون تردد حتى الكفَّار، وحتى الملحدون والفسقة والفجاَّر، أما الجنة غيب إخباري، والدنيا محسوسة، فمن ترك المحسوس تصديقاً لما في الخبر، فقد استحق الجنَّة.
والحمد لله رب العالمين
* * *
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضا عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلَّم.
والحمد لله رب العالمين
الفاتحة
* * *
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة... ما من عقيدةٍ تشلُّ الإنسان، وتلغي عمله، وتيئّسه، وتحمله على أن يسئ الظن بالله عز وجل كعقيدة الجَبر، أن الله عزَّ وجلَّ خلق الكافر كافراً، وأجبره على المعصية، ثم يضعه في جهنَّم إلى أبد الآبدين، لا يمكن أن تقبل هذه الفكرة، ولا يمكن أن تحب الله على هذا، ولا يمكن أن تستقيم هذه الفكرة مع الأمر والنهي، لآن في أمر ونهي معناها أنت مخيَّر.
 إذا خطر على بالك لثانيةً واحدة أن الله ألغى اختيارك، وأنه قدَّر عليك كل شيء، وأنه انتهى كل شيء، وكل إنسان مصيره محدد قبل أن يولَد، هذه العقيدة تصيب الإنسان بالشلل، ويقعد، ولا يتوب، ولا يعمل، ولا يفعل، ولا يرقى، ولا يحبُّ الله عزَّ وجل، ما من عقيدةٍ أثَّرت في صُلب عقيدة المسلمين، وانعكست خمولاً، وقعوداً، وسوء ظنٍ بالله كعقيدة الجَبْر.
أولاً أيها الأخوة... علماء الأصول قالوا: لو أن ألف آيةٍ متشابهةٍ، يُشَمُّ منها رائحة الجبر، إنها كلها تحمل على آيةٍ واحدةٍ قطعية الدلالة في أن الإنسان مخيَّر، هذه قاعدة ثابتة.
 أقول لك: القمح مادة خطرة. هل أعني بهذا أنه مدمِّر ؟ ممكن مدمر، ممكن نافع، كلمة خطرة كلمة احتمالية، أقول لك بعد قليل: القمح مادة أساسية في حياة الإنسان. إذاً تفهم كلمة خطرة على أنها أساسية ـ انتهى الأمر ـ الآيات المتشابهات مهما كثُرت تحمل على الآيات المُحكمات مهما قلَّت.
في هذه السورة التي قرئت اليوم، وجزى الله عنا الإمام خيراً، قال:

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)﴾

( سورة يس )

 معنى هذا ليس له ذنب، الله عزَّ وجل جعل في أعناقهم أغلالاً إلى النار، وجعل..

 

﴿ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9)﴾

 

 

 آية ثانة:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13)﴾

( سورة السجدة )

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

( سورة الكهف: من آية " 29 " )

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

( سورة التكوير: من آية " 29 " )

 هذه الآيات المتشابهات، التي يُشَمُّ منها رائحة الجبر، تحمل على الآيات المحكمات التي تعني دلالةً قطعيةً في أن الإنسان مخير ـ دلالة قطعيَّة ـ..

 

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾

 

( سورة الأنعام: من آية " 148 " )

 هذه عقيدة مَنْ ؟ عقيدة أهل الشرك..

 

﴿ وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلا تَخْرُصُونَ(148)﴾

 

( سورة الأنعام )

 سأحاول توضيح هذه الآية التي هي مسار جدل عند المسلمين، إذا الله عزَّ وجل قنَّن، أي خلق القانون، قانون أرخميدس معروف، الجسم يطفو على سطح الماء إذا كانت كمية الماء المزاحة أقل من وزنه، ويغوص في أعماق الماء إذا كانت كمية الماء المُزاحة أكثر من وزنه، إذا كان وزنه أكثر من كمية الماء المزاحة، أنت ائت بحديدة، ضعها في الماء، تسقط فوراً، ائتِ بصحن سطحه واسع، أزاح ماء أكثر من وزنه، يطفو، فالآن البواخر العملاقة تحمل مليون طن وهي من حديد، لأنها مصممة بشكل واسع، بشكل صحن، أو بشكل جرن، تزيح ماء أكثر من وزنها إذاً تطفو، ولو كانت حاملة مليون طن، وائتِ بمسمار ألقه في الماء يغوص، لأنه أزاح من الماء وزن أقل من وزنه، إذاً يغوص، فإذا أنت ألقيت قطعة حديد في الماء وأنت كنت مقنن القانون، قلت: لقد أرسلنا هذا المسمار، لأنك أنت المقنن، انطبق عليه القانون، فقد سقط، لا أكثر ولا أقل، لأن الله عز وجل هو واضع القانون، لأنه هو الذي سَنَّ هذا القانون، هو الذي خَلَق هذا القانون فإذا قال:

 

﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالاً﴾

 

 أيْ هم حينما اختاروا الشهوة، الإنسان مخير إذ اختار الشهوة، الشهوة غلٌ في عقنه تقوده إلى هلاكه، وحبك الشيء يعمي ويصم، هؤلاء الذين أحبوا بعض الشهوات وقعوا في الفواحش، ولم يعرفوا ولم يقدروا النتائج، حينما ثارت شهوته عَمِيَ عن نتائجها، إذاً حينما يقول الله عز وجل:

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾

 أي أن قوانين الشهوة انطبقت عليه، قوانين الشهوة التي سنها الله عز وجل، والتي قننها الله عز وجل انطبقت عليهم، فبحكم قانون الشهوة، أيْ أن الشهوة تقود إلى الهلاك، وأن الشهوة تعمي وتصم، إذاً هكذا كان مصيره، عبَّر عنه علماء العقيدة بكلمة: " تحصيل حاصل "، أيْ في قوانين.
 أنت حينما ترى نملة صغيرة تمشي على سطح، وأمامها قطعة مربى، وتعلم أنها إذا وضعت أقدامها الصغير في المربى بقيت فيه، فإذا قلت: أن هذه النملة سوف يكون حالها كذا وكذا، هل أنت الذي أجبرتها على أن تكون كذا ؟ لا.. لكن أنت تعرف قانون المربى لزج، وأرجلها خفيفة، فهذا تحصيل حاصل، فأيّة آيةِ يُشَمُّ منها رائحة الجبر، يجب أن تؤَّل تأويلاً يليق بكمال الله عز وجل.

﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾

( سورة الكهف: من آية " 28 " )

 إذا إنسان ضعيف باللغة يفهم أن الله خلق فيه غفلة، " أَغْفَلْنَا " أيْ جعله غافلاً، أما لو كنت قوي باللغة، درست لغة عربية، تجد العكس، أجبنته وجدته جباناً، أبخلته وجدته بخيلاً.. وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا أي وجدناه غافلاً، إذا عزي الإضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري..

 

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾

 

( سورة الصف: من آية " 5 " )

 الأمثلة توضح تماماً: طالب جامعي رفض الدوام، وتأدية الامتحان، وشراء الكتب، وقدم له إنذار واثنين وثلاثة وخمسة، ورفض أن يقابل أمين سر الكلية، طلع قرار بترقين قيده، هذا القرار، تجسيد لرغبته بعدم الدراسة، فإذا قال: منعوني، خربوا بيتي، هم السبب، رقنوا قيدي. هذه اسمها زعبرة، لأنه حينما أصر على عدم الدراسة، وعدم أداء الامتحان، وعدم شراء الكُتُب، وعدم الاتصال بالمسؤولين، ولم يرد على أول إنذار والثاني والثالث والرابع والخامس، فلما صدر قرار ترقين قيده، هذا القرار تحصيل حاصل، هذا القرار تجسيد لرغبته.
لذلك يا أيها الأخوة... حسن الظن بالله ثمن الجنة، أحياناً الإنسان يكون في غفلة..

 

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا( 7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا( 8)﴾

 

( سورة الشمس )

 يقول لك: يا أخي الله ألهمه أن يكون فاجر. ألهمها أي جبلها جبلةً عالية جداً، جبلة راقية جداً، بحيث أنها إذا فجرت تتعذَّب، تعلم أنها فجرت فتتعذب، هذا عذاب الضمير، الشعور بالنقص، الشعور بالذنب، الكآبة، هذه كلها تعذيب الفطرة، فإذا فرضنا أن الفطرة غير سليمة في عندنا مشكلة ؛ يأتي إنسان يقتل أولاده، ثم ينام مرتاح، لم يفعل شيء، قرأت خبر في جريدة عن شخص بشمال حلب، يبدو كان مخمور، وكان في عنده مشكلة مالية، فات للبيت قتل كل أولاده، فلما صحي قتل نفسه، لم يتحمل، فلو الإنسان فطرته سيئة تجد أكبر مجرم ينام مرتاح.
 حدثني أخ بلبنان، ساكن بحي من أحياء بيروت بظاهر بيروت، يبدو أن إنسان راكب سيارته، ماشي الساعة الواحدة ليلاً، مسرع، أب أرسل ابنه لشراء علبة سجاير، الساعة الواحدة بالبقالية، هذه السيارة دهست الطفل ومات فوراً، كونه الساعة الواحدة مساء، ولا يوجد أحد، ولا يوجد أحد أخذ رقم السيارة، نجا، وكتب الحادث ضد مجهول، هذا الإنسان لم يستطع النوم ليلاً، لا يوجد أحد سأله، ولا في إنسان حاسبه، ولا في إنسان عاقبه، ولا في إنسان أدانه، ولا في إنسان عرف مَن هو الذي فعل هذا ؟ لكن عذبته فطرته، يقول: عشرين أو ثلاثين يوم ما نام ولا دقيقة، التقى مع طبيب نفسي، قال له: ادفع ديَّة الطفل إلى أهله من أجل أن تنام، لكي ينام فقط.
 الله عز وجل فطر النفس فطرة عالية جداً لو أخطأت، أحضر لك مثل أوضح: دخلت إلى البيت الساعة الواحدة، قالت لك الوالدة: يا ابني رأسي يؤلمني أريد حبة مسكن، قلت لها: الآن كله مسكِّر، فباكراً أحضره لك، طولي بالك، وأنت تعلم أنه توجد صيدليات مناوبة ويمكنك أخذ تاكسي، ثم نمت، لا ترتاح بالنوم أبداً، لو كنت إنسان آخر، تطلع من البيت، تأخذ تاكسي على صيدلية مناوبة، قال لك: والله ما في، ذهبت للثانية: لا يوجد، للثالثة أيضاً لا يوجد، الرابعة ما في، عدت ولم تحضر معك الدواء، لماذا أول يوم لا تنام، وثاني يوم تنام ؟ أول يوم عذبتك نفسك لأنها أمك، وطلبت منك دواء، وكان من الممكن أن تجد الدواء ولا رحت، أما ثاني يوم الذي عليك أديته، بالحالتين أنت لم تحضر الدواء، لكن مرة نمت ومرة لم تنم هذه معنى:

 

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا( 7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا( 8)﴾

 

( سورة الشمس )

 مرة أجروا استبيان وزعوه على ألف زوج: لماذا لا تخون زوجتك ؟ ـ وبالطبع المجتمع غربي ـ فكان الإجابات متفاوتة، أدنى إجابة كانت:
ـ لا أستطيع، لأنها تعمل معه في البقالية، هذه أقل إجابة أخلاقية، كان يتمنَّى ولكنه لا يستطيع.
ـ الإجابة الأرقى منها: لا أحتمل الشعور بالذنب.
 الذنب ضاغط، الإنسان لم يغلط يكذب، أو لما يدجِّل، أو عندما لا يكون عدل يتعذب، يقول لك: متضايق، وأي إنسان يسألك سؤال فقهي أغلب الظن كان متضايق، لو كان عمله صح مائة بالمائة لا يسألك، ما دام يسأل معناها متضايق، المستوى الأرقى:
ـ لا أحب الخيانة.
أول واحد غير قادر، الثاني لا يحتمل الشعور بالذنب يتمنى لكن الشعور بالذنب ضاغط، أما الثالث يكره الخيانة.
 فكلما مرَّت آية يشم منها رائحة الجبر، ينبغي أن تأوَّل تأويلاً يليق بالله عز وجل، لأن حسن الظن بالله ثمنه الجنة، وقبل ما في أحاديث:

 

(( وَالَّذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيَغفِرُ لَهُمْ ))

 

( من الأذكار النووية: عن " أبي هريرة " )

 أيضاً هذا الحديث يجب أن يكون له تأويل، وإلا على ظاهره مشكلة كبير جداً، على ظاهره لحقوا بالذنب يا إخوان، أما على حقيقته، أنت إذا عملت ذنب وما شعرت بشيء، وقلت: ماذا فعلنا ؟ ماذا حدث، خربت المسكونة، هل سنأكلها، قعدنا سهرنا معها، لا أكلناها ولا أكلتنا، إذا الإنسان ما عنده شعور بالذنب أبداً معناها ميت، منته عند الله، لذهب الله بكم، وأتى بقومٍ، إذا أذنب لا ينام الليل، تعذبه نفسه النقية الطاهرة.
فيا أيها الأخوة أردت أن يكون هذا اللقاء، ولا أريد أن أطيل عليكم بآخر رمضان، أن حسن الظن بالله ثمنه الجنة، أية آيةٍ يشم منها رائحة الجبر، ينبغي أن تؤوَّل تأويلاً يليق بكمال الله عز وجل.
والحمد لله رب العالمين
* * *
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام... ليلة القدر في رمضان، ورمضان على النظام الهجري، والنظام القمري والشمسي يتسايران، أيْ في بأي لحظة أو بأي ليلة على مدى العام الشمسي في ليلة قدر، خلال حِقَب طويلة، معنى ذلك أن ليلة القدر ليست ليلةً بعينها، يأتي في الصيف، وفي الربيع، وفي الخريف، وفي الشتاء، فرمضان على مدى حِقَب طويلة، ليلة القدر تكون في أي يوم من أيام السنة الشمسية، هذا الكلام يفهم منه أنه ليس هناك وقت محدد لها بقدر ما هي حالة مع الله، ليست ليلة محدَّدةً ولكنها حالة مع الله، والدليل قول الله تعالى:

 

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾

 

( سورة الأنعام: من آية " 91 " )

 فمشكلة المسلمين الأولى: أنهم عرفوا منهج الله، أو عرفوا الحلال والحرام ولم يعرفوا خالق الأكوان، فلم يلتزموا، والذي أقوله دائماً: إذا عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر، تفانيت في طاعة الأمر، أما إذا عرفت الأمر، ولم تعرف الآمر، تفننت في التفلت من هذا الأمر، مشكلة المسلمين الأولى أنهم يعرفون الحلال والحرام ولكنهم ما عرفوا الآمر، لذلك ضعف إلتزامهم، فلما ضعف إلتزامهم تخلَّى الله عنهم.
إذاً يقول الله عز وجل: إنا أنزلناه ـ القرآن الكريم ـ في ليلة القدر..

 

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)﴾

 

( سورة القدر )

 أيْ حينما وصل النبي إلى درجة عاليةٍ جداً من تقدير الله له، استحق أن ينزل عليه القرآن، والمؤمن حينما يقدر الله حق قدره يفتح الله عليه بطريقةٍ أو بأخرى، يفتح الله عليه بحسب إيمانه وإخلاصه وتقديره لله عز وجل.

﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

( سورة الزمر: من آية " 67 " )

 هذه آية أخرى، ليلة القدر هي الليلة التي تعرف حق الله عليه، الليلة التي تقدِّر الله فيها حق قدره، الليلة التي تعرف فيها أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، إذاً هي حالة، هي درجة نُضج معيَّنة في المعرفة.

 

﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)﴾

 

( سورة القدر )

هناك نقطة ثانية أود أن أعلِّق عليها:
 الإسلام الحقيقي منهج مستمر، أما الناس شاءوا له أن يكون منهج متقطع، منهج مناسبات، تجد حياته حياة غربية، لكنه يهتم بسبعة وعشرين رجب، وخمسة عشر شعبان، وبليلة القدر، وبعاشوراء، دين مناسبات وليس دين منهج مستمر، الأصح أن الإسلام دين منهج مستمر، أيْ هذه مناسبات يحتفل بها، أما الأصل أنه يطبق منهج الله طوال حياته في الصيف والشتاء وفي الربيع والخريف، وفي كل أيام العام.
بل إن الله عز وجل حينما اصطفى كما قلت في خطبة سابقة، حينما اصطفى شهر رمضان من بين الشهور كلها، ليكون هذا الصفاء الذي في رمضان مُنْسَحِباً على كل شهور العام، وحينما اصطفى بيت الله الحرام بالذات، ليكون الصفاء في هذا المكان منسحباً على كل مكان، وحينما اصطفى سيد الأكوان النبي عليه الصلاة والسلام ليكون قدوة لكل بني البشر.
 فالله عز وجل ما أراد أن نفهم الدين فهم مناسبات ؛ ليلة القدر، عاشوراء، خمسة عشر شعبان، سبعة وعشرين رجب نصوم، ونصلي ونقوم، وانتهى الأمر، فإذا دخلت عليه في غير هذه الأوقات، تجده إنسان عادي، سلوكه عادي، يعيش حياة ليست إسلامية كما ينبغي أن يكون، هذه واحدة.
 فليلة القدر حالةٌ مع الله، حالةٌ معرفيةٌ مع الله، وحالةٌ نفسية فيها إكبارٌ لله عز وجل، حالة معرفية عقلية، وحالة نفسية، فكلما جهدت في معرفة الله عز وجل، كلما قدَّرته التقدير الأعلى، ومعرفة الله عز وجل لها وسائل، من وسائلها التفكر في خلق السماوات، من وسائلها تدبر آيات القرآن الكريم، من وسائلها النظر في أفعال الله في الأرض.

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا﴾

( سورة الأنعام: من آية " 11 " )

﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(24)﴾

( سورة محمد)

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ(190)الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)﴾

( سورة آل عمران )

 أيها الأخوة... أنا حينما أقرأ بعض الآيات لا أقصد أن أشرحها شرحاً أصولياً، أنا أذكر خواطر إيمانية حول الآيات.:

 

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2)﴾

 فهل تدري عظمتها ؟

 

 

﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

 ففي أصح التفاسير: أنك إذا عبدت الله ثمانين عاماً متتاليةً، دون أن تُقَدِّر الله حق قدره، ما حصَّلت الفائدة التي تُحَصِّلها لو قدَّرت الله حق قدره، فالعبرة ليست في العبادة المستمرة بل في الرقي المستمر، لذلك فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، بالمنظور الطبيعي، فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، لعالمٌ واحد أشد من الشيطان من ألف عابد، فالعالم أدرك ليلة القدر، أما العابد طَبَّق الأمر والنهي ولم يفقه حقيقة الأمر والنهي.

 

 

﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

 من ألف شهرٍ تعبد الله من دون تقدير، في ليلة واحدة تفضل عبادة ثمانين عاماً.

 

 

﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4)﴾

 الملائكة في الإلهام، والروح في السعادة، ربنا عز وجل يملأ قلبك أمناً ورضاً وسعادة، والملائكة تلهمك وتسددك، لأنك قدَّرت الله حق قدره، وهذا يؤكده:

 

 

(( ما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه))

 

( من مجمع الزوائد: عن " أبي أمامة " )

 هكذا حال المؤمن ..

 

﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾

 أيْ إن فهمت الفجر الحقيقي، أو فهمت فجر الآخرة، فأنت حينما عرفت الله وطبقت أمره ؛ أنت في سلام إلى نهاية الحياة، هذه بعض الخواطر الإيمانية حول هذه السورة.
 قبل سنوات عديدة، هؤلاء اليهود لعنهم الله أرادوا أن يأخذوا المسلمين من المساجد ليلة القدر، بخطةٍ خبيثة ماكرة، وقد أعدوا لهذا مائة وخمسة وعشرين ضابط من أعلى مستوى ـ كوماندوس ـ وركبوا طائرتين هليكوبتر، وقعت الأولى فوق الثانية، ووقعتا على مستعمرة، فمنيت بخسارةٍ لم تتحمَّلها، ولم تمنى بها منذ أن أُسست، مائة وخمسة وعشرين ضابط، قال بعض الذين علَّقوا على هذا الحادث: هذه الليلة سلامٌ هي حتى مطلع الفجر.
 قال بعض: لقد استجاب الله لدعاء المسلمين. وفتحوا الصندوق الأسود، فإذا بالطيار الأعلى الذي فوق، يقول آخر كلمة قبل أن يموت: أنا أسقط ولا أدري لم أسقط ؟! فقد أرادوا أن يأخذوا المسلمين من المساجد ليلة القدر، وهم مجتمعون، أعدوا خطة غاية في الإحكام، ولكن الله خيَّب مسعاهم ودمَّرهم.

 

 

﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)﴾

 

 أيْ أنت في ذمة الله، وأنت في رعاية الله، وأنت في عين الله ما دمت قد عرفت الله، إنك إن عرفته ألهمك الصواب، ألهمك الحِكمة، ألهمك رُشْدَك.
 إخواننا الكرام... المصحف ستمائة صفحة، وقد استمعنا إليه كله بفضل الله تعالى في هذا الشهر الفضيل، لكن أعرابياً سأل النبي عليه الصلاة والسلام أن يعظه وألا يطيل عليه فتلى عليه آيةً واحدة:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه (8)﴾

( سورة التكاثر )

 فقال هذا الأعرابي: لقد كفيت. فقال عليه الصلاة والسلام:
" فقُه الرجل ".
 ديننا بسيط ولكننا عقدناه كثيراً، آية واحدة، أ، كل شيء محاسب عليه، ولو فعلت فعلاً بأقل من ذرة..

 

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه(7)﴾

 فهذا القرآن فيه آيات كثيرة، كل آية وحدها تكفي..

 

 

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( 1)﴾

 

( سورة النساء )

 تكفي. فلذلك أيها الأخوة لو أننا تدبرنا هذا القرآن أو بعض آياته لكُفينا.
* * * * *
 الإمام الشافعي يقول: في القرآن سورةٌ لو تدبرها الناس لاكتفوا بها، إنها سورة العصر

 

﴿وَالْعَصْرِ (1)﴾

 يقسم الله بالزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن، والذي هو رأسماله الزمن، والذي هو أثمن شيءٍ يملكه هو الزمن..

 

 

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

 مُضِيُّ الزمن يستهلكه، ولابدَّ من نهاية يخسر فيها كل ما جَمَّعَهُ في عمرٍ مديد، قال:

 

 

﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

 أي أنت إذا أنفقت الزمن إنفاقاً استهلاكياً، فأنت خاسر، أما إن أنفقته إنفاقاً استهلاكياً، ففعلت في الزمن ما ينفعك بعد مضي الزمن ؛ آمنت، وعملت، ودعوت، وصبرت، هذه أركان النجاة في الدنيا.
* * * * *
 في سورة ألهاكم التكاثر:

 

 

﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾

 

 العلماء قالوا: " نعيم الكفاية، ونعيم الأمن، ونعيم الصحة، ونعيم الفراغ، أربعُ نِعَمٍ سوف نسأل عنها، أربع نعمٍ يجب أن توظَّف في معرفة الله وفي طاعته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018