٠06رمضان 1420 هـ - خواطر إيمانية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1420 - خواطر إيمانية - الدرس : 38 - من سور الأحزاب وسبأ وفاطر - المؤمن الصادق.


1999-12-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الإخوة الكرام، يقول الله عز وجل في سورة الأحزاب:

 

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

 

[ سورة الأحزاب ]

 المؤمن الصادق هو الذي عرف الله عز وجل، وعرف أنه العليم، وأنه الحكيم وأنه الخبر، وأنه القوي، وأنه الغني، فإذا أنزل حكماً معيناً من عند الخبير، فحينما يفكر الإنسان أن يضع الحكم على بساط البحث، وأن يعرضه للمناقشة، والتقييم فهو ليس مؤمناً لمجرد أنك تضع حكم الله عز وجل في مجال المناقشة، وفي مجال التقييم فأنت لا تعرف الله إنه حكم الله.
لذلك:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

 حكم الله في المرأة الحجاب، تقول لي: نصف المجتمع، تقول لي: لازم ما تكون مقيدة، أن تنطلق، الشهوة قد تهذب، هذا كله كلام، الله عز وجل في هذا الموضوع أعطى حكم، الربا محرم:

 

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

 

[ سورة البقرة الآية: 279 ]

 الزواج هو القناة النظيفة للعلاقة بالمرأة، علاقة أخرى، بروح رياضية، مثل أختي كل هذا كلام فارغ، فلذلك:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

 وهذا معنى ما قيل عن سيدنا عمر، كان وقافاً عند كتاب الله، لأنه من عند خبير، وقال تعالى:

 

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

 

[ سورة فاطر ]

 لذلك أي قضية في الدين فيها نص قطعي الدلالة، وقطعي الثبوت، لمجرد أن تعرضه للتقييم، والأخذ، والرد، والتصويب، وعدم التصويب فأنت لا تعرف الله عز وجل، أما كلام البشر يعرض للمناقشة، وللتصويب، وللتخطيء، وما إلى ذلك، يقول الله عز وجل:

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

 

[ سورة الأحزاب الآية:72 ]

 يعني أنت أيها الإنسان لأنك من بني البشر قبلت حمل الأمانة، ولأنك قبلت حمل الأمانة سخرت لك السماوات والأرض، ولأنها سُخرت لك أنت مكلف بتزكية نفسك، وهذه الأمانة التي وردت في هذه السورة نفسك التي بين جنبيك، الجواب:

 

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

 

[ سورة الشمس ]

 يعني أنت تفلح الفلاح الحقيقي، والنجاح الحقيقي، والتفوق حينما تعرف نفسك بربها، وحينما تحملها على طاعته فقد حققت الهدف من وجدك، قضية الغيب لا يعلمه إلا الله وكل من يدعي خلاف ذلك فهو يكذب، وربنا عز وجل جاء بقضية مع سيدنا سليمان، قال:

 

﴿ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾

 

[ سورة سبأ ]

 سينا سليمان أمرهم بأمر متعب، ومهين، ومات دون أن يعلم:

﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾

 الغيب لا يعلمه إلا الله، وفي هذه الآية لا يعلم الغيب إلا الله، ممكن أن تنفي مئة ألف قصة ليس لها أصل، طبعاً العلم حرف، والتكرار ألف:

 

﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِم ﴾

 

[ سورة سبأ الآية: 16 ]

 قيس على سيل العرم، الأعاصير، والزلازل، والفيضانات، والأمطار المهلكة نزل أمطار بفنزويلا، أودت بحياة مئة ألف، وشردت مئتي ألف، أمطار، فالأمطار، والرياح والجفاف والتصحر، والزلازل، والبراكين، والحروب الأهلية:

 

﴿ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾

 

[ سورة سبأ ]

 أشجار كثيرة، ثمار قليلة، أشجار كثيرة موجة صقيع تودي بالمحصول كله، فاكهة كبيرة، الطعم غير مستساغ، الصفات الكيميائية بالفاكهة ضعفت، هذا من تقصير الناس ومن إعراضهم عن الله عز وجل، وكلمة:

 

﴿ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾

 

[ سورة هود الآية:84 ]

 قال العلماء: الخير وفرة المواد، ورخص الأسعار، قد تفتقد المواد، فهذه مشكلة وقد توجد ولا تملك ثمنها، وقد توجد، وسعرها فوق طاقتك، إذاً الخير:

﴿ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ ﴾

أي وفرة المواد، ورخص الأسعار.
 وكان سيدنا عمر رضي الله عنه كلما التقى بواليٍ من ولاته، يسأله كيف الأسعار عندكم؟ وكيف الأمطار عندكم؟.
والتوحيد واضحٌ جداً جداً في هذه الآية:

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

[ سورة فاطر الآية: 2 ]

 يعني إنسان قوي، لو أن الخلايا نمت نمواً عشوائياً في جسمه، هل في الأرض كلها قوةٌ تمنع هذا النمو؟ لا، إذا الله أراد أن يهين إنسان، أو أراد أن يمرضه، أو أراد أن يفقره، أو أراد أن يعذبه، ما في بالأرض قوة تقف أمام هذا القرار، وإن أراد أن يكرمه، لا أحد يمنع ذلك، علاقتك مع الله وحده، حينما قال الله عز وجل:

 

﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾

 

[ سورة فاطر الآية: 37 ]

 قال:

 

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

 

[ سورة فاطر الآية: 37 ]

 واحد عاش ستين سنة، يعني أدرك ستين رمضان، وستين صيف، وستين خريف وستين ربيع، وستين شتاء، وكان صغير وكبر، وذاق طعم الطفولة، وطعم الفتوة، وطعم الشباب، وطعم الكهولة، وطعم الشيخوخة، وكان ابن، وصار أب، وصار جد، وزوج، فالله عز وجل عمر الإنسان عمر يكفي لمعرفته:

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ﴾

إلى متى أنت باللذات مشغولُ  وأنت عن كل ما قدمت مسئولُ
* * *

﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الحديد الآية: 16 ]

 إلى متى؟.

 

تعصي الإله وأنت تظهر حــبه  ذاك لــعمري في المقال شنيعُ
لو كان حبك صادقاً لأطـــعته  إن المحب لـــمن يحب يطيع
* * *

 النذير؛ هو القرآن الكريم، في بيان لكل شيء بيان لأحوال أهل الجنة، وأحوال أهل النار، بيان للأمم السابقة، كيف أهلكها الله عز وجل، وبيان الحلال والحرام، والوعد والوعيد، وفي آيات كونية، وآيات تكوينية، هذا القرآن نذير، والنبي عليه الصلاة والسلام بأحاديثه الشريفة نذير، وسن الأربعين نذير، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة وسن الستين نذير، يعني:

 

 

((عبدي كبر سنك، وشاب شعرك، وانحنى ظهرك ضعف بصرك فاستحي مني فأنا أستحي منك))

 

[ ورد في الأثر]

 والمصائب نذير، أو رسالة كما قلت من قبل المصيبة رسالة لفت نظر، وموت الأقارب نذير، فالموت نذير، والمصائب نذير، والكبر في السن نذير الإنسان يكبر، يضعف بصره، يضع نظارة، يغير أسنانه، يحشيها أولاً، بعد ذلك يضع جسر، بعد ذلك يضع بدلة، بعد ذلك يحس بآلام في المفاصل، بعد ذلك آلام في الظهر بعد ذلك بروستات، بعد ذلك مرتبين متسلسلين، معه شحوم ثلاثية زائدة، وكلسترول، وأسيد أوريك، ولا يعرف يصعد الدرج، ومعه قليل من التضخم، بعد ذلك تأتي النعوة، آخر شيء، طريق لابد منه، فالله عز وجل قبل أن نلتقي به، يعطينا إنذارات، أو إشارات لطيفة، يعني عبدي أن قد قرب اللقاء، فهل أنت مستعد؟ ها هو قد ضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشاب شعرك، فماذا تنتظر، يقول الله عز وجل:

 

﴿ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ ﴾

 

[ سورة فاطر الآية: 32 ]

 هذا التقسيم الثلاثي، أصحاب اليمين، أصحاب الشمال، والسابقون السابقون السابق في الخيرات، المقتصد، الظالم لنفسه، فالإنسان الحد الأدنى أن يكون مقتصداً، أو أن يكون من أصحاب اليمين، والأولى أن يطمح لمرتبة السابقين السابقين، أما أن يكون مع الصنف الثالث من أصحاب الشمال فهذا مما نعوذ بالله أن نكون من هؤلاء، يعني هو الشيء اللطيف أن الإنسان مخلوق للجنة، مخلوق للجنة يعني مثل الخيال:

 

(( أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

 

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، عن: أبو هريرة ]

 الجنة نظامها ما في سعي، ولا في كد، ولا في تعب، ولا في قلق، ولا في خوف ولا في مرض، ولا في كبر، ولا في خرف، كل أمراض الدنيا، وكل متاعب الدنيا، وكل مشاغل الدنيا أهل الجنة في خيرٍ منها، هذه الجنة:

 

(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

 

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، عن: أبو هريرة ]

 دائرة المرئيات محدودة جداً، أما المسموعات أكبر بمليار مرة، أما الخواطر لا تعد ولا تحصى، هذه الجنة التي خلقنا من أجلها، وهي إلى أبد الآبدين قد يخسرها الإنسان لسنواتٍ معدودة، يتفلت فيها من منهج الله عز وجل، سنوات معدودة لا تزيد عن عشرين سنة بين إنسان لا يستقر، يكون له بيت، يكون له دخل، يكون له زوجة، وأولاد بالأربعينات:

 

(( مُعْتَرَكُ المنايا: ما بين الستين إلى السبعين ))

 

[ أخرجه البخاري والترمذي، عن: أبو هريرة ]

 هذا واحد إذا للستين وصل يقول ما شاء الله، يعني شبع من عمره، الآن كله بالخمسة وثلاثين، ثمانية وثلاثين، اثنان وأربعون، سبعة وأربعون، كلما مات إنسان يقول: كم عمره؟ يتفاجأ الإنسان دون الأربعين في حالات وفاة كثيرة جداً.
فمعناها الإنسان لما يكون مصمم، مهيأ نفسه للآخرة الدنيا يسعد بها لأنها مؤقتة.

 

(( من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله درا بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي))

 إنسان من دون هدف يضيع في الحياة، ويصاب بالسأم، بالهدف كل شيء يرضيك منها، بلا هدف كل شيء لا يرضيك منها، إذا جعلتها هي الأصل، وهي محط الرحال، وهي منتهى الآمال، وهي كل شيء، الحياة فيها مليون مشكلة مليون سيف مسلط على رقاب الإنسان، أقل شيء المرض، يعني الإنسان كل عظمته الموهومة على ميل وربع قطر شريانه التاجي، كل أملاكه، كل مكانته، كل شخصيته، كل هيمنته، وكل سطوته على هذه الميل والربع، متى ما ضاقوا تبدأ متاعب لا تعد ولا تحصى، وكل عظمته وهيمنته على سيولة دمه، على نمو خلاياه، متى ما تفلت نمو الخلايا انتهى، متى ما تجمد الدم بالعروق انتهى حينما يضيق هذا الشريان التاجي تبدأ متاعبه، هذه الحياة، فالعبرة أن نكسب الحياة بالعمل الصالح، ومعرفة الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018